فنصب الظَّهْرَ بأجبَّ، وقال الآخر:
[٨٥]
ولقد أَغْتَدِي وما صَقَعَ ... الدِّيكُ على أدهم أجَشَّ الصَّهِيلَا
فنصب الصَّهِيل بأجشَّ، فبطل ما ادّعيتموه.
وما اعترضوا به ليس بصحيح: أما بيتُ الحارث بن ظالم:
[٨٣]
ولا بفزارة الشُّعْرِ الرّقابا
стр. 107
فقد روي "الشُّعْرَى رِقَابًا": حكى ذلك سيبويه عن أبي الخطاب عن بعض العرب أنهم ينشدون البيت كذلك، على أنا وإن لم ننكر صحة ما رويتموه، فلا حجة لكم فيه؛ لأنه من باب "الحسن الوجه، والحسان الوُجُوه" وقد قالوا "الحسن الوجهَ" بنصب الوجه تشبيها بالضارب الرجل، كما قالوا "الضارب الرجلِ" بالجر تشبيها بـ "الحسن الوجه" وقد ذهب بعض البصريين إلى زيادة الألف واللام فيه، فلما كان في تقدير التنكير جاز نصبُه على التمييز، فبان أن ما عارضتم به ليس بشيء.
وأما قول النابغة:
[٨٤]
أَجَبَّ الظهر ليس له سَنَامُ
بفتحهما قد روي "أجب الظهر" بجرهما، وروي "أجب الظهر" برفع الظهر لأنه فاعل والتقدير فيه عندنا: أجب الظهرُ منه، وعندكم الألف واللام قامتَا مَقَام الضمير العائد؛ فلا حجة لكم في هذا البيت، والجر فيهما هو القياس، وإن صحت رواية النصب؛ فيكون على التشبيه بالمفعول على ما بيَّنَّا في البيت الأول، لا على تقدير زيادة الألف واللام ونصبه على التمييز على ما ذهبتم إليه، ولئن سلمنا على قول بعض البصريين، وهو الجواب عن جميع ما احتججتم به؛ لأنكم إذا قدرتم أن الألف واللام فيه زائدة فهو عندكم نكرة، فإذن ما عمل في معرفة، وإنما عمل في نكره، والخلاف ما وقع في أنَّ "أفعل" تعمل في النكرة، وإنما وقع الخلاف في أنها تعمل في المعرفة.
وأما قول الآخر:
[٨٥]
عَلَى أَدْهَم أَجْشَّ الصَّهيلا
فالوجه جر "الصهيلا" إلا أنه نَصَبَه على التشبيه بالمفعول، أو على زيادة الألف واللام على ما قَدَّمنا.
ثم لو سلمنا لكم صحة ما ادّعيتموه في هذه الأبيات، وأجريناها في ذلك مُجْرَى "ما أحسن الرجلَ" فهل يمكنكم أن توجدونا أَفْعَلَ وصفًا نَصَبَ اسمًا مضمرًا وعلمًا أو اسمًا من أسماء الإشارة؟ وإذا لم يمكن ذلك ووجدنا أفعل في التعجب تعمل في جميع أنواع المعارف النصب دلّ على بطلان ما ذهبتم إليه من دعوى الاسمية.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه فعل ماضٍ أنا وجدناه مفتوح الآخر، ولولا أنه فعل ماضٍ لم يكن لبنائه على الفتح وجه؛ لأنه لو كان اسمًا لارتفع لكونه خبرًا لـ "ما" على كلا المذهبين، فلما لزم الفتح آخرُهُ دلّ على أنه فعل ماضٍ.
стр. 108
اعترضوا على هذا من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: ما احتججتم به من فتح آخره ليس فيه حجة؛ لأن التعجب أصله الاستفهام، ففتحوا آخر أفعل في التعجب ونصبوا زيدًا فرقًا بين الاستفهام والتعجب. والثاني: أنهم قالوا: إنما فتح آخر أفعل في التعجب لأنه مبني لتضمنه معنى حرف التعجب؛ لأن التعجب كان يجب أن يكون له حرف كغيره من الاستفهام والشرط والنفي والنهي والتمني والترجي والتعريف والنداء والعطف والتشبيه والاستثناء، إلى غير ذلك؛ إلا أنهم لما لم ينطقوا بحرف التعجب وضمّنوا معناه هذا الكلام استحقَّ البناء، ونظير هذا أسماء الإشارة؛ فإنها بنيت لتضمنها معنى حرف الإشارة، وإن لم ينطق به فكذلك ههنا.
وما اعترضوا به ليس بصحيح: أما قولهم "إن التعجب أصله الاستفهام ففتحوا آخر أفعل في التعجب للفرق بين الاستفهام والتعجب" فمجرد دعوى لا يقوم عليها دليل، إلا بوحي وتنزيل، وليس ذلك سبيل، مع أنه ظاهر الفساد والتعليل؛ لأن التفريق بين المعاني لا توجب إزالة الإعراب عن وجهه في موضع ما، فكذلك ههنا ولأن التعجب إخبار يحتمل الصدق والكذب، والاستفهام استخبار لا يحتمل الصدق والكذب؛ فلا يصح أن يكون أصلًا له.
وأما قولهم "إنه بني لتضمنه معنى حرف التعجب وإن لم ينطق به"؛ فكذلك نقول: كان يجب أن يوضع له حرف كما وضع لغيره من المعاني، ولكن لما لم يفعلوا ذلك ضمّنوا "ما"معنًى حرفه فبنوها، كما ضمّنوا "ما" الاستفهاميةمعنًى الهمزة، وضمّنوا "ما" الشرطية معنى أن التي وضعت للشرط، وبنوهما وإن لم يكن للكلمة التي بعدهما تعلق بالبناء؛ فكذلك ما بعد "ما" التعجبية لا يكون له تعلق بالبناء، فبان بذلك فساد اعتراضهم، وأنه إنما فتح لأنه فعل ماضٍ على ما بيَّنَّا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "الدليل على أنه اسم أنه لا يتصرف" قلنا: عدم تصرفه لا يدل على أنه اسم؛ فإنا أجمعنا على أن "ليس، وعسى" فعلان، ومع هذا فإنهما لا يتصرفان، وإنما لم يتصرف فعل التعجب لوجهين؛ أحدهما: أنهم لما لم يَضَعُوا للتعجب حرفًا يدل عليه جعلوا له صيغة لا تختلف؛ لتكون أمارة للمعنى الذي أرادوه، وأنه مُضَمن معنى ليس في أصله، والثاني -وهو الصحيح- إنما لم يتصرف لأن المضارع يحتمل زمانين الحال والاستقبال، والتعجب إنما يكون مما هو موجود مشاهد، وقد يتعجب من الماضي، ولا يكون التعجب مما لم يكن، فكرهوا أن يستعملوا لفظًا يحتمل الاستقبال؛ لئلا يصير اليقين شكًا، وأما قولهم "ما أملح ما يَخْرُجُ هذا الغلام، وما أطولَ ما يكون هذا" فلا يقال ذلك حتى يُرَى فيه مَخِيلَة ذلك، فدلّك ما رأيت في
стр. 109
وقتك على ما يكون بعد ذلك، فكأنك قد شاهدته موجودًا، ولما كرهوا استعمال المضارع كانوا لاستعمال اسم الفاعل أَكْرَه لأنه لا يختص زمانًا بعينه؛ فلهذا منعوه من التصرّف، وعدم التصرّف لا يدل على أنه اسم كما قلنا في "ليس، وعسى".
