← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١) فمن قال: إن الخلق يستغنون عن الرسل، وأن معرفة اله لا يصح الأمر بها فقد خالف الكتاب وأبطله، ومن قال إن معرفة الله بالإلهام أو بالطباع أو بغير كسب المأمور يلزمه أن يقول إن الكفار الذين عاندوا الرسول ﷺ في زمانه وقتلهم أنهم مخلدون في الجنة إذا لم يكن لهم طباع أو إلهام أو لم يفطروا على المعرفة، وإلى هذا ذهب ثمامة بن أشرس النميري (٢) شيخ المعتزلة بعد إذ زعم أنه يجوز أن يكون كثير (٣) من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين في الجنة (٤)، ومن كان هذا مقتضى قوله فلا شك في كفره لمخالفته نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

стр. 807

١٢٠ - فصل معرفة الإمام من الصحابة بعد موت النبي ﷺ ليس بشرط في اعتقاد الإيمان (١)، ولو أن رجلا آمن بالله وبصفاته وبنبوة محمد ﷺ وما جاء به وبالبعث والنشور كان مؤمنا وإن لم يعرف اسم أحد من الصحابة أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ولا من كان يستحق الخلافة منهم والإمامة، بل قد منع بعض العلماء من الكلام في ذلك، واحتج بأن ذلك انقضى وحكم قد مضى فلا معنى للاشتغال به، ولعل الكلام فيه مثار الشر والتباغض في التعصب، فالإعراض من الخوض فيه أسلم من الكلام فيه (٢). وذهب أكثر أهل العلم إلى تجويز الكلام فيه وإباحته، لأنه يفيد أحكاماً في الدين ومعرفة ما كان عليه أمر الصحابة ﵃، والكلام في الإمامة من فروع الدين الومسائل الفقهية التي تكلم بها أهل العلم، ومذهب أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم إلى أن نصب الإمام واجب (٣). وقال بعض المتكلمين لو تكاف الناس عن الظلم لم يجب نصب الإمام، وهذا خطأ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على نصب

стр. 808

الإمام (١)، ولأن تكاف الناس عن المظالم مستحيل، لأن الظلم من شيم النفوس وإنما يظهره القدرة (٢) ويخفيه العجز. إذا ثبت هذا فليس من شرط الإمام الاختصاص بشيء من العلوم لا يشاركه فيها غيره، بل هو وسائر الخلق في علم الشريعة وأحكامها شيء واحد، لأن الأئمة في عصر الصحابة ﵃ (٣) لا يدعون لأنفسهم ولا يدعي لهم مدع منهم اختصاصاً بشيء من العلوم لا يشاركهم غيرهم فيه (٤). فإن قيل: إذا لم يكن الإمام يختص بشيء من ذلك فما المقصود، وما المعنى الذي نصب لأجله؟ قيل: المعنى الذي نصب الإمام أجله هو انتظام أمر الدنيا والدين، لأن نظام الدين لا يحصل إلا بانتظام الدنيا من تدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، وأخذ الحق للمظلوم، ونصب القضاة وجمع شتات الآراء وإقامة الحدود، فجملة الدنيا في حق الإمام كبلدة في حق قاض من القضاة. ولا تنعقد الإمامة إلا لمن وجدت فيه شروط منها: أن يكون ذكراً، بالغا، عاقلاً، حراً، مسلماً عدلاً، عالماً من الفقه ما يخرجه عن أن يكون مقلداً، لأن هذه الشرائط تعتبر في حق القاضي، فلأن تعتبر في حق الإمام أولى. ومن شرطه أن يكون: سميعاً بصيراً، ناطقاً، لأن الأصم والأعمى والأخرس لا يكمل لتدبير الأمور التي نصب الإمام لأجلها، ومن شرطه أن يكون: قرشياً من أي قبائل قريش كان، ولا يختص ببني هاشم وبني

стр. 809

عبد المطلب (١). وقال أبو المعالي الجويني (٢): "يجوز أن يكون من غير قريش" (٣)، وهذا خطأ والدليل عليه قوله ﷺ : "الأئمة من قريش " (٤) وقوله ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان" (٥)، (٦). ولما خطب النبي ﷺ آخر خطبة خطبها (٧) يوصي بالأنصار، فقال له

стр. 810

العباس: "يا رسول الله توصي بقريش فقال: إنما أتوصى قريشاً بالناس وبهذا الأمر وإنما الناس تبع لقريش بر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم " (١) ويدل على ذلك ان الأنصار لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وطمع من طمع منهم بذلك وطال الكلام بينهم حتى روى لهم أبو بكر (٢) وعمر ﵃ قول النبي ﷺ : "الأئمة من قريش"، فرجعوا عن قولهم واذعنوا وانقادوا، ولولا أنهم (٣) علموا صحة هذا عن النبي ﷺ لردوا ذلك وظعنوا به لا سيما في مثل هذا الموقف. وقد وقع التنازع والحجاج وإشهار السيوف (٤) وإختلاط القول، بل رجعوا (٥) وقال سعد بن عبادة وهو من رؤساء الأنصار لأبي بكر وعمر: "أنتم الأمراء ونحن الوزراء"، (٦) فثبت أن ذلك إجماع. ومن شرطه: أن يكون عالماً بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية بيضة الإسلام وما يتصل بذلك من الأمور، لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة لحق الخلل، وتتعدى الضرر إلى الأمة، وطمع بهم عدوهم، وأدى إلى إبطال ما نصب لأجله. ومن شرطه: أن لا يكون فيه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود وضرب الرقاب المستحقة، لأنه إذا لم يكن (٧) بهذه

