كلام العرب؛ فكان ما صرنا إليه أولى مما صرتم إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما احتجوا به من قوله:
[١٨٦]
كم بجود مقرفٍ نال العلى
فالكلام عليه من وجهين؛ أحدهما: أن الرواية الصحيحة "مقرفٌ" بالرفع بالابتداء، وما بعدها الخبر، وهو قوله "نال العلى". والثاني: أن هذا جاء في الشعر شاذًّا؛ فلا يكون فيه حجّة، وهذا هو الجواب عن البيت الآخر.
وأما قولهم "إن خفض الاسم بعد كم بتقدير من، والتقدير مع وجود الفصل كما هو مع عدمه" قلنا: لا نسلم أن جر الاسم بعد كم بتقدير من، بل العامل فيه كم؛ لأنها عندنا بمنزلة عدد يضاف إلى ما بعده، وعند المحققين من أصحابكم أنها بمنزلة رُبَّ؛ فيخفضون بها الاسم الذي بعدها كرُبَّ.
والذي يدل على فساد ما ذهبتم إليه أن حرف الجر لا يجوز أن يعمل مع الحذف، وإنما يجوز أن يعمل حرف الجر مع الحذف في مواضع يسيرة على خلاف الأصل، إذا حذف إلى عوض وبدل، كرب بعد الواو والفاء وبل، على أنكم تزعمون أن حرف الجر غير مقدر بعد هذه الحروف، وإنما هي العاملة بطريق النيابة عن حرف الجر، لا حرف الجر، وقد بيَّنَّا ذلك مُسْتَوْفًى في موضعه.
وقولهم: "إنها لو كانت بمنزلة عدد ينصب ما بعده كثلاثين ونحوه لكان ينبغي أن لا يجوز الفصل بينها وبين معمولها؛ لأن ثلاثين لا يجوز أن يفصل بينها وبين معمولها" قلنا: إنما جاز الفصل بين كم [١٣٨] ومميزها جوزًا حسنًا دون "ثلاثين" ونحوه لأن كم مُنِعَتْ بعض ما لثلاثين من التصرف؛ فجعل هذا عوضًا مما مُنِعته، ألا ترى أن "ثلاثين" تكون فاعلة لفظًا ومعنًى، كقولك: ذهب ثلاثون، وتقع مفعوله في رتبتها، كقولك: أعطيت ثلاثين، ولا يكون ذلك في كم، فلما مُنِعَتْ كم بعض ما لثلاثين من التصرف جعل لها ضرب من التصرف لا يكون لثلاثين؛ ليقع التعادل بينهما، على أنه قد جاء الفصل بين ثلاثين ومميزها في الشعر، قال الشاعر:
[١٩٠]
على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثُون للْهَجْر حَوْلًا كَمِيلًا
стр. 247
يُذَكِّرُنِيكَ حَنِينُ العَجُول ... ونَوْحُ الحمامة تدعو هَدِيلًا
ففصل بين "ثلاثين" وبين مميّزها بالجار والمجرور، وإن كان قليلًا لا يقاس عليه، والله أعلم.
стр. 248
٤٢- مسألة: [هل تجوز إضافة النَّيِّف إلى العشرة] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إضافة النيف إلى العشرة، نحو: خَمْسَةَ عَشَرٍ. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفين فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك عنهم في استعمالهم، قال الشاعر:
[١٩١]
كُلِّفَ من عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ
ولأن النَّيِّف اسم مظهر كغيره من الأسماء المظهرة؛ فجاز إضافته إلى ما بعده كسائر الأسماء المظهرة التي تجوز إضافتها.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأنه قد جعل الاسمان اسمًا واحدًا، فكما لا يجوز أن يضاف الاسمُ الواحدُ بعضُه إلى بعضٍ، فكذلك ههنا.
стр. 249
وبيان هذا أن الاسمين لما ركّبا دلَّا على معنًى واحد، والإضافة تُبْطِل ذلك المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت "قبضتُ خَمْسَةَ عَشَرَة" من غير إضافة دلَّ على أنك قد قبضت خمسة وعشرة، وإذا أضفت فقلت "قبضتُ خَمْسَةَ عَشَرٍ" دلَّ على أنك قد قبضت الخمسة دون العشرة، كما لو قلت "قبضتُ مال زيدٍ" فإن المال يدخل في القبض دون زيد، وكذلك "ضربت غلامَ عمروٍ" فإن الضرب يكون للغلام دون عمرو، فلما كانت الإضافة تُبْطِل المعنى المقصود من التركيب وجب أن لا تجوز.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه من قوله:
[١٩١]
بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ من حِجَّتِهْ
فلا يعرف قائله، ولا يؤخذ به، على أنا نقول: إنما صَرَّفَهُ لضرورة الشعر ورَدَّه إلى الجر لأن "ثماني عشرة"؛ لما كانا بمنزلة اسم واحد، وقد أضيف إليهما بنت في قوله: "بِنْتَ ثماني عشرة" ردَّ الإعراب إلى الأصل بإضافة بنت إليهما، لا بإضافة ثماني إلى عشرة، وهم إذا صَرَّفُوا المبنيَّ للضرورة رَدُّوهُ إلى الأصل، قال الشاعر:
[١٩٢]
سلامُ اللهِ يا مطرًا عليها ... وليس عليك يا مطرُ السلامُ
стр. 250
وجميعُ ما يُرْوَى من هذا فَشَاذٌّ لا يقاس عليه.
وأما قولهم "إن النَّيِّف اسم مظهر كغيره من الأسماء التي يجوز إضافتها؛ فجاز إضافته كسائر الأسماء المظهرة التي يجوز إضافتها" قلنا: إلا أنه مركب، والتركيب ينافي الإضافة؛ لأن التركيب أن يجعل الاسمان اسمًا واحدًا، لا على جهة الإضافة؛ فيدلَّان على مسمًى واحد، بخلاف الإضافة؛ فإن المضاف يدل على مسمى، والمضاف إليه يدل على مسمى آخر؛ وإذا كان التركيب ينافي الإضافة، كما أن الإضافة تنافي التركيب على ما بيَّنَّا؛ وجب أن لا تجوز إضافة النَّيِّف إلى العشرة لاستحالة المعنى، والله أعلم.
