إلى ذلك سبيل، ثم لو كان كما زعم لوجب أن لا تعمل؛ لأن إنَّ الثقيلة إذا خففت بطل عملها، خصوصًا على مذهبكم، وأما تشبيهه لها بلولا فحجة عليه؛ لأن لو لما ركّبت مع لا بطل حكم كل واحد منهما عما كان عليه في حالة الإفراد، وحَدَثَ لهما بالتركيب حكم آخر، وكذلك كل حرفين ركب أحدهما مع الآخر؛ فإنه يبطل حكم كل واحد منهما عما كان عليه في حالة الإفراد، ويحدث لهما بالتركيب حكم آخر، وصار هذا بمنزلة الأدوية المركبة من أشياء مختلفة فإنه يبطل حكم كل واحد منها عما كان عليه في حالة الإفراد، ويحدث لها بالتركيب حكم آخر، وهو لا يقول في "إلا" كذلك، بل يزعم أن كل واحد من الحرفين باقٍ على أصله وعمله بعد التركيب كما كان "١٢٢" قبل التركيب. وأما تشبيهه لها بحتى فبعيد؛ لأن "حتى" حرف واحد، وليس بمركب من حرفين فيعمل عمل الحرفين، وإنما هو حرف واحد يتأول تأويل حرفين في حالين مختلفين: فإن ذُهِبَ به مذهب حرف الجر لم يتوهم فيه غيره، وإن ذُهِبَ به مذهب حرف العطف لم يتوهم فيه غيره، بخلاف "إلا" فإن إلا عنده مركبة من إن ولا، وهما منطوق بهما، فإذا اعتمد على أحدهما بطل عمل الآخر وهو منطوق به، فبان الفرق بينهما.
والذي يدل على فساد ما ذهب إليه قولهم "ما قال إلا له" فإن "له" لا شيء قبله يعطف عليه، وليس في الكلام منصوب فتكون "إلا" عاملة فيه؛ فدلَّ على فساد ما ذهب إليه.
وأما قول الكسائي"إنا نصبنا المستثنى لأن تأويله إلا أنَّ زيدًا لم يقم" قلنا: لا يخلو إما أن يكون الموجب للنصب هو أنه لم يفعل، أو أنَّ، فإن أراد أن الموجب للنصب أنه لم يفعل فيبطل بقولهم "قام زيد لا عمرو١" وإن أراد أن أنَّ هي الموجبة للنصب كان اسمها وخبرها في تقدير اسم، فلا بُدّ أن يقدَّر له عامل يعمل فيه، وفيه وقع الخلاف.
وقد زعم بعض النحويين أن قول الكسائي تقدير لمعنى الكلام لا لعامله، وإلا فقوله يرجع إلى قول البصريين.
وأما ما حكي عنه من أن المستثنى ينتصب لأنه مشبه بالمفعول؛ فهو أيضًا قريب من قول البصريين؛ لأنه لا عامل ههنا يوجب النصب إلا الفعل المتقدم على ما بينَّا، والله أعلم.
стр. 212
٣٥ مسألة: [هل تكون "إلا" بمعنى الواو ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "إلا" تكون بمعنى الواو. وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى الواو.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لمجيئه كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ الَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي ولا الذين ظلموا، يعني ولا الذين ظلموا لا يكون لهم أيضًا حجة، ويؤيد ذلك ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعض القراء أنه قرأ: "إلى الذين ظلموا" مخففًا يعني مع الذين ظلموا منهم، كما قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦] أي مع المرافق ومع الكعبين، وكما قال تعالى: ﴿مَنْ أنْصَارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي مع الله، وكما قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوَالَهُمْ إلى أمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢] أي مع أموالكم، وكقولهم في المثل: "الذّود إلى الذّود إبل" أي مع الذّود، وكقول ابن مُفَرِّغٍ:
[١٥٦]
شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوَابِقِ فيهم ... في وجوه إلى اللّمَام الجِعَاد
стр. 213
أي مع اللمام، وقال ذو الرمة:
[١٥٧]
بها كُلُّ خَوَّارٍ إلى كُلِّ صَعْلَةٍ
أي مع كل صعلة، وقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] أي ومن ظلم لا يحب أيضًا الجهر بالسوء١ منه، إلى غير ذلك من المواضع، ثم قال الشاعر:
[١٥٨]
وكُلُّ أخٍ مُفَارِقَهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الفَرْقَدَان
стр. 214
أي والفرقدان، والشواهد على هذا في أشعارهم كثيرة جدا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن "إلا" لا تكون بمعنى الواو لأن إلا للاستثناء، والاستثناء يقتضي إخراج الثاني من حكم الأول، والواو للجمع، والجمع يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول؛ فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿الَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "إلا" ههنا استثناء منقطع، والمعنى: لكن الذين ظلموا يحتجون عليكم بغير حجة، والاستثناء المنقطع كثير في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ الَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] معناه لكن يتبعون الظن، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] معناه لكن يبتغي وجه ربه الأعلي، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ [التين: ٥-٦] معناه لكن الذي آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر، ثم قال النابغة:
[١٥٩]
وَقَفَتُ فيها أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا ... أَعَيَتْ جَوَابًا، وما بالرَّبْعِ مِن أَحَدِ
стр. 215
إلا الأَََوَارِيَّ لأيًا ما أُبَيِّنُهَا ... والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجَلدِ
وقال آخر:
[١٦٠]
وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ
стр. 216
وعلى ذلك أيضًا يحمل ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: من الآية١٤٨] ؛ فإن معناه لكن المظلوم يجهر بالسوء؛ لما يلحقه من الظلم، فيكون في ذلك أعذر ممن يبدأ بالظلم، وعلى ذلك أيضا يحمل قول الشاعر:
[١٥٨]
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
أراد لكن الفرقدان فإنهما لا يفترقان، على زعمهم في بقاء هذه الأشياء المتأخرة إلى وقت الفناء، ويحتمل أن تكون "إلا" في معنى غير، ولذلك ارتفع ما بعدها، والمعنى: كل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي لو كان فيهما آلهة غير الله، ولهذا كان ما بعدها مرفوعًا، ولا يجوز أن يكون الرفع على البدل؛ لأن البدل في الإثبات غير جائز؛ لأن البدل يوجب إسقاط الأول، ولا يجوز أن تكون ﴿آلِهَةٌ﴾ في حكم الساقط؛ لأنك لو أسقطته لكان بمنزلة قولك: لو كان فيهما إلا الله، وذلك لا يجوز، ألا ترى أنك لا تقول "جاءني إلا زيد" لأن الغرض في "إلا" -إذا جاءت قبل تمام الكلام- أن تثبت بها ما نفيته، نحو "ما جاءني إلا زيد" وليس في قوله: ﴿لَوْ كَانَ﴾ نفي فيفتقر إلى إثبات، ولو جاز أن يقال "جاءني إلا زيد" على إسقاط إلا مثلا حتى كأنه قيل جاءني زيد و "إلا" مزيد لاستحال ذلك في الآية؛ لأنه كان يصير قولك "لو كان فيهما إلا الله" بمنزلة لو كان فيهما الله لفسدتا، وذلك مستحيل.
وأما قراءة من قرأ: "إلى الذين ظلموا منهم" بالتخفيف، فإن صحت وسلم
стр. 217
لكم ما ادّعيتموه على أصلكم من أن إلى تكون بمعنى مع فليس لكم فيه أيضًا حجة تدل على أن "إلا" تكون بمعنى الواو؛ لأنه ليس من الشرط أن تكون إحدى القراءتين بمعنى الأخرى، وإذا اعتبرتم هذا في القراءات وجدتم الاختلاف في معانيها كثيرًا جدًّا، وهذا مما لا خلاف فيه، وإذا ثبت هذا فيجوز أن تكون قراءة من قرأ "إلى الذين" بالتخفيف بمعنى مع، وقراءة من قرأ "إلا" بالتشديد بمعنى لكن، على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
стр. 218
مسألة هي يجوز تقديم حرف الاستثناء في أول الكلام
...
٣٦ مسألة: [هل يجوز تقديم حرف الاستثناء في أول الكلام؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم حرف الاستثناء في أول الكلام، نحو قولك: "إلا طَعَامَكَ ما أكل زيد" نصَّ عليه الكسائي، وإليه ذهب أبو إسحاق الزَّجَّاج في بعض المواضع. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على جواز تقديمه أن العرب قد استعملته مقدّمًا، قال الشاعر:
[١٦١]
خلَا أن العِتَاق مِنَ المَطَايَا ... حَسَِيَن بِِهِ فَهُنَّ إليه شُوسُ
стр. 219
وقال الآخر:
[١٦٢]
وبَلْدَةٍ ليس بها طُورِيُّ
...
ولا خَلَا الجنَّ بها إِنْسِيُّ
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن الاستثناء يضارع البدل بدليل قولهم: ما قام أحد إلا زيدًا؛ وإلا زيدٌ؛ والمعنى واحد، فلما جاز البدل لم يجز تقديمه كما لا يجوز تقديم البدل على المبدل منه" لأنا نقول: لو كان الأمر كما زعمتم لكان ينبغي أن لا يجوز تقديمه على المستثنى منه كما لا يجوز تقديم البدل على المبدل منه، وقد جاء ذلك كثيرًا في كلامهم، قال الكميت:
[١٦٣]
فما لي إلا آل أحمد شيعةٌ
...
ومالي إلا مَشْعَبَ الحق مشعبُ
стр. 220
فقدم المستثنى على المستثنى منه، وقال الآخر:
[١٦٤]
الناس أَلْبٌ علينا فيكَ ليس لنا ... إلا السُّيُوفَ وأَطْرَافَ القَنَا وَزَرُ
فقدَّم المستثنى على المستثنى منه، وهذا كثير في كلامهم.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه يؤدِّي إلى أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، وذلك لا يجوز؛ لأنها حرف نفي يليها الاسم والفعل كحرف الاستفهام، وكما ١٢٦ أنه لا يجوز أن يعمل ما بعد حرف الاستفهام فيما قبله؛ فكذلك لا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها.
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا ذلك لأن الاستثناء يضارع البدل، ألا ترى أنك تقول "ما جاءني أحد إلا زيد، وإلا زيدًا" والمعنى واحد، فلما جارى الاستثناء البدل امتنع تقديمهُ كما يمتنع تقديمُ البدل على المبدل منه، وما ذكروه
стр. 221
على هذا فنذكر فساده في الجواب عن كلماتهم، إن شاء الله تعالى.
