فنصب بـ "إذن".
والذي يدل على ذلك أيضًا أنه إذا اعترض عليها بأدنى شيء بطل عملها واكتفى به، كقولهم "إن بك يَكْفُلُ زيدٌ" كأنها رضيت بالصفة لضعفها، وقد روي أن ناسًا قالوا: "إن بك زيد مأخوذٌ" فلم تعمل "أن" لضعفها؛ فدلَّ على ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن هذه الأحرف تعمل في الخبر، وذلك لأنها قويت مشابهتها للفعل؛ لأنها أشبهته لفظًا ومعنًى، ووجه المشابهة بينهما من خمسة أوجه؛ الأول: أنها على وزن الفعل، والثاني: أنها مبنية على الفتح كما أن الفعل مبنيّ على الفتح، والثالث: أنها تقضي الاسم كما أن الفعل يقتضي الاسم، والرابع: أنها تدخلها نون الوقاية نحو "إنني، وكأنني" كما تدخل على الفعل نحو "أعطاني، وأكرمني" وما أشبه ذلك. والخامس: أن فيها معنى الفعل؛ فمعنى "إن، وأن" حَقَّقْتَ، ومعنى "كأن" شبهت، ومعنى "لكن" استدركت، ومعنى "ليت" تمنيت، ومعنى "لعل" ترجيت، فلما أشبهت الفعل من هذه الأوجه وجب أن تعمل عمل الفعل، والفعل يكون له مرفوع ومنصوب، فكذلك هذه الأحرف ينبغي أن يكون لها مرفوع ومنصوب؛ ليكون المرفوع مشبهًا بالفاعل والمنصوب مشبهًا بالمفعول، إلا أن المنصوب ههنا قُدِّم على المرفوع لأن عمل "إنَّ" فرعٌ، وتقديم المنصوب على المرفوع فرع؛ فألزموا الفرع الفرع، أو لأن هذه الحروف لما أشبهت الفعل لفظًا ومعنًى ألزموا فيها تقديم المنصوب على المرفوع ليعلم أنها حروف أشبهت الأفعال، وليست أفعالًا، وعدم التصرف فيما لا يدل على الحرفية؛ لأن لنا أفعالا لا تتصرف؛ نحو "نعم، وبئس، وعسى، وليس، وفعل التعجب، وحبذا"
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن هذه الأحرف إنما نصبتْ لشبه الفعل؛ فينبغي أن لا تعمل في الخبر؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع" قلنا: هذا يبطل باسم الفاعل؛ فإنه إنما عَمِلَ لشبه الفعل، ومع هذا فإنه
стр. 142
يعمل عَمَلَه، ويكون له مرفوع ومنصوب كالفعل، تقول: زيدٌ ضارب أبوه عمرًا، كما تقول: يضرب أبوه عمرًا.
والذي يدل على فساد ما ادَّعيتموه من ضعف عملها أنها تعمل في الاسم إذا فصلت بينها وبينه بظرف أو حرف جر، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١١٢] و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: ١٤٨] وما أشبه ذلك، على أنا قد عملنا بمتقضى كونها فرعًا، فإنا ألزمناها طريقة واحدة، وأوجبنا فيها تقديم المنصوب على المرفوع، ولم نُجَوِّز فيها لوجهين كما جوزنا مع الفعل؛ لئلا يجري مجرى الفعل فيُسَوَّى بين الأصل والفرع، وكان تقديم المنصوب أولى ليفرق بينها وبين الفعل؛ لأن الأصل أن يذكر الفاعل عقيب الفعل قبل ذكر المفعول، فلما قدم ههنا المنصوب وأخر المرفوع حصلت مخالفة هذه الأحرف للفعل وانحطاطها عن رتبته.
وقولهم "إن الخبر يكون باقيًا على رفعه قبل دخولها" فاسد، وذلك لأن الخبر على قولهم مرفوع بالمبتدأ، كما أن المبتدأ مرفوع به؛ فهما يترافعان، ولا خلاف الترافع قد زال بدخول هذه الأحرف على المبتدأ ونصبها إياه؛ فلو قلنا "إنه مرفوع بما كان يرتفع به قبل دخولها مع زواله" لكان ذلك يؤدي إلى أن يرتفع الخبر بغير عامل، وذلك محال.
وأما قولهم "الدليل على ضعف عملها أنه يدخل على الخبر ما يدخل على الفعل أو ابتدئ به كقول الشاعر:
[١٠٥]
إني إذن أهلك أو أطيرا
قلنا: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن هذا شاذ؛ فلا يكون فيه حجة، والثاني: أن الخبر ههنا محذوف، كأنه قال: لا تتركني فيهم غريبًا بعيدًا، إني أذلُّ إذن أهلك أو أطيرا، وحذف الفعل الذي هو الخبر؛ لأن في الثاني دلالة على الأول المحذوف، فإذن ما دخلت على الخبر، والثالث: أن يكون جعل ٨٤ "إذن أهلك أو أطيرا" في موضوع الخبر، كقولك "إنِّي لن أذهب" فشبَّه إذن بلن، وإن كانت لن لا يلغى في حال بخلاف إذن.