стр. 251
٤٣- مسألة: [القول في تعريف العدد المركب وتمييزه] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يقال في خمسة عشر درهما: "الخمسة العشر درهمًا، والخمسَةَ العَشَرَ الدرهَمَ"٢. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إدخال الألف واللام في العشر، ولا في الدرهم، وأجمعوا على أنه يجوز أن يقال "الخمسة عَشَرَ درهمًا" بإدخال الألف واللام على الخمسة وَحْدَهَا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد صحَّ عن العرب ما يوافق مذهبنا، ولا خلاف في صحة ذلك عنهم، وقد حكى ذلك أبو عمرو عن أبي الحسن الأخفش عن العرب، وإذا صحَّ ذلك النقل وجب المصيرُ إليه، واعتمادهم في هذه المسألة على النقل؛ لأن قياسهم فيها ضعيف جدًّا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز دخول الألف واللام إلا على الاسم الأول لأن الاسمين لما رُكِّبَ أحَدُهما مع الآخر تَنَزَّلا منزلة اسم واحد، وإذا تنزَّلا منزلة اسم واد فينبغي أن لا يجمع فيه بين علامتي تعريف، وأن
стр. 252
يلحق الاسم الأول منهما؛ لأن الثاني يتنزل منزلة بعضِ حروفهِ، وكذلك عَرَّفَتِ العربُ الاسم المركَّبَ، قال ابن أحمر:
[١٩٣]
تَفَقَّأَ فوقه القَلَعُ السَّوَارِي ... وجُنَّ الخَازِبَازِ به جُنُونَا
فقال "الخازبار" فأدخل الألف واللام على الاسم الأول، ولم يكرّره فيقول "الخازالباز" ولم يُحْكَ ذلك عنهم في شعر ولا في كلام، والخاز باز ههنا: أراد به صوت الذبابا، ويقال "جن الذبابُ" إذا طار وهَاجَ، وقيل: المراد بالخازبار نَبْتٌ، كما قال الشاعر.
[١٩٤]
رَعَيْتُهَا أَكْرَمَ عُودٍ عُودًا ... الصِّلَّ والصِّفْصِلَّ واليَعْضِيدَا
стр. 253
والخَازِبَازِ السَّنِمَ المَجُودَا ... بحيث يدعو عامرٌ مسعودَا
ويقال"جُنَّ النباتُ" إذا خرج زَهْرُهُ. والخاز باز أيضًا: داءٌ في اللَّهَازِمِ، قال الشاعر:
[١٩٥]
يا خازباز أرسل اللَّهَازِمَا ... إنِّي أَخَافُ أن تَكُونَ لازمًا
والخازباز فيم يقال أيضًا: السِّنَّوْرُ، وفي الخازباز سبعُ لغاتٍ: خَازِبَازِ، وخَازَبَازَ وخَازِبَازُ، وخَازَبَازُ، وخَازُبَازٍ، وخَازِبَاء -مثل نافقاء- وخِزْبَاز -مثل سِرْدَاحٍ- قال الشاعر:
[١٩٦]
مثل الكلاب تَهِرُّ عند دِرَابِهَا ... وَرِمَتْ لِهَازِمُهَا من الخِزْبَازِ
وإنما لم يجز دخول الألف واللام على "درهم" لأنه منصوب على التمييز، والتمييز لا يكون إلا نكرة، وإنما وجب أن يكون نكرة لأن الغرض أن يميّز المعدود به من غيره، وذلك يحصل بالنكرة التي هي الأخَفُّ، فكانت أولى من المعرفة التي هي الأَثْقَلُ.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما حكوه عن العرب فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لقلّته في الاستعمال وبُعْدَهُ عن القياس: أما قلته في الاستعمال فظاهر؛ لأنه إنما جاء شاذًّا عن بعض العرب؛ فلا يعتدُّ به لقلته وشذوذه، فصار
стр. 254
بمنزلة دخول الألف واللام في قول الشاعر:
[٩١]
يقول الخَنَا، وأبغض العُجْمِ ناطقًا ... إلى ربِّنَا صوتُ الحمار اليُجَدّعُ
ويستخرج اليَرْبُوعَ من نَافِقَائِهِ ... ومن جُحْرِهِ بالشِّيحَةِ اليَتَقَصَّعُ
أراد الذي يتقصع، فكما لا يجوز أن يقال أن الألف واللام يجوز دخولهما على الفعل لمجيئه ههنا لقلته وشذوذه فكذلك أيضًا لا يجوز أن يحتجّ بذلك لقلته وشذوذه، وكما قال الشاعر:
[١٩٧]
يا ليت أمَّ العمرو كانت صَاحِبِي ... مكان من أَشْتَى عَلَى الرَّكائِب
أراد "أم عمرو". وكما قال الآخر:
[١٩٨]
باعد أَمَّ العَمْرِو من أسِيرِهَا ... حُرَّاسُ أَبْوَابٍ عَلَى قُصُورِهَا
стр. 255
وكما قال الآخر:
[١٩٩]
وَجْدَنَا الوليد بْنَ اليزيد مباركًا ... شَدِيدًا بِأَعْبَاءِ الخِلَافَةِ كَاهِلُهْ
وكما قال الآخر:
[٢٠٠]
أَمَا وَدِمَاءٍ مَائِرَاتٍ تَخَالُهَا ... على قُنَّة العُزّى وبالنَّسْرِ عَنْدَمَا
стр. 256
وما سَبَّحَ الرُّهْبَان في كلِّ بِيْعَةٍ ... أَبِيلَ الأَبِيلَينَ المسيحَ ابنَ مريمَا
لقد ذاق منَّا عامرٌ يَوْمَ لَعْلَعٍ ... حسامًا إذا ما هُزّ بالكف صمَّمَا
أراد "وبنسر" بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ﴿نوح: ٢٣] وكما قال الآخر:
[٢٠١]
ولقد جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَسَاقِلَا ... ولقد نَهَيْتُكَ عن بَنَات الأَوْبَرِ
стр. 257
أراد "بنات أوبر" وكما قال الآخر:
[٢٠٢]
وإني حُبِسْتُ اليوم والأمس قبلهُ ... ببابك حتى كادت الشمس تغرب
أراد "وأمس" ولهذا تركه على جهته الأولى مكسورًا، وكما قال الآخر:
[٢٠٣]
فإن الأولاء يَعْلَمُونَكَ مِنْهُمُ
стр. 258
[١٤٢] أراد "أولاء" فكما أن زيادة الألف واللام في هذه المواضع لا تدل على جواز زيادتها في اختيار الكلام فلا يجوز أن يقال في زيد الزيد وفي عمرو العمرو؛ لمجيئه شاذًّا، فكذلك ههنا، وأما بُعْدُه عن القياس فقد بَيَّنَّاه في دليلنا، والله أعلم.
