← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وعن محمد بن علي (١) ﵄ أنه قال: "هذا الإسلام ودور دارة في وسطها أخرى، وقال: هذا الإيمان مقصور في الإسلام، وقال قال رسول الله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" قال: يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام، فإذا تاب (٢) تاب الله عليه ورجع إلى الإيمان" (٣). وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال لغلمانه: "من أراد (٤) منكم الباءة زوجناه، لا يزني منكم زان إلا نزع منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده عليه رده وإن شاء أن يمنعه منعه". (٥)

стр. 772

١١٥ - فصل لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز للإنسان أن يقول: "أنا مؤمن عند الله أو أنا مؤمن عند الله حقاً" لأنه لا يدري ما حكمه عند الله. وعلى هذا المعنى يحمل ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "من قال أنا مؤمن حقاً فهو كافر حقاً" (١). وأما ما روي عن حارثة حين قال له النبي ﷺ : "كيف أصبحت يا حارثة فقال: أصبحت مؤمناً حقاً" فإنه يحمل على أنه أراد مؤمناً حقا عن نفسي، بدليل أن النبي ﷺ قال: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك " قال: استوى عندي من الدنيا حجرها وذهبها" (٢). الخبر الذي مضى ذكره، ففسر إيمانه بما عنده من اليقين فأقره النبي ﷺ . ولا خلاف بين السلف أن الاستثناء في الإيمان على جهة الشك في التوحيد لا يجوز، لأن أقل ما يقبل من الإيمان ما لا يخالطه الشك (٣).

стр. 773

واختلف العلماء في جواز إطلاق الاستثناء في الإيمان: فمنهم من قال: لا يجوز (١)، واحتج القائلون بهذا بما روي أن ابن عمر أمر رجلاً أن يذبح له شاة، فقال: له أنت مؤمن؟ فقال: نعم إن شاء الله، فاسترد منه الشاة (٢). وذهب أكثر العلماء إلى جواز الاستثناء بأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله لا على جهة الشك، بل على معنى أنه لا يدري ما حكمه عند الله وما عاقبته عند الله. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود (٣)، وعائشة (٤). وقال ابن أبي مليكة: "أدركت كذا وكذا من أصحاب النبي ﷺ فما مات منهم رجل (٥) إلا وهو يخشى النفاق على نفسه" (٦).

стр. 774

وروي أن رجلاً قال عند عبد الله مسعود ﵁: "أنا مؤمن، فقال له ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ قال: أرجو، فقال ابن مسعود أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى" (١). وقال رجل لعلقمة (٢): "أمؤمن أنت؟. قال: أرجوا إن شاء الله" (٣). وروي أن أحمد بن حنبل سئل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه؟ قال: أما أنا لا (٤) أعيبه، وقال: إنما يستثني في العمل قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. واحتج بمساءلة الملكين في القبر للمؤمن ومجاوبتهما (٥) فيقولان له: على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث يوم القيامة إن شاء الله، ويقولان للكافر: على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث يوم القيامة إن شاء الله" (٦). وروي "أن رجلاً قال: أنكر الاستثناء في الإيمان فقال: "إنما الناس رجلان مؤمن وكافر، فقال له أحمد: فأين قول الله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وقال سمعت يحيىبن سعيد (٧) يقول: "ما أدركت أحداً إلا على الاستثناء" (٨).

стр. 775

وروي عن سفيان الثوري أنه قال: "من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال أنا مؤمن حقاً فهو بدعة، وقيل له: فماذا نقول؟ قال: قولوا آمنا بالله وما أنزل علينا" (١). وقال سفيان: "الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث ولا ندري كيف هم عند الله، وأرجو أن نكون كذلك ولا ندري ما حالنا عند الله" (٢). وكان سفيان (٣) إذا سئل أمؤمن أنت لم يجبه، أو يقول: سؤالك إياي بدعة ولا أشك في إيماني وقال إن شاء الله ليس يكره، وليس بداخل في الشك (٤). وقيل للحسن البصري: "أمؤمن أنت؟ فقال: إن شاء الله، فقيل: تستثني يا أبا سعيد في الإيمان؟ فقال: أخاف أن أقول نعم فيقول الله كذبت يا حسن فتحق علي الكلمة. فكان يقول: ما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني وقال اذهب لا أقبل لك عملا" (٥). وروى كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "ما تقولون في رجل قتل في سبيل الله. قالوا: الجنة، فقال رسول الله ﷺ إن شاء الله، قال: ما تقولون في رجل مات في سبيل الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال

стр. 776

الجنة إن شاء الله، قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان عدلان (١) ذوا عدل فقالا: لا نعلم إلا خيراً، فقالوا: الله ورسوله أعلم؟ فقال: الجنة إن شاء الله، قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان فقالا لا نعلم إلا شراً؟ فقالوا: في النار، فقال رسول الله ﷺ عبد مذنب ورب غفور رحيم" (٢). وكان الأعمش (٣) والليث (٤)، وعطاء بن السائب (٥)، وإسماعيل بن أبي خالد (٦)، وعمارة بن القعقاع (٧)، العلاء بن المسيب (٨)، وابن شبرمة (٩)، وحمزة الزيات (١٠)، يقولون: "نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني" (١١).

стр. 777

وقال إبراهيم النخعي (١): "إذا قيل لك أنت مؤمن فقل: آمنت بالله وبملائكته وكتبه ورسله" (٢). وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "من قال أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال أنا عالم فهو جاهل، ومن قال هو في الجنة فهو في النار" (٣). وقال علي ﵁: "الإرجاء بدعة والشهادة بدعة والبراءة بدعة" (٤). وقال ابن مسعود ﵁: "من شهد على نفسه أنه مؤمن فليشهد أنه في الجنة" (٥). إذا تقرر هذا فإن الاستثناء المحكي عن السلف يحتمل أربعة معان: أحدها: أنهم كرهوا الإطلاق لما فيه من التزكية، قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٦) الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧).

стр. 778

وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح قال: "ثناء الإنسان على نفسه" (١). والإيمان من أعلى صفات الحمد، وإطلاق القول به تزكية مطلقة، والاستثناء فيه خروج من التزكية كما يقال للإنسان: أنت فقير أو مفسر؟ فيقول: نعم إن شاء الله لا في معرض الشك ولكن الإخراج نفسه عن التزكية. والمعنى الثاني في الاستثناء: التأدب بذكر الله في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله تعالى، وقد أدب الله نبيه فقال: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً، إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢)، وروي أن النبي ﷺ قال: "من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام " (٣). وقال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٤) والله سبحانه عالم بأنهم يدخلون لا محالة، وأنه شاء دخولهم، وقوله إن شاء الله ليس على سبيل الشك، ولكن أدب الله نبيه والمؤمن في أن لا يتركوا الاستثناء ورد المشيئة إليه، فتأدب رسول الله ﷺ (بما أدبه الله من ذكر الاستثناء في كلامه، وروي أن رسول الله ﷺ (٥) دخل المقبرة في البقيع قال (٦): "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله (٧) بكم لاحقون" (٨). فالاستثناء منه ﷺ عائد إلى الإيمان أي على الإيمان بكم إذ (٩) الموت لا يشك فيه.

стр. 779

ومثل هذا ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب (١) له، وأنا أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة (٢) لأمتي يوم القيامة" (٣). وروي أن رجلاً قال يا رسول الله إني أصبح جنبا وإني أريد الصيام، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "وإني أصبح جنبا وأريد الصيام وأغتسل وأصبح من ذلك اليوم صائما، فقال الرجل: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" (٤). ومعلوم أن النبي ﷺ أخشاهم لله وأعلمهم بما يتقي من جهة القطع فلم يخبر بذلك عن نفسه قطعا، وإنما ربط بالرجاء والمشيئة من الله (٥).

стр. 780

والمعنى الثالث: أن الاستثناء في هذه يرجع إلى كمال الإيمان بالأعمال، لأن الناس لا يخلون من تقصير بالعمل أو من نفاق أو قلة إخلاص، ولا يرجع إلى أصل الاعتراف، فقد قال ﷺ : "الإيمان بضع وستون بابا أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " (١)، (٢). وقال ﷺ : "أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا خاصم فجر " (٣). وقال ﷺ : "أكثر منافقي أمتي قراؤها" (٤).

стр. 781

وقال ﷺ : "الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا" (١). وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "من القلوب قلب أجرد (٢)، فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب مسطح (٣) فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كالبقلة يمدها الماء العذب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المدتين غلب عليه حكم بها" (٤).