وأما قولهم "إن بك يكفل زيد" وإن بك زيد مأخوذ" فالتقدير فيه: إنه بك يكفل زيد، وإنه بك زيد مأخوذ، كما قال الراعي:
[١٠٦]
فلو أن حُقَّ اليوم منكم إقامةٌ ... وإنَّ كان سَرْحٌ قد مضى فَتَسَرَّعَا
стр. 143
أراد فلو أنه حُقَّ، ولو لم يرد الهاء لكان الكلام محالًا، وقال الأعشى:
[١٠٧]
إنَّ من لام في بني بِنْتِ حَسّا ... ن أَلُمْهُ وأَعْصِهِ في الخُطُوبِ
стр. 144
وقال أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلْتِ:
[١٠٨]
ولكنَّ من لا يَلْقَ أمرًا يَنُوبُهُ ... بِعُدَّتِهِ يَنْزِلْ به وهو أَعْزَلُ
وقال الآخر:
[١٠٩]
فلو كنت ضبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ... ولكنِّي زنجيّ عظيم المَشَافِر
стр. 145
وقال الآخر:
[١١٠]
فَلَيْتَ دفعتَ الهمَّ عنِّي ساعةً ... فَبِتْنَا على ما خَيَّلَتْ نَاعِمِي بَالِ
стр. 146
وقال الآخر:
[١١١]
فليت كفافًا كان خَيْرُكَ كُلُّهُ ... وشَرُّكَ عني ما ارْتَوَى الماء مُرْتَوِي
أراد "ليته" إن جعلت "كفافًا" خبر كان مقدمًا عليها، والتقدير فيه: ليته كان خيرك وشرك كفافًا عني، أومكفوفين عني؛ لأن الكفاف مصدر فيقع على الواحد والاثنين والجميع، كقولهم: رجل عَدْلٌ ورِضًا، ورجلان عَدْل ورِضًا، وقوم عدل ورضًا، وما أشبه ذلك، وإن جعلت "كفافًا" منصوبًا بليت لم يكن من هذا الباب، والأول أجود.
والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النصب إلا ويعمل الرفع؛ فما ذهبوا إليه يؤدي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة، وذلك لا يجوز، فوجب أن تعمل في الخبر الرفع كما عملت في الاسم النصب على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
стр. 147
٢٣- مسألة: [القول في العطف على اسم "إنَّ" بالرفع قبل مجيء الخبر] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على موضع "إن" قبل تمام الخبر، واختلفوا بعد ذلك؛ فذهب أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي إلى أنه يجوز ذلك على كل حال، سواء كان يظهر فهي عمل "إن" أو لم يظهر، وذلك نحو قولك: "إن زيدًا وعمرو قائمان، وإنك وبكرٌ منطلقان". وذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء إلى أنه لا يجوز ذلك إلا فيما لم يظهر فيه عمل إن. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز العطف على الموضع قبل تمام الخبر على كل حال.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على جواز ذلك النقل والقياس:
أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ والنَصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩] وجه الدليل أنه عطف ﴿الصَّابِئِونَ﴾ على موضع "إن" قبل تمام الخبر -وهو قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: من الآية٦٢]- وقد جاء عن بعض العرب فيما رواه الثقات "إنَّك وزيد ذاهبان" وقد ذكره سيبويه٢ في كتابه؛ فهذان دليلان من كتاب الله تعالى ولغة العرب.
وأما من جهة القياس فقالوا: أجمعنا على أنه يجوز العطف على الموضع قبل تمام الخبر مع لا، نحو "لا رجلَ وامرأةٌ أفضلُ منك" فكذلك مع "إنَّ" لأنها بمنزلتها، وإن كانت إن للإثبات ولا للنفي؛ لأنهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، يدل عليه أنَّا أجمعنا على أنه يجوز العطف على الاسم بعد
стр. 148
تمام الخبر، فكذلك قبل تمام الخبر؛ لأنه لا فرق بينهما عندنا، وأنه قد عرف من مذهبنا أن "إنَّ" لا تعمل في الخبر لضعفها، وإنما يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها، فإذا كان الخبر يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها؛ فلا إحالة إذن؛ لأنه إنما كانت المسألة تَفْسُدُ أنْ لو قلنا إن "إن" هي العاملة في الخبر فيجتمع عاملان فيكون محالًا، ونحن لا نذهب إلى ذلك؛ فصحَّ ما ذهبنا إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن ذلك لا يجوز أنك إذا قلت "إنك وزيدٌ قائمأن" وجب أن يكون "زيد" مرفوعًا بالابتداء، ووجب أن يكون عاملا في خبر "زيد" وتكون "إن" عاملة في خبر الكاف، وقد اجتمعا في لفظ واحد؛ فلو قلنا "إنه يجوز فيه العطف قبل تمام الخبر" لأدَّى ذلك إلى أن يعمل في اسم واحد عاملان، وذلك محال.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ﴾ [المائدة: ٦٩] فلا حجة لهم فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنا نقول: في هذه الآية تقديم وتأخير، والتقدير فيها: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك، كما قال الشاعر:
[١١٢]
غَدَاةَ أحلَّت لابن أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصَيْنٍ عَبِيطَاتِ السَّدَائِفِ والخَمْرُ
стр. 149
فرفع "الخَمْرُ" على الاستئناف، فكأنه قال: والخمرُ كذلك. وقال الآخر:
[١١٣]
وعضُّ زَمَان يا ابن مروان لم يَدَعْ ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
стр. 150
فرفع "مجلف" على الاستئناف، فكأنه قال: أو مجلف كذلك، وهذا كثير في كلامهم.
والوجه الثاني: أن تجعل قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: من الآية٦٢] خبر للصابئين والنصارى، وتضمر للذين آمنوا والذين هادوا خبرًا مثل الذي أظهرت للصابئين والنصارى؛ ألا ترى أنك تقول "زيدٌ وعمروٌ قائم" فتجعل قائمًا خبرًا لعمرو، وتضمر لزيد خبرًا آخر مثل الذي أظهرت لعمرو، وإن شئت أيضًا جعلته خبرًا لزيد وأضمرت لعمرو خبرًا آخر.
وقال الشاعر، وهو بشر بن أبي خازم:
[١١٤]
وألا فاعلموا أنَّا وأنتم ... بغاةٌ، ما بقينا في شِقَاقِ
стр. 151
فإن شئت جعلت قوله: "بغاة" خبرًا للثاني وأضمرت للأول خبرًا، ويكون التقدير: وإلا فاعلموا أنا بغاة وأنتم بغاة، وإن شئت جعلته خبرًا للأول وأضمرت للثاني خبرًا، على ما بيَّنَّا.