стр. 259
مسألة القول في إضافة العدد المركب إلى مثله
...
٤٤- مسألة: [القول في إضافة العد المركب إلى مثله] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز أن يقال "ثَالِثَ عَشَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ"
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يقال "ثَالِثَ عَشَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ"
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أنه لا يمكن أن يُبْنَى من لفظ ثلاثة عشر فاعل، وإنما يمكن أن يبنى من لفظ أحدهما، وهو العدد الأول الذي هو الثلاثة، ولا يمكن أن يبنى من لفظ العدد الثاني -وهو العشر- فَذِكْرُ العشر مع ثالث لا وجه له.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل أن يقال "ثالث عشر ثلاثة عشر" وقد جاء عن العرب، فإذا ساعده النقل والقياس -وهو الأصل- وجب أن يكون جائزًا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنه لا يمكن أن يبنى منهما فاعل، وإنما يمكن أن يبنى من أحدهما" قلنا: هذا هو الحجة عليكم؛ فإنه لما لم يمكن أن يبنى منهما وبني من أحدهما احتيج إلى ذكر الآخر؛ ليتميز ما هو واحد ثلاثة مما هو واحد ثلاثة عشر، فأتى باللفظ كله، والله أعلم.
стр. 260
٤٥- مسألة: [المنادى المفرد العلم؛ معرب أو مبنيّ ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الاسم المنادى المعرف المفرد معرب مرفوع بغير تنوين. وذهب الفَرَّاء من الكوفيين إلى أنه مبنيّ على الضم، وليس بفاعل ولا مفعول. وذهب البصريون إلى أنه مبني على الضم، وموضعه النصب؛ لأنه مفعول.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنا وجدناه لا مُعْرِبَ له يصحبه من رافع ولا ناصب ولا خافض، ووجدناه مفعول المعنى؛ فلم نخفضه لئلا يشبه المضاف، ولم ننصبه لئلا يشبه ما لا ينصرف؛ فرفعناه بغير تنوين ليكون بينه وبين ما هو مرفوع برافع صحيح فَرْق، فأما المضاف فنصبناه لأنا وجدنا أكثر الكلام منصوبًا؛ فحملناه على وجه من النصب لأنه أكثر استعمالًا من غيره.
وأما الفَرَّاء فتمسّك بأن قال: الأصل في النداء أن يقال "يا زيداه"، كالندبة؛ فيكون الاسم بين صوتين مَدِيدَين وهما "يا" في أول الاسم، والألف في آخره والاسم فيه ليس بفاعل ولا مفعول ولا مضاف إليه، فلما كثر في كلامهم استغنوا بالصوت الأول وهو "يا" في أوله عن الثاني وهو الألف في آخره، فحذفوها وبَنَوْا آخر الاسم على الضم تشبيهًا بقَبْلُ وبَعْدُ؛ لأن الألف لما حذفت وهي مرادة معه، والاسم كالمضاف إليها إذا كان متعلقًا بها؛ أَشْبَهَ آخرُهُ آخِرَ ما حذف منه المضاف إليه وهو مراد معه نحو "جئتُ من قبلُ ومن بعدُ" أي من قبل ذلك ومن بعد ذلك، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أي من قبل ذلك ومن بعد ذلك؛ فكذلك ههنا.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "لو كانت الألف في آخر المنادى بمنزلة المضاف
стр. 261
إليه لوجب أن تسقط نون الجمع معها في نحو "واقِنَّسْرُونَاه" لأنا نقول: نحن لا نجوِّز نُدْبَة الجمع الذي على هجاءين؛ فلا يجوز عندنا ندبة "قنسرون" بحذف النون ولا إثباتها كما لا يجوز تثنيته ولا جمعه.
قالوا: ولا يجوز أيضا أن يقال "إن هذا يبطل بالمنادى المضاف، نحو: يا عَبْدَ عمرو؛ فإنه يفتقر في باب الصوت إلى ما يفتقر إليه المفرد؛ فكان ينبغي أن يقال: يا عبدُ عمرو -بالضم- لأن أصله: يا عبد عمراه" لأنا نقول: إنما لم يقدر ذلك في المنادى المضاف لأجل طوله، بخلاف المفرد، فَبَانَ الفرقُ بينهما.
وأما المضاف فإنما وجب أن يكون مفتوحًا لأن الاسم الثاني حّل محلّ ألف الندبة في قولك "يا زيداه" والدال في "يا زيداه" مفتوحة، فبقيت الفتحة على ما كانت في "يا عبد عمرو" كما كانت في "يا زَيْدَاهُ" والمضموم ههنا بمنزلة المنصوب، والمنصوب بمنزلة المندوب، ولا يقال إنه نُصِبَ بفعل ولا أداة.
قال: والذي يدل على أن المفرد بمنزلة المضاف امتناع دخول الألف واللام عليه، والذي يدل على أنه ليس منصوبًا بفعل امتناع الحال أن تقع معه؛ فلا يجوز أن يقال "يازيدُ راكبًا"، والذي يدل على أنه بمنزلة المضاف وإن أفرد حملُكَ نعتَهُ على النصب نحو "يا زيدُ الظريفَ" كما يحمل نعتهُ على الرفع نحو: "يا زيدُ الظريفُ".
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مبنيّ وإن كان يجب في الأصل أن يكون معربًا لأنه أَشْبَهَ كاف الخطاب، وكاف الخطاب مبنيّة؛ فكذلك ما أشبهها. ووجه الشبه بينهما من ثلاثة أوجه: الخطاب، والتعريف، والإفراد، فلما أشبه كاف الخطاب من هذه الأوجه وجب أن يكون مبنيًّا كم أن كاف الخطاب مبنية.