стр. 782

وقال حذيفة ﵁: "كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ يصير بها منافقاً إلى أن يموت، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشرات مرات" (١). وقال بعض العلماء: "أقرب الناس من النفاق من يرى أنه بريء من النفاق" (٢). وقيل للحسن البصري يقولون: "إن لا نفاق اليوم، فقال الحسن: يا أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطرق" (٣). وروي عنه أو عن غيره من العلماء أنه قاله: "لو نبت للمنافقين أذناب لما قدرنا أن نطأ على الأرض" (٤)، ولا ينجو من هذه الأمور إلا الأنبياء والصديقون فلذلك حسن الاستثناء". والمعنى الرابع في الاستثناء: أنه راجع إلى الشك في الخاتمة، فإنه لا يدري ما يختم له. قال النبي ﷺ : "لا تحمدوا عمل الرجل حتى تنظروا بم يختم له" (٥)، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٦).

стр. 783

وكان النبي ﷺ كلما رفع رأسه إلى السماء قال: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك" (١). وقيل: ما من نبي إلا ودعى بدعاء يوسف ﵇ "أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين" (٢). وفي الخبر عن النبي ﷺ : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا شبر (٣) فيسبق عليه كتاب الشقاوة فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار" (٤). وروي أن إبليس عَبَدَ الله خمساً (٥) وعسرين ألف سنة فكانت عاقبته في النار (٦). وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ (٧) صدقاً لمن مات

стр. 784

على الإيمان وعدلا لمن مات على الشرك (١). وكان أبو الدرداء يحلف بالله ما أحد أمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه (٢)، ويقال من الذنوب عقوبتها سوء الخاتمة … أعوذ بالله منها، وقيل: هي عقوبة دعوى الولاية والكرامة بالإفتراء (٣).

стр. 785

١١٦ - فصل: في ذكر فضائح المرجئة روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما بعث الله نبياً قبلي فاستجمعت له أمته إلا كان فيهم مرجئة وقدرية يشوشون أمر أمته من بعده ألا وإن الله لعن المرجئة والقدرية على لسان سبعين نبياً أن آخرهم" (١). وروى أبو هريرة أن ال صلىالله عليه وسلم قال: "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية " (٢). وروى حذيفة أن النبي ﷺ قال: "صنفان من أمتي في النار قوم يقولون الإيمان كلام وإن زنى وإن سرق وقتل وآخرون يقولون إن أو لينا لضلال يقولون خمس صلوات في يوم وليلة وإنهما صلاتان" (٣).

стр. 786

وقال ابن عباس: "اتقوا الإرجاء فإنه شعبة من النصرانية" (١). وقال مجاهد: "يبدؤون فيكونون مرجئة ثم يكونون قدرية ثم يكونون مجوساً" (٢). وقال محمد بن علي بن الحسين: "ما ليل بليل ولا نهار بنهار أشبه من المرجئة باليهود" (٣). وقال محمد بن يوسف (٤): "دخلت على سفيان الثوري وفي حجره المصحف وهو يقلب الورق فقال: ما أجد أبعد منه من المرجئة" (٥). روي أن عبد الملك بن مروان (٦) ذكر الحديث عن النبي صلىالله عليه وسلم، "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق"، فقال له الزهري: "أين ذهب بك يا أمير المؤمنين؟ هذا قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض (٧)، وذكروا عند الضحاك بن مزاحم من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: هذا قبل

стр. 787

أن تحد الحدود وتنز ل الفرائض (١)، قال الأوزاعي: "ثلاث هي بدعة من قال أنا مؤمن مستكمل الإيمان، ومن قال أنا مؤمن حقاً، ومن قال أنا مؤمن عند الله" (٢). ويلزم المرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل أن إبليس مؤمن لأن الله أخبر أنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (٣) وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ (٤) فأخبر الله أنه قال بلسانه أن له رباً، ويلزم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان معرفة بلا قول ولا عمل أن اليهود مؤمنون لأن الله تعالى أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ (٥) وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم وأنه خلق السموات والأرض (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَق (٧) السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٨) ويعرفون أيضاً أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر إلا الله ويدعون إلى الله أن ينجيهم وبذلك أخبر الله عنهم. وروي عن زبيد (٩) أنه قال: لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل (١٠) فحدثني

стр. 788

عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (١). وسئل ميمون بن مهران عن كلام المرجئة فقال: "أنا أكبر من ذلك" (٢)، يريد أن هذا الكلام حدث بعد ولادتي، وكذلك قال أيوب: أنا أكبر من المرجئة أول من تكلم في الإرجاء رجل يقال له الحسن بن محمد (٣) وذكروا المرجئة عند سفيان فقال: رأي محدث أدركت الناس على غيره (٤)، وقيل لابن أبي مليكة: إن قوماً يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل فغضب عبد الله بن أبي مليكة فقال: ما رضي الله لجبريل ﵇ حتى

