← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

آمن عليك، قال فمشى رسول الله ﷺ ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآه قد حفيت رجلاه حمله على كاهله وجعل يشتد به، حتى أتى به الغار فأنزله، وقال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله، وكان في الغار خروق فيهن حيات وأفاعي، فشق أبو بكر ﵁ ثوبه فحشى في كل خرق منها قطعه من ثوبه، فبقي خرق فوضع أبو بكر عقبه عليه فجعلت الحيات والأفاعي تضربه وتلسعه، وجعلت دموعه تنحدر ورسول الله ﷺ يقول: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا" (١). فلما أصبح قال له النبي ﷺ : يا أبا بكر ما صنع ثوبك فأخبره بما صنع به فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة فأوحى الله إليه أني قد استجبت لك" (٢).

стр. 842

وروي أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت: "هل قلت في أبي بكر؟ "، قال نعم قال: "قل وأنا أسمع"، فقال: وثاني اثنين في الغار المنيف … وقد طاف العدو بهم إذ أصعدوا الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا … من البرية لم يعدل به رجلا فتبسم رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: "صدقت يا حسان" (١). ومما يدل على تقديم أبي بكر ﵁ في الفتيا بحضرة النبي ﷺ ما روى أبو قتادة أنه قال: لما التقى المسلمون بالمشركين يوم حنين كانت للمسلمين جولة يعني اضطراباً فرأيت رجلاً من المشركين وقد علا رجلا من المسلمين فاستدبرت له من روائه فضربت على حبل عنقه بالسيف، فأرسله ورجع إلي فضمني ضمة شممت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني ثم رجعنا، فقال النبي ﷺ : "من قتل قتيلاً له به بينة فله سلبه" فقمت وقعدت (٢)، فقال النبي صلىالله عليه وسلم: "أبا قتادة؟ " فقلت: قتلت رجلاً فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك الرجل عندي فارضه منه، فقال أبو بكر: لاها الله إذا (٣) لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن

стр. 843

رسوله فيعطيك سلبه أردده، فقال رسول الله ﷺ : "صدق فأعطه إياه" فأعطاني، فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً (١) في بني سلمة، فإنه أول مال تأثلته (٢) في الإسلام" (٣) ولا يتقدم في الفتيا بمحضر النبي ﷺ إلا من له منزلة في العلم. وروي أن النبي ﷺ خطب يوماً فقال: "إن رجلاً خيره ربه بين أن يعيش، في الدنيا ما شاء الله (٤) أن يعيش ويأكل في الدنيا ما شاء أن يأكل، وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه"، فبكى أبو بكر ﵁ وقال: فديناك يا رسول الله بأبائنا وأمهاتنا، فقال أصحاب النبي صلىالله عليه وسلم: ألا تعجبون من هذا الشيخ ذكر رسول الله ﷺ رجلاً صالحاً خيره الله بين لقاء ربه فاختار لقاء ربه، فكان أبو بكر هو أعلمهم بما قال رسول الله ﷺ ، لأنه أراد ﷺ أنه هو الذي خيره الله، فقال رسول الله ﷺ : "ما من أحد أمنّ إلينا في صحبته وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذته خليلاً" (٥). وروى أبو الدرداء قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا امشي أمام أبي بكر ﵁ فقال: "يا أبا الدرداء أتمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة؟ ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر" (٦).

стр. 844

وروي أن أبا بكر (١) ﵁ أول من أسلم. وروي أنه سئل ابن عباس من أول من أسلم؟ فقال: أبو بكر ﵁ أما سمعت قول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأفضلها … إلا النبي وأولاها بما حملا والثاني التالي المحمود شيمته … وأول الناس منهم صدق الرسلا (٢) وروي عن ابن مسعود أنه قال: "أول من ظهر الإسلام سبعة النبي ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه وصهيب وبلال والمقداد (٣)، وروي أبو سعيد الخدري: "أن أبا بكر قال لعلي ﵄: قد علمت إني كنت في هذا الأمر قبلك قال: صدقت يا خليفة رسول الله فمد يده فبايعه، فلما جاء الزبير قال له

стр. 845

أبو بكر: قد علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك قال: صدقت، فمد يده فبايعه (١). وأما ما ظهر من أبي بكر ﵁ من العلم وشدة الجأش بعد موت النبي ﷺ فما روي أن النبي ﷺ لما مات ارتجت المدينة واختل الناس وأفحموا ودشهوا وطاشت عقولهم وذهلوا، فروي أن عمر ﵁ كذب بموته وقال: ما مت رسول الله ﷺ وليرجعنه الله (٢) وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم من المنافقين يتمنون موت رسول الله ﷺ ، وإنما وعده ربه كما وعد موسى ربه وهو آتيكم (٣). وأما علي ﵁ فإنه قعد في البيت ولم يبرح، وأما عثمان فجعل لا يكلم أحداً حتى أنه يؤخذ بيده فيذهب به ولا يعقل، وكان أبو بكر ﵁ بالسنح (٤) وتواتر أهل البيت إليه بالرسل، فلما أخبر بموت رسول الله ﷺ أقبل وعيناه تهملان وغصصة تترجع في حلقة، وهو مع ذلك ثابت العقل حتى دخل على رسول الله ﷺ فكشف عن وجهه وقبله، وقال: يأبى وأمي طبت حيا وميتا انطقع الوحي بموتك ما لم ينقطع بموت أحد من الأنبياء فعظمت عن الصفة (٥) وجللت عن البكاء بكلام له طويل، ثم خرج والنبي ﷺ مسجى، فقام في الناس خطيبا فخطب خطبة خللها بالصلاة على