والوجه الثالث: أن يكون عطفًا على المضمر المرفوع في "هادوا" وهادوا بمعنى تابوا. وهذا الوجه عندي ضعيف؛ لأن العطف على المضمر المرفوع قبيح وإن كان لازمًا للكوفيين؛ لأن العطف على المضمر المرفوع عندهم ليس بقبيح، وسنذكر فساد ما ذهبوا إليه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وأما ما حكوه عن بعض العرب "أنك وزيد ذاهبان" فقد ذكر سيبويه أنه غلط من بعض العرب، وهذا لأن العربي يتكلم بالكلمة إذا استهواه ضرب من الغلط فيعدل عن قياس كلامه، كما قالوا "ما أغفله عنك شيئًا"، وكما قال زهير، ويقال صِرْمَةُ الأنصاري:
[١١٥]
بدا لي أني لست مُدْرِكَ ما مَضَى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جَائيَا
فقال "سابقٍ" على الجر؛ وكان الوجه "سابقًا" بالنّصب!.
وقال الآخر:
[١١٦]
أَجِدَّكَ لست الدَّهْرَ رَائِي رَامَةٍ ... ولا عاقلٍ إلا وأنت جَنيبُ
стр. 152
ولا مُصْعِدٍ في المُصْعِدِينَ لِمَنْعِجٍ ... ولا هَابِطٍ ما عِشْتُ هَضْبَ شَطِيبِ
стр. 153
وقال الأَحْوَصُ الرِّياحِيُّ:
[١١٧]
مشَائيمُ لَيْسُوا مصلحين عَشِيرَةً ... ولا ناعب إلا ببين غُرَابُها
فقال "ناعب" بالجر، وكان الوجه أن يقول "ناعبًا" بالنصب، وقد تُؤُوِّل ذلك بما لا يلتفت إليه ولا يقاس عليه؛ فإذا كان كذلك فلا يجوز الاحتجاج بما رَوَوْهُ مع قلته في الاستعمال وبُعْدِهِ عن القياس على ما وقع فيه الخلاف.
وأما قولهم "أجمعنا على أنه يجوز العطف على الموضع قبل تمام الخبر مع لا؛ فكذلك مع إن" وقلنا الجواب على هذا من وجهين:
أحدهما: إنما جاز ذلك مع "لا" لأن لا لا تعمل في الخبر، بخلاف "إن"
стр. 154
فلم يجتمع فيه عاملان، فجاز معها العطف على الموضع قبل تمام الخبر، دون "إن" على ما بيَّنَّا.
والوجه الثاني: أنا نسلم أن "لا" تعمل في الخبر كإن، ولكن إنما جاز ذلك مع "لا" دون "إن" وذلك لأن "لا" ركبت مع الاسم النكرة بعدها فصارا شيئًا واحدًا؛ فكأنه لم يجتمع في الخبر عاملان، وأما "إن" فإنها لا تركب مع الاسم بعدها؛ فيجتمع في الخبر عاملان، وذلك لا يجوز، فبان الفرق بينهما.
وأما قولهم "إنَّ إنَّ لا تعمل في الخبر" فقد بيَّنَّا فساد ذلك مُسْتَوْفىً في المسألة التي قبل هذه المسألة؛ فلا يفتقر إلى الإعادة، والله أعلم.
стр. 155
٢٤- مسألة: [القول في عمل "إنِ" المخففة النَّصْبَ في الاسم] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "إنِ" المخففة من الثقيلة لا تعمل النصب في الاسم وذهب البصريون إلى أنها تعمل.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها لا تعمل لأن المشددة إنما عملت لأنها أشبهتِ الفعل الماضي في اللفظ؛ لأنها على ثلاثة أحرف كما أنه على ثلاثة أحرف، وإنها مبنيّة على الفتح كما أنه مبنيّ على الفتح، فإذا خففت فقد زال شَبَهُها به؛ فوجب أن يبطل عملها.
ومنهم من تمسّك بأن قال: إنما قلنا ذلك؛ لأن "إنّ" المشدّدة من عوامل الأسماء، و "أنِ" المخففة من عوامل الأفعال؛ فينبغي ألا تعمل المخففة في الأسماء كما لا تعمل المشددة في الأفعال؛ لأن عوامل الأفعال لا تعمل في الأسماء، وعوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على صحة الإعمال قوله تعالى:
"وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيوَفِّينَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ" [هود: ١١١] في قراءة من قرأ بالتخفيف، وهي قراءة نافع وابن كثير، وروى أبو بكر عن عاصم بتخفيف "إن" وتشديد "لما".
قالوا: ولا يجوز أن يقال بأن "كلا" منصوب بليوفينهم، لأنا نقول: لا يجوز ذلك؛ لأن لام القسم تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول "زيدا لأكرمنَّ، وعمرًا لأضربنَّ" فتنصب زيدًا بلأكرمنَّ وعمرًا بلأضربنَّ، فكذلك ههنا: لا يجوز أن يكون "كلا" منصوبًا بليوفينهم.
قالوا: ولا يجوز أيضًا أن يقال إن "إنْ" بمعنى ما، ولَمَا بمعنى إلَّا؛ لأنا
стр. 156
نقول: إنَّ إن التي بمعنى ما لا يجيء معها اللام بمعنى إلا، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]
وأما "لما" فلا يجوز أن يجعل ههنا بمعنى إلا؛ لأنه لو جاز أن تجعل "لما" بمعنى إلا لجاز أن يقال: ما قام القوم لما زيدًا، وقام القوم لما زيدًا، بمعنى إلا زيدًا، وفي امتناع ذلك دليل على فساده، وإنما جاء لما بمعنى إلا في الأيمان خاصة نحو قولهم: "عَمْرَك الله لَمَا فعلت كذا" أي إلَّا، ثم لو جعلت "لما" في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيوَفِّينَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] بمعنى إلا لما كان لكل ما ينصبه؛ لأن إلا لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فدلَّ على صحة ما ذكرناه.