وأما قولهم "إنه يصغر، والتصغير من خصائص الأسماء فنقول: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن التصغير في هذا الفعل ليس على حد التصغير في الأسماء؛ فإن التصغير على اختلاف ضروبه: من التحقير كقولك رُجَيْل، والتقليل كقولك دُرَيْهِمَات، والتقريب كقولك قُبَيْل المغرب، والتعطف كقوله ﷺ "أُصَيْحَابي أصيحابي" والتعظيم كقول الشاعر:
[٨٦]
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامل
يريد الموت، ولا داهية أعظم من الموت، والتمدّح كقول الحُبَاب بن المنذر يوم السَّقِيفَة: "أنا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ" فإنه يتناول الاسم لفظًا ومعنًى، والتصغير اللاحق فعل التعجب إنما يتناوله لفظًا لا معنًى، من حيث كان متوجِّهًا إلى المصدر، وإنما رَفَضُوا ذكر المصدر ههنا لأن الفعل إذا أزيل عن التصرف لا يؤكد بذكر المصدر؛ لأنه خرج عن مذهب الأفعال، فلما رفضوا المصدر وآثروا تصغيره صغّروا الفعل لفظًا، ووجهوا التصغير إلى المصدر، وجاز تصغير المصدر بتصغير فعله؛ لأن الفعل يقوم في الذكر مقام مصدره؛ لأنه يدل عليه بلفظه، ولهذا يعود الضمير إلى المصدر بذكر فعله، وإن لم يَجْرِ له ذكر، قال الله تعالى:
﴿وَلا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ يبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]
стр. 110
قوله "هو" ضمير للبخل وإن لم يكن مذكورًا؛ لدلالة "يبخلون" عليه، ومنه قولهم "من كذب كان شرًا له" أي كان الكذب شرًا له، ومنه قول الشاعر:
[٨٧]
إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه ... وخَالَفَ، والسفيه إلى خِلَافِ
يريد جَرَى إلى السفه، وهذا كثير في كلامهم؛ فكما أنه يجوز أن يعود الضمير إلى المصدر وإن لم يجرِ له ذكر استغناء بذكر فعله، فكذلك يجوز أن يتوجّه التصغير اللاحق لفظ الفعل إلى مصدره وإن لم يجرِ له ذكر، ونظير هذا إضافتهم أسماء الزمان إلى الفعل نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يوْمُ ينْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وإن كانت الإضافة إلى الأفعال غير جائزة، وإنما جاز ذلك لأن المقصود بالإضافة إلى الفعل مصدره من حيث كان ذكر الفعل يقوم مقام ذكر مصدره؛ فالتقدير فيه: هذا يومُ نَفْعِ الصادقين صدقُهم، وإنما خصوا أسماء الزمان١ بهذه الإضافة لما بين
стр. 111
الزمان والفعل من المناسبة، من حيث اتفقا في كونهما عَرَضين، وأن الزمان حركات الفلك كما أن الفعل حركة الفاعل، وكما أن هذه الإضافة لفظية، فكذلك التصغير اللاحق فعل التعجب لفظيّ؛ وكما أن هذه الإضافة لا اعتداد بها، فكذلك هذا التصغير لا اعتداد به.
والوجه الثاني: إنما دخله التصغير حملًا على باب أفعل الذي للمُفَاضَلَة؛ لاشتراك اللفظين في التفضيل والمبالغة، ألا ترى أنك تقول "ما أَحْسَنُ زيدًا" لمن بلغ الغاية في الحسن، كما تقول "زيد أحسنُ القوم" فتجمع بينه وبينهم في أصل الحسن وتفضّله عليهم؛ فلوجود هذه المشابهة بينهما جاز "ما أُحَيْسن زيدًا، وما أميلح غزلانًا" كما تقول: "غلمانك أحيسنُ الغلمان، وغزلانك أميلح الغزلأن" ولهذه المشابهة حملوا "أَفْعَلَ منك" و "هو أَفْعَلُ القوم" على قولهم "ما أَفْعَلَه" فجاز فيهما ما جاز فيه، وامتنع منهما ما امتنع منه، ألا ترى أنك لا تقول "هو أعرج منك" ولا "أعرج القوم" لأنك لا تقول "ما أعرجه" وتقول "هو أقبح عرجًا منك" و "هو أقبح القوم عرجًا" كما تقول "ما أقبح عَرَجَهُ" وكذلك لا تقول "هو أحسن منك حسنًا" فتؤكده بذكر المصدر؛ لأنك لا تقول "ما أحسن زيدًا حسنًا" فأما قولهم "ألجّ لَجَاجَةً من الخُنْفَسَاءِ" وما أشبهه فمنصوب على التمييز.
والوجه الثالث: إنما دخله التصغير لأنه أُلْزِم طريقةً واحدة، فأشبه بذلك الأسماء، فدخله بعض أحكامها، وحَمْلُ الشيء على الشيء في بعض أحكامه لا يخرجه عن أصله، ألا ترى أن اسم الفاعل محمول على الفعل في العمل، ولم يخرج بذلك عن كونه اسمًا، وكذلك الفعل المضارع محمول على الاسم في الإعراب، ولم يخرج بذلك عن كونه فعلا؛ فكذلك تصغيرهم فعل التعجب تشبيهًا بالاسم لا يخرجه عن كونه فعلًا.
وأما ما ذكروه من "ليس، وعسى" فالكلام عليه من أربعة أوجه:
أحدها: أن "ليس، وعسى" وإن كانا قد أشبها فعل التعجب في سَلْبِ التصرّف فإنهما قد فارقاه من وجهين؛ أحدهما: أنهما يرفعان الظاهر والمضمر، كما ترفعهما الأفعال المتصرفة، فبَعُدَا عن شبه الاسم، وأفعل في التعجب إنما يرفع المضمر دون الظاهر، فقرب من الاسم الجامد؛ فلهذا دخله التصغير دونهما.
والثاني: أن "ليس، وعسى" وُصِلَا بضمائر المتكلمين والمخاطبين والغائبين، نحو: لست ولستم وليسوا، وعسيت وعسيتهم وعَسَوا، كما تتصل بالأفعال المتصرفة، وأفعل في التعجب أُلْزِمَ ضمير الغيبة لا غير، فلما تصرف ليس وعسى.
стр. 112
في الاتصال بضمائر الأفعال الماضية هذا التصرف وألزم هذا الفعل في الإضمار وجهًا واحدًا جاز أن يدخله التصغير دونهما.
والثالث: أن "ليس، وعسى" لا مصدر لهما من لفظهما، فتنزل اللفظ بهما منزلة اللفظ به، والتصغير ههنا في الحقيقة للمصدر، فإذا لم يكن لهما مصدر من لفظهما بطل تصغيرهما، بخلاف فعل التعجب؛ فإن له مصدرًا من لفظه نحو الحسن والملاحة وإن لم يكن جاريًا عليه على ما يقتضيه القياس، فقام تصغيرُهُ مقام تصغير مصدره، فبَان الفرق بينهما.
والرابع: أن "ليس، وعسى" لا نظير لهما من الأسماء يحملان عليه كما حمل ما أَفْعَلَهُ على أَفْعَلَ الذي للمفاضلة، فيحمل "ما أحسنهم" على قولهم "هو أحسنهم" فبان الفرق بينهما.
فإن قالوا: هذا يبطل بنعم وبئس؛ فإنهما للمبالغة في المدح والذم، كما أن التعجب موضوع للمبالغة، وإنهما لا يتصرّفان، ومع هذا فلا يجوز تصغيرهما.
قلنا: هذا الإلزام على مذهبكم ألزم؛ لأنهما عندكم اسمان كأفعل في التعجب؛ فهلّا جاز فيهما التصغير كما جاز فيه؟ فإن قلتم "إن ذلك لم يسمع من العرب" قلنا: كما قلتم، ثم فرقنا بينهما، وذلك أنهما وإن كانا لا يتصرفان فهما أشبه منه بالأفعال المتصرفة، وذلك من ثلاثة أوجه؛ أحدها: اتصال الضمير بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف نحو قولهم "نعما رجلين، ونعموا رجالًا" والثاني: اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما نحو "نعمت المرأة، وبئست الجارية" والثالث: أنهما يرفعان الظاهر والمضمر كالفعل المتصرف، فلما قربا من الفعل المتصرف هذا القرب بَعُدَا من الاسم؛ فلهذا لم يجز تصغيرهما، بخلاف فعل التعجب على ما بيَّنَّا، وأما مثال "أَفْعِل به" فإنما لم يجزْ تصغيره لأنه لا نظير له في الأسماء إلا أصْبِغ؛ وهي لغة رديئة في إصْبَع وفيها سبع لغات: فُصْحَاهنّ إصبع -بكسر الهمزة وفتح الباء- ثم أصبع -بضم الهمزة وفتح الباء- ثم أصبع -بفتح الهمزة والباء- ثم أصبع -بضم الهمزة والباء- ثم إصبع -بكسر الهمزة والباء- ثم أصبع -بفتح الهمزة وكسر الباء- ثم أصبوع وإذا لم يكن له في كلامهم نظير سوى هذا الحرف في لغة رديئة باعَدَه ذلك من الاسم، فلم يجز فيه التصغير. ألا ترى أن وزن الفعل الذي يغلب عليه أو يخُصُّه أحد الأسباب المانعة من الصرف، فإذا كان الاسم يقرب من الفعل لمجيئه على بعض أبنيته حتى يكون ذلك علة مانعة له من الصرف فكذلك الفعل يبعد من الاسم لمخالفته له في البناء، هذا مع أن لفظه لفظ الأمر، والأمر يختص به الفعل، فأما ما جاء من الأسماء مضمنًا معنى.
