وقال الآخر:
[١٣٨]
يا أَبَتَا علَّكَ أو عَسَاكَا
وقالت أمُّ النُّحَيْفِ وهو سعد بن قُرْطٍ:
[١٣٩]
تربَّص بها الأيامَ علَّ صُرُوفَها ... سَتَرْمِي بها في جَاحِمٍ مُتَسَعِّر
стр. 177
أراد لعل. فلما وجدناهم يستعملونها عاريةً عن اللام في معنى إثباتها دلّنا ذلك على أنها زائدة، ألا ترى أنا حكمنا بأن اللام في "زيدل، وعبدل، وأولالك" وما أشبه ذلك زائدة لأنا نقول في معناه "زيد، وعبد، وأولاك" وحكمنا بأن الهمزة في "النِّئْدُلَان" وهو الكابوس زائدة لأنا نقول في معناه "النيدلان" من غير همز، وكذلك بأن النون في "عَرَنْتَنٍ" زائدة لأنا نقول في معناه "عَرْتن" بغير النون الأولى، إلى غير ذلك من الشواهد؛ فكذلك ههنا.
والذي يدل على أنها زائدة أن هذه الأحرف، نعني إنَّ وأخواتها إنما عملت النصب والرفع لشبه الفعل؛ لأن أنّ مثل مَدّ، وليت مثل ليس، ولكن أصلها كِنَّ ركبت معها لا كما ركبت لو مع لا فقيل: لكنّ، وكأن أصلها أنَّ أدخلت عليها كاف التشبيه، فكذلك لعل أصلها علّ وزيدت عليها اللام؛ إذ لو قلنا إن اللام أصلية في لعل لأدَّى ذلك إلى أن لا تكون لعلَّ على وزن من أوزان الأفعال الثلاثية أو الرباعية؛ لأن الثلاثية على ثلاثة أضرب: فَعَلَ كضَرَبَ، وفَعُلَ كمَكُثَ، وفَعِلَ كعَلِمَ، وأما الرباعية فليس لها إلا وزن واحد، وهو فَعْلَلَ نحو دَحْرَجَ وسَرْهَفَ، فكان يؤدّي إلى أن يبطل عملها فوجب أن يحكم بزيادتها؛ لتكون على وزن الفعل كسائر أخواتها، فصارت بمنزلة زيادة لا والكاف في لكنَّ عندكم، فإنه إذا جاز أن تحكموا بزيادة لا والكاف في لكن وهما حرفان وأحدهما ليس من حروف الزيادة فلأن يجوز أن يحكم ههنا بزيادة اللام وهي حرف من حروف الزيادة كان ذلك طريق الأولى.
والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه الكوفيون.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم "إنا وجدناهم يستعملونها كثيرًا في كلامهم بغير لام؛ بدليل ما أنشدوه من الأبيات" قلنا: إنما حذفت اللام من "لعل" كثيرًا في أشعارهم لكثرتها في استعمالهم، ولهذا ٩٨ تلعبت العرب بهذه الكلمة، فقالوا: لعلَّ، ولَعَلْنَ، ولَعَنَّ -بالعين غير معجمة- قال الشاعر:
[١٤٠]
حتى يقول الجاهل المُنَطَّقُ ... لَعَنَّ هذا معه مُعَلَّقُ
стр. 178
ولَغَنَّ -بالغين معجمة- وأنشدوا:
[١٤١]
أَلَا يا صاحبي قِفَا لَغَنَّا ... نرى العَرَصَات أو أثرَ الخِيَامِ
ورَعَنَّ، وَعَنَّ، وَغَنَّ، ولَغَلَّ، وغَلَّ، فلما كثرت هذه الكلمة في استعمالهم حذفوا اللام لكثرة الاستعمال. وكان حَذْفُ اللام أولى من العين -وإن كان أبعد من الطَّرَفِ- لأنه لو حذف العين لأدَّى ذلك إلى اجتماع ثلاث لامات فيؤدّي ذلك إلى الاستثقال؛ لأجل اجتماع الأمثال، أو لأن اللام تكون في موضع ما من حروف الزيادة وليس العين كذلك، والذي يدل على اعتبار ذلك أنهم جوَّزوا في تكسير فَرَزْدَقٍ وتصغيره فَرَازِقَ وفُرَيْزِقَ -بحذف الدال- ولم يجوِّزوا في تكسير جَحْمَرِش وتصغيره: جَحَامِشَ وجُحَيْمِشَ -بحذف الراء- لأن الدال تشبه حروف الزيادة لمجاورتها التاء ومجيئها بدلًا منها في مُزْدَان ومُزْدَجر، بخلاف الراء فإنها ليست كذلك، وإذا اعتبروا ذلك فيما يقرب من حروف الزيادة وليس منها فلأن يعتبروه فيما هو من حروف الزيادة في الجملة كان ذلك من طريق الأولى؛ فلهذا كان حذف اللام الأولى أولى.
وأما قولهم "إنا لما وجدناهم يستعملونها مع حذف اللام في معنى إثباتها دلَّ على أنها زائدة كاللَّام في زيدل وعبدل وأولالك" قلنا: إنما يعتبر هذا فيما يجوز أن تدخل فيه حروف الزيادة، فأما الحروف فلا يجوز أن تدخل عليها حروف الزيادة على ما بينا.
وأما قولهم "إن هذه الأحرف إنما عملت لشبه الفعل في لفظه" قلنا: لا نسلم أنها عملت لشبه الفعل في لفظه فقط، وإنما عملت لأنها أشبهته في اللفظ والمعنى، وذلك من عدة وجوه؛ أحدها: أنها تقضي الاسم كما أن الفعل يقتضي
стр. 179
الاسم، والثاني أن فيها معنى الفعل لأن أن وإن بمعنى أكدت، وكأن بمعنى شبهت، ولكن بمعنى استدركت، وليت بمعنى تمنيت، ولعل بمعنى ترجيت، "والثالث" أنها مبنية على الفتح كما أن الفعل الماضي مبني ٩٩ على الفتح، إلي غير ذلك من الوجوه التي تقدم ذكرها قبلُ، وهذه الوجوه من المشابهة بين لعل والفعل لا تَبْطُل بأن لا تكون على وَزْنٍ من أوزانه، وهي كافية في إثبات عملها بحكم المشابهة، على أنه قد ظهر نَقْصُها عن سائر أخواتها لعدم كونها على وزنٍ من أوزان الفعل وأنه لا يجوز أن تدخل عليها نون الوقاية كما يجوز في سائر أخواتها، فلا يكاد يقال"لَعَلَّنِي" كما يقال "إِنَّنِي، وكأنَّنِي، ولكنَّنِي، ولَيْتَنِي" إلا أن يجيء ذلك قليلًا كما قال عروة بن الوَرْدِ:
[١٤٢]
دَعِينِي أطوفْ في البلاد لَعَلَّنِي ... أُفِيد غِنًى فيه لذي الحَقِّ مَحْملُ
وذلك قليل.
وأما قولهم "إذا جاز لكم أن تحكموا بزيادة لا والكاف في لكنَّ وهما حرفان فَلأنْ يجوز أن يحكم بزيادة اللام وهي حرف واحد كان ذلك من طريق الأولى" قلنا: هذا فاسد؛ لأنكم لا تقولون بصحة مذهبهم، فكيف يجوز لكم أن تقيسوا عليه؟ فإن القياس على الفاسد فاسد، وقد بيَّنَّا فساد ما ذهبوا إليه في زيادة لا والكاف هناك كما بيَّنَّا فساد زيادة اللام ههنا، وكلاهما قول باطل، ليس له حاصل، والله أعلم.
стр. 180
٢٧- مسألة: [القول في تقديم معمول اسم الفعل عليه] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "عليك، ودونك، وعندك" في الإغراء يجوز تقديم معمولاتها عليها، نحو "زيدًا عليك، عمرًا عندك، وبكرًا دونك". وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز تقديم معمولاتها عليها، وإليه ذهب الفراء من الكوفيين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز تقديم معمولاتها عليها النقل والقياس.
أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] والتقدير فيه: عليكم كتاب الله: أي الزموا كتاب الله، فنصب كتاب الله بعليكم، فدَّل على جواز تقديمه. واحتجوا أيضًا بالأبيات المشهورة:
[١٤٣]
يا أيها المائح دَلْوِي دُونَكُمَا ... إني رأيت الناس يَحْمِدُونَكَا
стр. 181
يُثْنُونَ خيرًا ويُمَجِّدُونَكَا
والتقدير فيه: دونك دلوي؛ فدلوي في موضع نصب بدونك؛ فدل على جواز تقديمه.