стр. 811

الصفة قصر عما لأجله أقيم وانبسطت أيدي الظلمة إلى الدماء واخذ الأموال وارتكاب المحارم، ولم يصل المظلوم إلى حقه. ومن شرطه: أن يكون ورعاً، وهذه أعز الصفات وأجلها وأولاها بالمراقبة وأجدرها، لأنه إذا لم يكن كذلك أخذ ما لم يحل له أخذه وارتكب المحارم. وقد قال النبي ﷺ : "ملاك دينكم الورع" (١) وليس من شرطه أن يكون معصوماً من الخطأ والزلل، عالماً بالغيب، ولا بجميع الدين حتى لا يشذ عنه شيء (٢)، وإنما كان كذلك لأن طريق العلم بالعصمة عن الخطأ والعلم بالغيب إنما يحصل من خبر الصادق وهو الشارع، ولم يرد ذلك في القرآن ولا في السنة المتواترة بالأخبار من (٣) أحد بعد النبي ﷺ ، فلم يصح اشتراط ذلك في المنصوب للإمامة، ولأنه لو احتيج إلى كونه معصوماً عن الخطأ لاحتيج أن يكون قاضيه وجابي خراجه وصدقته وأصحاب مصالحه

стр. 812

وأمراء جيوشه أن يكونوا كذلك، لئلا يفسدوا ما يتولونه من الأعمال. وفي اشتراط ذلك إبطال لنصبهم بذلك، ويدل على بطلان ذلك اعتراف الخلفاء الراشدين بأنهم غير معصومين، وترك إنكار الأمة أو واحد منهم ولا يتهم للأمر مع اعترافهم بذلك. إذا تقرر هذا ووجدت شروط الإمامة في واحد من العصر تعين العقد له وتعين له القيام والطلب، وإن وجدت هذه الشروط في أكثر من واحد فينبغي أن تعقد الإمامة للفاضل إن لم يكن هناك عذر يمنع من إمامة الأفضل لقوله ﷺ : "يؤم القوم أفضلهم " (١)، وقوله ﷺ : "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعوا " (٢)، وروي في خبر آخر "أئمتكم شفعاؤكم إلى الله فقدموا خيركم" (٣)، وقال ﷺ : "من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين". (٤) وأعظم الإمامة هي الإمامة الكبرى، لأن الإمام الأعظم أولى بإمامة الصلاة من غيره، فيجب أن يكون أفضلهم. ويدل عليه إجماع الصدر الأول على طلب الأفضل. وقال عبد الرحمن بن عوف: "لا يعدلوا بعثمان أحداً" (٥) وقول أبي عبيدة لعمر: "مد يدك لأبايعك، فقال له عمر: تقول

стр. 813

هذا وأبو بكر حاضر والله ما كان في الإسلام فَهّه (١) غيرها" (٢). فإن خيف من عقد الإمامة للفاضل فتنة جاز عقدها للمفضول، والدليل عليه أن عمر ﵁ جعل الإمامة إلى أهل الشورى وهم ستة، ولا شك أن فيهم فاضلاً ومفضولاً، وأجاز العقد لكل واحد منهم إذا (٣) أدى إلى صلاحهم وجمع كلمتهم من غير إنكار أحد، ولأن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل، فإذا خيف بإمامة أفضلهم الهرج والفساد والتغالب كان ذلك عذراً في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ولأنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المفضول على الفاضل في إمامة الصلاة فكذلك في الإمامة العظمى. فإن قيل: قد ذكرت صفة الإمام فبماذا تنعقد له الإمامة؟. قلنا تنعقد له الإمامة بأمور، منها: أن يستخلفه إمام قبله. والدليل على ذلك أن أبا بكر ﵁ وصى بالخلافة لعمر ﵁، ووصى عمر ﵁ إلى أهل الشورى ورضيت الصحابة بذلك لوم ينكروه، وأيضاً فإن الأب لما ملك النظر في أمر أولاده الصغار بحياته ملك الوصية بأمرهم إلى من بعده (٤) إذا لم يكن لهم ولي في الشرع بعده وهو الجد، فكذلك الإمام مثله.

стр. 814

وتنعقد الإمامة بعقد أهل الحل والعقد لمن وجدت فيه شروط الإمامة (١)، واختلف في عدد العاقدين فمنهم من قال: أقلهم ثلاثة، لأن ذلك أقل الجمع (٢)، وقال اكثر أهل العلم: تنعقد بواحد لأنه إذا ثبت أن فضلاء الأمة هو ولاة عقد الإمامة، وثبت أنه لا يجب اعتبار حضور جميع أهل الحل والعقد وجميع الأمصار، لأن الصحابة لم يعتبروا ذلك فيمن عقدوا له الإمامة منهم لم يتعذروا تعدد (٣) انعقاد ذلك بواحد (٤).