стр. 113
الأمر نحو "صَهْ، ومَهْ" وما أشبه ذلك فإنه أقيم مقام الأفعال وهي الأصل في الأمر، وإنما فعلوا ذلك توخِّيًا للاختصار لئلا يفتقر إلى إظهار ضمير التثنية والجمع والتأنيث الذي يظهر في الفعل نحو "اسْكُتَا، واسكُتُوا، واسكُتْنَ" وما أشبه ذلك.
وأما قولهم "الدليل على أنه اسم تصحيح عينِهِ في "ما أقوَمَهُ، وما أَبْيَعَهُ" قلنا: التصحيح حصل له من حيث حصل له التصغير، وذلك بحمله على باب أفعل الذي للمفاضلة، فصحح كما صحح من حيث إنه غلب عليه شبَهُ الأسماء بأن ألزم طريقة واحدة، والشبه الغالب على الشيء لا يخرجه عن أصله، ألا ترى أن الأسماء التي لا تنصرف لما غلب عليها شبه الفعل منعت الجر والتنوين كما منعهما الفعل، ولم تخرج بشبهها للفعل عن أن تكون أسماء؛ فكذلك ههنا: تصحيح العين في نحو: "ما أَقْوَمَهُ، وما أبيعه" لا يخرجه عن أن يكون فعلا، على أن تصحيحه غير مستنكر في كلامهم؛ فإنه قد جاءت أفعال متصرفة مصححة في نحو قولهم: أَغْيَلَتِ المرأة، وأَغْيَمَتِ السماء، واسْتَنْوَقَ الجمل، واسْتَتْيَسَتِ الشاة، واسْتَحْوَذَ يستحوذ. قال الله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] وقد قرأ الحسن البصري: "حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَُهَا وَأََزْيَنَتْ" على وزن أَفْعَلَتْ، ونحو قولهم: اسْتَصْوَبْتُ، وأَجْوَدْتُ، وأطيبت، وأطولت، قال الشاعر:
[٨٨]
صَدَدْتِ وأطولت الصُّدُودَ، وقَلَّمَا ... وِصَالٌ على طُول الصُّدُودِ يَدُومُ
стр. 114
وإذا جاء التصحيح في هذه الأفعال المتصرفة تنبيهًا على الأصل مع بُعدها عن الاسم فما ظنك بالفعل الجامد الذي لا يتصرف؟
فإن قالوا: التصحيح في هذه الأفعال إنما جاء عن طريق الشذوذ، وتصحيح أَفْعَلَ في التعجب قياس مطرد.
قلنا: قد جاء التصحيح في الفعل المتصرف على غير طريق الشذوذ، وذلك نحو تصحيح "حَوِلَ، وعَوِرَ، وصَيِدَ" حملًا على "احْوَلّ، واعْوَرّ، واصْيَدّا" وكذلك جاء التصحيح أيضًا في قولهم "اجْتَوْرَوْا، واعْتَوْنَوْا" حملًا على "تَجَاوَروا، وتَعَاوَنُوا" فكذلك أيضًا ههنا: حمل "ما أقومه وما أبيعه" على "هذا أقوم منك، وأبيع منك" ومع هذا فلا ينبغي أن تحكموا له بالاسمية لتصحيحه؛ لأن أفعل به قد جاء مصححًا وهو فعل، كما أن التصحيح في قولهم "أَقْوِمْ به، وأَبْيِعْ به" لا يخرجه عن كونه فعلًا، فكذلك التصحيح في ما أفعله لا يخرجه عن كونه فعلًا.
وأما قولهم "لو كان التقدير فيه شيء أَحْسَنَ زيدًا لوجب أن يكون التقدير في قولنا ما أَعْظَمَ الله شيء أعظم الله، والله تعالى عظيم لا بِجَعْلِ جاعل" قلنا: معنى.
стр. 115
قولهم شيء أعظم الله أي وَصَفَهُ بالعظمة، كما يقول الرجل إذا سمع الأذان: كَبَّرْتَ كبيرًا، وعَظَّمَتَ عَظِيمًا، أي وصفته بالكبرياء والعظمة، لا صيّرته كبيرًا عظيمًا، فكذلك ههنا، ولذلك الشيء ثلاث معانٍ: أحدها: أن يُعْنَى بالشيء مَنْ يعظمه من عباده، والثاني: أن يعنى بالشيء ما يدل على عظمة الله تعالى وقدرته من مصنوعاته: والثالث: أن يعنى به نفسه، أي أنه عظيم لنفسه لا لشيء جعله عظيمًا، فرقًا بينه وبين خلقه.
وحُكِيَ أن بعض أصحاب أبي العباس محمد بن يزيد الْمُبَرِّد قَدِمَ من البصرة إلى بغداد قبل قدوم الْمُبَرِّد إليها، فحضر في حلقة أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، فسئل عن هذه المسألة، فأجاب بجواب أهل البصرة، وقال: التقدير في قولهم "ما أحسن زيدًا" شيء أحسن زيدًا، فقيل له: ما تقول في قولنا "ما أعظم الله"؟ فقال: شيء أعظم الله، فأنكروا عليه، وقالوا: هذا لا يجوز؛ لأن الله تعالى عظيم لا بِجَعْلِ جاعل، ثم سَحَبُوه من الحلقة وأخرجوه، فلما قَدِمَ الْمُبَرِّد إلى بغداد أوردوا عليه هذا الإشكال، فأجاب بما قدمنا من الجواب، فبَانَ بذلك قبح إنكارهم عليه، وفساد ما ذهبوا إليه.
وقيل: يحتمل أن يكون قولنا "شيء أعظم الله" بمنزلة الإخبار أنه عظيم، لا على معنى شيء أعظمه؛ فإن الألفاظ الجارية عليه سبحانه يجب حملها على ما يليق بصفاته، ألا ترى أن "عسى، ولعل" فيها طَرَفٌ من الشك، ولايحمل في حقه سبحانه على الشك، وكذلك الامتحان يحمل منا على معانٍ تستحيل في حقه سبحانه، إلى غير ذلك مما لا يُحْصَى كثرةً، فكذلك ههنا: يكون المراد بقولهم "ما أعظم الله" الإخبار أنه عظيم، لا شيء جعله عظيمًا لاستحالته؛ وإن كان ذلك يقدَّر في غيره لجوازه وعدم استحالته.
وأما قول الشاعر
[٧٩]
ما أَقْدَرَ اللهَ أن يُدْنِي على شَحَطٍ ... مَنْ دَارُه الحَزْنُ ممن دَارُهُ صُولُ
فإنه وإن كان لفظه تعجب فالمراد به المبالغة في وصف الله تعالى بالقدرة، كقوله تعالى ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] فجاء بصيغة الأمر، وإن لم يكن في الحقيقة أمرًا؛ لامتناع ذلك في حق الله تعالى، وإن شئت قدَّرته تقدير: "ما أَعْظَمَ الله" على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
стр. 116
١٦- مسألة: [القول في جواز التعجب من البياض والسواد، دون غيرهما من الألوان] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يستعمل "ما أفعله" في التعجب من البياض والسود خاصة، من بين سائر الألوان، نحو أن تقول: هذا الثوب ما أَبْيَضَهُ، وهذا الشعر ما أَسْوَدَهُ. وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوّزنا ذلك للنقل، والقياس:
أما النقل فقد قال الشاعر:
[٨٩]
إذا الرجال شَتَوْا واشْتَدّ أَكْلُهُمُ ... فأنت أبيضُهُم سِرْبَالَ طَبَّاخِ
стр. 117
وَجْهُ الاحتجاج أنه قال "أَبْيَضُهُمْ" وإذا جاز ذلك في "أفعلهم" جاز في "ما أَفْعَلَه وأَفْعِلْ به" لأنهما بمنزلة واحدة في الباء، وقد قال الشاعر:
[٩٠]
جارية في دِرْعِهَا الفَضْفَاضُ ... تُقَطِّعُ الحديث بالإِيمَاضِ
أبيضُ من أخت بني أَبَاضِ
فقال "أبيض" وهو أفعل من البياض، وإذا جاز ذلك في أفعل من كذا جاز في ما أفعله وأفعل به؛ لأنهما بمنزلة واحدة في هذا الباب، ألا ترى أن ما لا يجوز فيه
стр. 118
ما أفعله يجوز فيه أفعل من كذا، وكذلك بالعكس منه: وكذلك بالعكس منه: ما جاز فيه ما أفعله جاز فيه أفعل من كذا، فإذا ثبت أنه يمتنع في كل واحد منهما ما يمتنع في الآخر، ويجوز فيه ما يجوز في الآخر، دلّ على أنهما بمنزلة واحدة، وكذلك القول في "أَفْعِل به" في الجواز والامتناع، فإذا ثبت هذا فوجب أن يجوز استعمال ما أفعله من البياض.