وأما القياس فقالوا: أجمعنا على أن هذه الألفاظ قامت مقام الفعل، ألا ترى أنك إذا قلت "عليك زيدًا" أي الزم زيدًا، وإذا قلت "عندك عمرا" أن تناول عمرا، وإذا قلت "دونك بكرا" أي خذ بكرًا، ولو قلت "زيدًا الزم، وعمرًا تناول، وبكرًا خذ" فقدمت المفعول لكان جائزًا، فكذلك مع ما قام مقامه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز تقديم معمولاتها عليها أن هذه الألفاظ فرعٌ على الفعل في العمل؛ لأنها إنما عملت عمله لقيامها مقامه؛ فينبغي أن لا تتصرف تصرفَهُ؛ فوجب أن لا يجوز تقديم معمولاتها عليها وصار هذا كما نقول في الحال إذا كان العامل فيها غير فعل؛ فإنه لا يجوز تقديمها عليه لعدم تصرفه، فكذلك ههنا؛ إذ لو قلنا إنه يَتَصَرَّف عملها، ويجوز تقديم معمولاتها عليها لأدَّى ذلك إلى التسوية بين الفرع والأصل، وذلك لا يجوز؛ لأن الفروع أبدًا تنحط عن درجات الأصول.
стр. 182
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فليس لهم فيه حجة؛ لأن ﴿كِتَابَ اللهِ﴾ ليس منصوبا بعليكم، وإنما هو منصوب لأنه مصدر، والعامل فيه فعل مقدر، والتقدير فيه: كتب كتابًا اللهُ عليكم، وإنما قُدِّرَ هذا الفعل ولم يظهر لدلالة ما تقدم عليه، كما قال الشاعر:
[١٤٤]
ما إن يَمَسُّ الأرضَ إلا مَنْكِبٌ ... منه، وحرف السَّاقِ، طَيَّ المِحْمَلِ
فقوله "طي المحمل" منصوب لأنه مصدر، والعامل فيه فعل مُقَدَّر، والتقدير فيه: طُوِيَ طي المحمل، وإنما قدر ولم يظهر لدليل ما تقدم عليه من قوله: "ما إن يمس الأرض إلا منكب منه"، فكذلك ههنا: قُدِّرَ هذا الفعل ولم يظهر لدلالة ما تقدم عليه من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: من الآية٢٣] فإن فيه دلالة على أن ذلك مكتوب عليهم؛ فلما قدر هذا الفعل ولم يظهر بقي التقدير فيه: كتابًا اللهُ عليكم، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل كقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِي تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: من الآية٨٨] فَنَصَبَ
стр. 183
﴿صُنْعَ﴾ على المصدر بفعل مقدر، وإنما قدر هذا الفعل ولم يظهر لدلالة ما تقدم
عليه من الكلام، والتقدير فيه: صَنَعَ صنعًا الله، وحُذِفَ الفعل وأضيف المصدر إلى الفاعل؛ لأنه يضاف إلى الفاعل كما يضاف إلى المفعول، وقال الراعي:
[١٤٥]
دَأَبْتُ إلى أن يَنْبُتَ الظِّلُّ بَعْدَمَا ... تَقَاصَرَ حتى كَادَ في الآل يَمْصَحُ
وجِيفَ المَطَايَا، ثم قلتُ لصحبتي ... ولم ينزلوا: أَبْرَدْتُمُ فَتَرَوَّحُوا
فنصب "وَجيفَ" على المصدر بفعل مُقَدَّر على ما تقدم، وأضاف المصدر إلى الفاعل، وقال لبيدٌ:
[١٤٦]
حتى تهجَّر في الرَّوَاح وهَاجَهَا ... طَلَبَ المُعَقبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ
стр. 184
كأنه قال: طلبًا المعقبُ حَقَّهُ، ثم أضاف المصدر إلى المعقب وهو فاعل بدليل أنه قال "المظلوم" بالرفع حملًا للوصف على الموضع، وإضَافَةُ المصدر إلى الفاعل أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١] فأضاف المصدر إلى اسم الله تعالى وهو الفاعل، ونحوه قولهم "ضربي زيدًا قائمًا، وأكثر شُرْبِي السويقَ ملتُوتًا" وقال الشاعر:
[١٤٧]
فلا تُكْثِرَا لَوْمِي، فإن أَخَاكُمَا ... بِذِكْرَاهُ ليلى العامرية مُولَعُ
فأضاف المصدر إلى الضمير في "ذكراه" وهو فاعل، وقال الآخر:
[١٤٨]
أُفَنَى تِلَادِي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبِ ... قَرْعُ القَوَاقِيزِ أَفْوَاهَ الأَبَارِيقِ
стр. 185
فأضاف المصدر إلى "القوافيز" وهو فاعل فيمن روى "أَفْوَاهَ" منصوبًا، ومن روى "أَفْوَاهُ" بالرفع جعله مضافًا إلى المفعول، والشواهد على هذا النحو كثيرة جدًّا.
وأما البيت الذي أنشدوه:
[١٤٣]
يا أيها المائح دَلْوِي دُونَكَا
فلا حُجَّةَ لهم فيه من وجهين؛ أحدهما: أن قوله "دلوي" ليس هو في موضع نصب، وإنما هو في موضع رفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدر١، والتقدير فيه: هذا دلوى دونكا. والثاني: أنا نسلم٢ أنه في موضع نصب، ولكنه لا يكون منصوبًا بدونك، وإنما هو منصوب بتقدير فعل؛ كأنه قال: خُذْ دَلْوِي دُونَكَ، و "دونك" مفسر لذلك الفعل المقدر.
وأما قولهم "إنها قامت مقام الفعل فيجوز تقديم معمولها عليها كالفعل" قلنا: هذا فاسد، وذلك لأن الفعل٣ الذي قامت هذه الألفاظ مقامه يستحق في الأصل أن يعمل النصب، وهو متصرف في نفسه فتصرف عملهُ، وأما هذه الألفاظ فلا تستحق في الأصل أن تعمل النصب، وإنما أُعْمِلَتْ لقيامها مقام الفعل، وهي غير متصرفة في نفسها؛ فينبغي أن لا يتصرف عملها؛ فوجب أن لا يجوز تقديم معمولها عليها، والله أعلم.
стр. 186
٢٨- مسألة: [القول في أصل الاشتقاق؛ الفعل هو أو المصد ر؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن المصدر مشتقٌّ من الفعل وفرع عليه، نحو "ضرب ضربًا، وقام قيامًا" وذهب البصريون إلى أن الفعل مشتق من المصدر وفرع عليه.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنَّ المصدر مشتق من الفعل؛ لأن المصدر يصح لصحة الفعل ويعتلّ لاعتلاله، ألا ترى أنك تقول "قَاوَمَ قِوَامًا" فيصح المصدر؛ لصحة الفعل، وتقول: "قَامَ قيامًا" فيعتلّ؛ لاعتلاله؛ فلما صح لصحته واعتل لاعتلاله دلّ على أنه فرع عليه.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أن المصدر فرع على الفعل أن المصدر يُذْكَر تأكيدًا للفعل، ولا شك أن رتبة المُؤَكَّدِ قبل رتبة المُؤَكِّد؛ فدلَّ على أن الفعل أصل، والمصدر فرع. والذي يؤيد ذلك أنا نجد أفعالًا ولا مصادر لها، خصوصًا على أصلكم، وهي نعم وبئس وعسى وليس وفعل التعجب حَبَّذَا، فلو لم يكن المصدر فرعًا لا أصلًا لما خلا عن هذه الأفعال؛ لاستحالة وجود الفرع من غير أصل.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أن المصدر فرع على الفعل أن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل، والفاعل٢ وضع له فَعَلَ ويَفْعلُ؛
стр. 187
فينبغي أن يكون الفعل الذي يعرف به المصدر أصلًا للمصدر.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن المصدر إنما سُمِّيَ مصدرًا لصدور الفعل عنه، كما قالوا للموضع الذي تصدر عنه الإبل مصدرًا لصدورها عنه" لأنا نقول: لا نسلم، بل سُمِّيَ مصدرًا لأنه مصدرو عن الفعل، كما قالوا "مَرْكَبٌ فَارِه، ومشرب عذب" أي: مركوب فاره، ومشروب عذب، والمراد به المفعول، لا الموضع، فلا تَمَسُّكَ لكم بتسميته مصدرًا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن المصدر أصل للفعل أن المصدر يدل على زمان مطلق، والفعل يدل على زمان معين، فكما أن المطلق أصل للمقيد، فكذلك المصدر أصل للفعل.