стр. 789

فضله بالثناء على محمد ﷺ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (١). يعني محمداً ﷺ ، قال ابن أبي مليكة: أو أجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان؟ لا؟ ولا كرامة ولا حباً، قالوا: وفهدان هذا كان رجلا في وقته لا يصحوا من الشراب (٢)، ومن زعم أن من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر إن عملها وأنه كالبر التقي الذي لم يباشر من ذلك شيئاً مخالف لقول الله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣) الآية. وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٤). وروى أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي عن سفيان (٥) عن عباد بن كثير (٦) أنه قال: "استتيب أبو حنيفة (٧) مرتين قال مرة: "لو أن رجلاً قال أشهد أن لله بيتاً إلا أني لا أدري أهو هذا أو بيت (٨) بخراسان كان عندي مؤمناً، ولو أن رجلاً قال: أشهد أن محمداً رسول الله ﷺ إلا أني لا أدري أهو هذا الذي بالمدينة أو رجل بخراسان كان عندي مؤمناً" (٩)، قال الحميدي (١٠)

стр. 790

حمد بن حنبل: "من قال هذا فقد كفر" (١). روي أيضاً أن أبا إسحاق الفزاري (٢) قال، قال أبو حنيفة: "إيمان أبي بكر وإيمان إبليس واحد؛ قال إبليس: يا رب، وقال أبو بكر: يا رب" (٣). وروي عن وكيع ابن الجراح (٤) قال: اجتمع ابن أبي ليلى (٥) والحسن بن صالح (٦) وسفيان بن سعيد الثوري وشريك بن عبد الله النخعي (٧) وأرسلوا إلى أبي حنيفة

стр. 791

فجاءهم فقالوا له: "ما تقول فيمن نكح أمه وقتل أباه ورب الخمر؟ فقال: مؤمن، فقال ابن أبي ليلى: لا أقبل لك شهادة أبداً، وقال الحسن بن صالح: وجهي من وجهك حرام، وقال شريك: لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك، وقال له الثوري: كلامك علي حرام أبداً" (١). وقال سليمان بن حرب (٢): "مر أبو حنيفة بسكران فقال له السكران: يا أبا حنيفة يا مرجيء، فقال له أبو حنيفة: صدقت الذنب منى حين سميتك مؤمناً مستكمل الإيمان" (٣). قلت: وهذه مقالة شنيعة والخطأ فيها ظاهر من قائلها، وأنا أشرف أبا حنيفة من هذه المقالة، لأن الله سبحانه جعله إماماً لخلق كثير من أهل الأرض والله أكرم أن يجعل الناس تابعين في الدين لرجل من أهل النار، ولعله كان يقول بهذا ثم تاب عنه، أو حكي ذلك عن المرجئة مطلقاً فنسب إليه، كما نسب قوم (٤) لا بصيرة لهم محمد بن إدريس الشافعي ﵀ إلى الاعتزال لقوله وإشهاده من يرى أن كذبه شرك بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفوس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم فيها، وهذا جهل ممن نسب الشافعي إلى الاعتزال بهذا الكلام لأن الشافعي أراد بذلك أن من يرى كذبه شرك بالله ومعصية هم الخوارج (٥) ولم يرد أن شهادتهم

стр. 792

تقبل وإنما أراد أن شهادتهم لا ترد لأجل قولهم هذا لأنه أدعى (١) إلى قبول قولهم، والذي يخفف المأثم فيها هم المرجئة لأن الكبائر عندهم لا تضر إذا أتى التوحيد (٢)، والمعتزلة يقولون إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر (٣)، وكلهم في باب الذم واحد إلا أن منهم من يستحق اسم الكفر بقوله ومنهم من يستحق اسم الفسق ومنهم من يستحق اسم التبديع، وليس إذا قدم بعضهم على بعض في الذم يكون مدحاً لبعضهم كما قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ (٤) فلا يدل (٥) الترجيح هاهنا (٦) في أنهم أقرب مودة للذين آمنوا على انهم على حق بغير هذا بل الجميع منهم على كفر، كما أخبر عنهم في آي كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٧). أما الدليل على بطلان قول من نسب الشافعي ﵀ إلى الاعتزال فما روي عن الشافعي في كتب كثيرة صح إسنادها عنه أنه كفر القدرية، وكفر من قال بخلق القرآن وكفر الفرد (٨) بقوله. وحكى عنه المزني: هما جماعان أحدهما يوجب العقوبة في الدنيا وهو الحد والعذاب في الآخرة