وأما القياس فقالوا: إنما جوزنا ذلك من السواد والبياض دون سائر الألوان لأنهما أصلا الألوان، ومنهما يتركب سائرها من الحمرة والصفرة والخضرة والصُّهْبَة والشُّهْبَة والكُهْبَة إلى غير ذلك، فإذا كانا هما الأصليين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لا يثبت لسائر الألوان؛ إذ كانا أصلين لها ومتقدمين عليها.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز استعمال "ما أفعله" من البياض والسواد أنا أجمعنا على أنه لا يجوز أن يستعمل مما كان لونًا غيرهما من سائر الألوان؛ فكذلك لا يجوز منهما، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يخلو امتناع ذلك: إما أن يكون لأن باب الفعل منهما أن يأتي على افْعَلّ نحو احمرّ واصفرّ واخضرّ وما أشبه ذلك، أو لأن هذه الأشياء مستقرة في الشخص لا تكاد تزول فجرت مجرى أعضائه، وأي العلتين قدرنا وجدنا المساواة بين البياض والسواد وبين سائر الألوان في علة الامتناع؛ فينبغي أن لا يجوز فيهما كسائر الألوان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقول الشاعر:
[٨٩]
فأنت أبيضهم سربال طباخ
فلا حجّة فيه من وجهين؛ أحدهما: أنه شاذ فلا يؤخذ به، كما أنشد أبو زيد:
[٩١]
يقول الخَنَا وأَبْغَضُ العُجْم نَاطقًا ... إلى ربِّنَا صوت الحمار اليُجَدَّعُ
стр. 119
ويَسْتَخْرِجُ اليَرْبُوعَ من نَافِقَائِهِ ... ومِنْ جُحْرِهِ بالشِّيخَةِ اليَتَقَصَّعُ
فأدخل الألف واللام على الفعل، وأجمعنا على أن استعمال مثل هذا خطأ لشذوذه قياسًا واستعمالًا، فكذلك ههنا، وإنما جاء هذا لضرورة الشعر، والضرورة لا يقاس عليها، كما لو اضطر إلى قصر الممدود على أصلنا وأصلكم أو إلى مَدِّ المقصور على أصلكم، وعلى ذلك سائر الضرورات ولا يدل جوازه في الضرورة على جوازه في غير الضرورة، فكذلك ههنا، فسقط الاحتجاج به. وهذا هو الجواب عن قول الآخر:
[٩٠]
أبيض من أخت بني أباض
والوجه الثاني: أن يكون قوله: "فأنت أبيضهم" أفعل الذي مؤنثه فَعْلَاء كقولك أبيض وبيضاء، ولم يقع الكلام فيه، وإنما وقع الكلام في أفعل الذي يراد به المفاضلة نحو "هذا أحسن منه وجهًا، وهو أحسن القوم وجهًا" فكأنه قال مُبْيَضّهم، فلما أضافه انتصب ما بعده عن تمام الاسم، وهذا هو الجواب عن قول الآخر:
[٩٠]
أَبْيَضُ من أخت بني أباض
ومعنا: في درعها جسد مُبيض من أخت بني أباض، ويكون "من أخت" ههنا في موضع رفع؛ لأنها صفة لأبيض، كأنه قال أبيضٌ كائنٌ من أخت، كقولهم "أنت كريمٌ من بن فلان" ونحوه قول الشاعر:
[٩٢]
وأبيضُ مِنْ ماء الحديد كأنّه ... شهابٌ بَدَا واللّيل داجٍ عَسَاكرُه
فقوله "من ماء الحديد" في موضع رفع؛ لأنه صفة أبيض، وتقديره وأبيض كائنٌ من ماء الحديد، ونحوه أيضًا قول الآخر
[٩٣]
لما دعاني السَّمْهَرِيُّ أجبتُهُ ... بأبيض من ماء الحديد صَقيلِ
وأما قولهم "إنما جوَّزنا ذلك لأنهما أصلان للألوان ويجوز أن يثبتَ للأصل ما لا يثبتُ للفرع" قلنا: هذا لا يستقيم، وذلك لأن سائر الألوان إنما لم يجز أن يستعمل منها "ما أفعله، وأفعل منه" لأنها لازمت مَحَالها، فصارت كعضوٍ من الأعضاء، فإذا كان هذا هو العلة فنقول: هذا على أصلكم ألزم، وذلك لأنكم تقولون: إن هذه الألوان ليست بأصل في الوجود، على ما تزعمون، بل هي مركبة من البياض والسواد؛ فإذا لم يجز مما كان متركبًا منها لملازمته المحل فلأن لا يجوز مما كان أصلًا في الوجود وهو ملازم للمحل كان ذلك من طريق الأولى، والله أعلم.
стр. 122
١٧- مسألة: [القول في تقديم خبر "ما زال" وأخواتها عليهن] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم خبر "ما زال" عليها، وما كان في معناها من أخواتها، وإليه ذهب أبو الحسن بن كَيْسَان، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك، وإليه ذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء من الكوفيين، وأجمعوا على أنه لا يجوز تقديم خبر "ما دَامَ" عليها.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "ما زال" ليس بنفي للفعل، وإنما هو نفي لمفارقة الفعل، وبيان أن الفاعل حاله في الفعل متطاولة، والذي يدل على أنه ليس بنفي إن "زال" فيه معنى النفي، و "ما" للنفي، فلما دخل النفي على النفي صار إيجابًا، والذي يدل على أن النفي إذا دخل على النفي صار إيجابًا، أنك إذا قلت "انتفى الشئ" كان ضدًا للإثبات، فإذا أدخلت عليه النفي نحو "ما انْتَفَى" صار موجبًا؛ فدل على أن نفي النفي إيجاب، وإذا كان كذلك صار "ما زال" بمنزلة "كان" في أنه إيجاب، وكما أن "كأن" يجوز تقديم خبرها عليها نفسها، فكذلك"ما زال" ينبغي أن يجوز تقديم خبرها عليها، ولذلك لم يقولوا "ما زال زيد إلا قائمًا" كما لم يقولوا "كان زيد إلا قائمًا" لأن "إلا" إنما يؤتى بها لنقض النفي، كقولك "ما مررت إلا بزيد، وما ضربت إلا زيدًا" نفيت المرور والضرب أولًا، وأدخلت "إلا" فأثبتهما لزيد، وأبطلت النفي ونقضته، ولهذا إذا قلتم إنها إذا دخلت على "ما" التي ترفع الاسم وتنصب الخبر أبطلت عملها؛ لأنها إنما عملت لشبهها بليس في أنها تنفي الحال، كم أن ليس تنفي الحال؛ فإذا دخلت "إلا" عليها أبطلت معنى النفي، فزال شبهها بليس، فبطل عملها؛ فإذا كان الكلام ثابتًا فلا يفتقر إلى إثباته؛ ألا ترى أنك لو قلت "مررت إلا بأحد" لم يجز؛ لأن إثبات الثابت
стр. 123
ونقض النفي مع تعرِّي الكلام منه محال، فدل على أن "ما زال" في الإثبات بمنزلة "كان" فكما لا يقال "كان زيد إلا قائمًا" فكذلك لا يقال "ما زال زيد إلا قائمًا" فأما قول الشاعر:
[٩٤]
حَرَاجِيجُ ما تَنْفَكُّ إلا مُنَاخَةً ... على الخسف أو نرمي بها بلدًا قَفْرَا
стр. 124
فالكلام عليه من أربعة أوجه؛ فالوجه الأول: أنه يروى "ما تنفك آلا مناخة" والآل: الشخص؛ يقال "هذا آلٌ قد بدا" أي شخص؛ وبه سمي الآل؛ لأنه يرفع الشخوص أول النهار وآخره؛ قال الشاعر:
[٩٥]
كأننا رَعْنُ قَفٍّ يرفع الآلَا
أي يرفعه الآل؛ وهو من المقلوب. والوجه الثاني: أنه يروى "ما تنفك إلا مناخَةٌ" بالرفع، فلا يكون فيه حجة. والوجه الثالث: أنه قد رُوِي بالنصب، ولكن ليس هو منصوبًا لأنه خبر "ما تنفك" وإنما خبرها "على الخسف" فكأنه قال: ما تنفك على الخسف، أي تُظْلَم إلا أن تناخ. والوجه الرابع: أنه جعل "ما تنفك"
стр. 125
كلمة تامة؛ لأنك تقول "انفكت يده" فتوهم فيه التمام، ثم استثنى، وهذا الوجه رواه هشام عن الكسائي.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم خبر "ما زال" عليها لأن "ما" للنفي، والنفي له صدر الكلام؛ فجرى مَجْرَى حرف الاستفهام في أن له صدر الكلام، والسّرّ فيه هو أن الحرف إنما جاء لإفادة المعنى في الاسم والفعل؛ فينبغي أن يأتِيَ قبلهما، لا بعدهما، وكما أن حرف الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله فكذلك ههنا، ألا ترى أنك لو قلت في الاستفهام "زيدًا أَضَرَبْتَ" لم يجز، لأنك تقدم ما هو متعلق بما بعد حرف الاستفهام عليه؛ فكذلك ههنا؛ إذا قلت "قائما ما زال زيدٌ" ينبغي أن لا يجوز لأنك تقدم ما هو متعلق بما بعد حرف النفي عليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن ما زال ليس بنفي للفعل، وإنما هو نفي لمفارقة الفعل، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابًا" قلنا: هذا حجة عليكم، فإنّا كما أجمعنا على أن "ما زال" ليس بنفي للفعل أجمعنا على أن "ما" للنفي، ثم لو لم تكن "ما" للنفي لما صار الكلام بدخولها إيجابًا، فالكلام إيجابءَ و "ما" نفي؛ بدليل أنا لو قدرنا زوال النفي عنها لما كان الكلام إيجابًا، وإذا كانت للنفي فينبغي أن لا يتقدم ما هو متعلق بما بعدها عليها؛ لأنها تستحق صدر الكلام كالاستفهام.