стр. 846

رسول الله ﷺ وقال فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء، وأشهد أن الكتاب كما أنزل، وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدث" (١) في كلام طويل، ثم قال: "أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣). قال عمر: "والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله قبل الآن" (٤). فرجعوا صابرين محتسبين بقوة نفوس وسكون جاش في الدين، ولو لم يظهر منه غير هذا لكان ذلك كافياً في الدليل على علمه وفضله، ثم لما عقدت له الخلافة نادى مناده في المدينة بخروج جيش أسامة الذي كان النبي ﷺ أمر بخروجه فاجتمع إليه قوم من الصحابة ﵃ فقالوا له: إن هذا الجيش فيه الحامية من نقباء المهاجرين والأنصار، وإن أهل الردة قد اطلعوا رؤوسهم وساقبوا (٥) المدينة فانتظر بانفاذه (٦) انكشاف الردة فقال: "والله لأن أخر من السماء على أم رأسي فتخطفني الطير وتنهشني السباع أحب إلي من أن أكون أول حال عقده رسول الله ﷺ . أنفذوا جيش أسامة

стр. 847

وأمرهم بالخروج (١)، فسأل نقباء المهاجرين والأنصار عمر أن يسأل أبا بكر أن يصرف أسامة ويولي من هو أسن منه وأدري بالحرب فسأله عمر ذلك، فقال أبو بكر: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب وعدمتك، أيوليه رسول الله ﷺ وتأمرني أن أعزله؟ والله لا يكون ذلك أبداً فشيعهم أبو بكر حافياً والعباس معه ومن بقي من الصحابة في المدينة فما زال يدعوا لهم ويؤمن العباس ومن معه على دعائه وأسامة يقول: إما أن تركب يا خليفة رسول الله أو أنزل وهو يقول: لا أركب ولا تنزل وماذا عليّ أن تغبر قدماي في سبيل الله فنفذ الجيش وفتح وغنم ورجع في نيف وستين يوماً ولقي بهم أهل الردة" (٢). ومن فضائله أن العرب لما ارتدت ومنعت الزكاة وقالوا لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكر لأن الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٣)، وصلاة النبي ﷺ هي التي كانت طهارة وزكاة دون ابن أبي قحافة، فعزم على قتالهم، فقال له عمر: كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها"، (٤) فقال أبو بكر: "الصلاة من حقها والزكاة من حقها، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عناقاً (٥)، وروي عقالاً (٦) مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه (٧)، فرجع عمر وباقي الصحابة إلى قوله وعلموا أن الحق بقوله، وهذا يدل على أنه كان أفقه منهم، وأشجع منهم ولو لا قتاله مانعي الزكاة لانحلت قوى الشريعة وعزائمها كالصلاة والصيام

стр. 848

والحج (١)، ولكن الله شد بعزيمته الدين فقاتل أهل الردة فقاتل أهل الردة وأثر فيهم (٢) بالقتل وأبادهم واستأصل خضراءهم (٣)، حتى ألقى الله في قلوبهم من الهيبة والفشل منه ما كان في قلوب الكفار للنبي ﷺ حتى قال شاعرهم: ألا عللاني قبل جيش أبي بكر … لعل منايا نا قريب ولا ندر لعل جيوش المسلمين وخليهم … ستطرقنا قبل الصباح من الفجر (٤) فكيف لا يصلح للخلافة من هذه صفته، هذا وقد كان مقدماً في الجاهلية تحتكم إليه العرب وترضى بحكمه وقوله (٥). وكان النبي ﷺ يخلوا به ويستشيره في كثير من أمور التي أمر الله أن يستشير بها (٦) بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ (٧)، ولا يستشير إلا من يحمد لذلك بالعقل والعلم.

стр. 849

١٢٢ - فصل وقد تعلقت القدرية والروافض بمعان ضعيفة وأخبار غير صحيحة في الطعن على إمامة أبي بكر وعمر. فمن ذلك أن علياً والزبير ﵄ تخلفا عن بيعة أبي بكر ثم بايعا مكرهين. والجواب: أن هذا طعن على علي ﵁ ونسبته إلى النفاق، لأنه إذا عام أن النبي ﷺ نص عليه في الإمامة وأمره بذلك كيف حلّ له ترك إظهار ذلك والقيام به، وكيف ساغ ترك نصرته لبني هاشم وبني عبد المطلب وغيرهم من قبائل قريش، مع أن المروي عنه أنه قال: "والله لو كان عندي عهد من رسول الله ﷺ ما تركت أخاتيم بن مرة ولا ابن الخطاب على منبر رسول الله ﷺ ولو لم أجد إلا يدي هذه، وذكر استخلاف النبي ﷺ لأبي بكر في الصلاة مع كونه حاضراً يرى مكانه" (١). وروي أنه قال لأبي عبيدة بن الجراح يوم وصله: "والله ما قعودي في كسر بيتي قصداً مني لخلاف ولا إنكاراً لمعروف ولا زراية على مسلم، بل لما وقذني (٢) رسول الله ﷺ بفراقة وأودعني من الحزن بعده، وأنا غاد إلى جماعتكم غداً إن شاء الله بفراق ومبايع صاحبكم، فلما كان صباح ذلك اليوم وافى ﵇ يخرق الجماعة إلى أبي بكر ﵁ فبايعه طائعاً غير مكره، وقال خيراً ووصف جميلاً وجلس طويلاً واستأذن للقيام، فقام وشيعه عمر تكرمة له، فقال له علي ﵁: والله ما قعدت كاراهاً ولا أتيته فرقاً منه ولا أقول ما أقول تقية مني في كلام له طويل" (٣).