стр. 793

إلا أن يغفر الله، وأراد به الزنا، وقال في الرجل إذا فر من الأسر (١) غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة فإن كان هربه على غير هذا المعنى حقت عليه إلا أن يعفو الله تعالى أن يكون قد باء بغضب من الله (٢)، وهذا تصريح منه أن مذهبه كمذهب أهل الحديث أن من ارتكب كبيرة أثم، ولكن إن شاء الله عاقبه وإن شاء عفا عنه، والمعتزلة يقولون إنه يستوجب النار ويكون خالدا مخلداً فيها (٣) وقد رمي حماد (٤) بالإرجاء "كان المغيرة (٥) يقول: حدثنا حماد قبل أن يصير مرجئاً وقال: حدثنا حماد قبل أن يفسد (٦). قال سفيان الثوري: "اتقوا هذه الأهواء قيل له: فبين لنا رحمك الله، فقال سفيان: المرجئة يقولون الإيمان كلام بلا عمل من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل الإيمان على إيمان جبريل والملائكة وإن قتل كذا وكذا مؤمنا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة وهم يرون السيف على أهل القبلة" (٧). وقال الأوزاعي من آمن وعصى إيمانه بإيمان إبليس أشبه منه بإيمان جبريل، لأن جبريل آمن وأطاع وإبليس آمن وعصى (٨). وقيل إن عون بن عبد الله بن

стр. 794

عتبة بن مسعود (١) كان مرجئاً فرجع عن الإرجاء وأنشأ يقول: لأول ما تفارق من غيرك شك … تفارق ما يقول المرجئونا وقالوا مؤمن من آل جور … وليس المؤمنون بجائرينا وقالوا مؤمن دمه حلال (٢) … وقد حرمت دماء المؤمنينا (٣) وأنشد سليمان بن منصور بن عمار (٤): أيها القائل إني مؤمن … إنما الإيمان قول وعمل إنما الإرجاء دين محدث … سنة جهم بن صفوان تحل إن دين الله دين قيم … فيه صوم وصلاة تعتمل وزكاة وجهاد لا مرئ … حارب الدين اعتدى وقتل ليس بالمستكمل الإيمان من … إن رأى صلى وإلا لم يصل اسم هذا مؤمن الإقرار لا … مؤمن حقا وحقا لم يقل إن رأي سفيان وما … كان سفيان على رأي فضل (٥)

стр. 795

١١٧ - فصل وعند أهل (١) الحديث أن الجن وإبليس خلق من خلق الله يراهم من أراه الله إياهم وقالت المبتدعة: لا حقيقة للجن، وإبليس (٢) كل رجل سوء (٣) والدليل على ما ذكرناه أن الله سبحانه أخبر بكتابه عن إبليس وَأَمْرِه له بالسجود لآدم وتكبره عن السجود وإخراجه له من الجنة وسؤاله النظرة إلى يوم القيامة، وأخبر بكتابه عن الجن بقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِن﴾ (٤) الآيات كلها في هذه السورة. ومن السنة ما روى أبو ثعلبة الخشنى أن النبي ﷺ قال: "الجن على ثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وثلث حيات (٥) وكلاب، وثلث يحلون ويظعنون" (٦).

стр. 796

وروى أبو هريرة قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أحفظ زكاة رمضان فأتى آت من الليل فجعل يحثوا من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فقال: دعني إني محتاج وحالي شديد وعلي عيال فرحمه وخلى سبيله، فلما أصبح قال النبي ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة، قال: يا نبي الله زعم أنه محتاج وحاله شديد فرحمته، فقال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فلما كان الليلة الثانية رصده فجاء يأخذه وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وزعمت أنك لا تعود وقد عدت فقال كما قال في الليلة الأولى، فرحمه وخلى سبيله، فلما أصبح قال له النبي ﷺ كما قال له في الليلة الأولى، فلما كان في الليلة الثالثة رصدهه فجاء يأخذه فقال له كما في الليلة الثانية، فقال له: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، وكانوا حريصين - على الخبر - فقال: ما هن قال: إذا أخذت مضعجك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فقال له: ما فعل أسيرك الليلة فقال: يا بني الله علمني كلمات وأخبره الخبر فقال: أما أنه قد صدقك وهو كذوب. أتدري يا أبا هريرة من تخاطب قال: لا، قال: ذلك شيطان" أخرجه البخاري (١). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢): "لما حضر أبي الوفاة كنت عنده وكان