стр. 815

ومن شرط العاقد أن يكون ذكراً حراً بالغاً عاقلا مسلماً مجتهداً عدلاً ظاهراً وباطناً، لأنه من الأمور المهمة في الدين، فاعتبر أن يكون على أكمل الأحوال. وهل من شرط العقد أن يكون بحضوره شهود؟. اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا يعتبر حضور شهود، ومنهم من اعتبر حضور شاهدين، لأن أمر الإمامة أعظم من أمر النكاح، فإذا اعتبر الشهود في النكاح ففي الإمامة أولى، ومنهم من اعتبر حضور أربعة بعد العاقد والمعقود له (١)، لأن عمر ﵁ اعتبر ذلك في أهل الشورى، وهذا ليس بشيء لأن عمر لم يعتبر حضور الستة لذلك، وإنما أخبر أنهم أفاضل وأن الأمر لا يعدوهم ولا يتجاوزهم. وقال أصحابنا: وقد ثبتت الإمامة من وجه غير ما تقدم ذكره، فإن لم يكن هناك إمام فقام رجل له شوكة وفيه شروط الإمامة فقهر الناس بالغلبة فأقام فيهم الحق، فإن إمامته تثبت وتجب طاعته والدخول تحت حكمه، لأن المقصود قد حصل بقيامه، إلا إن قهره من هو بمثل صفته وصارت له الشوكة والغلبة فإن الأول يخلع ويصير الثاني أولى بالطاعة لما ذكرنا في الأول (٢).

стр. 816

١٢١ - فصل اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله ﷺ فذهب أهل الحديث وعلماء السلف أن الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ وهو أبو بكر الصديق ﵁ (١) - وأن إمامته ثبتت بعقد الصحابة ﵃ الإمامة له بظواهر أدلة استنبطوها من قول النبي ﷺ ، ولم ينص النبي ﷺ على إمامته ولا عهد بها إليه ولا إلى أحد من الصحابة، وأنه هو أحق الناس بالإمامة في وقته (٢) وأن الإمام الحق بعده هو عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵃، ودرجاتهم في الفضل على درجاتهم في الإمامة. وقالت الخوارج بإمامة أبي بكر وعمر وبإمامة عثمان إلى الوقت الذي ادعوا أنه أحدث، وبإمامة علي بن أبي طالب إلى أن حكّم وتبرؤوا منهما بعد ذلك (٣). وادعت فرقة منهم يقال لهم البكرية منسوبة إلى شيخ لهم يسمّى بكراً (٤)

стр. 817

أن النبي ﷺ وصى بالإمامة إلى أبي بكر ﵁ ونص عليه (١). وقالت المعتزلة بإمامة أبي بكر وعمر (٢) وفسقوا عثمان وعلياً وقاتلي عثمان وخاذليه وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وأبا موسى الأشعري (٣). وقال

стр. 818

استاذهم عمرو بن عبيد: لو شهد عندي علي بن أبي طالب على شراك نعل ما قبلت شهادته (١). وذهب فرقة الرواندية (٢) إلى أن (٣) الإمامة للعباس بن عبد المطلب، وقد نص عليه النبي ﷺ (٤). وقالت الروافض والشيعة (٥) بإمامة علي بن أبي طالب، فادعوا أن النبي ﷺ نص على إمامته نصاً لا يحتمل التأويل، ورفضوا إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وكفروا الصحابة كلهم إلا أربعة: علي بن أبي طالب وأبا ذر والمقداد وسلمان الفارسي. ثم افترقت الرافضة والشيعة في الإمامة بعد علي ﵁ على ثلاث فرق فقالت الغالية منهم: علي هو الإله وحكى أن قوماً أتوه وقالوا: أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا وإليك معادنا فقتلهم وحرقهم وهذه الفرقة يقولون هو حي وهو في السحاب (٦).

стр. 819

وقالت فرقة منهم وهم الزيدية (١): الإمامة لعلي، ثم بعده ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم علي بن الحسن، ثم زيد بن علي، ثم يحيى بن زيد (٢)، ثم محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن الذي يسمى النفس الزكية (٣)، ثم أخوه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن (٤)، ثم المثلث وهو الحسن بن

стр. 820

علي، وإنما قيل له مثلث لأنه حسن بن حسن بن حسن (١)، ثم يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن (٢)، ثم محمد بن إبراهيم (٣)، ثم بعده الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم (٤). فهؤلاء ورثة الكتاب المخصوصون بالإمامة، ثم بعد ذلك يتبعون كل قائم يقوم من ولد علي، وهم أكثر الفرق نفوراً مع كل قائم حتى إنهم ينتقلون من إمام إلى إمام. وقالت فرقة منهم: تسمى الباطنية (٥) كانت الإمامة لعلي ﵁

стр. 821

- ابتداءاً، ثم الحسين بن علي دون الحسن، لأنه أسلم الأمر إلى معاوية، ثم علي بن حسين، ثم محمد بن علي بن الحسين، ثم جعفر بن محمد (١)، ثم موسى بن جعفر (٢)، ثم علي بن موسى (٣)، ثم محمد بن علي (٤)، ثم علي (٥) بن محمد (٦)، ثم الحسن (٧)

стр. 822

ابن علي (١) وبعدهم (٢) إسماعيل بن جعفر (٣) ثم ابنه محمد بن إسماعيل (٤). وللروافض في الإمامة كلام كثير، لكنا نتكلم على إبطال ما ادعوه من النص عن النبي ﷺ ، فإذا بطل النص ثبت الاختيار. فنقول: لو كان هناك نص من النبي ﷺ على إمام بعينه بأن يقول هذا خليفتي والإمام من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا لم يخل: إما أن يكون هذا القول من النبي ﷺ بمحضر من الصحابة ممن يقع العلم بخبرهم أو كان ذلك منه بمحضر الواحد والاثنين والعدد الذين لا يقع العلم بخبرهم، فلو كان قد قال ذلك بمحضر جماعة يقع العلم بخرهم، لنقل ذلك نقل مثله ولشاع وذاع كما نقل أعداد الركعات وفرض الحج والصيام والزكاة التي لا خلاف بين الأمة في وجوبها، لأن الإمامة من الفروض العامة اللازمة