ما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقول الشاعر:
[١٦١]
خلا أن العتاق من المطايا
فنقول؛ لا نسلم ههنا أن الاستثناء وقع في أول الكلام، فإن هذا الشعر لأبي زُبَيْدٍ، وقبل هذا:
[١٦١]
إلى أن عَرَّسُوا وأَغَبَّ منهم ... قريبًا ما يُحَسُّ له حَسِيسُ
خلا أن العتاق من المطايا ... حَسِينَ به فهنَّ إليه شُوسُ
وأما قول الآخر:
[١٦٢]
وبلدة ليس بها طُورِيُّ ... ولا خلا الجن بها إِنْسيُّ
فتقديره: وبلده ليس بها طوريُّ ولا إنسيُّ خلا الجن، فحذف إنسيًّا، فأضمر المستثنى منه، وما أظهره تفسير لما أضمره، وقيل: تقديره ولا بها إنسيّ خلا الجنّ؛ فـ "بها" مقدرة بعد "لا" وتقديم الاستثناء فيه للضرورة؛ فلا يكون فيه حجّة.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أنه قد ضارع البَدَلَ. قولهم "لو كان الأمر كما زعمتم لوجب انه لا يجوز تقديمه على المستثنى منه، كما لا يجوز تقديم البدل على المبدل منه" قلنا: هذا فاسد؛ لأن المستثنى لما تَجَاذبه شَبَهان: أحدهما كونه مفعولًا، والآخر كونه بدلًا؛ جعلت له منزلة متوسطة، فجاز تقديمه على المستثنى منه، ولم يجز تقديمه على الفعل الذي ينصبه، عملًا بكلا الشبهين، على أن من العرب من يجوز البدل مع التقديم، فيقول: ما جاءني إلا زيدٌ أحدٌ؛ فيرفع على البدل مع تقديمه على المبدل منه١؛ لأن هذا التقديم التقدير به التأخيرُ، وإن كانت اللغة الفصيحة العالية النصب، والله أعلم.
стр. 222
٣٧- مسألة: [حاشى في الاستثناء، فعل أو حرف أو ذات وجهين] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "حاشى" في الاستثناء فعل ماضٍ، وذهب بعضهم إلى أنه فعل استعمل استعمال الأدوات، وذهب البصريون إلى أنه حرف جر، وذهب أبو العباس المُبَرِّد إلى أنه يكون فعلًا ويكون حرفًا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه فعل أنه يتصرف، والدليل على أنه يتصرف قول النابغة:
[١٦٥]
ولا أرى فاعلًا في الناس يُشْبِهُهُ ... وما أُحَاشِي من الأقوام من أحد
стр. 223
وإذا كان متصرفًا فيجب أن يكون فعلًا؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه فعل أن لام الخفض تتعلق به، قال الله تعالى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] وحرف الجر إنما يتعلق بالفعل، لا بالحرف؛ لأن الحرف لا يتعلق بالحرف، وإنما حذفت اللام لكثرة استعماله في الكلام.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه فعل أنه يدخله الحذف، والحذف إنما يكون في الفعل، لا الحرف، ألا ترى أنهم قالوا في حاشى لله: حاش لله، ولهذا قرأ أكثر القراء ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ بإسقاط الألف، وكذلك هو مكتوب في المصاحف؛ فدل على أنه فعل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه ليس بفعل وأنه حرف أنه لا يجوز دخول "ما" عليه؛ فلا يقال "ما حاشى زيدًا" كما يقال "ما خلال زيدًا، وما عدا عمرًا" ولو كان فعلًا كما زعموا لجاز أن يقال "ما حاشى زيدًا" فلما لم يقولوا ذلك دلَّ
стр. 224
على فساد ما ذهبوا إليه، يدل عليه أن الاسم يأتي بعد حاشى مجرورًا، قال الشاعر:
[١٦٦]
حاشى أبي ثوبان؛ إنَّ به ... ضَنًّا على المَلْحَاة والشَّتم
فلا يخلو: إما أن يكون هو العامل للجر، أو عامل مقدّر، بطل أن يقال عامل مقدّر؛ لأن عامل الجر لا يعمل مع الحذف١ فوجب أن يكون هو العامل على ما بيَّنَّا.
стр. 225
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنه يتصرف" قلنا: ١٢٨ لا نُسَلِّم، وأما قول النابغة:
[١٦٥]
وما أُحَاشِي من الأقوام من أحد
فنقول: قوله "أُحَاشِي" مأخوذ من لفظ حاشى، وليس متصرفًا منه، كما يقال: بَسْمَلَ، وهلَّلَ، وحَمْدَلَ، وسَبْحَلَ، وحَوْلَقَ، إذا قال: بسم الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك يقال "لبَّى" إذا قال: لبيك، و"أَفَّفَ" إذا قال: أفّة، وهو اسم للضُّجرَة، و"دَعْدَعَ" إذا قال لغنمه: دَاعْ دَاعْ، وهو تصويت بها، و "بأبأ الرجل بفلانٍ" إذا قال له: بأبي أنت، كما قال:
[١٦٧]
وإن تُبَأْبَأْنَ وإن تُفَدَّين
стр. 226
فكما بُنِيَتْ هذه الأفعال من هذه الألفاظ وإن كانت لا تتصرف فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إن لام الجر تتعلق به" قلنا: لا نسلم، فإن اللام في قولههم "حاشى لله" زائدة لا تتعلق بشيء، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [لأعراف: ١٥٤] لأن التقدير فيه: يرهبون ربهم، واللام زائدة لا تتعلق بشيء، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] أي ألم يعلم أن الله؛ والباء زائدة لا تتعلق بشيء، وكقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] أي: أقرأ اسم ربك، وكقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أي ولا تلقوا أيديكم، وقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي تنبت الدهن، ويجوز أن تكون هنا مُعَدِّية؛ لأنه يقال: نبت وأنبت، لغتان بمعنى واحد، وكقولهم "بحسبك زيد" أي حسبك وكقول الشاعر:
[١٦٨]
نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَجْ
أي نرجو الفَرَجَ، والباء زائدة لا تتعلق بشيء فكذلك ههنا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ١٢] فليس لهم فيه حجة؛ فإن حاشى ههنا ليس باستثناء، إذ ليس هو موضع استثناء، وإنما هو كقولك إذا قيل
стр. 227
لك فلان يقتل أو يموت أو نحو ذلك "حاشاه" وهذا ليس باستثناء، وإنما هو بمنزلة قولك "بعيدًا منه" فكذلك ههنا.