стр. 797

يعرق مما هو فيه وبيدي خرقة أمسح بها عينيه ساعة فساعة ففتح أبي عينيه وحدق بها وأومأ بيده وقال لا بعد دفعات، فقال: يا أبت من تخاطب فقال: هذا إبليس قائماً يحضرني عاضا (١) على أنامله يقول: يا أحمد فتني فقال: لا حتى أموت" (٢).

стр. 798

١١٨ - فصل وعند أهل الحديث أن خروج الدجال حق وقالت المبتدعة الدجال كل رجل خبيث (١). والدليل على ما ذكرناه ما روى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي ﷺ قال: "لم يكن نبي بعد نوح إلا قد أنذر قومه الدجال وإني أنذركموه"، فوصفه لنا رسول الله ﷺ وقال: "لعله سيدركه بعض من رآني وسمع كلامي"، قالوا: يا رسول الله فكيف قلوبنا يومئذ، قال: "مثلها اليوم أو خير" (٢). وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "ما بعث نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب إلا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل من كره عمله" (٣)، وقال النبي ﷺ : "الدجال يخرج من أرض المشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم (٤) المجان المطرقة" (٥).

стр. 799

وقال ﷺ : "يأتي الدجال المدينة فيجد الملائكة يحرسونها فلا يدخلها الطاعون ولا الدجال إن شاء الله". (١) والدجال قد خلق وهو في الدنيا موثق بالحديد إلى الوقت الذي يأذن الله بخروجه. (٢) وعن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: "لقد أكل الطعام ومشى في الأسواق يعني الدجال" (٣). وروى أبو بكرة أن النبي ﷺ قال: " يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عاما لا يولد لهما ولد ثم يولد لهما ولد أعور أضر شيء وأقله منفعة تنام عيناه ولا ينام قلبه، ثم نعت لنا رسول الله ﷺ أبويه فقال: "أبوه طوال ضرب اللحم كان أنفه منقار وأمه امرأة طويلة اليدين" قال أبو بكرة فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا والزبير بن العوام فدخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما فقلنا هل لكما ولد فقالا: مكثنا ثلاثين عاما لا يولد

стр. 800

لنا ولد ثم ولد لنا غلام أعور أضر شيء وأقله منفعة تنام عيناه ولا ينام قلبه قال فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة وإذا له همهمة فكشف عن رأسه فقال: ما قلتما قلنا: هل سمعت ما قلنا، قال: نعم تنام عيني ولا ينام قلبي" (١). وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الأنبياء أمهاتهم شتى ويدنهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وأنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل وأنه يدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في إمارته الملل كلها (٢) غير الإسلام، ويهلك الله في إمارته (٣) المسيح الأعور الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى يرعى الأسد مع الإبل والنمر مع البقر والذئاب

стр. 801

مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، يلبث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" (١). وقيل: إنه يدفن مع النبي ﷺ ومع أبي بكر (٢) وعمر، وروي أن النبي ﷺ قال: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد" (٣).

стр. 802

١١٩ - فصل صارت المعارف مختلفة على حسب ما وجدنا السبيل إليها (١)، فعندنا أن معرفة الله سبحانه حصلت للمخلوقين مكتسبة (٢)، والعلم المتكسب هو: كل علم وقع بعد نظر واستدلال.

стр. 803

أما علمنا بادعاء النبي ﷺ النبوة فهو علم ضروري، لأنا علمنا ذلك بالنقل المتواتر الذي لا يمكن دفعه بشك وشبهة، وأما صدقه فيما ادعاه فهو علم مكتسب، لأنه فكر وتأمل ونظر (١) كعلمنا بأن العالم محدث وأن له محدثاً. وأن الموجب لذلك علينا هو السمع وهو المرشد إليها والمنبه عليها، ولا نستغني بالعقل عن السمع المنبه، كما لا يستغني في الصنائع الدقيقة واالأفعال المحكمة عن المرشد إليها والمنبه عليها، فالرسل هم المرشدون إلى ذلك والمنبهون عليه، وهم المؤيدون بالآيات والمعجزات ولا يجب علينا شيء إلا بدعائهم، ولا نستغني بالعقول عن إرشادهم، وما من عصر إلا وفيهم (٢) نبي أو شريعة نبي. قال الله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٤).