стр. 823

للجميع ولتوفرت الدواعي في كل عصر على نقل ذلك إلى يومنا هذا، وعدم ذلك يضطر إلى عدم النص منه، وإن كان قال ذلك بمحضر ممن لا يقع العلم بخبرهم فعند الروافض أن أخبار الآحاد لا توجب العمل في العبادات، فكيف توجب العمل في الإمامة، ولأنه لو كان كذلك لما وسع علياً ﵁ عنه السكوت عن الاحتجاج به، ولما وسع بني هاشم وبني عبد المطلب الإغضاء على ذلك وترك نصرة علي، وفي عدم ذلك منهم ومنه ما يدل على عدم النص، ولأنه لو كان للنص أصل لكان يؤدي إلى أن الحق بذلك خفي على عصر الصحابة ﵃ وقد قال النبي ﷺ : "لا تجمتع أمتي على الخطأ" (١)، وقوله ﷺ : "ما كان الله ليجمع هذه الأمة على الخطأ" (٢) وفي انقياد الصحابة ﵃ لأبي بكر وكونهم تحت طاعته وفيهم علي والعباس وعمار والمقداد وأبو ذر والزبير بن العوام دليل على عدم النص على غيره، ولأن كثيراً من القائلين بإمامة علي من الزيدية (٣) والمعتزلة البغدادين (٤) وغيرهم ينكر (٥) النص ويجحده مع تفضيلهم لعلي على غيره وهذا في بابه أوضح دليل على عدمه. ثم نعارض روايتهم هذه برواية البكرية أن النبي ﷺ نص على إمامة أبي

стр. 824

بكر ﵁ (١) - أو برواية الراوندية، حيث قالوا إن النبي ﷺ نص على إمامة العباس ﵁ (٢). وكل جواب للشيعة عن هاتين الروايتين فهو جواب لنا عن روايتهم في النص على إمامة علي ﵁، وعلى أن فرقة من الرافضة يقال لهم الكاملية (٣) كفروا خلقاً من الصحابة ﵃، وكفروا علياً معهم، وذلك أنهم قالوا أوصى النبي ﷺ إلى علي ﵁ فردت الصحابة أمر النبي ﷺ ، فكفروا بذلك، ولم ينازعهم علي ولم يقاومهم فكفر، وهذا يدل على أنهم أرادوا الطعن على الجميع وإبطال ما جاء به النبي ﷺ وأخبر به ويدل على عدم النص ما روى ابن عباس ﵁: "أن علي بن أبي طالب خرج من عند النبي ﷺ في وجعه الذي مات فيه، فقال له الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح النبي ﷺ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً فأخذ بيده العباس ابن عبد المطلب فقال: ألا ترى أنك بعد ثلاث عبد العصا (٤) والله إني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى في وجعه هذا، وإني لأعرف في وجوه بني عبد المطلب الموت، فاذهب إلى رسول الله ﷺ فاسأله فيمن يكون هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا، فقال علي ﵁: والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها

стр. 825

الناس أبداً، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ أبداً (١). وهذا يدل على عدم النص إذ لو له أصل لكان عندهما منه علم. وأما بيان عقد الإمامة لأبي بكر ﵁ فما روي "أن النبي ﷺ لما مات اختل الناس لموته فاعتزلت الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي ﵁ في رجال من قريش في بيت فاطمة ﵂، فقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين: يا معشر الأنصار إن تقدموا قريشاً اليوم يتقدموكم إلى يوم القيامة، وأنتم الأنصار وفيكم كتاب الله وإليكم الهجرة، وفيكم أمن رسول الله ﷺ فاطلبوا رجلاً تهابه قريش وتأمنه الأنصار، فقال القوم: وما ذاك إلا سعد بن عبادة، قال: فسعد نريد وقام أسيد بن حضير الأوسي وهو من أهل الطاعة فيهم والرأي فقال: يا معشر الأنصار إنه قد عظمت نعمة الله عليكم بأن سماكم الأنصار، وجعل فيكم الهجرة، وقبض فيكم الرسول ﷺ فاجعلوا ذلك (٢) لله شكراً، وإن هذا الأمر في قريش فمن قدموه فقدموه ومن أخروه فأخروه، فلم يقبلوا منه فلحق بالمهاجرين ثم قام عويم (٣) بن ساعدة الأنصاري فقال: "يا معشر الأنصار إن يكن هذا الأمر فيكم دون قريش فانفروا حتى نبايعكم عليه، وإن كان لهم دونكم فسلموا لهم ذلك، فوالله ما مات رسول الله ﷺ حتى عرفنا أن أبا بكر خليفته حين أمره أن يصلي بالناس فلم يقبلوا منه، فلحق بالمهاجرين فاجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ﵁ وفيهم عمر وقال عمر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، قال عمر:

стр. 826

فانطلقنا فلقينا رجلان صالحان (١) من الأنصار قد شهدا بدراً فقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا من الأنصار، قال: فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم، فقلت: والله لنأتينهم فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة بين أظهرهم رجل مزمل فقلت؟ من هذا؟ قالوا: سعد ابن عبادة، فقلت: ما شأنه فقالوا: إنه وجع، فقام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رهط منا وقد دفت إلينا منكم دافة (٢)، فإذا هم يريدون أن يخزلونا (٣) من أصلنا ويحضنونا (٤) من الأمر، قال: وقد زورت في نفسي مقالة وكنت أردت أن أقوم بها بين يدي أبي بكر، وكان أوقر مني واحلم، فلما أردت الكلام، قال: على رسلك وكرهت أن أعصيه، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم والله ما ترك كلمة كنت زورتها إلا جاء بها أو أحسن منها في بديهته ثم قال: "أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير يا معشر الأنصار فأنتم له أهل، ولكن لم (٥) تعرف العرب هذا الأمر إلا بهذا الحي من قريش وهم أوسط العرب داراً ونسباً، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح، فوالله ما كرهت مما قال شيئاً (٦) غير هذه

стр. 827

الكلمة، وكنت (١) لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر، فلما قضى أبو بكر خطبته قام رجل من الأنصار يقال له حباب ابن المنذر فقال: أنا جذيلها المحكك (٢) وعذيقها المرجب (٣) منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فقال عمر: إنه لا يصلح سيفان في غمد، ولكن منا الأمراء ومنكم الوزراء، قال: فارتفعت الأصوات وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف، فقلت: يا أبا بكر أبسط يدك أبايعك، قال: فبسط يده فبايعته بايعه المهاجرون وبايعه الأنصار. وزعم الأوس أن أول من بايعه بشير أبو (٤) النعمان، وزعمت الخزرج أن أول من بايعه أسيد بن حضر، فلما بلغ أهل السقيفة ازدحم الناس على أبي بكر ليبايعوه، فقال قائل منهم: قتلتهم سعداً، فقال عمر: قتل الله سعداً، (٥) ثم زفوه إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وكان هذا قبل دفن رسول الله ﷺ ، لأن أهله حجبوه فلما رقى أبو بكر المنبر نظر في وجوه اقوم فلم ير علياً ﵁، فسأل عنه فقام زيد بن ثابت وجماعة من الأنصار فأتوا به فقال أبو بكر: أنت ابن عم رسول الله ﷺ وختنه وأردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فبايعه (٦)، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فقال: أين الزبير، فقام زيد وجماعة فجاؤوا به فقال له: أنت ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه وأردات أن تشق عصا المسلمين، فال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ثم

стр. 828

بايعه، ثم رجع علي ﵁ إلى بيته وأقام حيناً من الدهر يسكن فاطمة ﵂ من حزنها على أبيها إلى أن مرضت وماتت، فلما فرغ من دفنها - رحمة الله عليها - جاء إلى أبي بكر ﵁ فبايعه ثانياً البيعة المشهورة" (١). فنحن نقول لما بايع عمر ﵁ أبا بكر انعقدت له الإمامة لا بمجرد مبايعته ولكن لتتابع الأيدي إلى المبايعة لسبب مبادرته، ولو لم يبايعه عمر وبقي الناس مخالفين وانقسموا انقساماً لا يتميز فيه الغالب من المغلوب لما انعقدت إمامته، لأن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المبايعة ومطابقة البواطن والظواهر على ذلك المقصود الذي يراد له الإمام، وهو جمع شتات الآراء ولا تتفق الإرادات المتناقضة على مبايعة ذي رأي واحد إلا إذا ظهرت شوكته ورسخت في النفوس رهبته ومهابته ولم يخالفه إلا من لا يكترث بمخالفته (٢).

стр. 829

ومما يدل على تقديم أبي بكر ﵁ أن رسول الله ﷺ لما مرض مرضه الذي توفي فيه أغمي عليه ذات يوم في مرضه فأفاق فقال: "حضرت الصلاة قالوا: نعم قال: مروا بلالا فليؤذن وأمروا أبا بكر فليصل بالناس، ثم أغمي عليه فأفاق وقال مثل ذلك، فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فأمر عمر فليصل الناس، فقال مثل قوله الأول فقالت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف (١) ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فأمر عمر قليصل بالناس، فقال مثل قوله الأول فقالت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فأمر عليا (٢) فليصل بالناس، فقال: إنكن صواحبات يوسف مروا بلالاً فليؤذن وامروا أبا بكر فليصل بالناس" (٣). وروى عبد الله بن زمعة قال: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعة الذي مات فيه كنت عنده ونفر من المسلمين فبينا نحن كذلك إذ دعى بلال إلى الصلاة فقال رسول الله ﷺ : "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فخرجت فإذا بعمر بن الخطاب في الناس وكان أبو بكر غائباً عنهم، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ في عهده يقدم على أبي بكر وعمر، فقلت في نفسي إن كان أبو بكر غائباً فهاهنا عمرفقلت: يا عمر صل بالناس، قال فقام وكبر وكان جهوري الصوت فسمع النبي ﷺ صوته فقال: أين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون إلا أبا بكر، يأبى الله ذلك والمسلمون إلا أبا بكر، فبعث إلى أبي بكر فجاء من حيث كان وصلى بالناس بعد ذلك سبعة أيام" (٤). وفي بعض الروايات أنه أقام يصلي

стр. 830

بالناس سبعة عشر يوماً (١). قال عبد الله بن زمعة: فقال لي عمر ويحك ماذا صنعت بي يا عبد الله ما ظننت إلا أن رسول الله ﷺ أمرك أن تامرني، قلت: والله ما أمرني بذلك وإنما أمرني إلى أبي بكر فحين لم أره رأيتك أولى من حضر بالصلاة بالناس" (٢). ثم إن رسول الله ﷺ وجد في نفسه عند صلاة الصبح يوم العاشر خفة فخرج يهادي بين الفضل بن العباس وأسامة بن زيد (٣) عاصباً رأسه، وأبو بكر يصلي بالناس، ففرح الناس بدخوله ﷺ ، فلما أحسن به أبو بكر ذهب ليستأخر فنكص عن مصلاه، فدفع النبي ﷺ في ظهره وقال: صل بالناس وجلس إلى جنبه قاعداً عن يمينه (٤).