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما وجب أن يكون مبنيًّا لأنه وقع موقع اسم الخطاب؛ لأن الأصل في "يا زيد" أن تقول: يا إيَّاكَ، أو يا أنت؛ لأن المنادى لما كان مخاطبًا كان ينبغي أن يستغنى عن ذكر اسمه ويؤتى باسم الخطاب فيقال: "يا إياك" أو "يا أنت" كما قال الشاعر:
[٢٠٤]
يا مُرَّ يا ابْنَ واقعٍ يا أَنْتَا ... أنت الذي طَلّقْتَ عامَ جُعْتَا
стр. 262
حتى إذا اصْطَبَحْتَ واغْتَبَقْتَا ... أقبلت معتادًا لما تَرَكْتَا
قد أحسن الله وقد أَسَأْتَا
فلما وقع الاسم المنادى موقع اسم الخطاب وجب أن يكون مبنيًّا كما أن اسم الخطاب مبنيّ، وإنما وجب أن يكون مبنيًّا على الضم لوجهين:
أحدهما: أنه لا يخلو: إما أن يبنى على الفتح، أو الكسر، أو الضم، بطل أن يبنى على الفتح لأنه كان يلتبس بما لا ينصرف، وبطل أن يبنى على الكسر لأنه كان يلتبس بالمضاف إلى النفس، وإذا بطل أن يبنى على الفتح وأن يبنى على الكسر تعين أن يبنى على الضم.
والوجه الثاني: أنه بني على الضم فرقًا بينه وبين المضاف؛ لأنه إن كان مضافًا إلى النفس كان مكسورًا، وإن كان مضافًا إلى غيرك كان منصوبًا؛ فبني على الضم؛ لئلا يلتبس بالمضاف؛ لأنه لا يدخل المضاف.
وإنما قلنا "إنه في موضع نصب" لأنه مفعول؛ لأن التقدير في قولك "يا زيدُ" أدعو زيدًا، أو أنادي زيدًا، فلما قامت "يا" مقام أدعو عملت عمله، والذي يدل على أنها قامت مقامه من وجهين؛ أحدهما: أنها تدخلها الإمالة نحو "يا"
стр. 263
زيد، ويا عمرو" والإمالة إنما تكون في الاسم والفعل، دون الحرف، فلما جازت فيها الإمالة دلَّ على أنها قد قامت مقام الفعل، والوجه الثاني: أن لام الجر تتعلق بها نحو "يا لزيد، ويا لعمرو" فإن هذه اللام لام الاستغاثة، وهي حرف جر؛ فلو لم تكن "يا" قد قامت مقام الفعل وإلا لما جاز أن يتعلق بها حرف الجر؛ لأن الحرف لا يتعلق بالحرف، فدلَّ على أنها قد قامت مقام الفعل، ولهذا زعم بعض النحويين أن فيها ضميًرا كالفعل.
وذهب بعض البصريين إلى أن "يا" لم تَقُمْ مَقَامَ أدعو، وأن العامل في الاسم المنادى أدعو المقدر، دون يا، والذي عليه الأكثرون هو الأول.
فإذا ثَبَتَ بهذا أنه منصوب، إلا أنهم بنوه على الضم لما ذكرنا.
والذي يدل على أنه في موضع نصب أنك تقول في وصفه "يا زيدُ الظريفَ" بالنصب حملًا على الموضع، كما تقول "يا زيدُ الظريفُ" بالرفع حملًا على اللفظ، كما تقول "مررت بزيدٍ الظريفِ والظريفَ" فالجرّ على اللفظ، والنصب على الموضع، فكذلك ههنا: نُصِبَ لأن المنادى المفرد في موضع نصب لأنه مفعول، وهذا هو الأصل في كل منادى، ولهذا لمَّا لم يعرض للمضاف والمشبه بالمضاف ما يوجب بناءهما كالمفرد بَقِيَا على أصلهما في النصب.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين، أما قولهم "إن المنادى لا مُعْرِبَ له يصحبه" قلنا: لا نسلم، وقد بيَّنَّا ذلك في دليلنا.
وقولهم "إنَّا رفعناه" قلنا: وكيف رفعتموه ولا رافع له؟ وهل لذلك قَطٌّ نظيرٌ في العربية؟ وأين يوجد فيها مرفوع بلا رافع أو منصوب بلا ناصب أو مخفوض بلا خافض؟ وهل ذلك إلا تحكم مَحْضٌ لا يستند إلى دليل؟! ثم نقول: ولم رفعتموه بلا تنوين؟ قولهم "ليكون بينه وبين ما هو مرفوع برافع فرق" قلنا: هذا باطل؛ فإن فيما يرفع بغير تنوين ما هو صحيح الإعراب، وذلك الاسم الذي لا ينصرف.
وقولهم "إنَّا حملنا المضاف على لفظ المنصوب لكثرته في الكلام" قلنا: هذا يبطل بالمفرد؛ فإنه كان ينبغي أن يحمل على النصب لكثرته في الكلام، فلما لم يحمل المفرد على النصب دلَّ على أنه ليس لهذا التعليل أصل.
وأما قول الفراء "إن الأصل في النداء أن يقال يا زيداه كالندبة" فمجرد دعوى يفتقر إلى دليل.
وقوله "إن الألف المزيدة في آخره بمنزلة المضاف إليه، فلما حذفوها بَنَوْهُ على الضم، كما إذا حذف المضاف إليه من قبل ومن بعدُ" قلنا: هذا يبطل
стр. 264
بالمنادى المضاف، نحو "يا عبد عمرو" فإنه يفتقر في باب الصوت إلى ما يفتقر إليه المفرد؛ فكان يجب أن يقال "يا عبد عمرو" بالضم، لأن أصله يا عبد عمرواه.
قوله "إنما لم يقدر ذلك في المنادى المضاف لطوله" قلنا: هذا باطل؛ لأن الطول لا يمنع تقرير الكلمة على حقها من تقدير الصوت في أوله وآخره؛ لأنه لا فرق في باب النداء بين طويل الأسماء وقصيرها، ألا ترى أنك لو ناديت رجلًا اسمه قَرَعَبْلَانة أو هَزَنْبَرَان أو أَشْنَانْدَانة وما أشبه ذلك لوجب فيه الضم، وإن كان أكثر حروفًا من "يا عبد عمرو" فدلَّ على بطلان ما ذهب إليه.