وأما قولهم "يدخله الحذف والحذف لا يكون في الحرف" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين.
أحدهما: أنا لا نسلم أنه قد دخله الحذف؛ فإن الأصل عند بعضهم ١٢٩ في حاشى حاش بغير ألف، وإنما زيدت فيه الألف. وهذا هو الجواب عن احتجاجهم بقراءة من قرأ: ﴿حَاشَ للهِ﴾ ثم نقول: إن هذه القراءة قد أنكرها أبو عمرو بن العلاء سيِّد القُرَّاء، وقال: العرب لا تقول "حاش لك" ولا "حاشك" وإنما تقول "حاشى لك، وحاشاك" وكان يقرؤها "حَاشَى للهِ" بالألف في الوصل، ويقف بغير ألف في الوقف متابعةً للمصحف؛ لأن الكتابة على الوقف لا على الوصل، وكذلك قال عيسى بن عمر الثقفي وكان من الموثوق بعلمهم في العربية: العرب كلها تقول "حاشى لله" بالألف، وهذه حجة لأبي عمرو.
والوجه الثاني: أنا نسلم أن الأصل فيه حاشى بالألف، وإنما حذفت لكثرة الاستعمال، وقولهم "إن الحرف لا يدخله الحذف" قلنا: لا نسلم، بل الحرف يدخله الحذف، ألا ترى أنهم قالوا في رُبَّ: رُبَ، بالتخفيف، وقد قرئ به، قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] ثم قال الشاعر:
[١٦٩]
أَزُهَيْرُ إِنْ يَشِبِ القَذَالُ فإنَّه ... رُبَ هَيْضَلٍ لجِبٍ لَفَفْتُ بهَيْضَلِ
стр. 228
وقال الآخر:
[١٧٠]
أَلَمْ تَعْلَمَنْ يا رَبِّ أَنْ رُبَ دعوة ... دعوتك فيها مخلصًا لو أُجَابُهَا
وفي رُبَّ أربع لغات: ضم الراء وفتحها، مع تشديد الباء وتخفيفها، نحو: رُبَّ، ورُبَ، ورَبَّ، ورَبَ. وكذلك حكيتم عن العرب أنهم قالوا في سوف أفعلُ: "سَوْ أفعل" بحذف الفاء، وحكاه أبو العباس أحمد بن يحيي ثعلب في أماليه، وحكى ابن خَالَوَيْهِ فيها أيضا "سَفَ أفعل" بحذف الواو، وزعمتم أيضًا أن الأصل في سأفعل: سوف أفعل، فحذفت الواو والفاء معًا، وسوف حرف، وإذا جوّزتم حذف حرفين فكيف تمنعون جواز حذف حرف واحد؟ فدلَّ على فساد ما ذكرتموه، والله أعلم.
стр. 229
٣٨- مسألة: [هل يجوز بناء "غير" مطلقًا ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "غير" يجوز بناؤها على الفتح في كل موضع ١٣٠ يحسن فيه "إلا" سواء أضيفت إلى متمكن أو غير متمكن، وذلك نحو قولهم: ما نفعني غير قيام زيد، وما نفعني غير أَنْ قام زيد.
وذهب البصريون إلى أنها يجوز بناؤها إذا أضيفت إلى غير متمكن، بخلاف ما إذا أضيفت إلى متمكن.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوّزنا بناءها على الفتح إذا أضيفت إلى اسم متمكن أو غير متمكن وذلك لأن "غير" ههنا قامت مقام "إلَّا" وإلا حرف استثناء، والأسماء إذا قامت مقام الحروف وجب أن تُبْنَى، وهذا لا يختلف باختلاف ما يضاف إليه من اسم متمكن كقولك: ما نفعني غير قيامك، أو غير متمكن كما قال:
[١٧١]
لم يمنع الشَّرْبَ منها غيرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حمامة في غصون ذات أَوْقَالِ
стр. 230
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز بناؤها إذا أضيفت إلى غير متمكن، ولا يجوز بناؤها إذا أضيفت إلى متمكن، وذلك لأن الإضافة إلى غير
стр. 231
المتمكن تجوّز في المضاف البناء، قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] فبنى "يومَ" في قراءة من قرأ بالإضافة والفتح وهي قراءة نافع وأبي جعفر؛ لأنه أضيف إلى "إذ" وهو اسم غير متمكن، وقال الشاعر:
[١٧٢]
رددنا لِشَعْثَاءَ الرسولَ، ولا أَرَى ... كيومئذٍ شيئًا تُرَدُّ رَسَائِلُهْ
فكذلك ههنا، وسبب هذا يُسْتَقْصَى في الجواب إن شاء الله تعالى، وأما الإضافة إلى المتمكن فلا تجوّز في المضاف البناء فقلنا: إنه باقٍ على أصله في الإعراب، فكذلك ههنا؛ وسنبين هذا مستقصى في الجواب إن شاء الله تعالى:
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنها في معنى إلا فينبغي أن تبنى" قلنا: هذا فاسد، وذلك لأنه لو جاز أن يقال ذلك لجاز أن يقال: "زيد مثل عمرو" فيبنى "مثل" على الفتح لقيامه مقام الكاف؛ لأن قولك: "زيد مثل عمرو" في معن ى"زيد كعمرو" ولما وقع الإجماع على خلاف ذلك دلَّ على فساد ما ادَّعيتموه.