стр. 831

وفي رواية أن النبي ﷺ كان يصلي بأبي بكر، وأبو بكر يصلي بالناس (١)، وكان ذلك بحضور علي ﵁. وروي أن عبد الله بن الكوا (٢) وقيس بن عباد (٣) دخلا على علي بن أبي طالب ﵁ بعدما فرغ من قتال الجمل فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت، فإن كان رأياً رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهداً عهد إليه رسول الله ﷺ فأنت الموثوق المأمون على رسول الله ﷺ يحدث عنه. قال: فتشهد علي وكان القوم إذا تكلموا تشهدوا، فقال: أما أن يكون عندي عهد من رسول الله ﷺ فلا والله، ولو كان عندي عهد من رسول الله ﷺ ما تركت أخاتيم بن مرة ولا ابن الخطاب على منبره ولو لم أجد إلا يدي هذه، ولكن نبيكم ﷺ نبي رحمة لم يمت فجأة ولم يقتل قتلاً مرض ليالي وأياماً يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فيقول: مروا أبا بكر فليصل بالناس وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله ﷺ نظرنا في أمرنا فإذا الصلاة عضد الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا فولينا الأمر أبا بكر فأقام أبو بكر ﵁ بين أظهرنا الكلمة جامعة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد أحد منا على أحد بالشرك، وكنت والله آخذ إذا أعطاني وأغزوا

стр. 832

إذا أغزاني وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، فلما حضرت أبا بكر الوفاة ولاها عمر ﵁، فأقام عمر بين أظهرنا الكلمة جامعة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد أحد منا على أحد بالشرك، فكنت والله آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، فلما حضرت عمر الوفاة ظن أنه إن يسختلف خليفة فيعمل ذلك بخطيئة إلا لحقت عمر في قبره، فأخرج منها ولده وأهل بيته وجعلها في ستة من أصحاب النبي ﷺ ، فكان فينا عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لكم أن أدع نصيبي على أن أختار لله ولرسوله وآخذ ميثاقاً على أن نسمع ونطيع لمن ولاه أمرنا، فضرب بيده يد عثمان ﵄ فبايعه، فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لعثمان، فابتعت عثمان ﵁ بطاعته حتى أديت له حقه (١). وروي الحسن البصري عن علي ﵁ أنه قال: "قدّم رسول الله ﷺ أبا بكر فصلى بالناس وقد رأى مكاني وما كنت غائباً ولا مريضاً، ولو أراد أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا" (٢). وروي شقيق (٣) بن سلمة أنه قال: قيل لعلي ﵁ "استخلف علينا فقال: ما أستخلفت ولكن إن يرد الله بهذه الأمة خيراً يجمعهم على خيرعم كما جعهم بعد رسول الله ﷺ على خيرهم" (٤).

стр. 833

وروي أنه قيل: لعبد الله بن أبي أوفى: "هل أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قيل: فكيف أمر المسلمين بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله، وقال (١): أبو بكر يتوثب على وصي رسول الله ﷺ ؟ ودّ أبو بكر أنه وجد عهداً من رسول الله ﷺ فخزم (٢) أنفه منها بخزامة". (٣) ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول﴾؟ الآية، وهذا خطاب للصحابة ﵃". (٤) لأنهم هم المستخلفون الله عنهم -، ثم قال بعدها: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (٥) الآية، قال الضحاك: "هذا العهد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ لأنهم هم المستخلفون بعد النبي ﷺ ، وقد أنجز له ما وعدهم وجعلهم خلفاء بعد نبيه ﷺ ، ومكن لهم في الأرض ففتحوا الفتوح وغنموا الغنائم وسبوا الذراري، وكان سيف أبي بكر ﵁ في أهل الردة سيف حق، وسيف علي ﵁ في الخوارج سيف حق، وظهر بهم في دين الله بعد نبيه ﷺ .

стр. 834

يؤيد ذلك ويوضحه ما روى أبو بكرة وسفينة أن النبي ﷺ قال: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا" قال سفينة: أمسك (١)، "خلافة أبي بكر سنتين وعمر عشراً وعثمان اثنتي عشرة وعلي ستاً". (٢) وروى عبد الله عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "ليكونن منكم اثنا عشر خليفة أبو بكر الصديق لا يلبث إلا قليلاً، وصاحب رحادارة العرب يعيش حميداً ويموت شهيداً فقال رجل: من هو يا رسول الله، فقال: عمر بن الخطاب، ثم التفت النبي ﷺ إلى عثمان، فقال: يا عثمان وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصاً كساكه الله فلا تخلعه، فوالذي نفسي بيده لإن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" (٣). ويدل على ما قلناه قول النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" (٤). فسمى الخلفاء بعده الراشدين، وأمر باتباع سنتهم، ولم يكن بعده من الخلفاء إلا هؤلاء الأربعة، فدل على أن خلافتهم خلافة حق.