وبيان ذلك أنهم لما أرادوا استعمال المصدر وجدوه يشترك في الأزمنة كلها، لا اختصاص له بزمان دون زمان، فلما لم يتعين لهم زمان حدوثه لعدم اختصاصه اشتقوا له من لفظه أمثلة تدل على تعين الأزمنة، ولهذا كانت الأفعال ثلاثة: ماضٍ، وحاضر، ومستقبل؛ لأن الأزمنة ثلاثة؛ ليختص كل فعل منها بزمان من الأزمنة الثلاثة؛ فدلَّ على أن المصدر أصل للفعل.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أن المصدر هو الأصل أن المصدر اسم، والاسم يقوم بنفسه ويستغني عن الفعل، وأما الفعل فإنه لا يقوم بنفسه ويفتقر إلى الاسم، وما يستغني بنفسه ولا يفتقر إلى غيره أولى بأن يكون أصلًا مما لا يقوم بنفسه ويفتقر إلى غيره.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أن المصدر هو الأصل أن الفعل بصيغته يدل على شيئين: الحدث، والزمان المحصل، والمصدر يدل بصيغته على شيء واحد وهو الحدث، وكما أن الواحد أصل الاثنين فكذلك المصدر أصل الفعل.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أن المصدر هو الأصل أن المصدر له مثال واحد نحو الضَّرْبَ والقَتْلَ، والفعل له أمثلة مختلفة، كما أن الذهب نوع واحد، وما يوجد منه أنواع وصُوَر مختلفة.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أن المصدر هو الأصل أن الفعل بصيغته يدل على ما يدل عليه المصدر، والمصدر لا يدل على ما يدل عليه الفعل، ألا ترى أن "ضرب" يدل على ما يدل على الضَّرْبُ، والضرب لا يدل على ما يدل عليه "ضرب" وإذا كان كذلك دلّ على أن المصدر أصل والفعل فرع؛ لأن
стр. 188
الفرع لا بُدّ أن يكون فيه الأصل، وصار هذا كما تقول في الآنية المصوغة من الفضة فإنها تدل على الفضة لا تدل على الآنية، وكما أن الآنية المصوغة من الفضة فرع عليها ومأخوذة منها فكذلك ههنا: الفعل فرع على المصدر ومأخوذ منه.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أن المصدر ليس مشتقًّا من الفعل أنه لو كان مشتقًّا منه لكان يجب أن يجري على سَنَنٍ في القياس، ولم يختلف كما لم يختلف أسماء الفاعلين والمفعولين؛ فلما اختلف المصدر اختلاف الأجناس كالرجل والثوب والتراب والماء والزيت وسائر الأجناس دلّ على أنه غير مشتق من الفعل.
ومنهم من تمسك بأن قال: لو كان المصدر مشتقًّا من الفعل لوجب أن يدل على ما في الفعل من الحدث والزمان وعلى معنى ثالث، ما دلَّتْ أسماء الفاعلين والمفعولين على الحدث وذات الفاعل والمفعول به١؛ فلما لم يكن المصدر كذلك دلّ على أنه ليس مشتقًّا من الفعل.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أن المصدر ليس مشتقًّا من الفعل قولهم "أَكْرَمَ إِكْرَامًا" بإثبات الهمزة، ولو كان مشتقًّا من الفعل لوجب أن تحذف منه الهمزة كما حذفت من اسم الفاعل والمفعول نحو "مُكْرِم، ومُكْرَم" لَمَّا كانا مشتقين منه؛ فلما لم تحذف ههنا كما حذفت مما هو مشتق منه دلّ على أنه ليس بمشتق منه.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أن المصدر هو الأصل تسميته مصدرًا؛ فإن المصدر هو الموضع الذي يَصْدُرُ عنه، ولهذا قيل للموضع الذي تصدر عنه الإبل "مَصْدَر" فلما سُمِّيَ مَصْدَرًا دلّ على أن الفعل قد صَدَرَ "عنه" وهذا دليل لا بأس به في المسألة، وما اعترض به الكوفيون عليه في دليلهم فسنذكر فساده في الجواب عن كلماتهم في موضعه إن شاء الله تعالى:
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن المصدر يصح لصحة الفعل ويعتلُّ لاعتلاله" قلنا: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن المصدر الذي لا عِلَّة فيه ولا زيادة لا يأتي إلا صحيحًا نحو "ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا" وما أشبه ذلك، وإنما يأتي معتلًّا ما كانت فيه الزيادة، والكلام إنما وقع في أصول المصادر، لا في فروعها.
стр. 189
الثاني: أنا نقول: إنما صح لصحته واعتلَّ لاعتلاله للتشاكل، وذلك لا يدل على الأصلية١ والفرعية، وصار هذا كما قالوا "يَعِدُ" والأصل فيه يوعد؛ فحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وقالوا: "أَعِدُ، ونَعِدُ، وتَعِدُ" والأصل فيها أَوْعِدُ ونَوْعِدُ وتَوْعِدُ، فحذفوا الواو -وإن لم تقع بين ياء وكسرة- حملًا على يَعِدُ، ولا يدل ذلك على أنها مشتقة من يَعِدُ وكذلك قالوا "أُكْرِمُ" والأصل فيه أُأَكْرِم، فحذفوا إحدى الهمزتين استثقالًا لاجتماعهما، وقالوا: "نكرم، وتكرم، ويكرم"، والأصل فيها: نُؤَكْرِم، وتُؤَكْرِم، ويُؤَكْرِم، كما قال الشاعر:
[١]
فإنه أهل لأن يُؤَكْرَما
فحذفوا الهمزة -وإن لم يجتمع فيها ٢ همزتان- حملًا على أُكْرِم؛ ليجري الباب على سَنَنٍ واحد، ولا يدل ذلك على أنها مشتقة من أكرم، فكذلك ههنا.
والثالث: أنا نقول: يجوز أن يكون المصدر أصلًا ويحمل على الفعل الذي هو فرع، كما بنينا الفعل المضارع في فعل جماعة النسوة نحو "يضربن" حملا على "ضربن" وهو فرع؛ لأن الفعل المستقبل قبل الماضي، وكما قال الفراء: إنما بني الفعل الماضي على الفتح في فعل الواحد لأنه يفتح في الاثنين، ولا شك أن الواحد أصل للاثنين؛ فإذا جاز لكم أن تحملوا الأصل على الفرع هناك جاز لنا أن نحمل الأصل على الفرع ههنا.
وأما قولهم "إن الفعل يعمل في المصدر؛ فيجب أن يكون أصلًا" قلنا: كونه عاملًا فيه لا يدل على أنه أصل له، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنا أجمعنا على أن الحروف والأفعال تعمل في الأسماء؛ ولا خلاف أن الحروف والأفعال ليست أصلًا للأسماء، فكذلك ههنا.
والثاني: أن معنى قولنا "ضرب ضربًا" أي أوقع ضربًا، كقولك "ضرب زيدًا" في كونهما مفعولين، وإذا كان المعنى أوقع ضربًا فلا شك أن الضرب معقول قبل إيقاعه، مقصود إليه، ولهذا يصح أن يؤمر به فيقال: "اضْرِبْ" وما أشبه ذلك، فإذا ثبت أنه معقول قبل إيقاعك معلوم قبل فعلك دلّ على أنه قبل الفعل.
وأما قولهم: "إن المصدر يذكر تأكيدًا للفعل، ورتبة المؤكَّد قبل رتبة المؤكِّد" قلنا: وهذا أيضًا لا يدل على الأصالة والفرعية، ألا ترى أنك إذا قلت ١٠٦- "جاءني زيدٌ زيدٌ، ورأيت زيدًا زيدًا، ومررت بزيدٍ زيدٍ" فإن زيدًا الثاني يكون
стр. 190
توكيدًا للأول في هذه المواضع كلها، وليس مشتقًّا من الأول ولا فرعًا عليه، فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إنا نجد أفعالًا ولا مصادِرَ لها"، قلنا: خُلُوّ تلك الأفعال التي ذكرتموها عن استعمال المصدر لا يخرج بذلك عن كونه أصلًا وأن الفعل فرع عليه؛ لأنه قد يستعمل الفرع وإن لم يستعمل الأصل، ولا يخرج الأصل بذلك عن كونه أصلًا ولا الفرع عن كونه فرعًا، ألا ترى أنهم قالوا: "طَيْرٌ عَبَادِيد" أي متفرقة، فاستعملوا لفظ الجمع الذي هو فرع وإن لم يستعملوا لفظ الواحد الذي هو الأصل، ولم يخرج بذلك الواحد أن يكون أصلًا للجمع، وكذلك أيضًا قالوا: "طيرًا أَبَابِيل" قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]
أي جماعات في تفرقة وهو جمع لا واحد له في قول الأكثرين، زعم بعضهم أن واحده إِبَّوْلٌ، وزعم بعضهم أن واحدهُ إِبِّيلٌ، وكلاهما مخالف لقول الأكثرين، والظاهر أنهم جعلوا واحده إبولا وإبيلا قياسًا وحملًا، لا استعمالًا ونقلًا، والخلاف إنما وقع في استعمالهم لا في قياس كلامهم.
ثم نقول: ما ذكرتموه معارَضٌ بالمصادر التي لم تستعمل أفعالُهَا، نحو: "وَيْلَهُ، وَوَيْحَهُ، وَوَيْهَهُ، وَوَيْبَهُ، وَوَيْسَهُ، وأهلًا وسهلًا، ومرحبًا، وسقيًا، ورعيًا، وأُفَّةً، وتُفَّهً، وتَعْسًا، ونَكْسًا، وبُؤْسًا، وبُعْدًا، وسُحْقًا، وجُوعًا، ونُوْعًا، وجَدْعًا، وعَقْرًا، وخَيْبَةً، ودَفْرًا، وتَبًّا، وبَهْرًا".
قال ابن ميادة
[١٤٩]
تَفَاقَدَ قْوَمِي إذ يبيعون مُهْجَتِي ... بِجَارِيَة، بَهْرًا لهم بَعْدَهَا بَهْرًا
стр. 191
فإن هذه كلها مصادر لم تستعمل أفعالها، فإن زعمتم أن ما ذكرتموه من خلوّ الفعل عن المصدر يصلح أن يكون دليلا لكون الفعل أصلًا فليس بأولى مما ذكرناه من خلو المصدر عن الفعل في كون المصدر أصلًا؛ فتتحقق المعارضة فيسقط الاستدلال.