стр. 850

وروي أن أبا بكر ﵁ بعد ما بويع له وبايعه علي ﵁ أقام ثلاثاً يقول: يا أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم، هل من كاره، فيقوم عليّ في أوائل الناس فيقول: والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا الذي يؤخرك (١). واحتجوا بما روي أنا أبا بكر ﵁ قال في بعض خطبه: "وليتكم ولست بخيركم فإذا استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت (٢) فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم" (٣). قالوا فاعترف على نفسه أنه ليس بخيرهم وأنه يعصي الله. والجواب على ذلك من وجوه: أحدهما: أنه أراد وليتكم بالإمامة في الصلاة "وليست بخيركم" يومئذ لأن فيهم رسول الله ﷺ . والثاني: أنه أراد لست بخيركم قبيلة ولا عشيرة، لأن بني هاشم وبني عبد المطلب أعلى منه في ذروة النسب، ليدلهم بذلك أن الأمر لا يستحق بعلو النسب. والثالث: أنه أراد التواضع وكره أن يزكي نفسه (٤) لأن الله قال: ﴿فَلا

стр. 851

تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١)، وإذا شهد له النبي ﷺ بقوله لأبي الدرداء: "ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر" (٢) كان ذلك كافياً في بيان درجته وفضيلته على غيره. وأما قوله: "فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم"، فإنه نفي عن نفسه أن يكون معصوماً عن الخطأ، وليس من شرط الإمام عندنا أن يكون معصوماً (٣)، وكيف وقد قال النبي ﷺ : "وما منا معاشر الأنبياء إلا من عصا أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا" (٤)، وقال لنبيه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ

стр. 852

ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١)، فإذا كانت هذه حالة الأنبياء فكيف الأئمة (٢). احتجوا بما روي عن عمر ﵁ أنه خطب وقال: "إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها" (٣)، وقالوا: وكيف يستحق الخلافة وبيعته بهذه الصفة.

стр. 853

والجواب: أن يقال لهذا المحتج: بهذا سهوت وجهلت مراد عمر ﵁ بذلك، أنه لم يرد بذلك الطعن على بيعة أبي بكر، والا زدراء بها وكيف يليق به هذا وإمارة عمرة صدرت من أبي بكر وإنما أراد بها كانت فلتة أي تمت وانتظمت لم يحتج فيها إلى مشاورة الأحلاف ومن يريد شق عصى المسلمين، وقى الله شرها بتمامها ولم يتم من أراد من الأنصار نصب إمام منهم (١) حيث قال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير (٢). واحتج من ادعى أن النبي ﷺ نص على إمامة علي ﵁ بقول النبي ﷺ : "ألست أولى المؤمنين من انفسهم، من كنت مولاه فعلي مولاه وإلى الله من والاه وعادى من عاداه" (٣)

стр. 854

قالوا: فأوجب (١) لعلي من الطاعة على المؤمنين ما أوجبه عليهم لنفسه، ثم قال: "وإلى الله من والاه وعادى من عاده"، ومن أئتم بغيره فقد عاداه. والجواب عنه من وجوه: أحدهما: أن نقول للراوفض والقدرية أنتم ل تقولون بأخبار الآحاد فإنها لا توجب العمل (٢). فكيف يمكنكم الاحجناج علينا بما لاتقولون به. والثاني: أنا نقول لهم النص هو القول الذي لا يحتمل التأويل (٣) - حتى إن بعض العلماء قال: النص بعد وجوده (٤) وهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٥) ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٦) فهو نص فى الثلاثة وفي القرء غير منصوص لأن القرء لفظ مشترك (٧)، فقولكم بأن هذا القول نص من النبي ﷺ على إمامة علي قول صدر ممن لا يميز بين النص والظاهر (٨).

стр. 855

والجواب الثاني: أن يقال لهم قولكم بأنه ﷺ أوجب لعلي على الخلق ما أوجبه لنفسه عليهم غير صحيح، لأنه قال في هذا الخبر: "ألست نبيكم والمخبر لكم بالوحي عن ربكم، وناسخ شرائع من كان قبلكم". فأثبت لنفسه النبوة، والإخبار بالوحي، وأنه ناسخ الشرائع، كما أثبت لنفسه الولاية عليهم، فلما لم يشاركه علي ﵁ بالنبوة ولا بالوحي ولا بنسخ الشرائع لم يشاركه بالولاية، وعلى أنه لو كان صحيحاً لكان علي ثابت الولاية عليهم في حياة النبي ﷺ وهذا لا يقوله أحد، فثبت أن قوله "من كنت مولاه فعلي مولاه"ليس المراد به الواي، لأن المولى لفظة مشتركة تقع على معان مختلفة منها: المولى: يقع علي المولى من أعلى وهو المعتق، وهذا لا إشكال فيه ويقع على المولى من اسفل وهو المنعم عليه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُم﴾ (١) والمولى: يقع على ابن العم والعصبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ (٢). قال في التفسير: بني العم (٣). قال الشاعر: مهلا بني عمنا مهلا موالينا … لا تظهروا بيننا ما كنا مدفونا لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكم … وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا (٤) وأراد بالمولى هنا: ابن العم، والمولى يقع على الناصر، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ناصرهم ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٥) أي لا ناصر لهم.

