← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 7362

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين

أبو البركات الأنباري

Полный текст (705 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أراد "يا آل عِكْرِمَةَ" إلا أنه حذف التاء للترخيم، وهو عكرمة بن خَصَفَةَ١ بن قيس بن عيلان بن مضر، وهو أبو قبائل كثيرة من قيس. وقال الآخر: [٢١٩] أبَ عُرْوَ لا تَبْعَدْ فكلُّ ابنِ حُرَّةِ ... سَيَدْعُوهُ دَاعِي مِيتَهٍ فَيُجِيبُ أراد "أَبَا عُروة". وقال الآخر: [٢٢٠] إِمَّا تَرَيْنِي اليوم أُمَّ حَمْزِ ... قَارَبْتُ بين عَنَقِي وَجَمْزِي

стр. 282

أراد "أم حمزة" والشواهد على هذا كثيرة جدا، فدل على جوازه. ولأن المضاف [١٥٤] والمضاف إليه بمنزلة الشيء الواحد، فجاز ترخيمه كالمفرد. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن ترخيم المضاف غير جائز أنه لم توجد فيه شروط الترخيم، وهي: أن يكون الاسم منادى، مفردًا معرفةً، زائدًا على ثلاثة أحرف. والدليل على اعتبار هذه الشروط: أما شرط كونه منادى فظاهر؛ لأنهم لا يرخمون في غير النداء إلا في ضرورة الشعر، ألا ترى أنهم لا يقولون في حالة الاختيار في غير النداء "قام عام" في عامر، ولا "ذهب مال" في مالك، فدل على أنه شرط معتبر. وأما شرط كونه مفردًا فظاهر أيضًا؛ لأن النداء يؤثر فيه البناء، ويغيره عما كان عليه قبل النداء، ألا ترى أنه كان معربًا فصار مبنيًّا؟ فلما غيّره النداء عما كان عليه من الإعراب قبل النداء جاز فيه الترخيم؛ لأنه تغيير، والتغيير يُؤْنِس بالتغيير؛ فأما ما كان مضافًا فإن النداء لم يؤثر فيه البناء ولم يغيره عما كان عليه قبل النداء؛ ألا ترى أنه معرب بعد النداء كما هو معرب قبل النداء؟ وإذا كان الترخيم إنما سَوَّغَهُ تغييرُ النداء، والنداء لم يغير المضاف؛ فوجب أن لا يدخله الترخيم؛ فصار هذا بمنزلة حذف الياء في النسب من باب فُعَيلة وفَعِيلة كقولهم في النسب إلى جُهَيْنَة "جُهَنِي" وإلى ربيعة "رَبَعِي" وإثباتها في باب فُعَيل وفَعِيل كقولهم في النسب إلى قُشَيْرٍ "قُشَيْرِي" وإلى جرير "جَرِيرِيّ" فإن الياء إنما حذفت من باب فُعَيلة وفَعِيلة ومن فُعَيل وفَعِيل لأن النسب أثر فيه وغَيَّرَهُ بحذف تاء التأنيث منه، والتغيير يؤنس بالتغيير، بخلاف باب فُعَيل وفَعِيل؛ فإن النسب لم يؤثر فيه تغييرًا، فلم يحذف منه الياء، فأما قولهم في النسب إلى قريش "قُرَشِيّ" وإلى هذيل "هُذَلِيّ" وإلى ثقيف "ثَقَفِيّ" -بحذف الياء في إحدى اللغتين- فهو من الشاذ الذي لا يقاس عليه، واللغة الفصحى إثبات الياء، وهي أن تقول: قُرَيْشِيّ، وهُذَيْلِيّ، وثَقِيفيّ، وهو القياس. قال الشاعر: ٢٢١- بكلِّ قُرَيْشِيّ عليه مَهَابَةٌ ... سَرِيع إلى دَاعِي النَّدَى والتكَرُّمِ

стр. 283

وقال الآخر: [٢٢٢] هُذَيْلِيَةٌ تَدْعُو إذا هي فَاخَرَتْ ... أبًا هُذَلِيًّا من غَطَارِفَةٍ نُجْدِ وكما أن الحذف ههنا إنما اختص بما غَيَّره النسب دون غيره، فكذلك الحذف ههنا للترخيم إنما يختص بما غيَّره النداءُ -وهو المفرد المعرفة- دون المضاف والنكرة. وأما شرط كونه زائدًا على ثلاثة أحرف فسنذكر ذلك في المسألة التي بعد هذه المسألة إن شاء الله تعالى. أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما استشهدوا به من الآيات فلا حجة فيه؛ لأنه محمول عندنا على أنه حذف التاء لضرورة الشعر، والترخيم عندنا يجوز