وأما قولهم "إن المصدر لا يتصور ما لم يكن فعل فاعل، والفعل وضع له فَعَلَ ويَفْعَلُ" قلنا: هذا باطل؛ لأن الفعل في الحقيقة ما يدل عليه المصدر، نحو الضَّرب والقتل، وما نسميه فعلًا من فَعَل ويَفْعَلُ إنما هو إخبار بوقوع ذلك الفعل في زمان معين، ومن المحال الإخبار بوقوع شيء قبل تسميته؛ لأنه له جاز أن يقال "ضرب زيد" قبل أن يوضع الاسم للضرب لكان بمنزلة قولك: أخبرك بما لا تعرف، وذلك محال، والذي يدل على صحة ما ذكرناه تسميته مصدرًا، قولهم "إن المراد به المفعول، لا الموضع، كقولهم: مركب فاره، ومشرب عذب، أي مركوب فاره ومشروب عذب" قلنا: هذا باطل من وجهين؛ أحدهما: أن الألفاظ إذا أمكن حملها على ظاهرها فلا يجوز العدول بها عنه، والظاهر يوجب أن يكون المصدر للموضع لا للمفعول؛ فوجب حمله عليه. والثاني: أن قولهم "مركب فاره، ومشرب عذب" يجوز أن يكون المراد به موضع الركوب وموضع الشرب، ونسب إليه الفَرَاهَة والعُذُوبة للمجاورة، كما يقال "جَرَى النهرُ" والنهر لا يجري، وإنما يجري الماء فيه، قال الله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] فأضاف الفعل إليها وإن كان الماء هو الذي يجري فيها، لما بيَّنَّا من المجاورة، ومنه قولهم "بَلَدٌ آمِنٌ، ومكان آمِنٌ" فأضافوا الأمن إليه مجازًا؛ لأنه يكون فيه؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] فأضاف الأمن إليه لأنه يكون فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] فأضاف المكر إلى الليل والنهار لأنه يقع فيهما،
стр. 192
ومنهم قولهم "ليل نائمٌ" فأضافوا النوم إلى الليل لكونه فيه، قال الشاعر:
[١٥٠]
لقد لُمْتِنَا يا أُمَّ غَيْلَانَ في السُّرَى ... ونِمْتِ، وما ليل المَطِيِّ بنائم
أي بمنوم فيه، ومنه قولهم "يومٌ فاجرٌ" فأضافوا الفجور إليه لأنه يقع فيه، قال الشاعر:
[١٥١]
ولما رأيت الخيل تَتْرَى أَثَائجًا ... علمتُ بأن اليوم أَحْمَسُ فَاجِرُ
أي مفجور فيه، والشواهد على هذا النحو من كتاب الله تعالى وكلام العرب أكثر من أن تُحْصَى؛ فدلَّ على أن المراد بقولهم: "مركب فاره، ومشرب عذب" موضع للركوب وموضع الشرب، وأضيف إليه الفَرَاهة والعُذُوبة للمجاورة على ما بيَّنَّا.
وقد أفردنا في هذه المسألة جزءًا استوفينا فيه القول، واستقصينا فيه الكلام، والله أعلم.
стр. 193
٢٩- مسألة: [القول في عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الظرف ينتصب على الخلاف إذا وقع خبرًا للمبتدأ نحو "زيد أَمَامَكَ، عمرو وَرَاءَكَ" وما أشبه ذلك. وذهب أبو العباس أحمد بن يحيى ثَعْلَب من الكوفيين إلى أنه ينتصب لأن الأصل في قولك: "أمامك زيدٌ" حلَّ أمامك، فحذف الفعل وهو غير مطلوب واكتفى بالظرف منه فبقي منصوبًا على ما كان على مع الفعل. وذهب البصريون إلى أنه ينتصب بفعل مقدر، والتقدير فيه: زيد استقرَّ أمامك، وعمرو استقرَّ وراءك. وذهب بعضهم إلى أنه ينتصب بتقدير اسم فاعل، والتقدير: زيد مستقر أمامك، وعمرو مستقر وراءك
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه ينتصب بالخلاف وذلك لأن خبر المبتدأ في المعنى هو المبتدأ، ألا ترى أنك إذا قلت "زيد قائم، وعمرو منطلق" كان قائم في المعنى هو زيد، ومنطلق في المعنى هو عمرو، فإذا قلت "زيد أمامك، وعمرو وراءك" لم يكن أمامك في المعنى هو زيد، ولا وراءك في المعنى هو عمرو، كما كان قائم في المعنى هو زيد ومنطلق في المعنى هو عمرو، فلما كان مخالفًا له نصب على الخلاف ليُفَرِّقوا بينهما.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه ينتصب بعامل مقدر وذلك لأن الأصل في قولك "زيد أمامك، وعمرو وراءك": في أمامك، وفي ورائك؛ لأن الظرف: كل اسم من أسماء الأمكنة أو الأزمنة يراد فيه معنى "في" وفي: حرف جر، وحروف الجر لا بُدّ لها من شيء تتعلق به؛ لأنها دخلت رابطةً تربط الأسماء بالأفعال، كقول: "عجبت من زيد، ونظرت إلى عمرو" ولو قلت "من زيد" أو "إلى عمرو" لم يجز حتى تُقَدِّر لحرف الجر شيئًا يتعلق به، فدلَّ على أن التقدير في
стр. 194
قولك "زيد أمامك، وعمرو وراءك" زيد استقر في أمامك، وعمرو استقر في ورائك ثم حذف الحرف فاتصل الفعل بالظرف فنصبه، فالفعل الذي هو استقر مقدر مع الظرف، كما هو مقدر مع الحرف.
وأما مَنْ ذهب من البصريين إلى أن الظرف ينتصب بتقدير اسم الفاعل -وهو مستقر- قال: لأن تقدير اسم الفاعل أولى من تقدير الفعل؛ لأن اسم الفاعل اسم يجوز أن يتعلق به حرف الجر، والاسم هو الأصل١، والفعل فرع، فلما وجب تقدير أحدهما كان تقدير الأصل أولى من تقدير الفرع.
والصحيح عندي هو الأول، وذلك لأن اسم الفاعل فرع على الفعل في العمل وإن كان هو الأصل في غير العمل؛ فلما وجب ههنا تقدير عامل كان تقدير ما هو الأصل في العمل -وهو الفعل- أولى من تقدير ما هو الفرعُ فيه وهو اسم الفاعل.
والذي يدل على صحة ما ذكرناه أنَّا وجدنا الظرف يكون صلة للذي، نحو: "رأيت الذي أمامك، والذي وراءك" وما أشبه ذلك؛ والصلة لا تكون إلا جملة فلو كان المقدر اسم الفاعل الذي هو مستقر لكان مفردًا؛ لأن اسم الفاعل مع الضمير لا يكون جملة، وإنما يكون مفردًا، والمفرد لا يكون صلة ألبتة، فوجب أن يكون المقدر الفعل الذي هو استقر، لأن الفعل مع الضمير يكون جملة؛ فدل على ما بيَّنَّاه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن خبر المبتدأ في المعنى هو المبتدأ، وإذا قلت "زيد أمامك، وعمرو وراءك" فأمامك ليس هو زيد، ووراءك ليس هو عمرو، فلما كان مخالفًا له وجب أن يكون منصوبًا على الخلاف" قلنا: هذا فاسد؛ وذلك لأنه لو كان الموجب لنصب الظرف كونَهُ مخالفًا للمبتدأ لكان "المبتدأ" أيضًا يجب أن يكون منصوبًا؛ لأن المبتدأ مخالف للظرف كما أن الظرف مخالف للمبتدأ؛ لأن الخلاف لا يتصور أن يكون من واحد وإنما يكون من اثنين فصاعدًا؛ فكان ينبغي أن يقال "زيدًا أمامك" وعمرًا وراءك" وما أشبه ذلك؛ فلمالم يجز ذلك دلّ على فساد ما ذهبوا إليه.
وأما قول أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب: "أنه انتصب بفعل محذوف غير مقدر، إلى آخر ما قرر" ففاسد أيضًا؛ وذلك لأنه يؤدِّي إلى أن يكون منصوبًا بفعل
стр. 195
معدوم من كل وجه لفظًا وتقديرًا، والفعل لا يخلو، إما أن يكون مظهرًا موجودًا أو مقدرًا في حكم الموجود، فأما إذا لم يكن مظهرًا موجودًا ولا مقدرًا في حكم الموجود كان معدومًا من كل وجه، والمعدوم لا يكون عاملًا، وكما يستحيل في الحسِّيَّات الفعل باستطاعةٍ معدومةٍ، والمشيُ برجلٍ معدوم، والقطع بسيف معدوم، والإحراق بنار معدومة؛ فكذلك يستحيل في هذه الصناعة النصب بعامل معدوم لأن العلل النحوية مشبهة بالعلل الحسية. والذي يدل على فساد ما ذهب إليه أنه لا نظير له في العربية، ولا يشهد له شاهد من العلل النحوية، فكان فاسدًا. والله أعلم.