стр. 856

والمولى يقع على المحب والموالي، ومنه قوله صلىالله عليه وسلم: "مزينه وجهينة وأسلم وغفار موال الله ورسوله" (١). أي محبون موالون لهما. والمولى يقع على الجار (٢)، قال مربع بن وعوعة الكلابي وكان جار كليب ابن يربوع فأحسنوا جواره: - جزا الله خيرا بكفه … كليب بن يربوع وزادهم حمدا هم خلطونا بالنفوس وألجموا … إلى نصر مولاهم مسومة جردا (٣) وأراد إلى جارهم. وإذا كانت لفظة المولى مشتركة بين هذه المعاني حمل قوله ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه" أي من كنت ناصره ومحبه أو ابن عمه فعلي مولاه (٤)، ولا يكون ذلك إلى الوالي. وأما قوله: "وإلى الله من والاه وعادي من عاداه" فما أحد من الصحابة ولا من أهل الحديث عاداه، وليس من ائتم بإنسان سمى معاديا لسائر الناس، وإنما المعادي لهم هم الخوارج. واحتجوا على أن النبي ﷺ نص على إمامة علي بقوله ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" (٥).

стр. 857

والجواب أن يقال: إن هذا ليس بنص على إمامته، لأن النص ما لا يحتمل التأويل، وإنما الخبر ورد على سبب، وذلك أن النبي ﷺ لما خرج في غزوة تبوك خلفه على المدينة فقال المنافقون: إنه أبغض عليا وقلاه حين لم يخرجه معه، فتبعه علي ﵁ وقال: يا رسول الله أتتركني مع الذرية والعيال فقال ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" (١)، وأراد بذلك حين خلفه على قومه يوم توجه لكلام ربه، ولم أخلفك بغضا ولا قلا، ولم يرد أنك تَخْلفُنُى بعد موتى، لأن هارون لم يخلف موسى ﷺ بعد موته بل مات فقبل موسى وإنما خلفه يوسع بن نون (٢). فإن قالوا: فقد ولاه النبي ﷺ على المدينة يومئذ، وما روي أنه عزله عن ولايته عليها فيجب أن تكون ولايته ثابتة عند موته وبعد موته. قيل لهم: هذا لا يصح لأن النبي ﷺ لما رجع عن (٣) غزوته كان حكم المدينة وأمرها إليه، ولم يقل أحد إن عليا كان يملك الولاية عليها بعد رجوع النبي ﷺ من غزوته، ويعارض هذا بأن النبي ﷺ ولى أبا بكر الإمامة في

стр. 858

الصلاة بالمدينة (١) وأقامه على الحاج في الموسم (٢) وما روي أنه عزله فكل جواب لهم عن هذا فهو جوابنا لهم (٣). احتجوا على النص على إمامة علي بقول النبي ﷺ : "أتت أخي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ومنجز عداتي" (٤). والجواب: أن هذا ليس بنص على الإمامة بعده لا يحتمله التأويل (٥)، لأن هذا الخبر إذا ثبت حملنا قوله: "أنت أخي" أنه أراد التعظيم له، وهو كذلك لأنه ابن عمه. وقوله: "خليفتي على أهلي" أي على فاطمة وولديها وهم أهل له ﷺ ، وأما قوله: "وقاضي ديني" يحتمل أنه أمره بقضاء دين عليه بعد موته أو في حياته (٦)، وكذلك قوله: "منجز عداتي" وليس في هذا كله نص على الإمامة، بدليل أن إمامة لو قال لرجل بهذا القول لم

стр. 859

يكن ذلك وصية إليه بالإمامة بلا خلاف بين أحد من أهل الفقه، فكذلك من النبي ﷺ . ونعارض هذه (١) الأخبار بأخبار هي أصرح منها، وهو قوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٢). وقوله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" (٣) وأمر النبي ﷺ أبا بكر بأم الناس (٤)، وقوله ﷺ : "لا ينبغي لقوم يكون فيهم أبو بكر أن يتقدمه غيره" (٥) وقوله ﷺ : "إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا" (٦) ورشدت أمتهم، وإن يعصموهما غووا وغوت أمتهم".

стр. 860

١٢٣ - فصل: في خلافة أمير المؤمنين عمر ﵁ وذلك أنه لما حضرت أبا بكر ﵁ الوفاة قال: "يا معاشر المسلمين إنه قد حضرني من قضاء الله ما ترون، ولا بد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم ويجمع فيكم، فإن شئتم فاجتمعتم هنا وأتمرتم، وإن شئتم اجتهدت لكم برأيي فبكوا وقالوا: أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا، قال عثمان بن عفان: لقد أحضرني أبو بكر فقال لي اكتب: هذا ما عهد به عبد الله بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا وقت يسلم فيه الكافر ويبر فيه الفاجر، وثقل لسانه فلم (١) يبين عن نفسه وإغمي عليه، قال: فكتب اسم عمر، فأفاق أبو بكر، فقال لي: أكتبت أحداً؟ فقلت: خشيت الفرقة فكتبت عمر، فقال: يرحمك الله أصبت ما في نفسي ولو كتبت نفسك لكنت أهلا لها" (٢).