стр. 804

وقد اختلف أهل الزيغ في ذلك فمنهم من قال: إن معرفة الخلق لله حصلت ضرورة (١) ومنهم من قال: إن معرفة الخلق لله طباع (٢)، ومنهم من قال: إن معرفة الله تقع بعد البلوغ من غير تطويل بفعل الله فيه (٣)، ومنهم من قال: إن المعرفة في ذلك ليس باضطرار ولا اختيار ولا كسب وإنما هي فعل لا فاعل لها (٤)، وجميع هؤلاء يقولون: إن معرفة الله لا يصح الأمر بها، وأحالوا الأمر بها جملة، وهذه الفرق كلها فرق المعتزلة وهم موافقون للبراهمة في قولهم إنهم يستغنون بما في عقولهم عن الرسل وإرشادهم (٥)، ولهذا (٦) أبطلت المعتزلة والقدرية كثيراً من ظاهر (٧) القرآن والسنن الثابتة عن النبي ﷺ لما خالفت عقولهم الفاسدة، وأولوا ذلك على خلاف مقتضاها. والدليل على صحة ما قلنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٨)، ولم يخل العقلاء من رسل يدعونهم إليه ويدلونهم بآيات

стр. 805

يظهرها لهم أو يخاطبهم بل واسطة (١) كمخاطبته لملائكته الذين هم السفرة بينه وبين رسله، ومعرفتهم له إما بمشاهدة منهم له أو بما يجري مجرى المشاهدة مما هو أعلم بما تقع لهم المعرفة به معرفة قطعية (٢)، وعلى هذا الأمر جرى الأمر لآدم ﷺ لما خلقه بيده واسكنه جنته وقال له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة﴾ (٣) فأرشده إلى ما أباحه له، وزجره عما نهاه عنه، وعلمه الأسماء وما يتضمنه (٤) كل اسم من المعنى، ثم قضى عليه ما وقع منه وأخرجه من الجنة إلى الدنيا واخبر سبحانه عما كان منه إليه بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (٥) والنسيان إنما يكون من المكلفين فيما سبق عليهم فيه الأمر فأهبطه الله إلى الأرض بعد أن غفر له زلته، وجعله رسولاً إلى أولاده يرشدهم إليه ويدلهم على طرق الاستدلال عليه، فانقادوا لطاعته، وحصلت لهم المعرفة بالله بما نبههم عليه، فقبض بعد أن أوضح لهم السبيل، وأبان لهم الدليل، وجعلهم الحجة على ما يأتي بعده من أولادهم، واستحفظهم حجج الله، ووكلّهم بنقل ذلك إلى من بعدهم، فأقاموا على ذلك لا تلحقهم سآمة في نقله، فلما طال العهد وضعفت البصائر وثب الشيطان ودعاته يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، فبعث إليهم رسولاً يذكرونهم ما نسوا من العهد، ويدعونهم إلى ما أغفلوا من طاعة ربهم، ولم (٦) يُخْلِ الله عصراً من قائم بحجة، وأمرهم باتباعه قال الله

стр. 806

تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١) فمن قال: إن الخلق يستغنون عن الرسل، وأن معرفة اله لا يصح الأمر بها فقد خالف الكتاب وأبطله، ومن قال إن معرفة الله بالإلهام أو بالطباع أو بغير كسب المأمور يلزمه أن يقول إن الكفار الذين عاندوا الرسول ﷺ في زمانه وقتلهم أنهم مخلدون في الجنة إذا لم يكن لهم طباع أو إلهام أو لم يفطروا على المعرفة، وإلى هذا ذهب ثمامة بن أشرس النميري (٢) شيخ المعتزلة بعد إذ زعم أنه يجوز أن يكون كثير (٣) من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين في الجنة (٤)، ومن كان هذا مقتضى قوله فلا شك في كفره لمخالفته نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