стр. 196
٣٠- مسألة: [القول في عامل النصب في المفعول معه] ١
ذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه منصوب على الخلاف، وذلك نحو قولهم "استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطَّيَالِسَة". وذهب البصريون إلى أنه منصوب بالفعل الذي قبله بتوسُّط الواو. وذهب أبو إسحاق الزَّجَّاج من البصريين إلى أنه منصوب بتقدير عامل، والتقدير: ولابَسَ الخشبَةَ، وما أشبه ذلك؛ لأن الفعل لا يعمل في المفعول وبينهما الواو. وذهب أبو الحسن الأَخْفَش إلى أن ما بعد الواو ينتصب بانتصاب "مع" في نحو "جئتُ مَعَه".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه منصوب على الخلاف وذلك لأنه إذا قال "استوى الماءُ والخشبةَ" لا يحسن تكرير الفعل فيقال: استوى الماء واستوت الخشبة؛ لأن الخشبة لم تكن مُعْوَجَّةٌ فتستوي، فلما لم يحسن تكرير الفعل كما يحسن في "جاء زيدٌ وعمرو" فقد خالف الثاني الأول، فانتصب على الخلاف كما بيَّنَّا في الظرف نحو: "زيد خلفك" وما أشبه ذلك.
والذي يدل على أن الفعل المتقدم لا يجوز أن يعمل فيه أنَّ نحو استوى وجاء فعلٌ لازمٌ، والفعل اللازم لا يجوز أن ينصب هذا النوع من الأسماء؛ فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن العامل هو الفعل وذلك لأن هذا الفعل وإن كان في الأصل غير متعدٍّ إلا أنه قَوِيَ بالواو فتعدَّى إلى الاسم فنصبه كما عُدِّيَ بالهمزة في نحو "أخرجتُ زيدًا" وكما عُدِّيَ بالتضعيف نحو "خرَّجت المتَاعَ" وكما عُدِّيَ بحرف الجر نحو: "خَرَجْتُ به" إلا أن الواو لا تعمل؛ لأن الواو في الأصل حرف عطف، وحرف العطف لا يعمل، وفيه معنيان العطف
стр. 197
ومعنى الجمع، فلما وضعت موضع "مع" خُلِعَتْ عنها دلالة العطف وأخلصت للجمع كما أن فاء العطف فيها معنيان: العطف، والإتباع؛ فإذا وقعت في جواب الشرط خُلِعَتْ عنها دلالة العطف وأخلصت للاتباع، وكذلك همزة الخطاب في "هَاءَ يا رجلُ" فإنها إذا ألحقتَهَا الكاف جردتها من الخطاب؛ لأنه يصير بعدها في الكاف، ونظير ما نحن فيه من كل وَجْهٍ نصبُهُمْ الاسم في باب الاستثناء بالفعل المتقدم بتقوية "إلا" فكذلك ههنا: المفعول معه منصوب بالفعل المتقدم بتقوية الواو، على ما بيَّنَّا، وهذا هو المعتمد عند البصريين.
وأما ما ذهب إليه الزَّجَّاج من أنه منصوب بتقدير عامل، والتقدير ولَابَسَ الخشبة لأن الفعل لا يعمل في المفعول وبينهما الواو. قلنا: هذا باطل؛ لأن الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يتعلق به، فإن كان يفتقر إلى توسط حرف عَمِلَ مع وجوده، وإن كان لا يفتقر إلى ذلك عمل مع عدمه، وقد بيَّنَّا أن الفعل قد تعلق بالمفعول معه بتوسط الواو، وأنه يفتقر في عمله إليها، فينبغي أن يعمل مع وجودها، فكيف يُجْعَل ما هو سببٌ في وجود العمل سببًا في عدمه؟ وهل ذلك إلا تعليق على العلة ضدّ المقتضى؟ ولو كان لما ذهب إليه وجه لكان ما ذهب إليه الأكثرون أولى؛ لأن ما ذهب إليه يفتقر إلى تقدير، وما ذهب إليه الأكثرون لا يفتقر إلى تقدير، وما لا يفتقر إلى تقدير أولى مما يفتقر إلى تقدير.
وأما ما ذهب إليه الأَخْفَش من أنه ينتصب انتصاب "مع" فضعيف أيضًا؛ لأن "مع" ظرف، والمفعول معه في نحو "استوى الماءُ والخشبةَ، وجاء البردُ والطَّيَالِسَةَ" ليس بظرف، ولا يجوز أن يجعل منصوبًا على الظرف.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنه منصوب على الخلاف؛ لأنه لا يحسن تكرير الفعل؛ فخالف الثاني الأول، فانتصب على الخلاف" قلنا: هذا باطل بالعطف الذي يخالف بين المعنيين نحو قولك: "ما قام زيدٌ لكن عمروٌ، وما مررت بزيدٍ لكن بكرٍ" وما بعد لكن يخالف ما قبلها، وليس بمنصوب، فإن لكن يلزم أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها على كل حال، سواء لزمت العطف في النفي عندنا أو جاز بها العطف في الإيجاب عندكم؛ فلو كان كما زعمتم لوجب أن لا يكون ما بعدها إلا منصوبًا لمخالفته الأول، وإذا كان الخلاف ليس موجبًا للنصب مع "لكِنْ" وهو حرف لا يكون ما بعده إلا مخالفًا لما قبله فلأن لا يكون موجبًا للنصب مع الواو التي لا يجب أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها كان ذلك من طريق
стр. 198
الأولى، وكذلك أيضًا يبطل بلا في قولك "قام زيدٌ لا عمروٌ، ومررت بزيدٍ لا عمرو" وما بعد "لا" يخالف ما قبلها كلكن، وليس بمنصوب؛ فدلَّ على أن الخلاف لا يكون موجبًا للنصب.
وقولهم "إن الفعل المتقدم لازم؛ فلا يجوز أن يعمل في المفعول معه" قلنا: إلا أنه تعدَّى بتقوية الواو؛ فخرج عن كونه لازمًا على ما بيَّنَّا، فلا نعيده ههنا، والله أعلم.
стр. 199
٣١- مسألة: [القول في تقديم الحال على الفعل العامل فيها] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم الحال على الفعل العامل فيها مع الاسم الظاهر٢، نحو: "راكبًا جاء زيد" ويجوز مع المضمر، نحو "راكبًا جئتُ". وذهب البصريون إلى أنه يجوز تقديم الحال على العامل فيها مع الاسم الظاهر والمضمر.
وأما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا لا يجوز تقديم الحال على العامل فيها، وذلك لأنه يؤدِّي إلى تقديم المضمر على المظهر، ألا ترى أنك إذا قلت: "راكبًا جاء زيد" كان في "راكبًا" ضميرُ زيد، وقد تقدم عليه، وتقديم المضمر على المظهر لا يجوز.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز تقديم الحال على العامل فيها إذا كان العامل فعلًا نحو "راكبًا جاء زيد" للنقل والقياس:
أما النقل فقولهم في المثل "شَتَّى تَئُوبُ الحَلَبَةُ٣" فشتى: حال مُقَدَّمَة على الفعل العامل فيها مع الاسم الظاهر، فدلَّ على جوازه.
وأما القياس فلأن العامل فيها متصرف، وإذا كان العامل متصرفًا وجب أن يكون عمله متصرفًا، وإذا كان عمله متصرفًا وجب أن يجوز تقديم معموله عليه، كقولهم "عَمْرًا ضَرَبَ زيد" فالذي يدل عليه أن الحال تُشَبَّهُ بالمفعول، وكما يجوز تقديم المفعول على الفعل، فكذلك يجوز تقديم الحال عليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: قولهم "إنما لم يجز تقديم الحال لأنه
стр. 200
يؤدِّي إلى تقديم المضمر على المظهر" قلنا: هذا فاسد؛ وذلك لأنه وإن كان مقدمًا في اللفظ إلا أنه مؤخر في التقدير، وإذا كان مؤخّرًا في التقدير جاز فيه التقديم، قال الله تعالى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧]
فالضمير في "نفسه" عائد إلى "موسى" وإن كان مؤخرًا في اللفظ، إلا أنه لما كان في تقدير التأخير جاز التقديم، قال زهير:
[٣٠]
من يَلْقَ يوما على عِلَّاتِه هَرِمًا ... يلقَ السَّمَاحَةَ منه والنَّدَى خُلُقًا
فالهاء في "علاته" تعود إلى "هرم" لأنه في تقدير التقديم؛ لأن التقدير: من يلق يوما هرما على علاته، فلما كان "هرمًا" في تقدير التقديم والضمير في تقدير التأخير وجب أن يكون جائزًا، ومن كلامهم "في أكفانه لُفَّ الميِّتُ" ومن أمثالهم "في بيته يُؤْتَى الحَكَمُ"١ وتزعم العرب أن أرنبًا وجدتْ تمرة فاختلسها ثَعْلَبٌ منها، فاختصما إلى ضَبٍّ، فقالت الأرنب: يا أبا الحُسَيْل، قال الضب: سميعًا دعوتما، قالت: أتيناك لتحكم بيننا، قال: عادلًا حكَّمتما، قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحَكَمُ؛ فالضمير في "في بيته" يعود إلى "الحَكَمُ" وقد تقدم عليه.