وأما قول الشاعر:
[١٧١]
لم يمنع الشَّرْبَ منها غير أن نَطَقَتْ ... حمامة في غصونٍ ذاتِ أَوْقَالِ
فنقول: لا نسلم أنه بنى لأنه قام مقام "إلا" وإنما بنى "غير" لأنه إضافة إلى غير متمكن، والاسم إذا أضيف إلى غير متمكن جاز بناؤه، ولهذا نظائر كثيرة من كتاب الله تعالى وكلام العرب، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]
стр. 232
في قراءة من قرأ "مِثْلَ" بالفتح، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب، وإن كان في موضوع رفع؛ لأنه اسم مبهم مثل غير أضيف إلى غير متمكن، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذ﴾ [هود: ٦٦] فيمن قرأ بالفتح، وقال تعالى: ﴿من عَذَابِ يَوْمِئِذ﴾ [المعارج: ١١] فيمن قرأ بالفتح، وهي قراءة نافع والكسائي وأبي جعفر، ثم قال الشاعر:
[١٧٣]
أَزَمَانَ من يُرِدِ الصَّنِيعَةَ يُصْطَنَعْ ... فينا، ومن يرد الزَّهَادَةَ يُزْهَدِ
فبنى "أزمان" لإضافته إلى "من" وهو غير متمكن وقال الآخر:
[١٧٤]
على حين من تَلْبَثْ عليه ذنُوبُه ... يجد فَقْدَهَا وفي المقام تَدَابُرُ
فبنى "حين" لإضافته إلى "من" وقال الآخر:
[١٧٥]
على حين عاتبتُ المشيب على الصَّبَا ... وقلتُ: ألمَّا تَصْحُ والشيب وازعُ؟
стр. 233
وقال الآخر:
[١٧٦]
على حين انْحَنَيْتُ وشابَ رَأْسِي ... فأي فتى دعوت وأي حينِ؟
وقال الآخر:
[١٧٧]
يمُرُّون بالدَّهْنَا خفافًا عيابُهُم ... ويخرجن من دَاِرين بُجْرَ الحَقَائِبِ
стр. 234
على حين ألهى الناس جُلُّ أُمُورِهِمْ ... فَنَدْلًا زُرَيْقُ المال نَدْلَ الثَّعَالِبِ
وإذا بني المضاف في هذه الأماكن من كتاب الله تعالى وكلام العرب لإضافته إلى غير متمكن دلَّ على أن قوله "غير أن نطقت" مبنيٌّ لإضافته إلى غير متمكن على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
стр. 235
٣٩- مسألة: [هل تكون "سوى" اسمًا أو تلزم الظرفية ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "سُِوًى" تكون اسمًا وتكون ظرفًا. وذهب البصريون إلى أنها لا تكون إلا ظرفًا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها تكون اسمًا بمنزلة "غير" ولا تلزم الظرفية أنهم يدخلون عليها حرف الخفض، قال الشاعر:
[١٧٨]
ولا ينطق المَكْرُوهَ مَنْ كَانَ مِنْهُمُ ... إذا جلسوا مِنَّا ولا من سِوَائِنَا
стр. 236
فأدخل عليها حرف الخفض، وقال الشاعر:
[١٧٩]
تَجَانَفُ عن جوِّ اليمامة ناقتي ... وما قَصَدَتْ من أهلها لِسِوَائِكَا
فأدخل علها لام الخفض؛ فدلَّ على أنها لا تلزم الظرفية، وقال أبو دُؤَاد:
[١٨٠]
وكل من ظن أن الموت مخطئُهُ ... مُعَلَّلٌ بِسَواء الحقِّ مكذُوبُ
وقال الآخر:
[١٨١]
أكُرُّ على الكَتِيبَةِ لا أُبَالِي ... أفيها كان حَتْفِي أم سِوَاهَا
فسواها: في موضع خفض بالعطف على الضمير المخفوض في "فيها" والتقدير: أم في سواها.
والذي يدلّ على ذلك أنه روي عن بعض العرب أنه قال "أتاني سواؤك" فرفع؛ فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه.
стр. 237
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنهم ما استعملوه في اختيار الكلام إلا ظرفًا، نحو قولهم "مرت بالذي سواك" فوقوعها هنا يدل على ظرفيتها بخلاف غير، ونحو قولهم "مررت برجل سواك" أي مررت برجل مكانك، أي: يغني غَنَاءك ويسدُّ مسدَّكَ، وقال لبيد:
[١٨٢]
وابْذُلْ سَوَامَ المَالِ إنَّ ... سِوَاءَهَا دُهْمًا وجُونَا
فنصب سواءها على الظرف، ونصب "دهما" بإن، كقولك: إن عندك رجلا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢] والجون ههنا: البيض، وهو جمع جون، وهو من الأضداد، يقع على الأبيض والأسود، ولو كانت مما يستعمل اسمًا لكثر ذلك في استعمالهم، وفي عدم ذلك دليل على أنها لا تستعمل إلا ظرفًا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه من قول الشاعر:
[١٧٨]
إذا ما جلسوا منا ولا من سوائنا
وقول الآخر:
[١٧٩]
وما قصدت من أهلها لسوائكا
فإنما جاز ذلك لضرورة الشعر، وعندنا أنه يجوز أن تخرج عن الظرفية في ضرورة الشعر، ولم يقع الخلاف في حال الضرورة، وإنما فعلوا ذلك واستعملوها
стр. 238
اسمًا بمنزلة غير في حال الضرورة لأنها في معنى غير، وليس شيء يضطرون إليه إلا ويحاولون له وجهًا.