وأما جعله نصب المضاف مبنيًّا على فتح ما قبل الألف المزيدة في آخر المنادى فباطل أيضًا بما إذا قال "يا خيرًا من زيد" إذا كان مفردًا مقصودًا له، فإنه لا يخلو: إما أن يحمل نصب خير على الألف التي تدخل للصوت الرفيع، أو على غيره، فإن قال "على الألف" فكان ينبغي أن نقول "يا خيرًا من١ زيد" وهذا لا يقوله أحد، وإذا لم تدخله الألف وقد نُصِبَ دلَّ على أنه لم يحمل على الألف، وأنه محمول على غيره.
والذي يدلُّ على بطلان ما ذهب إليه من جعله الألف في آخر المنادى بمنزلة المضاف إليه أنه لو كان كذلك لوجب أن تسقط نون الجمع معها في نحو: "واقنسروناه" قولهم "نحن لا نجوِّز ندبة الجمع الذي على هجاءين فلا يجوز عندنا ندبة قنسرون بحذف النون ولا إثباتها" قلنا: هذا يلزمكم إذا جعلتم مكان الواو ياء، فإنه يجوز عندكم أن تقولوا: واقنسريناه، وإن امتنع عندكم واقنسروناه، وكلاهما لفظ الجمع.
وأما قوله "إن المفرد بمنزلة المضاف؛ بدليل امتناع دخول الألف واللام عليه" قلنا: لا نسلم أن امتناع دخول الألف واللام عليه لما ذكرت، وإنما امتنع دخول الألف واللام عليه لأن الإشارة إليه والإقبال عليه أَغْنَتْ عن دخول الألف واللام عليه.
وأما قوله "الذي يدل على أنه ليس منصوبًا بفعل امتناعُ الحال أن تقع معه" قلنا: لا نسلم أن امتناع الحال أن تقع معه إنما كان لأجل العامل، ولكن لتناقض معنى الكلام فيه، وذلك لأنا لو قلنا "يا زيدُ راكبًا" على معنى الحال لكان التقدير أن النداء في حال الركوب، وإن لم يكن راكبًا فلا نداء، وهذا مستحيل؛ لأن النداء قد وقع بقوله "يا زيد" فإن لم يكن راكبًا لم يخرجه ذلك عن أن يكون قد
стр. 265
نادى زيدًا بقوله: "يا زيد" وليس ذلك في سائر الكلام، ألا ترى أنك لو قلت: "اضرب زيدًا راكبًا" فلم تجده راكبا لم يجز أن تضربه، على أنه قد حكى أبو بكر بن السراج عن أبي العباس المُبَرِّد أنه قال: قلت لأبي عثمان المازني: ما أنكرت من الحال للمَدْعُوِّ؟ قال: لم أنكر منه شيئًا، إلا أن العرب لم تَدْعُ على شريطةٍ؛ فإنهم لا يقولون "يا زيد راكبًا" أي: ندعوك في هذه الحالة ونمسك عن دعائك ماشيًا؛ لأنه إذا قال "يا زيد" فقد وقع الدعاء على كل حال، قلت: فإن احتاج إليه راكبا ولم يحتج إليه في غير هذه الحالة، فقال: ألست تقول يا زيد دعاء حقًّا؟ فقلت: بلى، فقال: على ما تحمل المصدر؟ قلت: لأن قولي يا زيد كقولي أدعو زيدًا؛ فكأني قلت: أدعو دعاء حقًّا، فقال: لا أرى بأسًا بأن تقول على هذا: يا زيد راكبًا، فالزم القياس، قال أبو العباس: وجدت أنا تصديقًا لهذا قول النابغة:
[٢٠٥]
قالت بَنُو عامر: خَالُوا بني أسد ... يا بُؤْسَ للجهل ضَرَّارًا لأقوام
стр. 266
وقوله "والذي يدل على أنه بمنزلة المضاف وإن أفرد حملُكَ نعتَه على النصب نحو يا يزيد الظريفَ كما يحمل نعته على الرفع نحو يا زيد الظريفُ" قلنا: لا نسلِّم أن نصب الوصف لأن المفرد بمنزلَةِ المضاف، وإنما نصبه لأن الموصوف وإن كان مبنيًّا على الضم فهو في موضع نصب لأنه مفعول؛ فَنُصِبَ وصفُه حملًا على الموضع كما رفع حملًا على اللفظ، وحَمْلُ الوصف والعطف على الموضع جائزٌ في كلامهم كما يحمل على اللفظ؛ ولهذا يجوز بالإجماع "ما جاءني من أحد غيرُك" بالرفع، كما يجوز بالجرّ، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] بالرفع والجر؛ فالرفع على الموضع، والجر على اللفظ.
قال الشاعر:
[١٤٥]
حتى تَهَجَّرَ في الرَّوَاحِ وهَاجَهَا ... طَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّه المَظْلُومُ
فرفع "المظلوم" وهو صفة للمجرور الذي هو "المعقب" حملًا على الموضع؛ لأنه في موضع رفع بأنه فاعل، إلا أنه لما أضيف المصدر إليه دخله الجرّ للإضافة، وكذلك يجوز أيضًا الحملُ على الموضع في العطف نحو "مَرَرْتُ بزيد وعمرًا" كما يجوز "وعمروٍ" قال الشاعر:
[٢٠٦]
فلستُ بِذِي نَيْرَبٍ في الصَّدِيقِ ... ومَنَّاعَ خَيْرٍ وسَبَّابَهَا
ولا مَنْ إذا كان في جَانِبٍ ... أَضَاعَ العَشِيرَةَ فَاغْتَابَهَا
стр. 267
وقال الآخر وهو عُقَيبة الأسدي:
[٢٠٧]
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بَالجِبَالِ ولا الحَدِيدا
فنصب "الحديد" حملًا على موضع "بالجبال" لأن موضعها النصبُ بأنها خبر ليس، ومن زعم أن الرواية "ولا الحديدِ" بالخفض فقد أخطأ؛ لأن البيت الذي بعده:
أَدبرُوهَا بني حربٍ عليكم ... ولا تَرْمُوا بِهَا الغَرَضَ البَعِيدَا
والرويّ المخفوض لا يكون مع الرويّ المنصوب في قصيدة واحدة؛ وقال العجاج:
[٢٠٨]
كشحًا طَوَى من بَلَدٍ مُخْتَارًا ... مِنْ يَأْسِهِ اليَائِسِ أو حِذَارَا
стр. 268
وقال الآخر:
[٢٠٩]
فَإِنْ لم تَجِدْ من دون عَدَنَانَ والدًا ... ودون مَعَدٍّ فَلْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ
وقال الآخر أيضًا:
[٢١٠]
أَلَا حَيَّ نَدْمَانِي عُمَيْرَ بْنَ عَامِرٍ ... إذا ما تَلَاقَيْنَا مِنَ اليَوْمِ أو غَدَا
стр. 269
فنصب "غدًا" حملًا على موضع "من اليوم" وموضعها نصب.