وهذا كثير في كلامهم، وقد بيَّنَّا ذلك مستقصى في جواز تقديم خبر المبتدأ عليه بما يغني عن الإعادة ههنا، والله أعلم.
стр. 201
٣٢- مسألة: [هل يقع الفعل الماضي حالًا] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الفعل الماضي يجوز أن يقع حالًا، وإليه ذهب أبو الحسن الأَخْفَش من البصريين. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يقع حالًا، وأجمعوا على أنه إذا كانت معه "قَدْ" أو كان وصفًا لمحذوف فإنه يجوز أن يقع حالًا.
أما الكوفيون فاحتجُّوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز أن يقع الفعل الماضي حالًا النقلُ والقياس.
أما النقلُ فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] فحصرت: فعل ماضٍ، وهو في موضع الحال، وتقديره: حَصِرَةً صدورهم، والدليل على صحة هذا التقدير قراءة من قرأ: "أو جاؤوكم حَصِرَةً صدروهم" وهي قراءة الحسن البصريّ ويعقوب الحَضْرَمِيّ والمفضّل عن عاصم، وقال أبو صخر الهذليُّ:
[١٥٢]
وإني لَتَعْرُونِي لذكراك نُفْضَةٌ ... كما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
стр. 202
فبلَّلَهُ: فعل ماضٍ، وهو في موضع الحال؛ فدلَّ على جوازه.
وأما القياس فلأن كل ما جاز أن يكون صفة لنكرة نحو "مررت برجل قاعد، وغلام قائم" جاز أن يكون حالًا للمعرفة نحو "مررت بالرجل قاعدًا، وبالغلام قائمًا"، والفعل الماضي يجوز أن يكون صفة للنكرة نحو "مررت برجل قَعَدَ، وغلام قامَ" فينبغي أن يجوز أن يقع حالًا للمعرفة نحو "مررت بالرَّجُلِ قَعَدَ، وبالغلام قَامَ" وما أشبه ذلك.
والذي يدلّ على ذلك أنا أجمعنا على أنه يجوز أن يُقَال الفعل الماضي مُقَامَ الفعل المستقبل، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] أي: يقول، وإذا جاز أن يقام الماضي مقام المستقبل جاز أن يقام مقام الحال.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يقع حالًا وذلك لوجهين؛ أحدهما: أن الفعل الماضي لا يدل على الحال؛ فينبغي أن لا يقوم مقامه، والوجه الثاني: أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال فيه "الآن" أو "الساعة" نحو: "مررت بزيد يضرب، ونظرت إلى عمرو يكتب" لأنه يحسن أن يقترن به الآن أو الساعة، وهذا لا يصلح في الماضي، فينبغي أن لا يكون حالًا؛ ولهذا لم يجز أن يقال: "مازال زيد قام، وليس زيد قام" لأن "ما زال، وليس" يطلبان الحال، و "قام" فعل ماضٍ؛ فلو جاز أن يقع حالًا لوجب أن يكون هذا جائزًا؛ فلما لم يجز دلَّ على أن الفعل الماضي لا يجوز أن يقع حالًا، وكذلك لو قلت "زيد خلفك قام" لم يجز أن يجعل "قام" في موضع الحال؛ لما بيَّنَّا، ولا يلزم على كلامنا إذا كان مع الماضي "قد" حيث يجوز أن يكون حالًا نحو "مررت بزيد قد قام" وذلك لأن "قد" تقرب الماضي من الحال، فجاز أن يقع معها حالًا، ولهذا يجوز أن يقترن به الآن أو الساعة فيقال: "قد قام الآن، أو الساعة" فدلَّ على ما قلناه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] فلا حجة لهم فيه، وذلك من أربعة أوجه؛
стр. 203
الوجه الأول: أن تكون صفة لقوم المجرور في أول الآية، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ [النساء: ٩٠] والوجه الثاني: أن تكون صفة لقوم مقدر ويكون التقدير فيه: أو جاؤوكم قومًا حصرت صدورهم، والماضي إذا وقع صفة لموصوف محذوف جاز أن يقع حالًا بالإجماع. والوجه الثالث: أن يكون خبرًا بعد خبر، كأنه قال: أو جاؤوكم، ثم أخبر فقال: حصرت صدورهم. والوجه الرابع: أن يكون محمولًا على الدعاء، لا على الحال، كأن قال: ضَيَّقَ الله صدورهم، كما يقال: جاءني فلان وسَّع الله رزقه، وأحسن إليَّ غَفَرَ الله له، وسَرَقَ قطع الله يده، وما أشبه ذلك؛ فاللفظ في ذلك كله لفظ الماضي ومعناه الدعاء، وهذا كثير في كلامهم قال الشاعر:
[١٥٣]
ألا يا سَيَالاتِ الدَّحَائِل بالضُّحَى ... عَلَيْكُنَّ من بين السَّيَالِ سَلَامُ
ولا زال مُنْهَلُّ الرَّبيع إذا جَرَى ... عليكنَّ منه وَابِل ورِهَامٌ
فأتى بالفعل الماضي ومعناه الدعاء؛ وقال قيس بن ذَرِيح:
[١٥٤]
ألا يا غرابَ البَيْنِ قد هِجْتَ لَوْعَةً ... فَوَيْحَكَ خَبِّرْنِي بما أنت تَصْرُخُ
стр. 204
أبالبَيْنِ من لُبْنَى؟ فإن كنت صَادِقًا ... فلا زال عَظْمٌ من جناحك يُفْضَخُ
ولا زِلتَ من عَذْبِ المياه منفّرًا ... وَوَكْرُكَ مهدوم وبيضك مُشْدَخُ
ولازال رامٍ قد أصابك سهمُهُ ... فلا أنت في أَمْن ولا أنت تُفْرِخُ
وأبصرتُ قبل الموت لحمك مُنْضَجًا ... على حَرِّ جَمْرِ النار يُشْوَى ويُطْبَخُ
وقال مَعْدَان بن جَوَّاس الكِنْدِي:
[١٥٥]
إن كان ما بُلِّغْتُ عَنِّي فَلَامَنِي ... صديقي، وشَلَّتْ من يَدَيَّ الأَنَامِلُ
وكَفَنْت وَحْدِي مُنْذِرًا في ردائه ... وصادف حَوْطًا من أَعَادِيَّ قاتل
فأتى بالفعل الماضي في هذه المواضع ومعناه الدعاء. فكذلك قوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] لفظُهُ لفظ الماضي ومعناه الدعاء، ومعناه من الله تعالى إيجاب ذلك عليهم.
وأما قول الشاعر:
[١٥٢]
كما انتفض العصفور بلَّلَهُ القطر
فإنما جاز ذلك لأن التقدير فيه: قد بلله القطر، إلا أنه حذف لضرورة الشعر، فلما كانت "قد" مقدرة تنزَّلَتْ منزلة الملفوظ بها، ولا خلاف أنه إذا كان مع الفعل الماضي "قد" فإنه يجوز أن يقع حالًا.
وأما قولهم "إنه يصلح أن يكون صفة للنكرة، فصلح أن يقع حالًا، نحو "قاعدِ، وقائم" قلنا: هذا فاسد؛ لأنه إنما جاز أن يقع نحو قاعد وقائم حالًا لأنه
стр. 205
اسم فاعل، واسم الفاعل يراد به الحال، بخلاف الفعل الماضي فإنه لا يراد به الحال فلم يجز أن يقع حالًا.
وأما قولهم "إنه يجوز أن يقوم الماضي مقام المستقبل، وإذا جاز أن يقوم مقام المستقبل جاز أن يقوم مقام الحال" قلنا: هذا لا يستقيم، وذلك لأن الماضي إنما يقوم مقام المستقبل في بعض المواضع على خلاف الأصل بدليل يدل عليه كقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦] فلا يجوز فيما عداه؛ لأنَّا بقينا فيه على الأصل، كما أنه يجوز أن يقع الماضي في بعض المواضع حالًا لدليل يدل عليه، وذلك إذا دخلت عليه "قد" أو كان وصفًا لمحذوف، ولم يجز فيما عداه؛ لأنا بقينا فيه على الأصل. على أنا نقول: ليس من ضرورة أن يجوز أن يقام الماضي مقام المستقبل ينبغي أن يقام مقام الحال؛ لأن المستقبل فعل كما أن الماضي فعل، فجنس الفعلية مشتمل عليهما، وأما الحال فهي اسم؛ وليس من ضرورة أن يقام الفعل مقام الفعل يجب أن يقوم مقام الاسم، والله أعلم.
стр. 206
٣٣- مسألة: [ما يجوز من وجوه الإعراب في الصفة الصالحة للخبرية إذا وُجِدَ معها ظرف مكرر]
ذهب الكوفيون إلى أن النصب واجب في الصفة إذا كرر الظرف التام وهو خبر المبتدأ، وذلك نحو قولك: "في الدَّار زيد قائمًا فيها". وذهب البصريون إلى أن النصب لا يجب إذا كرر الظرف وهو خبر المبتدأ، بل يجوز فيه الرفع كما يجوز فيه النصب. وأجمعوا على أنه إذا لم يكرر الظرف أنه يجوز فيه الرفع والنصب.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على ١١٧ أن النصب واجب النقل والقياس:
أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] فقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ﴾ منصوب بالحال، ولا يجوز غيره. وقال تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: ١٧] ووجه الدليل من هاتين الآيتين أن القُرَّاء أجمعوا فيهما على النصب، ولم يُرْوَ عن أحد منهم أنه قرأ في واحدة منهما بالرفع.