وأما قوله الآخر:
[١٨١]
أفيها كان حتفي أم سِوَاهَا
فليس "سواها" في موضع جرّ بالعطف على الضمير المخفوض في فيها، وإنما هو منصوب على الظرف؛ لأن العطف على الضمير المجرور لا يجوز، وإنما هذا شيء تَبْنُونَهُ على أصولكم في جواز العطف على الضمير المخفوض، وسنبين فساده مستقصى في موضعه إن شاء الله تعالى:
وأما ما رووه عن بعض العرب أنه قال "أتاني سِوَاؤُكَ" فرواية تَفَرَّدَ بها الفَرَّاءُ عن أبي ثَروانَ، وهي روايةٌ شاذة غريبة؛ فلا يكون فيها حجة. والله أعلم.
стр. 239
٤٠- مسألة: ["كم" مركّبة أو مفردة ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "كم" مركبة. وذهب البصريون إلى أنها مفردة موضوعة للعدد.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في كم "ما" زيدت عليها الكاف؛ لأن العرب قد تصل الحرف في أوله وآخره، فما وصلته في أوله نحو: "هذا، وهذاك" وما وصلته في آخره نحو قوله تعالى: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] فكذلك ههنا: زادوا الكاف على "ما" فصارتا جميعًا كلمة واحدة، وكان الأصل أن يقال في "كم مالك": كما مالك، إلا أنه لما كثرت في "١٣٤" كلامهم وجرت على ألسنتهم حذفت الألف من آخرها وسكنت ميمها، كما فعلوا في "لِمْ" فصار "كم مالك" والمعنى: كأي شيء مالُكَ من الأعداد، والدليل على ذلك قولهم "كأيِّنْ من رجل رأيت" أي: كم من رجل رأيت، ونظير كم "لِمَ" فإن الأصل في لم "ما" زديت عليها اللام؛ فصارتا جميعًا كلمة واحدة، وحذفت الألف لكثرة الاستعمال وسكنت ميمها، فقالوا: لم فعلتَ كذا؟ قال الشاعر:
[١٣١]
يا أبا الأسودِ لِمْ أَسْلَمْتَنِي ... لهمومٍ طارقاتٍ وذِكَر؟
وقال الآخر:
[١٨٣]
يا أَسَديُّ لم أكلته لِمَهْ؟ ... لو خافك اللهُ عليه حَرَّمَهْ
فما قَرِبْتَ لحمه ولا دَمَهْ
стр. 240
يعني جَرْوَ كلب، ويقال: إن بني أسد كانت تأكله، فتعير ذلك.
وزيادة الكاف كثيرة، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وحكي عن بعض العرب أنه قيل له: كيف تصنعون الأقِطَ؟ قال: كَهيَّنٍ، وقال الراجز:
[١٨٤]
لَوَاحِقُ الأقراب فيها كالمَقَقْ
стр. 241
أي: المَقَقُ، وهو الطُّولُ..
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها مفردة لأن الأصل هو الإفراد، وإنما التركيب فرع، ومَنْ تمسك بالأصل خرج عن عُهْدَة المطالبة بالدليل، ومَنْ عَدَلَ عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل؛ لعدوله عن الأصل، واستصحابُ الحال أحد الأدلة المعتبرة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل في كم ما زيدت عليها الكاف" قلنا: لا نسلم؛ فإن هذا مجرد دعوى من غير دليل ولا معنى.
قولهم "إن العرب قد تصل الحرف في أوله نحو هذا" فقد قدمنا الجواب عنه فيما سبق.
وأما قولهم "كان الأصل أن يقال في كم مالك: كما مالك، إلا أنه لما كثر في كلامهم وجرى على ألسنتهم حذفت الألف لكثرة الاستعمال وسكنت الميم كما فعلوا ذلك في لِمَ" قلنا: لا نسلم أنه يجوز إسكان الميم في "لم" في اختيار الكلام، وإنما يجوز ذلك في الضرورة؛ فلا يكون فيه حجة، قال الشاعر:
[١٣١]
يا أبا الأسود لِمْ أسلمتني
وكما قال الأخر:
[١٨٣]
يا أسديُّ لم أكلته لِمَهْ
فسكن "لم" للضرورة، تشبيهًا لها بما يجيء من الحروف على حرفين الثاني منهما ساكن؛ فلا يكون فيه حجة. ثم لو كان الأمر كما زعمتم وأن كم كلِمَ لوجب أن يجوز فيها الأصل كما يجوز الأصل في لم فيقال: كَمَا مَالُكَ، كما يقال: لِمَا فعلت، وأن يجوز فيها الفتح مع حَذْفِ الألف كما يجوز في لِمَ فيقال: كَمَ مَالُكَ، كما يجوز لِمَ فعلت، وأن يجوز فيها هاء الوقف فيقال: كَمَهْ، كما يجوز في لِمَ هاء الوقف يقال: لِمَهْ؛ فلما لم يجز ذلك دلَّ على الفرق بينهما.