стр. 861

وروي "أنه خرج معصوبا رأسه فخطب خطبته المشهورة وقال: سأخبركم باختياري فوصف فيها عمر ونعته فذكر شدته من غير عنف، ولينه من غير ضعف، وقدرته على الأمر، وكل الصحابة ﵃ صوب رأيه فيه ورضوا بوصيته (١) إلا طلحة فإنه قال: أذكرك الله واليوم الآخرأنك استخلفت علينا رحلا فظا غليظا، ماذا تقول لربك إذا لقيته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فأجلسوه، فقال: أتفرقوني (٢) بالله أقول له إذا لقيته اسختلفت عليهم خير أهلك (٣)، فقال عثمان وعبد الرحمن (٤) لأبي بكر: امض لشأنك وأنفذ أمرك وأعهد إلى عمر فإنه أهل لها" (٥). وروي أن عليا ﵁ قام وقال: "ما (٦) نرضى إلا عمر بن الخطاب" (٧) وروي أن طلحة ﵁ صوب رأي أبي بكر بعد ذلك في استخلافه لعمر وذكر عمر بأجمل الذكر (٨).

стр. 862

وقد نبه النبي ﷺ على خلافة عمر بعد أبي بكر ﵄ بقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (١). وروي أن النبي ﷺ قال: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب" (٢). قال النبي ﷺ : "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك إما عمر ابن الخطاب أو أبي جهل بن هشام" (٣). فسبقت الدعوة في عمر فدل أن الله يحبه. وقال ابن عباس: "لما أسلم عمر ﵁ نزل جبريل على النبي ﷺ فقال: "يا محمد لقد استبشر أهل السماء اليوم بإسلام عمر" (٤).

стр. 863

وقال ابن مسعود: "لما أسلم عمر ﵁ قال المشركون لقد انتصف المسلمون منا" (١). وروي أن النبي ﷺ قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (٢). "وقد كان يكون في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب" (٣). وقال علي ﵁: "ما كنا نبعد أن السكينة (٤) تنطق على لسان عمر" (٥).

стр. 864

وروي عن أنس بن مالك أنه قال: "نزل جبريل على النبي ﷺ وقال: أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه عدل" (١). وقال ابن مسعود: "كان إسلام عمر ﵁ عزا، وكانت هجرته نصرا، وكانت خلافته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي ظاهرين حتى أسلم عمر (٢)، وإني لأحسب أن بين عينيه ملكا يسدده" (٣) وروي أن أبا بكر لما استخلف عمر ﵄ قال له: "إني موصيك بوصية إن حفظتها، إن لله حقا في الليل لا يقبله بالنهار، وحقا بالنهار لا يقبله في الليل، وإنه لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق (٤) لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان (٥) لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا، ثم قال في آخر وصيته: فإن حفظت قولي هذا لم يكن غائب أحب إليك من الموت، ولا بد لك منه، وإن ضيعت قولي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت، ولا بد لك منه ولن تعجزه" (٦).

стр. 865

فحفظ عمر ﵁ وصية أبي بكر في نفسه ورعيته، فكان في الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا. فروي أنه أتي له بلبن فشربه فقيل له: إنه من إبل الصدقة فتقيأه، وذلك أنه كره بقاءه في جوفه (١). وروي أنه أتى إليه بمسك من بيت المال فقسم بحضرته فسد على أنفه، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما يتجاوز إليك ريحه فقال: وهل يراد من المسك إلا رائحته". (٢) وهذا غاية في الورع. وروي أنه قال: "لو شئت أن أدعو بصلاء (٣) وصناب (٤) وأفلاذ (٥) وأسنمة (٦) وأكباد لو شئت أن يدهمق (٧) لي لفعلت، ولكن الله عاب قوما ذلك فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٨).

стр. 866

وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دخل على عمر بعد قتله وقد سجي بثوبه، فقال: "ما أحد إليّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بينكم (١)، ثم قال: "يرحمك الله يا ابن الخطاب إن كنت بذات الله لعليما، وإن كان الله بصدرك لعظيما، وإن كنت لتخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله، كنت جوادا بالحق بخيلا بالباطل، خميصا من الدنيا، بطينا من الآخرة، لم تكن عيابا ولا مداحا" (٢). وروي عن ابن مسعود أنه قال: "كانت خلافة عمر رحمة" (٣) وروي عنه أنه قال: "أفرس الناس ثلاثة العزيز الذي تفرس بيوسف ﵇ وابنة شعيب في تفرسها (٤) بموسى ﵇ بقولها يا أبت استأجره إن خير من

стр. 867

استأجرت القوي الأمين، وأبو بكر ﵁ في استخلافه عمر" (١). وأما شدته وصرامته فما لم يخف على أحد، جندّ الأجناد وفتح البلاد ومصر الأمصار، واستأصل الكفار، واستولى على الديار، وصلح بنظره الحاضر والبادي والقاصي والداني حتى قال: لئن عشت ليبلغن الراعي حقه بصفنه (٢) بسر وحمير (٣) لم يرق به جبينة (٤)، ولما فتح أرض السواد قسمها بين الناس فاستغلوها ثلاث سنين فخاف أن يشتغل الناس بذلك فقال: لو لا أخشى أن يكون الناس بَبّانا واحدا لكنتم على ما قسم لكم، وأرى أن تردوها (٥) فمنهم من طابت نفسه ورد ما بيده (٦)، ومنهم من لم تطب نفسه