والذي يدل على صحة ذلك أيضًا أنه قد صحَّ عن العرب أنهم يقولون "إلا أن أخاك ذاهب" بمعنى أنَّ المشددة، وقد قال الشاعر:
[١١٨]
وصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْرِ ... كأنَّ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ
فنصب "ثدييه" بكأن المخففة مع الثقيلة، وأصلها أن أضيف إليها الكافُ
стр. 157
للتشبيه، والأصل في الكاف أن تكون مؤخرة؛ كما أن الأصل في اللام أن تكون مقدمة؛ فإذا قلت "كأن زيدًا الأسدُ" كان الأصل فيه: إن زيدًا كالأسد، كما إذا قلت "إن زيدًا لقائمُ" كان الأصل فيه: لإنَّ زيدًا قائم، إلا أنه قدمت الكاف على "أن" عنايةً بالتشبيه، وأخرت اللام عن "إن" لئلا يجمعوا بين حرفي تأكيد، فلما نصب بها مع التخفيف دلّ على أنها بمنزلة فعل قد حذف بعض حروفه.
وقال الآخر:
[١١٩]
كأنْ وَرِيدَيْهِ رشاءا خُلْبِ
فنصب "وريديه" بكأن المخففة من الثقيلة؛ فدلَّ على ما قلناه.
ولا يجوز أن يقال: إن الإنشاد في البيتين "كأن ثدياه، وكأن وريداه" بالرفع
стр. 158
لأنَّا نقول: بل الرواية المشهورة "كأن ثدييه، وكأن وريديه" -بالنصب- وإن صحَّ ما رَوَيْتُمُوهُ فيكونُ الرفع على حذف الضمير مع التخفيف كما قال الأعشى:
[١٢٠]
في فتْيَةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أَنْ هالكٌ كلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ
كأنه قال: أنه هالك.
وقال الآخر:
[١٢١]
أَمَا والله أن لو كنتَ حُرًّا ... وما بالحُرِّ أنت ولا العَتِيقِ
стр. 159
وقال الآخر:
[١٢٢]
أَكَاشِرُهُ وأعلم أَنْ كِلَانَا ... على ما ساء صاحبَهُ حريصُ
стр. 160
وقال زيد بن أرْقَمَ:
[١٢٣]
ويوما تُلَاقِينَا بوجه مُقَسَّمٍ ... كَأَنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَمْ
стр. 161
وقال الآخر:
[١٢٤]
عَبَأْتُ له رمحًا طويلا وَأَلَّةً ... كأنْ قَبَسٌ يُعْلَى بها حين تُشْرَعُ
وقال الآخر
[١٢٥]
وخَيْفَاء أَلْقَى الليث فيها ذراعه ... فَسَرَّتْ وساءت كلَّ ماشٍ ومُصْرِمِ
стр. 162
تُمَشِّي بها الدَّرْمَاءُ تَسْحَبُ قَصْبَهَا ... كأنْ بطنُ حُبْلَى ذَاتِ أَوْنَيْنِ مَتْئمِ
فيمن روى بالرفع، ومن روى بالجر جعل "أن" زائدة، ومن روى بالنصب أعملها مع التخفيف.
ومن كلامهم "أول ما أقول أنْ بسم الله" كأنهم قالوا: أنَّهُ بسم الله، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يرَوْنَ أَلَّا يرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] كأنه قال: أنه لا يرجع إليهم قولًا، إلَّا أنها لا تخفف مع الفعل إلا مع أحد أربعة أحرف، وهي: لا، وقد، وسوف، والسين، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] وكذلك "علمت أنْ سوف يخرج مزيد، وعلمت أنْ قد خرج عمرو"، قال أبو صخر الهذلي:
[١٢٦]
فتعلمي أن قد كَلِفْتُ بكم ... ثم افعلي ما شئتِ عن عِلْمِ
ولا تُخَفَّف من غير واحد من هذه الأحرف؛ لأنهم جعلوها عوضًا مما لحق "أنْ" من التغيير، وكان التعويض مع الفعل أولى من الاسم، وذلك لأن "أنْ" لحقها مع الاسم ضرب واحد من التغيير، وهو الحذف، ولحقها مع الفعل ضربان: الحذف: ووقوع الفعل بعدها؛ فلهذا كان التعويض مع الفعل أولى من الاسم.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه من إعمالها مع التخفيف ما حكى بعض أهل اللغة من إعمالها في المضمر مع التخفيف نحو قولهم: أظن أنّك قائم، وأحسب أنّه ذاهب، يريدون أنك وأنه بالتشديد، قال الشاعر:
[١٢٧]
فلو أنك في يوم الرَّخَاء سألتني ... فِرَاقَكَ لم أَبْخَلْ وأنت صديقُ
стр. 163
وقال الآخر:
[١٢٨]
وقد علم الصِّبْيَة المُرْمِلُون ... إذ اغبَرَّ أفقٌ وَهَبَّتْ شَمَالَا
стр. 164
وخَلَّتْ عن أَوْلَادِهَا المرضعاتُ ... ولم تَرَ عينٌ لمُزْنٍ بِلَالَا
بأنك الربيعُ وغيثٌ مريعٌ ... وقِدْمًا هناك تكون الثَّمَالَا
أراد بأنّك بالتشديد، إلا أن الاستدلال على إعمالها في المضمر مع التخفيف
عندي ضعيف؛ لأن ذلك إنما يجوز في ضرورة الشعر لا في اختيار الكلام إلا في رواية شاذة ضعيفة غير معروفة فلا يكون فيه حجة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنما عملت لشبه الفعل لفظًا؛ فإذا خففت زال شَبَهها به فبطل عملها" قلنا: هذا باطل؛ لأن إن إنما عملت لأنها أشبهت الفعل لفظًا ومعنًى؛ وذلك من خمسة أوجه، وقد قدمنا ذكرها في موضعها فإذا خففت صارت بمنزلة فعل حُذِفَ منه بعض حروفه، وذلك لا يبطل عمله، ألا ترى أنك تقول: "عِ الكلام، وشِ الثوب، وَلِ الأمْرَ" وما أشبه ذلك، ولا تُبْطِلُ عمله؛ فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إن إن المشددة من عوامل الأسماء، وإن المخففة من عوامل الأفعال" قلنا: هذا الاستدلال ظاهر الاختلال، فإنا إذا قدرنا أنها مخففة من الثقيلة؛ فهي من عوامل الأسماء، وإذا لم نقدر أنها مخففة من الثقيلة؛ فليست من عوامل الأسماء، وإن الخفيفة في الأصل غير إن المخففة من الثقيلة؛ لأن تلك الخفيفة من عوامل الأفعال، وهذه المخففة من الثقيلة من عوامل الأسماء، ولم يقع الكلام في إن الخفيفة في الأصل، وإنما وقع في إن المخففة من الثقيلة، وقد بيَّنَّا الفرق بينهما، والله أعلم.