وأما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا نسلم أن الكاف فيه زائدة؛ لأن "مثله" ههنا بمعنى هو، فكأنه قال ليس [كـ] هو شيء، والمِثلُ يطلق في كلام العرب ويُرَاد به ذات الشيء، يقول الرجل منهم: مِثْلِي لا يفعل هذا، أي: أنا لا أفعل هذا، ومثلي لا يقبل من مثلك، أي: أنا لا أقبل منك، قال الشاعر:
[١٨٥]
يا عاذِلي دَعْنِي من عَذْلِكَا ... مثلى لا يَقْبَلُ من مثلكا
стр. 242
أي: أنا لا أقبل منك. ثم لو قلنا إن الكاف ههنا زائدة لما امتنع؛ لأن دخول الكاف ههنا كخروجها، ألا ترى أن معنى "ليس كمثله شيءٌ" ومعنى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ واحدٌ. وكذلك الكاف في قوله: كَهَيِّنٍ، وقول الراجز:
[١٨٤]
لواحق الأقراب فيها كَالمَقَقْ
بخلاف الكاف في "كَمْ" فإن الكاف في كم ليس دخولها كخروجها، بل لو قدّرنا حذفها من الكلام لاختلّ معناها ولم تحصل الفائدة بها، ألا ترى أن قولك "ما مالُكَ" لا يفيد ما يفيد قولك "كم مالُكَ" فدلَّ على الفرق بينهما، والله أعلم.
стр. 243
٤١- مسألة: [إذا فصل بين "كَمْ" الخبرية وتمييزها فهل يبقى التمييز مجرورً ا؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه إذا فصل بين "كم" في الخبر وبين الاسم بالظرف وحرف الجر كان مخفوضًا، نحو: كم عندك رَجُلٍ، وكم في الدار غلامٍ؟. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز فيه الجر، ويجب أن يكون منصوبًا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يكون مخفوضًا بدليل النقل والقياس:
أما النقل فقد قال الشاعر:
[١٨٦]
كم بِجُودٍ مُقْرِفٍ نَالَ العُلَى ... وشَرِيفٍ بُخْلُهُ قد وَضَعَهْ
стр. 244
فخفض "مُقْرِفٍ" مع الفصل، وقال الآخر:
[١٨٧]
كَمْ في بني بكر بن سعد سَيِّدٍ ... ضخمٍ الدَّسِيعَةِ ماجدٍ نَفَّاعِ
وأما القياسُ فلأن خفض الاسم بعد "كم" في الخبر بتقدير "من" لأنك إذا قلت "كم رَجُلٍ أكرمت، وكم امرأة أَهَنْتَ" كان التقدير فيه: كم من رجل أكرمت، وكم من امراة أهنت؛ بدللي أن المعنى يقتضي هذا التقدير، وهذا التقدير مع وجود الفصل بالظرف وحرف الجر كما هو مع عدمه، فكما ينبغي أن يكون الاسم مخفوضًا مع عدم الفصل فكذلك مع وجوده.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إنها في هذه الحالة بمنزلة عدد ينصب ما بعده كثلاثين ونحوه" لأنا نقول: لو كانت بمنزلة عدد ينصب ما بعده كثلاثين لكان ينبغي أن لا يجوز الفصل بينها وبين معمولها، ألا ترى أنك لو قلت "ثلاثون عندك رجلا" لم يجز، فكذلك كان ينبغي أن يقولوا ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز فيه الجرّ لأن "كم" هي العاملة فيم بعدها الجرَّ، لأنها بمنزلة عدد مضاف إلى ما بعده، وإذا فصل بينهما بظرف أو حرف جرٍّ بطلت الإضافة، لأن الفصل بين الجار والمجرور بالظرف وحرف الجرّ لا يجوز في اختيار الكلام، فعدل إلى النصب.
стр. 245
لامتناع الفصل بينهما، قال الشاعر:
[١٨٨]
كَمْ نَالَنِي منهُمُ فضلًا على عَدَمٍ ... إذ لا أَكَادُ من الإِقْتَارِ أَحْتَمِلُ
والتقدير: كم فضل، إلا أنه لما فصل بينهما بنالني منهم نصب "فضلًا" فرارًا من الفصل بين الجار والمجرور، وقال الآخر:
[١٨٩]
تَؤُمُ سِنَانًا وكم دُونَهُ ... من الأرض مَحْدُودِبًا غارُهَا
والتقدير: كم محدودب غارها دونه من الأرض، إلا أنه لما فصل بينهما نصب "محدودبًا" وإن لم يقصد الاستفهام؛ لئلا يفصل بين الجار والمجرور، وإنما عدل إلى النصب لأن "كم" تكون بمنزلة عدد ينصب ما بعده، ولم يمتنع النصب بالفصل كما امتنع الجر؛ لأن الفصل بين الناصب والمنصوب له نظير في كلام العرب، بخلاف الفصل بين الجار والمجرور؛ فإنه ليس له نظير في
стр. 246
كلام العرب؛ فكان ما صرنا إليه أولى مما صرتم إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما احتجوا به من قوله:
[١٨٦]
كم بجود مقرفٍ نال العلى
فالكلام عليه من وجهين؛ أحدهما: أن الرواية الصحيحة "مقرفٌ" بالرفع بالابتداء، وما بعدها الخبر، وهو قوله "نال العلى". والثاني: أن هذا جاء في الشعر شاذًّا؛ فلا يكون فيه حجّة، وهذا هو الجواب عن البيت الآخر.