والشواهد على الحمل على الموضع في الوصف والعطف أكثر من أن تُحْصَى وأوفر من أن تُستقصى، والله أعلم.
стр. 270
٤٦- مسألة: [القول في نداء الاسم المحلَّى بأل] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز نداء ما فيه الألف واللام نحو "يا الرجل ويا الغلام" وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه جائز أنه قد جاء ذلك في كلامهم، قال الشاعر:
[٢١١]
فَيَا الغُلَامَان اللّذَانِ فَرَّا ... إيَّاكُمَا أن تَكْسِبَانِي شَرًّا
стр. 271
فقال: يا الغلامان "فأدخل حرف النداء على ما فيه الألف واللام.
وقال الآخر:
[٢١٢]
فَدَيْتُكَ يا الَّتِي تَيَّمْتِ قَلْبِي ... وأَنْتِ بَخِيلَةٌ بِالْوُدِّ عَنِّي
فقال "يا التي" فأدخل حرف النداء على ما فيه الألف واللام؛ فدلّ على جوازه.
والذي يدل على صحة ذلك أنا أجمعنا على أنه يجوز أن نقول في الدعاء "يا ألله اغفر لنا" والألف واللام فيه زائدان، فدلَّ على صحة ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن الألف واللام تفيد التعريف، و "يا" تفيد التعريف، وتعريفان في كلمة لا يجتمعان؛ ولهذا
стр. 272
لا يجوز الجمع بين تعريف النداء وتعريف العلمية في الاسم المنادى العلم نحو "يا زيد" بل يُعَرَّى عن تعريف العلمية ويُعَرَّف بالنداء؛ لئلا يُجْمَع بين تعريف النداء وتعريف العلمية، وإذا لم يجز الجمع بين تعريف النداء وتعريف العلمية فَلأن لا يجوز الجمع بين تعريف النداء وتعريف الألف واللام أَوْلَى، وذلك لأن تعريف النداء بعلامة لفظية، وتعريف العلمية ليس بعلامة لفظية، وتعريف الألف واللام بعلامة لفظية، كما أن تعريف النداء بعلامة لفظية، وإذا لم يجز الجمع بين تعريف النداء وتعريف العلمية وأحدهُما بعلامة لفظية والآخر ليس بعلامة لفظية فَلأَن لا يجو الجمع بين تعريف النداء وتعريف الألف واللام وكلاهما بعلامة لفظية كان ذلك من طريق الأولى١.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قوله:
[٢١١]
فيا الغلامان اللذان فَرَّا
فلا حجة لهم فيه؛ لأن التقدير فيه "فيا أيها الغلامان" فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، وكذلك قول الآخر:
[٢١٢]
فديتك يا التي تَيَّمْتِ قلبي
حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، على أن هذا قليل، إنا يجيء في الشعر؛ [١٥٠] فلا يكون فيه حجة، على أنه سَهَّلَ ذلك أن الألف واللام من "التي" لا تنفصل منها، فنزلت بعض حروفها الأصلية، فيتسهل دخول حرف النداء عليها. وأما قولهم "إنا نقول في الدعاء يا ألله" فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الألف واللام عوض عن همزة "إله" فتنزلت منزلة حرف من نفس الكلمة، وإذا تنزَّلت منزلة حرف من نفس الكلمة جاز أن يدخل حرف النداء عليه، والذي يدل على أنها بمنزلة حرف من نفس الكلمة أنه يجوز أن يقال في النداء "يا
стр. 273
ألله "بقطع الهمزة، قال الشاعر:
[٢١٣]
مباركٌ هو ومَنْ سَمَّاهُ ... على اسمِكَ اللهم يا أللهُ
ولو كانت كالهمزة التي تدخل مع لام التعريف لوجب أن تكون موصولة، فلما جاز فيها ههنا القطع دلَّ على أنها نزلت منزلة حرفٍ من نفس الكلمة، كما أن الفعل إذا سمي به فإنه تُقْطَع همزةُ الوصل منه نحو اضْرِبْ واقْتُلْ، تقول "جاءني إضرب، ورأيت إضرب، ومررت بإضرب" و "جاءني أقتل، ورأيت أقتل، ومررت بأقتل١" بقطع الهمزة ليدل على أنها ليست كالهمزة التي كانت في الفعل قبل التسمية، وأنها بمنزلة حرف من نفس الكلمة، فكذلك ههنا.
والذي يدل على ذلك أنهم لو أجروا هذا الاسم مجرى غيره مما فيه ألف ولام لكانوا يقولون "يا أيها الله" كما يقولون "يا أيها الرجل" إما على طريق الوجوب عندنا، أو على طريق الجواز عندكم، فلما لم يجز أن يقال ذلك على كل حالٍ دلَّ على صحّة ما ذهبنا إليه.
стр. 274
والوجه الثاني: أن هذه الكلمة كثر استعمالها في كلامهم؛ فلا يقاس عليها غيرها.
والوجه الثالث: أن هذا الاسم عَلَم غير مُشْتَقّ أتي به على هذا المثال من البناء من غير أصل يُرَدُّ إليه؛ فينزل منزلة سائر الأسماء الأعلام، وكما يجوز دخول حرف النداء على سائر الأسماء الأعلام فكذلك ههنا.