стр. 868

بالرد إلا بعوض إعاضة، فردها على أهلها وضرب عليهم خراجا (١) يؤخذ منهم كل سنة إلى وقتنا هذا، فساوى بين الأولين والآخرين في ارتفاع (٢) هذه الأرض، وهذا معنا قوله: لولا أخشى أن يكون الناس ببانا أي شيئا واحدا. هكذا الرواية ببائين مجموع (٣) كل واحدة منقطة من تحتها والثانية مشددة ونون (٤). وما شيء يلزم القيام به إلا قام به، حتى إنه ليباشر الأعمال بنفسه في الإنفاق على الأرامل والصغار، ويطوف في سكك المدينة ليلا ونهارا ليستمع، أو يرى ما يتوجه عليه فيه حق، فسمع امرأة ذات ليلة تقول: ألا طال هذا الليل وازور جانبه وأرقني أن لا حليل ألا عبه

стр. 869

فوالله لو لا الله لا شيء غيره … لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفني … وإكرام بعلي أن تنال مراكبه فسأل عنها، فقيل: إن زوجها في الغزو، فسأل عمر حفصة ونساء معها: كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقلن: شهرين وفي الثالث يقل الصبر وفي الرابع ينفر، فكتب إلى أمراء الجيوش في الآفاق أن لا يحبس الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر (١). وله من المحافظة والمراعاة للرعبة ما يطول ذكره، وفيما ذكرته دلالة على ما لم يذكر والله أعلم.

стр. 870

١٢٤ - فصل: في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. وذلك أن عمر ﵁ بلغه أن قوما كانوا يخوضون في الخلافة ويقولون: لئن مات عمر لنولين فلانا ويريدون إخرجها عن الستة الذين جعلها عمر إليهم، وكان شديد الاحتياط في أمر المسلمين، فقام خطيبا يوم الجمعة فحمد اله أثنى عليه، وذكر النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ وقال: إني رأيت في النوم كأن ديكا نقرني نقرتين وما أراه إلا لحضور أجلي، ألا وإني قد جعلت الأمر في هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وقد بلغني أن قوما يقولون إن مات عمر لونلين فلانا، أولئك أعداء الله الضلال الجهال، والله لقد جالدتهم بيدي هذه على الإسلام، وأرى أقواما يأمرونني أن استخلف ويطعنون في هذا الأمر، فإن أعهد فقد عهد من هو خير مني يعني أبا بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله ﷺ ، فما لبث بعد ذلك إلا قليلا حتى أصيب (١) فدخل (٢) يوماً المسجد لصلاة الصبح، وكان إذا أراد الصلاة قام بين الصفوف، وقال: استووا فإذا استووا تقدم وصلى، فلما فعل ذلك وكبر بالصلاة طعنه العلج، فقال: قتلني الكلب فأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه ليتم الصلاة بالناس وكان بيد العلج سكين ذات طرفين لا يمر برجل يمينا وشمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساً ليأخذه، فلما ظنّ أنهُ يأخذه طعن نفسه، فصلوا صلاة الفجر صلاة خفيفة، فأما من في نواحي المسجد

стр. 871

فلا يدرون ما الأمر، غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، فلما انصرفوا. قال عمر لابن عباس: انظر من قاتلي فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة بن شعبة وكان نجارا، فقال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل من المسلمين، لأنه كان نصرانيا (١)، ثم قال: قاتله الله لقد كنت أمرت به معروفا، فأسقوه لبناً فخرج من جرحه، فعلم أنه يموت فقال لابنه عبد الله: احسب ما عليَّ من الدين فحسبه، فإذا هو ستة وثمانون ألفا، وقال: إن وفى بها مال عمر فأدها، وإلا فاسأل في بني عدي ابن كعب، فإن لم يف من أموالهم فسل قريشا ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، ثم قال لابنه عبد الله: ايت عائشة ﵂ فسلم (٢) وقل: يستأذن عمر، - ولا تقل أمير المؤمنين فلست لهم اليوم بأمير - بأن (٣) يدفن مع صاحبيه، فأتاها ابن عمر فوجدها قاعدة تبكي، فأخبرها بذلك فقالت: بقي موضع قبر كنت أريده لنفسي، ولأؤثرنه على نفسي، فلما جاء قالوا جاء عبد الله بن عمر قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك، قال: قد أذنت، قال: ما شيء أهم إليّ من ذلك المضجع إذا قبضت فجهزوني واحملوني، ثم استأذنوا فإن أذنت فأدخلوني، وإلا ردوني إلى مقابر المسلمين، فلما مات فعل ذلك فاذنت ودفن مع صاحبيه، ولما حضره الموت قال: لآ أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وسمى: عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فذكر ابنه عبد الله بن عمر لأجل فضله وعمله فقال: شاوروه وليس له من الأمر شيء".