وأما "ما دام" فلم يجز تقديم خبرها عليها نفسها لأن "ما" فيه مصدرية لا نافية، وذلك المصدر بمعنى ظرف الزمان؛ ألا ترى أنك إذا قلت "لا أفعل هذا ما دام زيد قائمًا" كان التقدير فيه: زَمَنَ دوام زيد قائمًا، كقولك "جِئْتكَ مَقْدَمَ الحاجِّ، وخُفُوق النجم" أي زمن مقدم الحاج وزمن خفوق النجم، إلا أنه حُذِفَ المضاف الذي هو الزمن، وأقيم المصدر الذي هو المضاف إليه مقامه، وإذا كانت "ما" في"ما دام" بمنزلة المصدر فما كان من صلة المصدر لا يتقدم عليه، والله أعلم.
стр. 126
١٨- مسألة: [القول في تقديم خبر "ليس" عليها] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر "ليس" عليها، وإليه ذهب أبو العباس الْمُبَرِّد من البصريين، وزعم بعضهم أنه مذهب سيبويه، وليس بصحيح، والصحيح أنه ليس له في ذلك نص٢. وذهب البصريون إلى أنه يجوز تقديم خبر "ليس" عليها كما يجوز تقديم خبر كان عليها٣.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم خبر ليس عليها وذلك لأن "ليس" فعل غير متصرف؛ فلا يجري مجرى الفعل المتصرف كما أجريت "كأن" مجراه لأنها متصرفة، ألا ترى أنك تقول: كان يكون فهو كائن وكن، كما تقول: ضرب يضرب فهو ضارب ومضروب واضرب، ولا يكون ذلك في ليس، وإذا كان كذلك فوجب أن لا يجري مجرى ما كان فعلًا متصرفًا، فوجب أن لا يجوز تقديم خبره عليه كما كان ذلك في الفعل المتصرف؛ لأن الفعل إنما يتصرف عمله إذا كان متصرفًا في نفسه. فأما إذا كان غير متصرف في نفسه فينبغي أن لا يتصرف علمه؛ فلهذا قلنا: لا يجوز تقديم خبره عليه، والذي يدل على هذا أن "ليس" في معنى ما؛ لأن ليس تنفي الحال كما أن ما تنفي الحال، وكما أن ما لا تتصرف ولا يتقدم معمولها عليها فكذلك ليس، على أن من النحويين من يُغَلِّبُ
стр. 127
عليها الحرفية، ويحتج بما حكي عن بعض العرب أنه قال: "ليس الطَّيب إلا المسك" فرفع الطيب والمسك جميعًا، وبما حكي أن بعض العرب قيل له: فلان يتهدَّدك، فقال: "عليه رجلًا ليسي" فأتى بالياء وحدها من غير نون الوقاية، ولو كان فعلًا لوجب أن يأتي بها كسائر الأفعال، ولأنها لو كانت فعلًا لكان ينبغي أن يرد إلى الأصل إذا اتصلت بالتاء فيقال في لست "لَيِسْتُ" ألا ترى أنك تقول في صَيِد البعيرُ "صِيْدَ البعيرُ" فلو أدخلت عليه التاء لقلت "صَيِدْتَ" فرددته إلى الأصل وهو الكسر، فلما لم يردّ ههنا إلى الأصل -وهو الكسر- دلّ على أن المغلَّبَ عليه الحرفية، لا الفعلية، وقد حكى سيبويه في كتابه أن بعضهم يجعل ليس بمنزلة ما في اللغة التي لا يعملون فيها "ما"؛ فلا يعملون ليس في شيء، وتكون كحرف من حروف النفي؛ فيقولون: ليس زيد منطلق، وعلى كل حال فهذه الأشياء وإن تكن كافية في الدلالة على أنها حرف فهي كافية في الدلالة على إيغالها في شبه الحرف، وهذا ما لا إشكال فيه، وإذا ثبت أنها لا تتصرف وأنها موغلة في شبه الحرف فينبغي أن لا يجوز تقديم خبرها عليها، ولأن الخبر مجحود فلا يتقدم على الفعل الذي جحده على ما بيَّنَّا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على جواز تقديم خبرها عليها قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] وَجْهُ الدليل من هذه الآية أنه قدَّم معمول خبر ليس على ليس، فإن قوله ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ يتعلق بمصروف، وقد قدمه على ليس، ولو لم يجز تقديم خبر ليس على ليس وإلا لما جاز تقديم معمول خبرها عليها؛ لأن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل، ألا ترى أنه لم يجز أن تقول "زيدًا أكرمت" إلا بعد أن جاز "أكرمت زيدًا" فلو لم يجز تقديم "مصروف" الذي هو خبر ليس على ليس، وإلا لما جاز تقديم معموله عليها، والذي يدل على ذلك أن الأصل في العمل للأفعال، وهي فعل، بدليل إلحاق الضمائر وتاء التأنيث الساكنة بها، وهي تعمل في الأسماء المعرفة والنكرة والظاهرة والمضمرة كالأفعال المتصرفة، فوجب أن يجوز تقديم معمولها عليها، وعلى هذا تخرج "نعم، وبئس، وفعل التعجب وعسى" حيث لا يجوز تقديم معمولها عليها، أما "نعم، وبئس" فإنهما لا يعملان في المعارف الأعلام، بخلاف "ليس" فنقصَتَا عن رتبتها، وأما فعل التعجب فأجروه مجرى الأسماء لجواز تصغيره فبعُد عن الأفعال، ومع هذا فلا يتصل به ضمير الفاعل، وإنما يضمر فيه، ولا تلحقه أيضًا تاء التانيث، بخلاف "ليس" فنقص عن رتبتها، وأما "عسى" وإن كانت تلحقها الضمائر وتاء التأنيث.
стр. 128
كليس، إلا أنها لا تعمل في جميع الأسماء، ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون معمولها إلا "أنْ" مع الفعل نحو "عسى زيد أن يقوم" ولو قلت"عسى زيد القيام" لم يجز؛ فأما قولهم في المثل "عسى الغُوَيْرَ أَبْؤُسًا" فهو من الشاذ الذي لا يقاس عليه، فلما كان مفعولها مختصًّا بخلاف "ليس" نقصت عن رتبة ليس؛ فجاز أن يمنع من تقديم معمولها عليها، ولا يجوز أن تقاس "ليس" على ما في امتناع تقديم خبرها عليها؛ لأن ليس تخالف ما، بدليل أنه يجوز تقديم خبر ليس على اسمها نحو "ليس قائمًا زيد" ولا يجوز تقديم خبر ما على اسمها؛ فلا يقال: "ما قائمًا زيد" وإذا جاز أن تخالف ليس "ما" في جواز تقديم خبرها على اسمها جاز أن تخالفه في جواز تقديم خبرها عليها، وتلحق بأخواتها.