وأما القياس فقالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز إلا النصب، وذلك لأن الفائدة في الظرف الثاني في قولك: "في الدار زيد قائمًا فيها" إنما تحصل إذا حملناه على النصب، لا إذا حملناه على الرفع، ألا ترى أنه إذا حملناه على النصب يكون الظرف الأول خبرًا للمبتدأ، ويكون الثاني ظرفًا للحال، ويكون الصلة لقائم منقطعًا عما قبله؛ فيكون على هذا كلامًا مستقيمًا لم يُلْغَ منه شيء، بخلاف ما إذا حملناه على الرفع فقلنا "في الدار زيد قام فيها" فإنه تبطل فائدة في الثانية لنيابة الأولى عنها في الفائدة، وحمل الكلام على ما فيه فائدة أشبه بالحكمة من حمله على ما ليس فيه فائدة.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الرفع جائز أنا أجمعنا على
стр. 207
أنه إذا لم يكرر الظرف أنه يجوز فيه الرفع والنصب، فكذلك إذا كرر؛ لأن قُصَارى ما نقدر أن يكون مانعًا تَكَرُّرُ الظرف؛ لأن "في" الأولى تفيد ما تفيده الثانية، وهذا لا يصلح أن يكون مانعًا، لأن الأولى وإن كانت تفيد ما تفيده الثانية إلا أن الثانية تذكر على سبيل التوكيد، والتوكيد شائع في كلام العرب مُسْتَعْمَل في لغتهم، وهذا لا خلاف فيه، وصار هذا كقولهم "فيك زيد راغب فيك" ولا شك أن "فيك" الأولى تفيد ما تفيده الثانية، ومع هذا لم يمتنع صحة المسألة، فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: ١٧] فلا حجة لهم في هاتين الآيتين؛ إذ ليس فيهما ما يدل على أنه لا يجوز الرفع، وإنما فيهما دلالة على جواز النصب، ونحن نقول به.
وقولهم: "إنه لم يروَ عن أحد من القُرَّاء بالرفع فوجب أنه لا يجوز" قلنا: لا نسلم؛ فإنه قد روي عن الأعمش أنه قرأ ﴿خالدون فيها﴾ بالرفع، على أن هذا الاستدلال فاسد، وذلك لأنه ليس من ضرورة أنه لم يقرأ به أحد من القراء أن لا يكون كلامًا جائزًا فصيحًا. ألا ترى أنه لم يأتِ في كتاب الله ترك عمل "ما" في المبتدأ والخبر نحو "ما زيد قائم، وما عمرو ذاهب" إلا فيما ليس بمشهور، وإن كانت لغة مشهورة معروفة صحيحة فصيحة وهي لغة بني تميم، ثم لم يدل ذلك على أنها ليست فصيحة مشهورة مستعملة؟ فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إنا لو حملناه على الرفع لأدَّى ذلك إلى أن تبطل فائدة الثانية لنيابة الأولى عنها في الفائدة" قلنا: هذا فاسد؛ وذلك لأنه وإن كانت الأولى تفيد ما تفيده الثانية إلا أن ذلك لا يدل على بطلان فائدة الثانية؛ لأن من مذاهب العرب أن يؤكد اللفظ بتكريره؛ فيقولون "لقيت زيدًا زيدًا، وضربت عمرًا عمرًا" فيكون المكرر توكيدًا للأول، وإن كان الأول قد وقعت به الفائدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: ١٩] فهم الثانية تكرير للتوكيد، والتقدير: وهم بالآخرة كافرون، في أحد الوجهين، ومع هذا فلا يقال إنه لا يجوز، فكذلك ههنا، ومن تدبر سورة "الرحمن" و "قل يا أيها الكافرون" علم قطعًا أن التكرير للتوكيد لا ينكر في كلامهم؛ لما فيه من الفائدة، وكثرة ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، وشهرته في استعمالهم، تغني عن الإسهاب والتطويل بالشواهد؛ إذ كان ذلك أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن يظهر، والله أعلم.
стр. 208
٣٤- مسألة: [القول في العامل في المستثنى النصب] ١
اختلف مذهب الكوفيين فالعامل في المستثنى النصب نحو "قام القوم إلا زيدًا" فذهب بعضهم إلى أن العامل فيه "إلا"، وإليه ذهب أبو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد وأبو إسحاق الزَّجَّاج من البصريين، وذهب الفَرَّاء ومن تابعه من الكوفيين -وهو المشهور من مذهبهم- إلى أن "إلا" مركبة من إنَّ ولا، ثم خففت إنَّ وأدغمت في لا، فنصبوا بها في الإيجاب اعتبارًا بإنَّ، وعطفوا بها في النفي اعتبارًا بلا، وحكي عن الكسائي أنه قال: إنما نصب المستثنى؛ لأن تأويله: قام القوم إلا أن زيدًا لم يقم، وحكي عنه أيضًا أنه قال: ينتصب المستثنى لأنه مشبه بالمفعول. وذهب البصريون إلى أن العامل في المستثنى هو الفعل، أو معنى الفعل بتوسُّط إلا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن "إلا" هي العامل وذلك لأن إلا قامت مقام أستثني، ألا ترى أنك إذا قلت "قام القوم إلا زيدا" كان المعنى فيه: أستثني زيدًا، ولو قلت "أستثني زيدا" لوجب أن تنصب، فكذلك مع ما قام مقامه.
والذي يدل على أن الفعل المتقدم لا يجوز أن يكون عاملًا في المستثنى النصب أنه فعل لازم. والفعل اللازم لا يجوز أن يعمل في هذا النوع من الأسماء؛ فدلَّ على أن العامل هو "إلا" على ما بيَّنَّا.
والذي يدل أيضًا على أن الفعل ليس عاملًا قولهم "القوم إخوانك إلا زيدًا" فينصبون زيدًا، وليس ههنا فعل ألبتة؛ فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما الفَرَّاء فتمسك بأن قال: إنما قلنا إنه منصوب بإلا لأن الأصل فيها إنَّ ولا؛
стр. 209
فزيد: اسم إن، ولا: كَفَتْ من الخبر؛ لأن التأويل: إن زيدًا لم يقم، ثم خففت إن وأدغمت في لا وركبت معها فصارتا حرفًا واحدًا، كما ركبت لو مع لا وجعلا حرفًا واحدًا؛ فلما ركبوا إن مع لا أعملوها عملين: عمل إن فنصبوا بها في الإيجاب، وعمل لا فجعلوها عطفًا في النفي، وصارت بمنزلة حتى، فإنها لما شَابَهَتْ حرفين إلى والواو أجروها في العمل مجراهما، فخفضوا بها بتأويل إلى، وجعلوها كالواو في العطف؛ لأن الفعل يحسن بعدها كما يحسن بعد الواو، ألا ترى أنك تقول "ضربت القوم حتى زيد" أي حتى انتهيت إلى زيد، و "ضربت القوم حتى زيدٍ" أي حتى انتهيت إلى زيد، و "ضربت القوم حتى زيدًا" أي حتى ضربت زيدًا، فكذلك ههنا: إلا لما ركبت من حرفين أجريت في العمل مجراهما على ما بيَّنَّا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن العامل هو الفعل وذلك لأن هذا الفعل وإن كان فعلًا لازمًا في الأصل إلا أنه قَوِيَ بإلا فتعدَّى إلى المستثنى كما تعدَّى الفعل بحرف الجر، إلا أن "إلا" لا تعمل وإن كانت مُعَدِّية كما يعمل حرف الجر؛ لأن "إلا" حرف يدخل على الاسم والفعل المضارع، نحو "ما زيد إلا يقوم، وما عمرو إلا يذهب" وإن لم يجز دخوله على الفعل الماضي نحو "ما زيد إلا قام، وما عمرو إلا ذهب" والحرف متى دخل على الاسم والفعل لم يعمل في واحد منهما، وعدم العمل لا يدل على عدم التعدية، ألا ترى أن الهمزة والتضعيف يُعَدِّيان وليسا عاملين، ونظير ما نحن فيه نصبهم الاسم في باب المفعول معه نحو "استوى الماء والخَشَبَةَ، وجاء البرد والطَيَالِسَةَ" فإن الاسم نصب بالفعل المتقدم بتقوية الواو فإنها قَوَّتِ الفعل فأوصلته إلى الاسم فنصبه؛ فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن إلا قامت مقام أستثني فينبغي أن تعمل عمله" قلنا: الجواب عن هذا من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن هذا يؤدِّي إلى إعمال معاني الحروف؛ وإعمال معاني الحروف لا يجوز، ألا ترى أنك تقول "ما زيد قائمًا" فيكون صحيحًا؛ فلو قلت "ما زيدًا قائمًا" على معنى نفيت زيدًا قائمًا لكان فاسدًا؛ فكذلك ههنا، وإنما لم يجز إعمال معاني الحروف لأن الحروف إنما وضعت نائبة عن الأفعال طلبًا للإيجاز والاختصار؛ فإذا أعملت معاني الحروف فقد رجعت إلى الأفعال، فأبطلت ذلك المعنى من الإيجاز والاختصار.