стр. 835

ومما يدل على خلافه أبي بكر وعمر ﵄ من القرآن قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (١)، وهذه الآية نزلت في المخلفين من الأعراب عن النبي ﷺ في غزوة الحديبية، فقيل إن القوم الذين وصفهم الله بأولى بأس شديد هم أهل اليمامة (٢)، (٣) جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار والذي دعى إلى قتالهم وقاتلهم هو أبو بكر ﵁، وقيل: إنهم فارس وقد قاتلهم عمر ﵁ فوعد الله المطيع على قتالهم أجراً حسناً، وأوعد من أعرض عن قتالهم عذاباً أليماً. فدل على أن الداعي لهم إلى قتالهم محق فيما دعاهم إليه (٤). ومما يدل على خلافة أبي بكر ﵁ ما روي عن جبير بن معطم: "أن امرأة أتت النبي ﷺ فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول الله أرأيت إن لم أجدك كأنها تعرض بالموت فقال لها: "إن لم

стр. 836

تجديني فأت أبا بكر" (١). وروي أن النبي ﷺ قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٢) ومما يدل على صحة إمامة أبي بكر ﵁ أن الله أثنى على أصحاب رسول الله ﷺ بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ (٤)، الآية، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥). ومعنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أي: أنتم خير أمة (٦)، ويقال: أراد كنتم في اللوح المحفوظ (٧)، ويقال: في علم الله (٨).

стр. 837

وقال النبي ﷺ : "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" (١) وهؤلاء الذين أثنى الله عليهم بايعوا أبا بكر ﵁ وأطاعوه وانقادوا له وسموه خليفة رسول الله ﷺ ، فمن قال: إن خلافة أبي بكر كانت باطلاً فقد ضلل من أثنى الله عليه وشهد لهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فدل على أن ما أمروا به معروف. فإن قيل: فما الدليل على أن أبا بكر بصفة من تعقد له الإمامة، وما المعاني التي اقتضت تقديمه على غيره في عصره؟. قيل: أما سببه ونسبه فلا ينكره منكر (٢)، وظهر من النبي ﷺ معان تدل على تقديمه على غيره، وظهرت من أبي بكر ﵁ في حياة رسول الله ﷺ وعند موته أمور تدل على علمه وشجاعته وقوة عزيمته. فأما ما ظهر للصحابة من النبي ﷺ فما ذكرناه من تقديم النبي ﷺ له في الإمامة بالصلاة وتعظيمه لأمره بذلك، وقوله لعائشة وحفصة: "إنكن لصواحب يوسف" حين راجعنه في إمامة غيره (٣)، وقوله مع ذلك "يأبى الله ورسوله والمسلمون إلا أبا بكر" (٤)

стр. 838

مع قوله الله ﷺ : "يوؤ القوم خيرهم" (١). وقوله: "أئمتكم شفعاؤكم" (٢) وقوله: "من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله" (٣) وقوله ﷺ : "ما من نبي يموت حتى يؤمه رجل من قومه" (٤)، وقد أمَّ أبو بكر بالنبي ﷺ في الصلاة (٥). وروى عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذاَ أحداً من أهل الأرض خليلاً لأتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلاً ﵁ ولكن خلة الإسلام أفضل سدوا عني كل خوجة غير خوجة أبي بكر" (٦) وروي ابن عباس: "أن النبي ﷺ خرج عاصباً رأسه بخرقة في مرضه الذي توفي فيه فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه

стр. 839

فقال: ليس أحد أمنّ عليّ بنفسه وماله من أبي بكر" (١)، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر" قال: فبكى أبي بكر وقال: "يا رسول الله أنا ومالي لك" (٢)، قالت عائشة (٣): كان مال أبي بكر (٤) قد بلغ الغاية (٥) ألف أوقية فضة لم يزد عليها مال قرشي فأنفق ذلك كله في الله (٦) وقالت: "كان بلغ ماله في الجاهلية ألف ألف أوقية ففخرت بذلك، فقال النبي ﷺ : "اسكني يا عائشة إني كنت لك كأبي زرع لأم زرع" (٧). وروي أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن للجنة ثمانية أبواب فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب

стр. 840

الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وهو باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر: ما على من دعي من تلك الأبواب كلها من ضرورة، وهل يدعى أحد منها كلها، فقال رسول الله ﷺ نعم وأرجو أن تكون منهم" (١). وروي عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله: من أحب الناس إليك قال: "عائشة فقال: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال، قال: أبوها قال ثم من؟ قال: ثم عمر" (٢). وروي أن النبي ﷺ قال: "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته ونقلني إلى دار الهجرة وأعتق بلالاً من ماله" (٣). وروي أنه لما خرج رسول الله ﷺ هارباً من أهل مكة خرج ليلاً فتبعه أبو بكر ﵁ فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، فقال له رسول الله ﷺ : ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك، قال: يا رسول الله اذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك، لا

стр. 841

آمن عليك، قال فمشى رسول الله ﷺ ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآه قد حفيت رجلاه حمله على كاهله وجعل يشتد به، حتى أتى به الغار فأنزله، وقال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله، وكان في الغار خروق فيهن حيات وأفاعي، فشق أبو بكر ﵁ ثوبه فحشى في كل خرق منها قطعه من ثوبه، فبقي خرق فوضع أبو بكر عقبه عليه فجعلت الحيات والأفاعي تضربه وتلسعه، وجعلت دموعه تنحدر ورسول الله ﷺ يقول: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا" (١). فلما أصبح قال له النبي ﷺ : يا أبا بكر ما صنع ثوبك فأخبره بما صنع به فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة فأوحى الله إليه أني قد استجبت لك" (٢).