والصحيح عندي ما ذهب إليه الكوفيُّون.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] فلا حجة لهم فيه؛ لأنا لا نسلم أن ﴿يَوْمَ﴾ متعلق بمصروف، ولا أنه منصوب، وإنما هو مرفوع بالابتداء، وإنما بني على الفتح لإضافته إلى الفعل، كما قرأ نافع والأَعْرَج قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ فإن ﴿يَوْمَ﴾ في موضع رفع، وبني على الفتح لإضافته إلى الفعل، فكذلك ههنا. وإن سلمنا أنه منصوب إلا أنه منصوب بفعل مقدر دلّ عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] وتقديره: يلازمهم يوم يأتيهم العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيقُولُنَّ مَا يحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] .
وأما قولهم "إن الأصل في العمل للأفعال، وهي فعل يعمل في الأسماء المعرفة والنكرة والمظهرة والمضمرة" قلنا: هذا يدل على جواز إعمالها؛ لأنها فعل، والأصل في الأفعال أن تعمل، ولا يدل على جواز تقديم معمولها؛ لأن تقديم المعمول على الفعل يقتضي تصرف الفعل في نفسه، و "ليس" فعل غير متصرف، فلا يجوز تقديم معموله عليه؛ فنحن عملنا بمقتضى الدليلين: فأثبتنا لها أصل العمل لوجود أصل الفعلية، وسلبناها وصف العلم لعدم وصف الفعلية وهو التصرف؛ فاعتبرنا الأصل بالأصل؛ والوصف بالوصف. والذي يشهد لصحة ذلك الأفعال المتصرفة نحو ضرب وقتل وشتم، فإنها لما كانت أفعالًا متصرفة أُثْبِتَ لها أصل العمل ووصفُهُ؛ فجاز إعمالها، وجاز تقديم معمولها عليها نحو "عمرًا ضَرَبَ زيدٌ" وكذلك سائرها، والأفعال غير المتصرفة نحو عسى ونعم وبئس وفعل التعجب خصوصًا على مذهب البصريين؛ فإنها لما كانت أفعالًا غير متصرفة أثبت لها أصل العمل فجاز إعمالها، وسلبت وصف العمل؛ فلم يجز تقديم معمولها عليها فكذلك ههنا.
стр. 129
وأما قولهم: "إنه لا يجوز أن تقاس ليس على ما" قلنا: قد بيَّنَّا وجه المناسبة بينهما واتفاقهما في المعنى؛ لأن كل واحد منهما لنفي الحال كالآخر.
وقولهم "إن ليس تخالف ما؛ لأنه يجوز تقديم خبر ليس على اسمها، بخلاف ما" قلنا: ليس من شرط القياس أن يكون المقيس مساويًا للمقيس عليه في جميع أحكامه، بل لا بُدّ أن يكون بينهما مُغَاير في بعض أحكامه.
قولهم: "فإذا جاز أن تخالفها في تقديم خبرها على اسمها جاز أن تخالفها في تقديم خبرها عليها" قلنا: هذا لا يلزم؛ لأن "ليس" أخذت شبها من كان؛ لأنها فعل كما أنها فعل، وشبها من ما لأنها تنفي الحال كما أنها تنفي الحال، وكان يجوز تقديم خبرها عليها، وما لا يجوز تقديم خبرها على اسمها، فلما أخذت شبهًا من كان وشبهًا من ما صار لها منزلة بين المنزلتين، فجاز تقديم خبرها على اسمها؛ لأنها أقوى من ما؛ لأنها فعل وما حرف، والفعل أقوى من الحرف، ولم يجز تقديم خبرها عليها؛ لأنها أضعف من كان؛ لأنها لا تتصرف وكان تتصرف، وهذا في غاية الوضوح والتحقيق، والله أعلم
стр. 130
١٩- مسألة: [القول في العامل في الخبر بعد "ما" النافية النصب] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "ما" في لغة أهل الحجاز لا تعمل في الخبر، وهو منصوب بحذف حرف الخفض. وذهب البصريون إلى أنها تعمل في الخبر، وهو منصوب بها.
أما الكوفيون فاحتجوا بها، قالوا: إنما قلنا إنها لا تعمل في الخبر، وذلك لأن القياس في "ما" أن لا تكون عاملة ألبتة؛ لأن الحرف إنما يكون عاملًا إذا كان مختصًّا، كحرف الخفض لما اختص بالأسماء عمل فيها، وحرف الجزم لما اختص بالأفعال عَمِلَ فيها، وإذا كان غير متخص فوجب أن لا يعمل كحرف الاستفهام والعطف؛ لأنه تارة يدخل على الاسم، نحو "ما زيد قائم" وتارة يدخل على الفعل، نحو "ما يقوم زيد" فلما كانت مشتركة بين الاسم والفعل وجب أن لا تعمل؛ ولهذا كانت مهملة غير معملة في لغة بني تميم، وهو القياس، وإنما أعملها أهل الحجاز لأنهم شَبَّهُوها بليس من جهة المعنى، وهو شَبَهٌ ضعيف فلم يَقْوَ على العمل في الخبر كما عملت ليس؛ لأن ليس فعل، وما حرف، والحرف أضعف من الفعل، فبطل أن يكون منصوبًا بما، ووجب أن يكون منصوبًا بحذف حرف الخفض؛ لأن الأصل "ما زيد بقائم" فلما حذف حرف الخفض وجب أن يكون منصوبًا؛ لأن الصفات منتصبات الأنفس، فلما ذهبت أبقت خلفًا منها، ولهذا لم يجز النصب إذا قُدِّمَ الخبر، نحو "ما قائم زيد" أو دخل حرف الاستثناء نحو "ما زيد إلا قائم" لأنه لا يحسن دخول الباء معهما؛ فلا يقال "ما بقائم زيدٌ، وما زيدٌ إلا بقائم" فدلّ ذلك على ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن "ما" تنصب الخبر وذلك
стр. 131
أن ما أشبهت ليس؛ فوجب أن تعمل عمل ليس، وعمل ليس الرفع والنصب ووجه الشبه بينها وبين ليس من وجهين؛ أحدهما: أنها تدخل على المبتدأ والخبر، كما أن ليس تدخل على المبتدأ والخبر، والثاني: أنها تنفي ما في الحال، كما أن ليس تنفي ما في الحال، ويُقَوِّي الشبه بينهما من هذين الوجهين دخول الباء في خبرها كما تدخل في خبر ليس؛ فإذا ثبت أنها قد اشبهت ليس من هذين الوجهين فوجب أن تجري مجراه؛ لأنهم يَجْرُون الشيء مِجْرَى الشيء إذا شابهه من وجهين، ألا ترى أن ما لا ينصرف لما أشبه الفعل من وجهين أُجْرِي مُجْرَاه في منع الجر والتنوين، فكذلك ههنا: لما أشبهت ما ليس من وجهين وجب أن تعمل عملها؛ فوجب أن ترفع الاسم وتنصب الخبر كليس على ما بيَّنَّا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن القياس يقتضي أن لا تعمل" قلنا: كان هذا هو القياس، إلا أنه وجد بينها وبين ليس مشابهة اقتضت أن تعمل عملها، وهي لغة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] وقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] .
قولهم "إن أهل الحجاز أعملوها لشبه ضعيف، فلم يَقْوَ أن تعمل في الخبر" قلنا: هذا الشبه قد أوجب لها أن تعمل عملها، وهي ترفع الاسم وتنصب الخبر، على أنا قد عملنا بمقتضى هذا الضعف؛ فإنه يبطل عملها إذا تقدم خبرها على اسمها، أو إذا دخل حرف الاستثناء، أو إذا فُصِلَ بينها وبين معمولها بأن الخفيفة، ولولا ذلك الضعف لوجب أن تعمل في جميع هذه المواضع.
وأما دعواهم أن الأصل "ما زيد بقائم" فلا نسلم، وإنما الأصل عدمها، وإنما أدخلت لوجهين؛ أحدهما: أنها أُدْخِلَت توكيدًا للنفي، والثاني: ليكون في خبر ما بإزاء اللام في خبر إنَّ؛ لأن ما تنفي ما تثبته إن، فجعلت الباء في خبرها نحو "ما زيد بقائم" لتكون بإزاء اللام في نحو "إنَّ زيدًا لقائم" كما جعلت السين جواب لن، ألا ترى أنك تقول "لن يفعل" فيكون الجواب "سيفعل" وكذلك جعلت قد جواب لما، ألا ترى أنك تقول "لما يفعل" فيكون الجواب "قد فعل" ولو حذفت لما فقلت "يفعل" لكان الجواب "فعل" من غير قد؛ فدل على أن قد جواب لمَّا، فكذلك ههنا.