стр. 165
٢٥- مسألة: [القول في زيادة لام الابتداء في خبر لكنَّ] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز دخول اللام في خبر "لكن" كما يجوز في خبر إن، نحو "ما قام زيدًا لَكِنَّ عمرًا لقائم" وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز دخول اللام في خبر لكنَّ.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز دخول اللام في خبر "لكنَّ" النقلُ والقياسُ:
أما النقل فقد جاء عن العرب إدخال اللام على خبرها، قال الشاعر:
[١٢٩]
ولكنَّنِي من حُبِّهَا لَكَمِيدُ٢
стр. 166
وأما القياس فلأن الأصل في "لكنَّ" إنَّ، زيدت عليها لا والكاف؛ فصارتا جميعًا حرفًا واحدًا، كما زيدت عليها اللام والهاء في قول الشاعر:
[١٣٠]
لهِنَّكِ من عَبْسية لوَسِيمَةٌ ... على هَنَوَاتِ كاذبٍ من يَقُولُهَا
стр. 167
فزاد اللام والهاء على إن، فكذلك ههنا: زاد عليها لا والكاف؛ فإن الحرف قد يُوصَلُ في أوله وآخره، فما وصل في أوله نحو "هذا وهَذاكَ" وما وصل في آخره نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَينَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: من الآية٢٦] وكذلك نقول: إن قول العرب "كم مَالُكَ" إنها "ما" زيدت عليها الكاف، ثم إن الكلام كثر بها فحذفت الألف من آخرها وسُكّنتْ ميمُها، كما زيدت اللام على "ما" ثم لما كثر الكلام بها سكنت ميمها فقالوا: "لِمَ فعلت كذا"؟ قال الشاعر:
[١٣١]
يا أبا الأسود لم أَسْلَمَتْنِي ... لهموم طَارِقَاتٍ وذِكَرْ
стр. 168
وقال بعض العرب في كلامه -وقد قيل له: منذ كم قَعَدَ فلانٌ؟ - فقال: "كمنذ أَخَذْتَ في حديثك" فزاد الكاف في "منذ"؛ فدل على أن الكاف في كم زائدة، وقيل لبعضهم: كيف تصنعون الأَقِطَ؟ فقال: كَهَيَّنٍ، أي: يسير سَهْل، فيزيدون الكاف، فكذلك ههنا: زيدت لا والكاف على إنَّ وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال فصارت حرفًا واحدًا، كما قالوا "لن" وأصلها لا أن، فحذفوا الألف والهمزة لكثرة الاستعمال، فصارتا حرفًا واحدًا، فكذلك ههنا، وبل أولى، فإنه
стр. 169
إذا جاز حذف الألف والهمزة لكثرة الاستعمال فلأن يجوز حذف الهمزة كان ذلك من طرق الأولى.
وقالوا: ولا يجوز أن يقال "إنه لو كان أصلها لا أنْ؛ لما جاز أن يقال: أما زيدًا فلن أضرب؛ لأن ما بعد أنْ لا يجوز أن يعمل فيما قبلها"؛ لأنا نقول: إنما جاز ذلك لأن الحروف إذا ركبت تغير حكمها بعد التركيب عما كان عليه قبل التركيب، ألا ترى أن "هل" لا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، وإذا ركبت مع "لا" ودخَلَها معنى التحضيص تغير ذلك الحكم عما كان عليه قبل التركيب؛ فجاز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، فيقال "زيدًا هلَّا ضربت"؟ فكذلك ههنا.
والذي يدل على أن أصلها إنَّ على ما بيَّنَّا أنه يجوز العطف على موضعها كما يجوز العطف على موضع إنَّ؛ فدلّ على أن الأصل فيها إنَّ زيدت عليها لا والكاف؛ فكما يجوز دخول اللام في خبر إنَّ؛ فكذلك يجوز دخولها في خبر لكن.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأنه لا يخلو إما أن تكون هذه اللام لام التأكيد أو لام القسم، على اختلاف المذهبين، وعلى كلا المذهبين فلا يستقيم دخول اللام في خبر لكن، وذلك لأنها إن كانت لام التأكيد فلام التأكيد إنما حسنت مع إنَّ لاتفاقهما في المعنى؛ لأن كل واحدة منهما للتأكيد وأما لكنَّ فمخالفة لها في المعنى، وإن كانت لام القسم فإنما حسنت مع إنَّ لأن إنَّ تقع في جواب القسم، كما أن اللام تقع في جواب القسم، وأما لكن فمخالفة لها في ذلك؛ لأنها لا تقع في جواب القسم؛ فينبغي أن لا تدخل اللام في خبرها.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قوله:
[١٢٩]
ولكنني من حبها لكميد
فهو شاذ لا يؤخذ به لقلّته وشذوذه، ولهذا لا يكاد يعرف له نظير في كلام العرب١ وأشعارهم، ولو كان قياسًا مطردًا لكان ينبغي أن يكثر في كلامهم وأشعارهم، كما جاء في خبر إنَّ، وفي عدم ذلك دليل على أنه شاذ لا يقاس عليه.
وأما قولهم "إن الأصل في لكنَّ إنَّ زيدت عليها لا والكاف فصارتا حرفًا واحدًا" قلنا: لا نسلم؛ فإن هذا مجرد دعوى من غير دليل ولا معنى.