стр. 842

وروي أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت: "هل قلت في أبي بكر؟ "، قال نعم قال: "قل وأنا أسمع"، فقال: وثاني اثنين في الغار المنيف … وقد طاف العدو بهم إذ أصعدوا الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا … من البرية لم يعدل به رجلا فتبسم رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: "صدقت يا حسان" (١). ومما يدل على تقديم أبي بكر ﵁ في الفتيا بحضرة النبي ﷺ ما روى أبو قتادة أنه قال: لما التقى المسلمون بالمشركين يوم حنين كانت للمسلمين جولة يعني اضطراباً فرأيت رجلاً من المشركين وقد علا رجلا من المسلمين فاستدبرت له من روائه فضربت على حبل عنقه بالسيف، فأرسله ورجع إلي فضمني ضمة شممت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني ثم رجعنا، فقال النبي ﷺ : "من قتل قتيلاً له به بينة فله سلبه" فقمت وقعدت (٢)، فقال النبي صلىالله عليه وسلم: "أبا قتادة؟ " فقلت: قتلت رجلاً فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك الرجل عندي فارضه منه، فقال أبو بكر: لاها الله إذا (٣) لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن

стр. 843

رسوله فيعطيك سلبه أردده، فقال رسول الله ﷺ : "صدق فأعطه إياه" فأعطاني، فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً (١) في بني سلمة، فإنه أول مال تأثلته (٢) في الإسلام" (٣) ولا يتقدم في الفتيا بمحضر النبي ﷺ إلا من له منزلة في العلم. وروي أن النبي ﷺ خطب يوماً فقال: "إن رجلاً خيره ربه بين أن يعيش، في الدنيا ما شاء الله (٤) أن يعيش ويأكل في الدنيا ما شاء أن يأكل، وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه"، فبكى أبو بكر ﵁ وقال: فديناك يا رسول الله بأبائنا وأمهاتنا، فقال أصحاب النبي صلىالله عليه وسلم: ألا تعجبون من هذا الشيخ ذكر رسول الله ﷺ رجلاً صالحاً خيره الله بين لقاء ربه فاختار لقاء ربه، فكان أبو بكر هو أعلمهم بما قال رسول الله ﷺ ، لأنه أراد ﷺ أنه هو الذي خيره الله، فقال رسول الله ﷺ : "ما من أحد أمنّ إلينا في صحبته وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذته خليلاً" (٥). وروى أبو الدرداء قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا امشي أمام أبي بكر ﵁ فقال: "يا أبا الدرداء أتمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة؟ ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر" (٦).

стр. 844

وروي أن أبا بكر (١) ﵁ أول من أسلم. وروي أنه سئل ابن عباس من أول من أسلم؟ فقال: أبو بكر ﵁ أما سمعت قول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأفضلها … إلا النبي وأولاها بما حملا والثاني التالي المحمود شيمته … وأول الناس منهم صدق الرسلا (٢) وروي عن ابن مسعود أنه قال: "أول من ظهر الإسلام سبعة النبي ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه وصهيب وبلال والمقداد (٣)، وروي أبو سعيد الخدري: "أن أبا بكر قال لعلي ﵄: قد علمت إني كنت في هذا الأمر قبلك قال: صدقت يا خليفة رسول الله فمد يده فبايعه، فلما جاء الزبير قال له

стр. 845

أبو بكر: قد علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك قال: صدقت، فمد يده فبايعه (١). وأما ما ظهر من أبي بكر ﵁ من العلم وشدة الجأش بعد موت النبي ﷺ فما روي أن النبي ﷺ لما مات ارتجت المدينة واختل الناس وأفحموا ودشهوا وطاشت عقولهم وذهلوا، فروي أن عمر ﵁ كذب بموته وقال: ما مت رسول الله ﷺ وليرجعنه الله (٢) وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم من المنافقين يتمنون موت رسول الله ﷺ ، وإنما وعده ربه كما وعد موسى ربه وهو آتيكم (٣). وأما علي ﵁ فإنه قعد في البيت ولم يبرح، وأما عثمان فجعل لا يكلم أحداً حتى أنه يؤخذ بيده فيذهب به ولا يعقل، وكان أبو بكر ﵁ بالسنح (٤) وتواتر أهل البيت إليه بالرسل، فلما أخبر بموت رسول الله ﷺ أقبل وعيناه تهملان وغصصة تترجع في حلقة، وهو مع ذلك ثابت العقل حتى دخل على رسول الله ﷺ فكشف عن وجهه وقبله، وقال: يأبى وأمي طبت حيا وميتا انطقع الوحي بموتك ما لم ينقطع بموت أحد من الأنبياء فعظمت عن الصفة (٥) وجللت عن البكاء بكلام له طويل، ثم خرج والنبي ﷺ مسجى، فقام في الناس خطيبا فخطب خطبة خللها بالصلاة على
следующие страницы →