وقولهم "إنه لما حذف حرف الخفض وجب أن يكون منصوبًا؛ لأن الصفات منتصبات الأنفس، فلما ذهبت أبقت خلفًا منها" قلنا: هذا فاسد؛ لأن الباء كانت في نفسها مكسورة غير مفتوحة، وليس فيها إعراب؛ لأن الإعراب لا يقع على حروف المعاني، ثم لو كان حذف حرف الخفض يوجب النصب كما زعموا لكان ذلك يجب في كل موضع يحذف فيه، ولا خلاف أن كثيرًا من الأسماء تدخلها.
стр. 132
حروف الخفض ولا تنتصب بحذفها، كقولك: كفى بالله شهيدًا، وكفي بالله نصيرًا" ولو حذفت حرف الخفض لقلت: كفى الله شهيدًا، وكفى الله نصيرًا، بالرفع، كما قال رجل من الأزد:
[٩٦]
لما تَعَيَّا بالقَلُوصِ ورَحْلِهَا ... كفى الله كعبًا ما تَعَيَّا بِهِ كَعْبُ
وقال عبد بني الحَسْحَاس:
[٩٧]
عميرةَ وَدِّعْ إنْ تَجَهّزَتَ غاديًا ... كفى الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا
стр. 133
وقال الآخر:
[٩٨]
أعان عليّ الدهر إذ حلَّ بَرْكُةُ ... كفى الدهر لو وَكّلْتَهُ بي كافيًا
وكذلك قالوا "بحسبك زيد، وما جاءني من أحد" وقال الشاعر:
[٩٩]
بحسبك أن قد سُدْتَ أَخْزَمَ كلَّها ... لكلِّ أناس سادةٌ ودعائمُ
وقال الآخر:
[١٠٠]
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غنيّ مضرّ
стр. 134
وقال الآخر:
[١٠١]
وقفت فيها أُصَيْلَانًا أُسَائِلُها ... أعيتْ جوابًا، وما بالرّبْعِ من أحَدِ
وقال الأخر:
[١٠٢]
ألا هل أتاها والحوادث جَمَّةٌ ... بأن امرأ القيس بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا
стр. 135
وإذا حذفوا حرف الخفض قالوا "حسبك زيد، وما جاءني أحد" بالرفع لا غير، وكذلك جميع ما جاء من هذا النحو، ولو كان كما زعموا لوجب أن يكون منصوبًا؛ فلما وقع الإجماع على وجوب الرفع دلّ على فساد ما ادَّعُوه، والله أعلم.
стр. 136
٢٠- مسألة: [القول في تقديم معمول خبر"ما" النافية عليها]
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز "طَعَامَكَ ما زيدٌ آكِلًا" وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز. وذهب أبو العباس أحمد بن يحيى ثَعْلَب من الكوفيين إلى أنه جائز من وجه فاسد من وجه؛ فإن كانت "ما" ردًا لخبر كانت بمنزلة لم ولا يجوز التقديم، كما تقول لمن قال في الخبر "زيد أكل طعامك" فترد عليه نافيًا "ما زيد آكلًا طعامك" فمن هذا الوجه يجوز التقديم؛ فتقول "طعامك ما زيد آكلًا" فإن كان جوابًا للقسم إذا قال "والله ما زيد بآكل طعامك" كانت بمنزلة اللام في جواب القسم؛ فلا يجوز التقديم.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوزنا ذلك لأن ما بمنزلة لم ولن ولا؛ لأنها نافية كما أنها نافية، وهذه الأحرف يجوز تقديم معمول ما بعدها عليها، نحو "زيدًا لم أضرب، وعمرا لن أُكْرِم، وبشرًا لا أُخْرِجُ" فإذا جاز التقديم مع هذه الأحرف فكذلك مع ما.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن "ما" معناها النفي، ويليها الاسم والفعل؛ فأشبهت حرف الاستفهام، وحرف الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله، فكذلك ههنا: "ما" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن ما بمنزلة لم ولن ولا" قلنا لا نسلم؛ لأن "ما" يليها الاسم والفعل، وأما لم ولن فلا يليهما إلا الفعل؛ فصارا بمنزلة بعض الفعل، بخلاف ما فإنها يليها الاسم والفعل، وأما لا فإنما جاز التقديم معها وإن كانت يليها الاسم والفعل لأنها حرف متصرف فعمل ما قبله فيما بعده، ألا ترى أنك تقول: "جئت بلا شيء" فيعمل ما قبله فيما بعده؛ فإذ جاز أن يعمل ما قبله فيما بعده جاز أن يعمل ما بعده فيما قبله، فَبَانَ الفرق بينهما.
وأما ما ذكره أبو العباس ثَعْلَب من التفصيل -من أنه إذا كانت ردًّا لخبر جاز التقديم، وإن كانت جوابًا للقسم لم يجز- ففاسد؛ لأن ما في كلا القسمين نافية؛ فينبغي أن لا يجوز التقديم فيهما جميعا؛ لما بيَّنَّا، والله أعلم.
стр. 137
٢١- مسألة: [القول في تقديم معمول الفعل المقصور عليه] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز "ما طعامك أكل إلا زيدٌ".
وذهب البصريون إلى أنه يجوز، وإليه ذهب أبو العباس أحمد بن يحيى ثَعْلَب من الكوفيين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في"زيد" أن لا يكون هو الفاعل، وإنما الفاعل في الأصل محذوف قبل إلَّا؛ لأن التقدير فيه: ما أكل أحد طعامك إلا زيدٌ، والذي يدل على ذلك قولهم "ما خرج إلا هند، وما ذَهَبَ إلا دعدٌ" ولو كان الفعل لدعد وهند في الحقيقة لأثبتوا فيه علامة التأنيث؛ لأن الفاعل مؤنث حقيقي، فلما لم يثبتوا في الفعل علامة دلّ على أن الفاعل هو "أحد" المحذوف، ويدل عليه أيضًا، أن "إلا" بابها الاستثناء، والاستثناء يجب أن يكون من الجملة، ولا بُدّ أن يقدر قبلها ما يصحّ أن يكون الذي بعدها مستثنى منه؛ فوجب أن يكون التقدير: ما أكل أحد طعامك إلا زيد، إلا أنه اكتفى بالفعل من "أحد" فصار بمنزلته، والاسم لا يتقدم صلته عليه، ولا يفرق بينها وبينه، فكذلك الفعل الذي قام مقامه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوزنا ذلك لأن "زيد" مرفوع بالفعل، والفعل متصرف؛ فجاز تقديم معموله عليه كقولهم "عمرًا ضَرَبَ زيدٌ" وكذلك سائر الأفعال المتصرفة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل ألا يكون زيد هو الفاعل؛ لأن التقدير؛ ما أكل أحد طعامك إلا زيدًا" قلنا: لا نسلم أن "أحدًا" مقدَّر من جهة اللفظ، وإنما هو مقدر من جهة المعنى، كما أن المعنى يدل على أن
стр. 138
"عَرَقًا" في قولهم "تصبب زيد عرقًا" فاعل معنى، وإن لم يكن فاعلًا لفظًا، ولهذا لم تثبت علامة التأنيث في قولهم "ما خرج إلا هند، وما ذهب إلا دعد" وما أشبه ذلك، على أنه قد حذف علامة التأنيث الحقيقي مع الفصل في قولهم "حَضَرَ القاضي اليوم امرأة" وقال الشاعر:
[١٠٣]
إن امرأ غرَّهُ منكنَّ واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ
وقال الآخر:
[١٠٤]
لقد وَلَدَ الأخيطل أُمُّ سَوْءٍ ... على قِمْعِ اسْتِهَا صُلُبٌ وَشَامُ
فقال "ولد" ولم يقل "ولدت".