وأما قولهم "إن خفض الاسم بعد كم بتقدير من، والتقدير مع وجود الفصل كما هو مع عدمه" قلنا: لا نسلم أن جر الاسم بعد كم بتقدير من، بل العامل فيه كم؛ لأنها عندنا بمنزلة عدد يضاف إلى ما بعده، وعند المحققين من أصحابكم أنها بمنزلة رُبَّ؛ فيخفضون بها الاسم الذي بعدها كرُبَّ.
والذي يدل على فساد ما ذهبتم إليه أن حرف الجر لا يجوز أن يعمل مع الحذف، وإنما يجوز أن يعمل حرف الجر مع الحذف في مواضع يسيرة على خلاف الأصل، إذا حذف إلى عوض وبدل، كرب بعد الواو والفاء وبل، على أنكم تزعمون أن حرف الجر غير مقدر بعد هذه الحروف، وإنما هي العاملة بطريق النيابة عن حرف الجر، لا حرف الجر، وقد بيَّنَّا ذلك مُسْتَوْفًى في موضعه.
وقولهم: "إنها لو كانت بمنزلة عدد ينصب ما بعده كثلاثين ونحوه لكان ينبغي أن لا يجوز الفصل بينها وبين معمولها؛ لأن ثلاثين لا يجوز أن يفصل بينها وبين معمولها" قلنا: إنما جاز الفصل بين كم [١٣٨] ومميزها جوزًا حسنًا دون "ثلاثين" ونحوه لأن كم مُنِعَتْ بعض ما لثلاثين من التصرف؛ فجعل هذا عوضًا مما مُنِعته، ألا ترى أن "ثلاثين" تكون فاعلة لفظًا ومعنًى، كقولك: ذهب ثلاثون، وتقع مفعوله في رتبتها، كقولك: أعطيت ثلاثين، ولا يكون ذلك في كم، فلما مُنِعَتْ كم بعض ما لثلاثين من التصرف جعل لها ضرب من التصرف لا يكون لثلاثين؛ ليقع التعادل بينهما، على أنه قد جاء الفصل بين ثلاثين ومميزها في الشعر، قال الشاعر:
[١٩٠]
على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثُون للْهَجْر حَوْلًا كَمِيلًا
стр. 247
يُذَكِّرُنِيكَ حَنِينُ العَجُول ... ونَوْحُ الحمامة تدعو هَدِيلًا
ففصل بين "ثلاثين" وبين مميّزها بالجار والمجرور، وإن كان قليلًا لا يقاس عليه، والله أعلم.
стр. 248
٤٢- مسألة: [هل تجوز إضافة النَّيِّف إلى العشرة] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إضافة النيف إلى العشرة، نحو: خَمْسَةَ عَشَرٍ. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفين فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك عنهم في استعمالهم، قال الشاعر:
[١٩١]
كُلِّفَ من عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ
ولأن النَّيِّف اسم مظهر كغيره من الأسماء المظهرة؛ فجاز إضافته إلى ما بعده كسائر الأسماء المظهرة التي تجوز إضافتها.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأنه قد جعل الاسمان اسمًا واحدًا، فكما لا يجوز أن يضاف الاسمُ الواحدُ بعضُه إلى بعضٍ، فكذلك ههنا.
стр. 249
وبيان هذا أن الاسمين لما ركّبا دلَّا على معنًى واحد، والإضافة تُبْطِل ذلك المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت "قبضتُ خَمْسَةَ عَشَرَة" من غير إضافة دلَّ على أنك قد قبضت خمسة وعشرة، وإذا أضفت فقلت "قبضتُ خَمْسَةَ عَشَرٍ" دلَّ على أنك قد قبضت الخمسة دون العشرة، كما لو قلت "قبضتُ مال زيدٍ" فإن المال يدخل في القبض دون زيد، وكذلك "ضربت غلامَ عمروٍ" فإن الضرب يكون للغلام دون عمرو، فلما كانت الإضافة تُبْطِل المعنى المقصود من التركيب وجب أن لا تجوز.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه من قوله:
[١٩١]
بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ من حِجَّتِهْ
فلا يعرف قائله، ولا يؤخذ به، على أنا نقول: إنما صَرَّفَهُ لضرورة الشعر ورَدَّه إلى الجر لأن "ثماني عشرة"؛ لما كانا بمنزلة اسم واحد، وقد أضيف إليهما بنت في قوله: "بِنْتَ ثماني عشرة" ردَّ الإعراب إلى الأصل بإضافة بنت إليهما، لا بإضافة ثماني إلى عشرة، وهم إذا صَرَّفُوا المبنيَّ للضرورة رَدُّوهُ إلى الأصل، قال الشاعر:
[١٩٢]
سلامُ اللهِ يا مطرًا عليها ... وليس عليك يا مطرُ السلامُ
стр. 250
وجميعُ ما يُرْوَى من هذا فَشَاذٌّ لا يقاس عليه.
وأما قولهم "إن النَّيِّف اسم مظهر كغيره من الأسماء التي يجوز إضافتها؛ فجاز إضافته كسائر الأسماء المظهرة التي يجوز إضافتها" قلنا: إلا أنه مركب، والتركيب ينافي الإضافة؛ لأن التركيب أن يجعل الاسمان اسمًا واحدًا، لا على جهة الإضافة؛ فيدلَّان على مسمًى واحد، بخلاف الإضافة؛ فإن المضاف يدل على مسمى، والمضاف إليه يدل على مسمى آخر؛ وإذا كان التركيب ينافي الإضافة، كما أن الإضافة تنافي التركيب على ما بيَّنَّا؛ وجب أن لا تجوز إضافة النَّيِّف إلى العشرة لاستحالة المعنى، والله أعلم.