والمعتمد من هذه الأوجه هو الوجه الأول، والله أعلم.
стр. 275
٤٧- مسألة: [القول في الميم في "اللهمّ" أَعِوَضٌ من حرف النداء أم لا ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الميم المشدّدة في "اللهم" ليست عوضًا من "يا" التي للتنبيه في النداء. وذهب البصريون إلى أنها عوض من "يا" التي للتنبيه في النداء، والهاء مبنية على الضم لأنه نداء.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل فيه "يا الله أمَّنا بخير" إلا أنه لما كثر في كلامهم وجرى على ألسنتهم حَذَفُوا بعض الكلام طلبًا للخفة، والحذف في كلام العرب لطلب الخفة كثير؛ ألا ترى أنهم قالوا "هلمَّ، ووَيْلُمِّهِ" والأصل فيه: هل أمَّ، ووَيْلَ أمه، وقالوا "أيش" والأصل: أيُّ شيء.
وقالوا "عم صباحًا" والأصل: أنعم صباحًا. وهذا كثير في كلامهم.
قالوا: والذي يدل على أن الميم المشددة ليست عوضًا من "يا" أنهم يجمعون بينهما، قال الشاعر:
[٢١٤]
إني إذا ما حَدَثٌ أَلَمَّا ... أقول: يا اللهمَّ، يا اللهُمَّا
стр. 276
وقال الآخر:
[٢١٥]
وما عليكِ أن تَقُولِي كُلّمَا ... صَلَّيتِ أو سبّحتِ: يا اللهمَّ ما
أُرْدُدُ علينا شيخنا مُسَلّمَا
وقال الآخر:
[٢١٦]
غَفَرْتَ أَوْ عَذَّبْتَ يا اللهُمَّا
стр. 277
فجمع بين الميم و "يا" ولو كانت الميمُ عوضًا من "يا" لما جاز أن يجمع بينهما؛ لأن العوض والمعوَّض لا يجتمعان.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنا أجمعنا أن الأصل "يا ألله" إلا أنا لما وجدناهم إذا أدخلو الميم حذفوا "يا" ووجدنا الميم حرفين و "يا" حرفين، ويستفاد من قولك "اللهمَّ" ما يستفاد من قولك "يا ألله" دلَّنَا ذلك على أن الميم عوض من "يا"؛ لأن العوض ما قام مقام المعوض، وههنا الميم قد أفادت ما أفادت "يا" فدلَّ على أنها عوض منها، ولهذا لا يجمعون بينهما إلا في ضرورة الشعر، على ما سنبين في الجواب إن شاء الله تعالى.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين١: أما قولهم "إن الأصل يا ألله أمّنا بخير، فحذفوا بعض الكلام لكثرة الاستعمال" قلنا: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنه لو كان الأمر كما زعمتم وأن الأصل فيه يا ألله أمنا بخير لكان ينبغي أن يجوز أن يقال اللهمنا بخير، وفي وقوع الإجماع على امتناعه دليل على فساده.
والوجه الثاني: أنه يجوز أن يقال "اللهمَّ أُمَّنَا بخير" ولو كان الأول يراد به "أمَّ" لما حسن تكرير الثاني؛ لأنه لا فائدة فيه.
والوجه الثالث: أنه لو كان الأمر كما زعمتم لما جاز أن يستعمل هذا اللفظ إلا فيما يؤدي عن هذا المعنى، ولا خلاف أنه يجوز أن يقال "اللهم العَنْهُ، اللهم أَخْزِهِ، اللهم أهلكه" وما أشبه ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ولو كان الأمر كما زعموا لكان التقدير: أمَّنَا بخير، إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، ولا شك أن هذا التقدير ظاهر الفساد والتناقض؛ لأنه لا يكون أمهم بالخير أن يمطر عليهم حجارة من السماء أو يُؤْتَوْا بعذاب أليم.
وهذا الوجه عندي ضعيف، والصحيح من وجه الاحتجاج بهذه الآية أنه لو كانت الميم من الفعل لما افتقرت إن الشرطية إلى جواب في قوله: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وكانت تسد مسدَّ الجواب، فلما افتقرت إلى الجواب في قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ [الأنفال: ٣٢] دلَّ أنها ليست من الفعل.
стр. 278
يحتمل عندي وجهًا رابعًا: أنه لو كان الأصل "يا ألله أمّنا بخير" لكان ينبغي أن يقال: اللهم وارحمنا، فلما لم يجز أن يقال إلا "اللهم ارحمنا" ولم يجز "وارحمنا" دلَّ على فساد ما ادَّعُوه.
وأما قولهم "إن هلم أصلها هل أم" قلنا: لا نسلم، وإنما أصلها "ها المم" فاجتمع ساكنان: الألف من "ها" واللام من "المم" فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، ونقلت ضمة الميم الأولى إلى اللام، وأدغمت إحدى الميمين في الأخرى، فصار هَلُمَّ.
وقولهم "الدليل على أن الميم ليست عوضًا من يا أنهم يجمعون بينهما كقوله:
[٢١٤]
إني إذا ما حَدَثٌ أَلَمَّا ... أقول يا اللهمَّ يا اللهمَّا
وقول الآخر:
[٢١٥]
وما عليك أن تقولي كلمَّا ... سبَّحت أو صلَّيت يا اللهمَّ ما"
فنقول: هذا الشعر لا يعرف قائله؛ فلا يكون فيه حجة، وعلى أنه إن صحَّ عن العرب فتقول: إنما جمع بينهما لضرورة الشعر، وسَهَّل الجمع بينهما للضرورة أن العوض في آخر الاسم، والمعوض في أوله، والجمع بين العوض والمعوض منه جائز في ضرورة الشعر، قال الشاعر:
[٢١٧]
هَمَا نَفَثَا في فِيَّ من فَمَوَيْهِمَا ... على النَّابِحِ العَاوِي أَشَدُّ رِجَامِ
стр. 279
فجميع بين الميم والواو وهي عوض منها لضرورة الشعر، فجمع بين العوض والمعوّض، فكذلك ههنا، والله أعلم.