وأما قولهم "إنه اكتفى بالفعل من أحد" قلنا: لا نسلم أن الفعل اكتفى به من الاسم؛ لأن الفعل لا بُدّ له من فاعل، وإنما الاسم بعد "إلا" قام مقامه واكتفى به منه؛ لأنه لما حذف المستثنى منه قبل "إلا" قام ما بعد "إلا" حين حذفته مقامه، كما يقوم المفعول مقام الفاعل إذا حذف نحو "ضُرِب زيد، وأُعْطِي عمرو درهمًا،
стр. 139
وكُسِيَ عمرو قميصًا" وما أشبه ذلك، وهذا لا يوجب أن يجري الفعل مجرى الاسم في امتناع تقديم معموله عليه، ألا ترى أنك تقول: "درهمًا أُعْطِيَ زيد، وقميصًا كُسِيَ عمرو ".
ثم لو سلمنا أن الأمر على ما زعمتم فالفعل إنما جاز تقديم معموله عليه لتصرفه في نفسه، وهذا المعنى الذي ادَّعيتموه، لم يوجب تغير الفعل عن تصرفه في نفسه؛ فينبغي أن يجوز تقديم معموله عليه كسائر الأفعال المتصرفة، والله أعلم.
стр. 140
٢٢- مسألة: "القول في رافع الخبر بعد "إنَّ" المؤكدة " ١
ذهب الكوفيون إلى أن "إنَّ" وأخواتها لا ترفع الخبر، نحو "إنَّ زيدًا قائم" وما أشبه ذلك. وذهب البصريون إلى أنها ترفع الخبر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن الأصل في هذه الأحرف أن لا تنصب الاسم، وإنما نصبته لأنها أشبهت الفعل؛ فإذا كانت إنما عملت لأنها أشبهت الفعل فهي فَرْعٌ عليه، وإذا كانت فرعًا عليه فهي أضعف منه؛ لأن الفرع أبدًا يكون أضعف من الأصل؛ فينبغي أن لا يعمل في الخبر، جريًا على القياس في حَطّ الفروع عن الأصول؛ لأنا لو أعملناه عَمَلَه لأدَّى ذلك إلى التسوية بينهما، وذلك لا يجوز؛ فوجب أن يكون باقيًا على رفعه قبل دخولها. والذي يدلُّ على ضعف عملها أنه يدخل على الخبر ما يدخل على الفعل لو ابتدئ به، قال الشاعر:
[١٠٥]
لا تَتْرُكَنِّي فيهم شَطِيرًا ... إني إذن أَهْلِكَ أو أَطِيرَا
стр. 141
فنصب بـ "إذن".
والذي يدل على ذلك أيضًا أنه إذا اعترض عليها بأدنى شيء بطل عملها واكتفى به، كقولهم "إن بك يَكْفُلُ زيدٌ" كأنها رضيت بالصفة لضعفها، وقد روي أن ناسًا قالوا: "إن بك زيد مأخوذٌ" فلم تعمل "أن" لضعفها؛ فدلَّ على ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن هذه الأحرف تعمل في الخبر، وذلك لأنها قويت مشابهتها للفعل؛ لأنها أشبهته لفظًا ومعنًى، ووجه المشابهة بينهما من خمسة أوجه؛ الأول: أنها على وزن الفعل، والثاني: أنها مبنية على الفتح كما أن الفعل مبنيّ على الفتح، والثالث: أنها تقضي الاسم كما أن الفعل يقتضي الاسم، والرابع: أنها تدخلها نون الوقاية نحو "إنني، وكأنني" كما تدخل على الفعل نحو "أعطاني، وأكرمني" وما أشبه ذلك. والخامس: أن فيها معنى الفعل؛ فمعنى "إن، وأن" حَقَّقْتَ، ومعنى "كأن" شبهت، ومعنى "لكن" استدركت، ومعنى "ليت" تمنيت، ومعنى "لعل" ترجيت، فلما أشبهت الفعل من هذه الأوجه وجب أن تعمل عمل الفعل، والفعل يكون له مرفوع ومنصوب، فكذلك هذه الأحرف ينبغي أن يكون لها مرفوع ومنصوب؛ ليكون المرفوع مشبهًا بالفاعل والمنصوب مشبهًا بالمفعول، إلا أن المنصوب ههنا قُدِّم على المرفوع لأن عمل "إنَّ" فرعٌ، وتقديم المنصوب على المرفوع فرع؛ فألزموا الفرع الفرع، أو لأن هذه الحروف لما أشبهت الفعل لفظًا ومعنًى ألزموا فيها تقديم المنصوب على المرفوع ليعلم أنها حروف أشبهت الأفعال، وليست أفعالًا، وعدم التصرف فيما لا يدل على الحرفية؛ لأن لنا أفعالا لا تتصرف؛ نحو "نعم، وبئس، وعسى، وليس، وفعل التعجب، وحبذا"
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن هذه الأحرف إنما نصبتْ لشبه الفعل؛ فينبغي أن لا تعمل في الخبر؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع" قلنا: هذا يبطل باسم الفاعل؛ فإنه إنما عَمِلَ لشبه الفعل، ومع هذا فإنه
стр. 142
يعمل عَمَلَه، ويكون له مرفوع ومنصوب كالفعل، تقول: زيدٌ ضارب أبوه عمرًا، كما تقول: يضرب أبوه عمرًا.
والذي يدل على فساد ما ادَّعيتموه من ضعف عملها أنها تعمل في الاسم إذا فصلت بينها وبينه بظرف أو حرف جر، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١١٢] و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: ١٤٨] وما أشبه ذلك، على أنا قد عملنا بمتقضى كونها فرعًا، فإنا ألزمناها طريقة واحدة، وأوجبنا فيها تقديم المنصوب على المرفوع، ولم نُجَوِّز فيها لوجهين كما جوزنا مع الفعل؛ لئلا يجري مجرى الفعل فيُسَوَّى بين الأصل والفرع، وكان تقديم المنصوب أولى ليفرق بينها وبين الفعل؛ لأن الأصل أن يذكر الفاعل عقيب الفعل قبل ذكر المفعول، فلما قدم ههنا المنصوب وأخر المرفوع حصلت مخالفة هذه الأحرف للفعل وانحطاطها عن رتبته.
وقولهم "إن الخبر يكون باقيًا على رفعه قبل دخولها" فاسد، وذلك لأن الخبر على قولهم مرفوع بالمبتدأ، كما أن المبتدأ مرفوع به؛ فهما يترافعان، ولا خلاف الترافع قد زال بدخول هذه الأحرف على المبتدأ ونصبها إياه؛ فلو قلنا "إنه مرفوع بما كان يرتفع به قبل دخولها مع زواله" لكان ذلك يؤدي إلى أن يرتفع الخبر بغير عامل، وذلك محال.
وأما قولهم "الدليل على ضعف عملها أنه يدخل على الخبر ما يدخل على الفعل أو ابتدئ به كقول الشاعر:
[١٠٥]
إني إذن أهلك أو أطيرا
قلنا: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن هذا شاذ؛ فلا يكون فيه حجة، والثاني: أن الخبر ههنا محذوف، كأنه قال: لا تتركني فيهم غريبًا بعيدًا، إني أذلُّ إذن أهلك أو أطيرا، وحذف الفعل الذي هو الخبر؛ لأن في الثاني دلالة على الأول المحذوف، فإذن ما دخلت على الخبر، والثالث: أن يكون جعل ٨٤ "إذن أهلك أو أطيرا" في موضوع الخبر، كقولك "إنِّي لن أذهب" فشبَّه إذن بلن، وإن كانت لن لا يلغى في حال بخلاف إذن.
وأما قولهم "إن بك يكفل زيد" وإن بك زيد مأخوذ" فالتقدير فيه: إنه بك يكفل زيد، وإنه بك زيد مأخوذ، كما قال الراعي:
[١٠٦]
فلو أن حُقَّ اليوم منكم إقامةٌ ... وإنَّ كان سَرْحٌ قد مضى فَتَسَرَّعَا
стр. 143
أراد فلو أنه حُقَّ، ولو لم يرد الهاء لكان الكلام محالًا، وقال الأعشى:
[١٠٧]
إنَّ من لام في بني بِنْتِ حَسّا ... ن أَلُمْهُ وأَعْصِهِ في الخُطُوبِ
стр. 144
وقال أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلْتِ:
[١٠٨]
ولكنَّ من لا يَلْقَ أمرًا يَنُوبُهُ ... بِعُدَّتِهِ يَنْزِلْ به وهو أَعْزَلُ
وقال الآخر:
[١٠٩]
فلو كنت ضبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... ولكنِّي زنجيّ عظيم المَشَافِر
стр. 145
وقال الآخر:
[١١٠]
فَلَيْتَ دفعتَ الهمَّ عنِّي ساعةً ... فَبِتْنَا على ما خَيَّلَتْ نَاعِمِي بَالِ