قولهم "كما زيدت اللام والهاء في قوله:
[١٣٠]
لَهِنَّكِ من عبسية لَوَسِيمَهٌ
стр. 170
قلنا: ولا نسلم أن الهاء في قوله "لهنك" زائدة، وإنما هي مبدلة من ألف إنَّ؛ فإن الهاء تبدل من الهمزة في مواضع كثيرة من كلامهم، يقال: هَرَقْتُ الماء، والأصل فيه أرقت، وهَرَحْتُ الدابة، والأصل فيه أرحت، وَهَنَرْتُ الثوب، والأصل فيه أنرت، وهِبْرِيَة، والأصل فيه أبرية وهو الحَزَاز في الرأس، وهَرَدْتُ والأصل أردتُ، وهِيَّاكَ، والأصل إياك، وقد قرأ بعض القراء: "هِيَّاكَ نعبد" وقال الشاعر:
[١٣٢]
فَهِيّاكَ والأمر الذي إن توسَّعت ... مواردة ضاقت عليك المصادر
وقال الأخر:
[١٣٣]
يا خَالِ هلَّا قُلْتَ إذا أعطيتني ... هِيَّاكَ هِيَّاكَ وحَنْوَاءَ العُنُقْ
أراد إياك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] قيل: أصله مؤيمن فقلبت الهمزة هاء، ولهذا قيل في تفسير ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ حافظًا عليه، وقيل: شاهدًا، وقيل: رقيبًا عليه، وقيل: قَفَّانًا عليه، وكل هذه الألفاظ متقاربة في المعنى؛ فدلَّ على أن الهاء في "لهِنَّكِ" مبدلة من همزة، ولهذا المعنى جاز أن يجمع بين اللام وبينها لتغير صورتها، وقد حكي عن أصحابكم فيه وجهان: أحدهما قول الفراء، وهو أن أصله: والله إنك لوسيمة، فحذفت الهمزة من إنَّ، والواو من والله، وإحدى اللامين، فبقي لهنك، والوجه الثاني -وهو قول
стр. 171
المفضل بن سلمة إن أصله لله إنَّك لَوَسِيمة، فحذفت لامان من لله، والهمزة من إن، فبقى "لهنك" فسقط الاحتجاج به على كلا المذهبين.
وأما قولهم "إن الحرف قد يوصل في أوله نحو هذا" قلنا: هذا إنما جاء قليلًا على خلاف الأصل لدليل دلّ عليه؛ فبقينا فيما عداه على الأصل، ولا يدخل هذا في القياس فيقاس عليه.
وأما قولهم "إن كم مَالُكَ أصلها ما زيدت عليها الكاف" قلنا: لا نسلم، بل هذا شيء تَدَّعُونه على أصلكم، وسنبين فساده في موضعه إن شاء الله تعالى:
وأما قولهم "إن لن أصلها لا أنْ" قلنا: لا نسلّم، بل هو حرف غير مركب، وقد نص سيبويه على ذلك، والذي يدل على أنه غير مركب من لا "وأن" أنه يجوز أنْ يقال: أما زيدًا فَلَنْ أضرب، ولو كان كما زعموا لما جاء ١ ذلك؛ لأن ما بعد أن لا يجوز أنْ يعمل فيما قبلها.
قولهم "إن الحروف إذا رُكبت تغيرَ حكمها عما كانت عليه قبل التركيب كَهْلًا" قلنا: إنما تغير حكم هَلّا لأَنَّ هَلّا ذهب منها معنى الاستفهام؛ فجاز أن يتغير حكمها، وأما لن فمعنى النفي باقٍ فيها؛ فينبغي أن لا يتغير حكمها، فَبَانَ الفرق بينهما.
وأما قولهم "إنه يجوز العطف على موضع لكِنَّ كما يجوز العطف على موضع إنَّ؛ فدلَّ على أن الأصل فيها إنَّ" قلنا: لا نسلم أنه إنما جاز العطف على موضع لكن لأن أصلها إن، وإنما جاز ذلك لأن لكن لا تغير معنى الابتداء؛ لأن معناها الاستدراك، والاستدراك لا يزيل معنى الابتداء والاستئناف؛ فجاز أن يعطف على موضعها كإنَّ؛ لأن إنَّ إنما جاز أن يعطف على موضعها دون سائر أخواتها لأنها لم تغير معنى الابتداء، بخلاف كأن وليت ولعل؛ لأن كأن أَدْخَلَتْ في الكلام معنى التشبيه، وليت أدخلت في الكلام معنى التمني، ولعل أدخلت في الكلام معنى الترجِّي، فتغير معنى الابتداء، فلم يجز العطف على موضع الابتداء لزواله، فأما لكن لما كان معناها الاستدارك وهو لا يزيل معنى الابتداء والاستئناف جاز العطف على موضعها كإنَّ، على أنه من النحويين من يذهب إلى زوال معنى الابتداء مع لكن فلا يجوز العطف على موضعها.
والذي يدل على أن لكن مخالفة لإنَّ في دخول اللام معها أنه لم يأتِ في كلامهم دخولُ اللام على اسمها إذا كان خبرُها ظرفًا أو حرف جر نحو "لكنَّ عندك
стр. 172
لزيدًا، أول لكنَّ في الدار لعمرًا" كما جاء ذلك في إنَّ، فلما لم يأتِ ذلك في شيء من كلامهم ولا نُقِلَ في شيء من أشعارهم دلّ أنه يجوز دخول اللام في خبرها؛ لأن مجيئه في اسمها مقدم في الرتبة على مجيئته في خبرها، وإذا لم تدخل اللام في اسمها فإنْ لا تدخل في خبرها كان ذلك من طريق الأولى.
وبيانُ هذا وهو أن الأصل في هذه اللام أن تكون متقدمة في صدر الكلام؛ فكان ينبغي أن تكون مُقَدَّمة على إنَّ، إلا أنه لما كانت "اللام" للتأكيد وإن للتأكيد لم يجمعوا بين حرفي تأكيد؛ فكان الأصل يقتضي أن تنقل عن صدر الكلام وتدخل الاسم؛ لأنه أقرب إليه من الخبر، إلا أنه لما كان الاسم يلي إنَّ كرهوا أن يدخلوها على الاسم كراهيةً للجمع بين حَرْفَيْ تأكيد، فنقلوها من الاسم وأدخلوها على الخبر.