стр. 872

وروي أنه قال: لم أكن بالذي أتحملها حيا وميتا، وقال: يكفي آل الخطاب أن يسأل منهم رجلا واحدا، وكان طلحة غائبا فقال لهم عمر: إن استقام أمركم قبل أن يقدم طلحة فامضوه على ما استقام عليه، وإن قدم طلحة قبل أن يستقيم أمركم فآذنوه، فإنه رجل من المهاجرين وقال لهم: لا تنتظروا أكثر من ثلاثة أيام، ثم منعهم أن يصلي رجل منهم بالناس قبل أن يستقيم أمرهم خوفا أن يظن هو أو غيره أنه نص عليه، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس أيام مشورتهم حتى قال شاعرهم: صلى صهيب ثلاثا ثم أسلمها … إلى ابن عفان ملكا غير مردود (١) ثم إن الرهط الذين ولاهم عمر ﵃ اجتمعوا وتشاروا وكانوا خمسة - فقال لهم عبد الرحمن بن عوف: إنكم لا تستقيمون على أمر وإنكم خمسة فليعادكل رجل رجلا وأنا عديد الغائب، فتعاد علي والزبير وولى الزبير أمره عليا، وتعاد عثمان وسعد وولى سعد أمره عثمان، وخلا علي وعثمان وعبد الرحمن (٢) فقال لهم عبد الرحمن: إما أن تتبرآ من الأمر فأوليكما الأمر فتختارا لأمة محمد ﷺ رجلا، وإما أن تولياني ذلك وأبرأ من الأمر، فولياه ذلك. وروي "أن عبد الرحمن قال لهم: لست أنافسكم هذا الأمر، ولكن إن شئتما اخترت لكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن وقد كان قال لهم عمر: إن انقسم الناس شطرين فكونوا في حيز عبد الرحمن بن عوف لعلمه بفضله وأمانته وانه مرضي عند الكافة وأزهدهم في هذا الأمر. قال المسور ابن مخرمة: فلما ولوا ذلك عبد الرحمن مال الناس عليه يشاورونه ويناجونه فطرقني عبد الرحمن بعد هزيع من الليل فضرب الباب فاستيقظ، فقال: ألا أراك نائما فوالله ما اكتحلت بكثير نوم فادع لي

стр. 873

الزبير فدعوته، فناجاه حتى ابهارّ الليل (١)، ثم قام منه على طمع ثم قال لي: ادع عثمان فناجاه طويلا حتى فرق بينهما المؤذن، فلما كانت الليلة التالية وعبد الرحمن في دار القضاء قال له سعد: يا أبا محمد ما كان أحد أحق بهذا الأمر منك قال: إنك يا سعد تحب أن يقال ابن عمه خليفة، وإنك يا مسور تحب أن يقال خاله خليفة والله لئن توجد مدية فتوضع هاهنا وأشار إلى لبته (٢) وأمر بيده إلى لبته أحب إلي من أن أليّ من أمر الناس شيئا، فقام سعد فقال له عبد الرحمن: يا أبا إسحاق اشهد الصبح والبس السيف، ثم قال لي عبد الرحمن: اذهب إلى علي وعثمان وأتني بهما، قال المسور: وكان هواي مع علي فأحببت أن أعلم ما في نفسه فقلت: له بأيهما أبدا، فقال: بأيهما شئت، قلت: آتيك بهما جميعا أو فرادى قال: لا بل جميعا قال: فبدأت بعلي فقلت له: أرسلني إليك خالي قال: أرسك إلى غيري معي؟ فقلت نعم. إلى عثمان. قال: بأينا أمرك أن تبدأ؟ قلت: قد سألته فقال بأيهما شئت فبدأت بك، قال: جميعا أو فرادى قال: لا بل جميعا فخرج معي في موضع الجنائز، وقال: اذهب إلى صاحبك فخرجت إلى عثمان فوجدته يوتر في بيت شيبة بن ربيعة، فخرج إلي عاقدا إزاره في عنقه آخر الليل، فقلت إن خالي أرسلني إليك، فقال: أرسلك إلى غير معي؟ قلت: نعم إلى علي، فسألته بأيهما أبدأ؟ قال: بأيهما شئت، فبدأت بعلي وهو ينتظرك في موضع الجنائز، فخرجت أنا وعثمان حتى جئنا عليا، ثم دخلنا على عبد الرحمن فحمد الله وأثنى عليه، ثم أقبل عليهما، وقال: أشيرا علي وأعيناني على أنفسكما هل أنت يا علي متابعي على سنة الله ورسوله وبعهد الله وميثاقه وسنة الماضين قبلي، - وروي سنة الشيخين قبلك - فقال علي: لا، ولكن أبايعك على طاقتي، قال: فصمت ثم تكلم كلاما دون كلامه الأول، ثم قال: هل أنت يا علي مبايعي على إن وليتك

стр. 874

هذا الأمر على سنة الله سنة رسوله ﷺ وعهد الله وميثاقه وسنة الماضين قبلي، قال: لا، ولكن على طاقتي، ثم قال: هل أنت يا عثمان مبايعي إن وليتك على سنة الله وسنة رسوله ﷺ وعهد الله وميثاقه وسنة الماضين قبلك؟ فقال عثمان: نعم، قال: فأحب أن تقوما عني إن شئتما، فقاما عنه، فقام عبد الرحمن فاعتم ولبس السيف وخرج المسجد، وقد جاءت المهاجرون والأنصار من دورهم، وصار المسجد كالرمانة، وأرسل إلى من تخلف وإلى الأمراء، وكان قد وافق تلك الحجة مع عمر (١)، فصلى الصبح وتشهد ولا أشك أنه مبايع لعلي لما رأيت من حرصه على علي، ثم أخذ بيد علي فقال: الله عليك راع إن أنا بايعتك لتعدلن في أمة محمد ﷺ ولتتقين الله ، وإن أنا لم أبايعك لتسمعن ولتطيعن لمن بايعت؟ قال علي: نعم، ثم أخذ بيد عثمان فقال: الله عليك راع إن أنا بايعتك لتعدلن في أمة محمد ﷺ ولتتقين الله ، وإن أنا بايعت غيرك لتسمعن ولتطيعن؟ قال عثمان: نعم، فقال عبد الرحمن: إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، ثم صفق علي يد عثمان فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده، وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد وسائر المسلمين وبايعه طلحة لما قدم وانقادوا له وسموه أمير المؤمنين" (٢). فروى سعيد بن كعب (٣) والليث بن سعد عن عبد الرحمن أنه قال:

стр. 875

"والله ما بايعت عثمان حتى شاورت كل أحد حتى صبيان الكتاب فكل يقول عثمان فبايعته" (١). فعبد الرحمن في فضله وعلمه وسابقته مما لا حاجة لنا إلى الإطالة بذكره يصلح لعقد هذا الأمر، وعثمان ﵁ ممن يصلح له العقد لكون الشرائط كلها موجودة فيه، ومن فضله أن النبي ﷺ زوجه ابنتيه، وقال النبي ﷺ : "إن الله أمرني أن أزوج كريمتي عثمان" (٢)، ولما ماتت الثانية قال النبي ﷺ : "لو كان لنا ثالثة لزوجناك" (٣). وروي أنه قال: "لو أمدنا الله بالبنات لأمددناك يا عثمان بالأزواج" (٤).

стр. 876

وإنما سمي ذا النوريين لأن أحدا من لدن آدم لم يتزوج ابنتي نبي غير عثمان (١)، فهذه أشرف مناقبه. وروى ربعي بن خراش: "أن عثمان ﵁ خطب إلى عمر ابنته حفصة، فأبى عليه، فلبغ ذلك بني الله ﷺ ، فلما راح عليه عمر قال: يا عمر ألا أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خيرله منك؟ قال: نعم. قال زوجني ابنتك وأزوج عثمان ابنتي" (٢). وروي أن النبي ﷺ قال: "لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان" (٣)،

стр. 877

وقال ﷺ : "إن الملائكة تستحي من عثمان" (١). وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ معه، فرجف بهم، فقال النبي ﷺ : "أثبت أحد فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان" (٢). وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ صعد على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت بهم الصخرة، فقال النبي ﷺ : "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (٣). وأخبر النبي ﷺ أنه يقتل شهيدا، وأن الله يقمصه قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تفعل (٤)، وسبحت الحصى بكفه (٥)، وله من الفضائل ما يكثر ذكره.

стр. 878

١٢٥ - فصل ومذهبنا أن القوم الذين اجتمعوا على قتل عثمان ﵁ وقتلوه فسقة، وهو مظلوم وكلما تأولوه عليه لا يبيح قتله لهم ولا خلعه، لأن أكثر ذلك باطل لا أصل له، ولا يصح شيء منه فلا يقتضي قتله، وذلك لما ثبت من إيمانه وثبوت بيعته ووجوب طاعته والقوم الذين قصدوه من غير أهل الحل والعقد في الإمامة، وإنما حملهم على ذلك أمور دنيوية فمنهم من طلب امرأة فمنع منها، ومنهم من حمله على ذلك الغيظ على أمرائه وعماله (١). ومما يرويه الشيعة وأهل البدعة من الأخبار أن عليا وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة كاتبوا أهل الآفاق وأمروهم بخلعه أو قتله (٢) فأخبار آحاد لا يثبتها أهل النقل ولا يبطل بها ما ثبت من نزاهة الصحابة وفضلهم. وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: "والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله" (٣). وروي أنه قيل لعائشة ﵂: إن الناس قد أكثروا في عثمان وشتموه ولعنوه، قالت: لعن الله من لعنه، لقد رأيت رسول الله ﷺ مسندا ظهره إلى صدري وجبريل يوحي إليه وعثمان عن يمينه وهو يقول (٤):

стр. 879

"اكتب يا عثمان فما (١) نزل تلك المنزلة من رسول الله ﷺ إلا كريم على الله ورسوله" (٢). وروي عن عائشة ﵂ قالت حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم ذبحتموه كما تذبح الكبش، فقال لها مسروق: هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم أن يجروا (٣) إليه، فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوداء ولا بيضاء (٤) حتى جلست مجلسي هذا". قال الأعمش: وكانوا قد كتبوا على لسانها (٥). وروي عن علي ﵁ أنه قال: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ابن عفان اللهم لا أرضى قتله ولا آمر به" (٦). ويدل على ما ذكرناه ما روى أبو هريرة ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تكون بعدي أمور فقلنا فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: إلى الأمير وحزبه فأشار إلى عثمان بن عفان" (٧).

стр. 880

وروى كعب بن عجرة ﵁ قال: "ذكر النبي ﷺ فتنة فمر بنا رجل مقنع (١)، فقال: "هذا يومئذ على الهدى فأخذت بضبعه فقتلته أو قلبته، فاستقبلت به النبي ﷺ فقلت: هذا يا رسول الله قال: هذا فإذا هو عثمان ابن عفان" (٢). وروت عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعثمان: "إن الله سيقمصك قميصا إن روادوك على خلعه فلا تخلعه" (٣).
следующие страницы →