والوجه الثاني: أنه لو كان العامل "إلا" بمعنى أستثني لوجب أن لا يجوز في المستثنى إلا النصب، ولا خلاف في جواز الرفع والجر في النفي نحو "ما جاءني أحد إلا زيد، وما مررت بأحد إلا زيد" فدلَّ على أنها ليست هي العاملة بمعنى أستثني.
стр. 210
والوجه الثالث: أنه يبطل بقولك: "قام القوم غير زيد" فإن "غير" منصوب، ولا يخلو: إما أن يكون منصوبًا بتقدير إلا، وإما أن يكون منصوبًا بنفسه، وإما أن يكون منصوبًا بالفعل الذي قبله؛ بطل أن يقال "إنه منصوب بتقدير إلا" لأنا لو قدرنا إلا لفسد المعنى؛ لأنه يصير التقدير فيه: قام القوم إلا غير زيد، وهذا فاسد، وبطل أيضًا أن يقال "إنه يعمل في نفسه"؛ فوجب أن يكون العامل هو الفعل المتقدم، وإنما جاز أن يعمل فيه وإن كان لازمًا لأن "غير" موضوعة على الإبهام، ألا ترى أنك إذا قلت "مررت برجل غيرَك" كان كل مَنْ جاوز المخاطب داخلًا تحت "غير" فلما كان فيه هذا الإبهام المفرط أشبه الظروف المبهمة، نحو خلف وأمام ووراء وقدَّام، وما أشبه ذلك، وكما أن الفعل اللازم يتعَدَّى إلى هذه الظروف من غير واسطة فكذلك ههنا.
والوجه الرابع: أنا نقول لماذا قدرتم أستثني زيدًا فنصبتم؟ وهلا قدرتم امتنع فرفعتم! كما روي عن أبي عليّ الفارسي أنه كان مع عضد الدولة في الميدان فسأله عضد الدولة عن المستثنى، بماذا انتصب؟ فقال له أبو علي: انتصب لأن التقدير أستثني زيدًا، فقال له عضد الدولة: وهلَّا قدرت امتنع فرفعت زيدًا، فقال له أبو علي: هذا الجواب الذي ذكرت لك مَيْدَانِي١، وإذا رجعنا ذكرت لك الجواب الصحيح، إن شاء الله تعالى.
والوجه الخامس: أنا إذا أعملنا "إلا" بمعنى أستثني كان الكلام جملتين، وإذا أعملنا الفعل كان الكلام جملة واحدة، ومتى أمكن أن يكون الكلام جملة واحدة كان أولى من جَعْلِه جملتين من غير فائدة.
وأما قولهم "إن الفعل المتقدم لازم فلا يجوز أن يكون عاملًا" قلنا: هذا الفعل وإن كان لازمًا إلا أنه تعَدَّى بتقوية "إلا" على ما بيَّنَّا.
وأما قولهم "والذي يدل على أن الفعل ليس عاملًا قولهم: القوم إخوانك إلا زيدًا، فينصبون زيدًا، وليس ههنا فعل ناصب" قلنا: الناصب له ما في إخوانك من معنى الفعل؛ لأن التقدير فيه: القوم يصادقونك إلا زيدًا؛ فإلا قوَّت الفعل المقدر فأوصلته إلى زيد فنصبه.
وأما قول الفَرَّاء "إن الأصل فيها إن ولا، ثم خففت إن وركبت مع لا" فمجرد دعوى يفتقر إلى دليل، ولا يمكن الوقوف عليه إلا بوحي وتنزيل، وليس
стр. 211
إلى ذلك سبيل، ثم لو كان كما زعم لوجب أن لا تعمل؛ لأن إنَّ الثقيلة إذا خففت بطل عملها، خصوصًا على مذهبكم، وأما تشبيهه لها بلولا فحجة عليه؛ لأن لو لما ركّبت مع لا بطل حكم كل واحد منهما عما كان عليه في حالة الإفراد، وحَدَثَ لهما بالتركيب حكم آخر، وكذلك كل حرفين ركب أحدهما مع الآخر؛ فإنه يبطل حكم كل واحد منهما عما كان عليه في حالة الإفراد، ويحدث لهما بالتركيب حكم آخر، وصار هذا بمنزلة الأدوية المركبة من أشياء مختلفة فإنه يبطل حكم كل واحد منها عما كان عليه في حالة الإفراد، ويحدث لها بالتركيب حكم آخر، وهو لا يقول في "إلا" كذلك، بل يزعم أن كل واحد من الحرفين باقٍ على أصله وعمله بعد التركيب كما كان "١٢٢" قبل التركيب. وأما تشبيهه لها بحتى فبعيد؛ لأن "حتى" حرف واحد، وليس بمركب من حرفين فيعمل عمل الحرفين، وإنما هو حرف واحد يتأول تأويل حرفين في حالين مختلفين: فإن ذُهِبَ به مذهب حرف الجر لم يتوهم فيه غيره، وإن ذُهِبَ به مذهب حرف العطف لم يتوهم فيه غيره، بخلاف "إلا" فإن إلا عنده مركبة من إن ولا، وهما منطوق بهما، فإذا اعتمد على أحدهما بطل عمل الآخر وهو منطوق به، فبان الفرق بينهما.
والذي يدل على فساد ما ذهب إليه قولهم "ما قال إلا له" فإن "له" لا شيء قبله يعطف عليه، وليس في الكلام منصوب فتكون "إلا" عاملة فيه؛ فدلَّ على فساد ما ذهب إليه.
وأما قول الكسائي"إنا نصبنا المستثنى لأن تأويله إلا أنَّ زيدًا لم يقم" قلنا: لا يخلو إما أن يكون الموجب للنصب هو أنه لم يفعل، أو أنَّ، فإن أراد أن الموجب للنصب أنه لم يفعل فيبطل بقولهم "قام زيد لا عمرو١" وإن أراد أن أنَّ هي الموجبة للنصب كان اسمها وخبرها في تقدير اسم، فلا بُدّ أن يقدَّر له عامل يعمل فيه، وفيه وقع الخلاف.
وقد زعم بعض النحويين أن قول الكسائي تقدير لمعنى الكلام لا لعامله، وإلا فقوله يرجع إلى قول البصريين.
وأما ما حكي عنه من أن المستثنى ينتصب لأنه مشبه بالمفعول؛ فهو أيضًا قريب من قول البصريين؛ لأنه لا عامل ههنا يوجب النصب إلا الفعل المتقدم على ما بينَّا، والله أعلم.
стр. 212
٣٥ مسألة: [هل تكون "إلا" بمعنى الواو ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "إلا" تكون بمعنى الواو. وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى الواو.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لمجيئه كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ الَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي ولا الذين ظلموا، يعني ولا الذين ظلموا لا يكون لهم أيضًا حجة، ويؤيد ذلك ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعض القراء أنه قرأ: "إلى الذين ظلموا" مخففًا يعني مع الذين ظلموا منهم، كما قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦] أي مع المرافق ومع الكعبين، وكما قال تعالى: ﴿مَنْ أنْصَارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي مع الله، وكما قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوَالَهُمْ إلى أمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢] أي مع أموالكم، وكقولهم في المثل: "الذّود إلى الذّود إبل" أي مع الذّود، وكقول ابن مُفَرِّغٍ:
[١٥٦]
شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوَابِقِ فيهم ... في وجوه إلى اللّمَام الجِعَاد
стр. 213
أي مع اللمام، وقال ذو الرمة:
[١٥٧]
بها كُلُّ خَوَّارٍ إلى كُلِّ صَعْلَةٍ
أي مع كل صعلة، وقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] أي ومن ظلم لا يحب أيضًا الجهر بالسوء١ منه، إلى غير ذلك من المواضع، ثم قال الشاعر:
[١٥٨]
وكُلُّ أخٍ مُفَارِقَهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الفَرْقَدَان
стр. 214
أي والفرقدان، والشواهد على هذا في أشعارهم كثيرة جدا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن "إلا" لا تكون بمعنى الواو لأن إلا للاستثناء، والاستثناء يقتضي إخراج الثاني من حكم الأول، والواو للجمع، والجمع يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول؛ فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿الَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "إلا" ههنا استثناء منقطع، والمعنى: لكن الذين ظلموا يحتجون عليكم بغير حجة، والاستثناء المنقطع كثير في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ الَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] معناه لكن يتبعون الظن، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] معناه لكن يبتغي وجه ربه الأعلي، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ [التين: ٥-٦] معناه لكن الذي آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر، ثم قال النابغة:
[١٥٩]
وَقَفَتُ فيها أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا ... أَعَيَتْ جَوَابًا، وما بالرَّبْعِ مِن أَحَدِ
стр. 215
إلا الأَََوَارِيَّ لأيًا ما أُبَيِّنُهَا ... والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجَلدِ
وقال آخر:
[١٦٠]
وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