والذي يدل على أن الأصل فيها أن تكون مقدمة على إنَّ أنها لام الابتداء، ولام الابتداء لها صدر الكلام.
والذي يدل على أن الأصل فيها أن تدخل على الاسم قبل الخبر أنه إذا فصل بين إنَّ واسمها بظرف أو حرف جر جاز دخولها عليه، نحو "إن عندك لزيدًا، وإنَّ في الدار لعمرًا" قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيةً﴾ [البقرة: ٢٤٨] .
فإذا ثبت أن هذا هو الأصل، وأنه لا يجوز دخول اللام على اسم "لكن" إذا كان خبرها ظرفًا أو حرف جر؛ دلّ على أنه لا يجوز أن تدخل على خبرها؛ لأنه لو كان دخول اللام مع لكن كدخولها مع إن لجاز أن تدخل على اسمها إذا كان خبرها ظرفًا أو حرف جر، كما تدخل عليه خبرها؛ فلما لم يجزْ ذلك دلّ على فساد ما ذهبوا إليه، والله أعلم.
стр. 173
٢٦- مسألة: [القول في لام "لعل" الأولى؛ زائدة هي أو أصلية ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن اللام الأولى في "لعل" أصلية، وذهب البصريون إلى أنها زائدة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن اللام أصلية لأن "لعل" حرف، وحروف الحروف كلها أصلية؛ لأن حروف الزيادة التي هي الهمزة والألف والياء والواو والميم والتاء والنون والسين والهاء واللام والتي يجمعها قولك "اليوم تنساه" و "لا أنسيتموه" و "سألتمونيها" إنما تختص بالأسماء والأفعال، فأما الحروف فلا يدخلها شيء من هذه الحروف على سبيل الزيادة، بل يحكم على حروفها كلها بأنها أصلية في كل مكان على كل حال، ألا ترى أن الألف لا تكون في الأسماء والأفعال إلا زائدة أو منقلبة، ولا يجوز أن يحكم عليها في ما ولا ويا بأنها زائدة أو منقلبة، بل نحكم عليها بأنها أصلية؛ لأن الحروف لا يدخلها ذلك، فدلَّ على أن اللام أصلية.
والذي يدلّ على ذلك أيضًا أن اللام خاصة لا تكاد تزاد فيما يجوز فيه الزيادة إلا شاذًّا، نحو "زَيْدَلٍ، وعَبْدَلٍ، وفَحْجَلٍ" في كلمات معدودة، فإذا كانت اللام لا تزاد فيما يجوز فيه الزيادة إلا على طريق الشذوذ فكيف يحكم بزيادتها فيما لا يجوز فيه الزيادة بحال؟
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها زائدة لأنّا وجدناهم يستعملونها كثيرًا في كلامهم عاريةً عن اللام، قال نافع بن سعد الطائي:
стр. 174
[١٣٤]
وَلَسْتُ بِلَوَّامِ عَلَى الأمر بَعْدَ مَا ... يَفُوتُ، ولكِنْ عَلَّ أَنْ أَتَقَدّمَا
أراد لعل، وقال العُجَيْز السَّلُولي:
[١٣٥]
لك الخير عَلِّلْنَا بها، عَلَّ سَاعَةً ... تمر، وسهواءً مِنَ اللّيلِ يَذْهَبُ
وقال الآخر:
[١٣٦]
عَلَّ صُرُوفَ الدّهر أو دُولَاتِهَا ... تُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنَ لَمّاتها
стр. 175
وقال الآخر:
[١٣٧]
ولا تُهِينَ الفَقِير؛ عَلَّكَ أَنْ ... تركع يومًا والدهر قد رَفَعَهْ
стр. 176
وقال الآخر:
[١٣٨]
يا أَبَتَا علَّكَ أو عَسَاكَا
وقالت أمُّ النُّحَيْفِ وهو سعد بن قُرْطٍ:
[١٣٩]
تربَّص بها الأيامَ علَّ صُرُوفَها ... سَتَرْمِي بها في جَاحِمٍ مُتَسَعِّر
стр. 177
أراد لعل. فلما وجدناهم يستعملونها عاريةً عن اللام في معنى إثباتها دلّنا ذلك على أنها زائدة، ألا ترى أنا حكمنا بأن اللام في "زيدل، وعبدل، وأولالك" وما أشبه ذلك زائدة لأنا نقول في معناه "زيد، وعبد، وأولاك" وحكمنا بأن الهمزة في "النِّئْدُلَان" وهو الكابوس زائدة لأنا نقول في معناه "النيدلان" من غير همز، وكذلك بأن النون في "عَرَنْتَنٍ" زائدة لأنا نقول في معناه "عَرْتن" بغير النون الأولى، إلى غير ذلك من الشواهد؛ فكذلك ههنا.
والذي يدل على أنها زائدة أن هذه الأحرف، نعني إنَّ وأخواتها إنما عملت النصب والرفع لشبه الفعل؛ لأن أنّ مثل مَدّ، وليت مثل ليس، ولكن أصلها كِنَّ ركبت معها لا كما ركبت لو مع لا فقيل: لكنّ، وكأن أصلها أنَّ أدخلت عليها كاف التشبيه، فكذلك لعل أصلها علّ وزيدت عليها اللام؛ إذ لو قلنا إن اللام أصلية في لعل لأدَّى ذلك إلى أن لا تكون لعلَّ على وزن من أوزان الأفعال الثلاثية أو الرباعية؛ لأن الثلاثية على ثلاثة أضرب: فَعَلَ كضَرَبَ، وفَعُلَ كمَكُثَ، وفَعِلَ كعَلِمَ، وأما الرباعية فليس لها إلا وزن واحد، وهو فَعْلَلَ نحو دَحْرَجَ وسَرْهَفَ، فكان يؤدّي إلى أن يبطل عملها فوجب أن يحكم بزيادتها؛ لتكون على وزن الفعل كسائر أخواتها، فصارت بمنزلة زيادة لا والكاف في لكنَّ عندكم، فإنه إذا جاز أن تحكموا بزيادة لا والكاف في لكن وهما حرفان وأحدهما ليس من حروف الزيادة فلأن يجوز أن يحكم ههنا بزيادة اللام وهي حرف من حروف الزيادة كان ذلك طريق الأولى.
والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه الكوفيون.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم "إنا وجدناهم يستعملونها كثيرًا في كلامهم بغير لام؛ بدليل ما أنشدوه من الأبيات" قلنا: إنما حذفت اللام من "لعل" كثيرًا في أشعارهم لكثرتها في استعمالهم، ولهذا ٩٨ تلعبت العرب بهذه الكلمة، فقالوا: لعلَّ، ولَعَلْنَ، ولَعَنَّ -بالعين غير معجمة- قال الشاعر:
[١٤٠]
حتى يقول الجاهل المُنَطَّقُ ... لَعَنَّ هذا معه مُعَلَّقُ
стр. 178
ولَغَنَّ -بالغين معجمة- وأنشدوا:
[١٤١]
أَلَا يا صاحبي قِفَا لَغَنَّا ... نرى العَرَصَات أو أثرَ الخِيَامِ
ورَعَنَّ، وَعَنَّ، وَغَنَّ، ولَغَلَّ، وغَلَّ، فلما كثرت هذه الكلمة في استعمالهم حذفوا اللام لكثرة الاستعمال. وكان حَذْفُ اللام أولى من العين -وإن كان أبعد من الطَّرَفِ- لأنه لو حذف العين لأدَّى ذلك إلى اجتماع ثلاث لامات فيؤدّي ذلك إلى الاستثقال؛ لأجل اجتماع الأمثال، أو لأن اللام تكون في موضع ما من حروف الزيادة وليس العين كذلك، والذي يدل على اعتبار ذلك أنهم جوَّزوا في تكسير فَرَزْدَقٍ وتصغيره فَرَازِقَ وفُرَيْزِقَ -بحذف الدال- ولم يجوِّزوا في تكسير جَحْمَرِش وتصغيره: جَحَامِشَ وجُحَيْمِشَ -بحذف الراء- لأن الدال تشبه حروف الزيادة لمجاورتها التاء ومجيئها بدلًا منها في مُزْدَان ومُزْدَجر، بخلاف الراء فإنها ليست كذلك، وإذا اعتبروا ذلك فيما يقرب من حروف الزيادة وليس منها فلأن يعتبروه فيما هو من حروف الزيادة في الجملة كان ذلك من طريق الأولى؛ فلهذا كان حذف اللام الأولى أولى.
وأما قولهم "إنا لما وجدناهم يستعملونها مع حذف اللام في معنى إثباتها دلَّ على أنها زائدة كاللَّام في زيدل وعبدل وأولالك" قلنا: إنما يعتبر هذا فيما يجوز أن تدخل فيه حروف الزيادة، فأما الحروف فلا يجوز أن تدخل عليها حروف الزيادة على ما بينا.
وأما قولهم "إن هذه الأحرف إنما عملت لشبه الفعل في لفظه" قلنا: لا نسلم أنها عملت لشبه الفعل في لفظه فقط، وإنما عملت لأنها أشبهته في اللفظ والمعنى، وذلك من عدة وجوه؛ أحدها: أنها تقضي الاسم كما أن الفعل يقتضي
стр. 179
الاسم، والثاني أن فيها معنى الفعل لأن أن وإن بمعنى أكدت، وكأن بمعنى شبهت، ولكن بمعنى استدركت، وليت بمعنى تمنيت، ولعل بمعنى ترجيت، "والثالث" أنها مبنية على الفتح كما أن الفعل الماضي مبني ٩٩ على الفتح، إلي غير ذلك من الوجوه التي تقدم ذكرها قبلُ، وهذه الوجوه من المشابهة بين لعل والفعل لا تَبْطُل بأن لا تكون على وَزْنٍ من أوزانه، وهي كافية في إثبات عملها بحكم المشابهة، على أنه قد ظهر نَقْصُها عن سائر أخواتها لعدم كونها على وزنٍ من أوزان الفعل وأنه لا يجوز أن تدخل عليها نون الوقاية كما يجوز في سائر أخواتها، فلا يكاد يقال"لَعَلَّنِي" كما يقال "إِنَّنِي، وكأنَّنِي، ولكنَّنِي، ولَيْتَنِي" إلا أن يجيء ذلك قليلًا كما قال عروة بن الوَرْدِ:
[١٤٢]
دَعِينِي أطوفْ في البلاد لَعَلَّنِي ... أُفِيد غِنًى فيه لذي الحَقِّ مَحْملُ
وذلك قليل.
وأما قولهم "إذا جاز لكم أن تحكموا بزيادة لا والكاف في لكنَّ وهما حرفان فَلأنْ يجوز أن يحكم بزيادة اللام وهي حرف واحد كان ذلك من طريق الأولى" قلنا: هذا فاسد؛ لأنكم لا تقولون بصحة مذهبهم، فكيف يجوز لكم أن تقيسوا عليه؟ فإن القياس على الفاسد فاسد، وقد بيَّنَّا فساد ما ذهبوا إليه في زيادة لا والكاف هناك كما بيَّنَّا فساد زيادة اللام ههنا، وكلاهما قول باطل، ليس له حاصل، والله أعلم.
стр. 180
٢٧- مسألة: [القول في تقديم معمول اسم الفعل عليه] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "عليك، ودونك، وعندك" في الإغراء يجوز تقديم معمولاتها عليها، نحو "زيدًا عليك، عمرًا عندك، وبكرًا دونك". وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز تقديم معمولاتها عليها، وإليه ذهب الفراء من الكوفيين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز تقديم معمولاتها عليها النقل والقياس.
أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] والتقدير فيه: عليكم كتاب الله: أي الزموا كتاب الله، فنصب كتاب الله بعليكم، فدَّل على جواز تقديمه. واحتجوا أيضًا بالأبيات المشهورة:
[١٤٣]
يا أيها المائح دَلْوِي دُونَكُمَا ... إني رأيت الناس يَحْمِدُونَكَا