стр. 807

١٢٠ - فصل معرفة الإمام من الصحابة بعد موت النبي ﷺ ليس بشرط في اعتقاد الإيمان (١)، ولو أن رجلا آمن بالله وبصفاته وبنبوة محمد ﷺ وما جاء به وبالبعث والنشور كان مؤمنا وإن لم يعرف اسم أحد من الصحابة أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ولا من كان يستحق الخلافة منهم والإمامة، بل قد منع بعض العلماء من الكلام في ذلك، واحتج بأن ذلك انقضى وحكم قد مضى فلا معنى للاشتغال به، ولعل الكلام فيه مثار الشر والتباغض في التعصب، فالإعراض من الخوض فيه أسلم من الكلام فيه (٢). وذهب أكثر أهل العلم إلى تجويز الكلام فيه وإباحته، لأنه يفيد أحكاماً في الدين ومعرفة ما كان عليه أمر الصحابة ﵃، والكلام في الإمامة من فروع الدين الومسائل الفقهية التي تكلم بها أهل العلم، ومذهب أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم إلى أن نصب الإمام واجب (٣). وقال بعض المتكلمين لو تكاف الناس عن الظلم لم يجب نصب الإمام، وهذا خطأ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على نصب

стр. 808

الإمام (١)، ولأن تكاف الناس عن المظالم مستحيل، لأن الظلم من شيم النفوس وإنما يظهره القدرة (٢) ويخفيه العجز. إذا ثبت هذا فليس من شرط الإمام الاختصاص بشيء من العلوم لا يشاركه فيها غيره، بل هو وسائر الخلق في علم الشريعة وأحكامها شيء واحد، لأن الأئمة في عصر الصحابة ﵃ (٣) لا يدعون لأنفسهم ولا يدعي لهم مدع منهم اختصاصاً بشيء من العلوم لا يشاركهم غيرهم فيه (٤). فإن قيل: إذا لم يكن الإمام يختص بشيء من ذلك فما المقصود، وما المعنى الذي نصب لأجله؟ قيل: المعنى الذي نصب الإمام أجله هو انتظام أمر الدنيا والدين، لأن نظام الدين لا يحصل إلا بانتظام الدنيا من تدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، وأخذ الحق للمظلوم، ونصب القضاة وجمع شتات الآراء وإقامة الحدود، فجملة الدنيا في حق الإمام كبلدة في حق قاض من القضاة. ولا تنعقد الإمامة إلا لمن وجدت فيه شروط منها: أن يكون ذكراً، بالغا، عاقلاً، حراً، مسلماً عدلاً، عالماً من الفقه ما يخرجه عن أن يكون مقلداً، لأن هذه الشرائط تعتبر في حق القاضي، فلأن تعتبر في حق الإمام أولى. ومن شرطه أن يكون: سميعاً بصيراً، ناطقاً، لأن الأصم والأعمى والأخرس لا يكمل لتدبير الأمور التي نصب الإمام لأجلها، ومن شرطه أن يكون: قرشياً من أي قبائل قريش كان، ولا يختص ببني هاشم وبني

стр. 809

عبد المطلب (١). وقال أبو المعالي الجويني (٢): "يجوز أن يكون من غير قريش" (٣)، وهذا خطأ والدليل عليه قوله ﷺ : "الأئمة من قريش " (٤) وقوله ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان" (٥)، (٦). ولما خطب النبي ﷺ آخر خطبة خطبها (٧) يوصي بالأنصار، فقال له

стр. 810

العباس: "يا رسول الله توصي بقريش فقال: إنما أتوصى قريشاً بالناس وبهذا الأمر وإنما الناس تبع لقريش بر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم " (١) ويدل على ذلك ان الأنصار لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وطمع من طمع منهم بذلك وطال الكلام بينهم حتى روى لهم أبو بكر (٢) وعمر ﵃ قول النبي ﷺ : "الأئمة من قريش"، فرجعوا عن قولهم واذعنوا وانقادوا، ولولا أنهم (٣) علموا صحة هذا عن النبي ﷺ لردوا ذلك وظعنوا به لا سيما في مثل هذا الموقف. وقد وقع التنازع والحجاج وإشهار السيوف (٤) وإختلاط القول، بل رجعوا (٥) وقال سعد بن عبادة وهو من رؤساء الأنصار لأبي بكر وعمر: "أنتم الأمراء ونحن الوزراء"، (٦) فثبت أن ذلك إجماع. ومن شرطه: أن يكون عالماً بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية بيضة الإسلام وما يتصل بذلك من الأمور، لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة لحق الخلل، وتتعدى الضرر إلى الأمة، وطمع بهم عدوهم، وأدى إلى إبطال ما نصب لأجله. ومن شرطه: أن لا يكون فيه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود وضرب الرقاب المستحقة، لأنه إذا لم يكن (٧) بهذه
следующие страницы →