стр. 280
٤٨- مسألة: [هل يجوز ترخيم المضاف بحذف آخر المضاف إليه ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن ترخيم المضاف جائز، ويُوقِعُون الترخيم في آخر الاسم المضاف إليه، وذلك نحو قولك "يا آلَ عامِ" في يا آل عامرِ، و "يا آل مالِ" في يا آل مالك، وما أشبه ذلك. وذهب البصريون إلى أن ترخيم المضاف غير جائز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن ترخيم المضاف جائز أنه قد قال جاء في استعمالهم كثيرًا، قال زُهَيْر بن أبي سُلْمَى
[٢١٨]
خُذُوا حَظَّكُمْ يا آل عِكْرِمَ واحْفَظُوا ... أَوَاصِرَنَا والرِّحْمُ بالغَيْبِ تُذْكَرُ
стр. 281
أراد "يا آل عِكْرِمَةَ" إلا أنه حذف التاء للترخيم، وهو عكرمة بن خَصَفَةَ١ بن قيس بن عيلان بن مضر، وهو أبو قبائل كثيرة من قيس. وقال الآخر:
[٢١٩]
أبَ عُرْوَ لا تَبْعَدْ فكلُّ ابنِ حُرَّةِ ... سَيَدْعُوهُ دَاعِي مِيتَهٍ فَيُجِيبُ
أراد "أَبَا عُروة". وقال الآخر:
[٢٢٠]
إِمَّا تَرَيْنِي اليوم أُمَّ حَمْزِ ... قَارَبْتُ بين عَنَقِي وَجَمْزِي
стр. 282
أراد "أم حمزة" والشواهد على هذا كثيرة جدا، فدل على جوازه. ولأن المضاف [١٥٤] والمضاف إليه بمنزلة الشيء الواحد، فجاز ترخيمه كالمفرد.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن ترخيم المضاف غير جائز أنه لم توجد فيه شروط الترخيم، وهي: أن يكون الاسم منادى، مفردًا معرفةً، زائدًا على ثلاثة أحرف. والدليل على اعتبار هذه الشروط: أما شرط كونه منادى فظاهر؛ لأنهم لا يرخمون في غير النداء إلا في ضرورة الشعر، ألا ترى أنهم لا يقولون في حالة الاختيار في غير النداء "قام عام" في عامر، ولا "ذهب مال" في مالك، فدل على أنه شرط معتبر. وأما شرط كونه مفردًا فظاهر أيضًا؛ لأن النداء يؤثر فيه البناء، ويغيره عما كان عليه قبل النداء، ألا ترى أنه كان معربًا فصار مبنيًّا؟ فلما غيّره النداء عما كان عليه من الإعراب قبل النداء جاز فيه الترخيم؛ لأنه تغيير، والتغيير يُؤْنِس بالتغيير؛ فأما ما كان مضافًا فإن النداء لم يؤثر فيه البناء ولم يغيره عما كان عليه قبل النداء؛ ألا ترى أنه معرب بعد النداء كما هو معرب قبل النداء؟ وإذا كان الترخيم إنما سَوَّغَهُ تغييرُ النداء، والنداء لم يغير المضاف؛ فوجب أن لا يدخله الترخيم؛ فصار هذا بمنزلة حذف الياء في النسب من باب فُعَيلة وفَعِيلة كقولهم في النسب إلى جُهَيْنَة "جُهَنِي" وإلى ربيعة "رَبَعِي" وإثباتها في باب فُعَيل وفَعِيل كقولهم في النسب إلى قُشَيْرٍ "قُشَيْرِي" وإلى جرير "جَرِيرِيّ" فإن الياء إنما حذفت من باب فُعَيلة وفَعِيلة ومن فُعَيل وفَعِيل لأن النسب أثر فيه وغَيَّرَهُ بحذف تاء التأنيث منه، والتغيير يؤنس بالتغيير، بخلاف باب فُعَيل وفَعِيل؛ فإن النسب لم يؤثر فيه تغييرًا، فلم يحذف منه الياء، فأما قولهم في النسب إلى قريش "قُرَشِيّ" وإلى هذيل "هُذَلِيّ" وإلى ثقيف "ثَقَفِيّ" -بحذف الياء في إحدى اللغتين- فهو من الشاذ الذي لا يقاس عليه، واللغة الفصحى إثبات الياء، وهي أن تقول: قُرَيْشِيّ، وهُذَيْلِيّ، وثَقِيفيّ، وهو القياس. قال الشاعر:
٢٢١-
بكلِّ قُرَيْشِيّ عليه مَهَابَةٌ ... سَرِيع إلى دَاعِي النَّدَى والتكَرُّمِ
стр. 283
وقال الآخر:
[٢٢٢]
هُذَيْلِيَةٌ تَدْعُو إذا هي فَاخَرَتْ ... أبًا هُذَلِيًّا من غَطَارِفَةٍ نُجْدِ
وكما أن الحذف ههنا إنما اختص بما غَيَّره النسب دون غيره، فكذلك الحذف ههنا للترخيم إنما يختص بما غيَّره النداءُ -وهو المفرد المعرفة- دون المضاف والنكرة. وأما شرط كونه زائدًا على ثلاثة أحرف فسنذكر ذلك في المسألة التي بعد هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما استشهدوا به من الآيات فلا حجة فيه؛ لأنه محمول عندنا على أنه حذف التاء لضرورة الشعر، والترخيم عندنا يجوز
стр. 284
لضرورة الشعر في غير النداء، قال الشاعر:
[٢٢٣]
أَوْدَى ابْنُ جُلْهُمَ عَبَّادٌ بِصِرْمَتِهِ ... إنَّ ابْنَ جُلْهُمَ أَمْسَى حَيَّةَ الوَادِي
أراد "جُلْهُمَةَ" فحذف التاء لضرورة الشعر، وقال الآخر:
[٢٢٤]
ألا أَضْحَتْ حِبَالُكُمُ رِمَامَا ... وأَضْحَتْ مِنْكَ شَاسِعَةَ أُمَامَا
стр. 285
أراد: "أمامة". وقال الآخر:
[٢٢٥]
إنَّ ابْنَ حَارِثَ إنْ اشْتَقْ لِرُؤْيَتِه ... أو أَمْتَدِحْهُ فإن الناس قد عَلِمُوا