стр. 284

لضرورة الشعر في غير النداء، قال الشاعر: [٢٢٣] أَوْدَى ابْنُ جُلْهُمَ عَبَّادٌ بِصِرْمَتِهِ ... إنَّ ابْنَ جُلْهُمَ أَمْسَى حَيَّةَ الوَادِي أراد "جُلْهُمَةَ" فحذف التاء لضرورة الشعر، وقال الآخر: [٢٢٤] ألا أَضْحَتْ حِبَالُكُمُ رِمَامَا ... وأَضْحَتْ مِنْكَ شَاسِعَةَ أُمَامَا

стр. 285

أراد: "أمامة". وقال الآخر: [٢٢٥] إنَّ ابْنَ حَارِثَ إنْ اشْتَقْ لِرُؤْيَتِه ... أو أَمْتَدِحْهُ فإن الناس قد عَلِمُوا

стр. 286

أراد "ابن حارثة" وقال الآخر: [٢٢٦] أبو حَنَشٍ يُؤَرِّقُنِي، وَطَلْقٌ ... وعَمَّارٌ، وآونَهً أُثَالَا أراد "أثالة". وزعم المُبَرِّد أنه ليس في العرب أثالة، وإنما هو أُثال. ونصبه على تقدير: يذكرني آونة أثالان وقيل: نصبه لأنه عطفه على الياء والنون في "يؤرقني" كأنه قال: يُؤَرِّقُنِي وأثال، وقال بعض بني عبْس: [٢٢٧] أرِقُّ لأَرْحَامٍ أَرَاهَا قَرِيبَةً ... لحَارِ بنِ كَعْبٍ لا لَجَرْمِ وَرَاسِبِ أراد "لحارث بن كعب" وعبسٌ والحارثُ بن كعبِ بن ضَبَّةَ إِخوةٌ فيما

стр. 287

يزعمون. وأن كل حال فالترخيم في غير النداء للضرورة مما لا خلاف في جوازه، والشواهد عليه أشهر من أن تذكر، وأظهر من أن تنكر، وكما أن الترخيم في ذلك كله لا يدل على جوازه في حالة الاختيار، فكذلك جميع ما استشهدوا به من الأبيات، وإذا كان الترخيم يجوز لضرورة الشعر في غير النداء فلأن يجوز ترخيم المضاف لضرورة الشعر في النداء كان ذلك من طريق الأولى. وأما قولهم "إن المضاف والمضاف إليه بمنزلة الشيء الواحد؛ فجاز ترخيمه كالمفرد" قلنا: هذا فاسد؛ لأنه لو كان هذا معتبرًا لوجب أن يؤثر النداء في المضاف١ البناء كما يؤثر في المفرد، فلما لم يؤثر النداء فيه البناء دلَّ على فساد ما ذهبتم إليه والله أعلم.

стр. 288

٤٩- مسألة: [هل يجوز ترخيم الاسم الثلاثي ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترخيم الاسم الثلاثي إذا كان أوسطه متحركًا، وذلك نحو قولك في عُنُقٍ "يا عُنُ" وفي حَجَر "يا حَجَ" وفي كَتِف"ياكَتِ" وذهب بعضهم إلى أن الترخيم يجوز في الأسماء على الإطلاق. وذهب البصريون إلى أن ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف لا يجوز بحال، وإليه ذهب أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي من الكوفيين. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوزنا ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف إذا كان أوسطه متحركًا لأن في الأسماء ما يماثله ويضاهيه نحو يَدٍ ودَمٍ، والأصل في يد يَدَيٌ، وفي دم دَمَوٌ في أحد القولين، بدليل قولهم: دَمَوَانً، وقد قال بعضهم: إن دمًا من ضوات الياء واحتج بقول الشاعر: [٢٨٨] فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا ... جَرَى الدَّمَيَانِ بالخَبَرِ اليَقِينِ

стр. 289

والأكثرون على أنه من ذوا ت الواو، إلا أنهم استثقلوا الحركة على حرف العلة فيهما؛ لأن الحركات تستثقل على حرف العلة، فحذفوه طلبًا للتخفيف وفرارًا من الاستثقال، فبقيت يدٌ ودمٌ، فكذلك في محل الخلاف: الترخيم إنما وضع للتخفيف بالحذف، والحذف قد جاز في مثله للتخفيف، فوجب أن يكون جائزًا.

стр. 290

قالوا: ولا يلزم على كلامنا إذا كان الأوسط منه ساكنًا؛ فإنه لا يجوز ترخيمه وإن كان له نظير نحو يَدٍ وغَدٍ؛ لأنا نقول: إنما لم يجز عندنا ترخيم ما كان الأوسط منه ساكنًا نحو زيد وعمرو لأنه إذا حذف الحرف الأخير وجب حذف الحرف الساكن الذي قبله؛ فيبقى الاسم على حرف واحد، وذلك لا نظير له في كلامهم، بخلاف ما إذا كان أوسطه متحركًا على ما بيّنا. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز ترخيمه وذلك أنا أجمعنا على أن الترخيم في عرف النحويين إنما هو حذفٌ دخل في الاسم المنادى إذا كثرت حروفه، طلبًا للتخفيف، فإذا كان الترخيم إنما وضع في الأصل لهذا المعنى فهذا في محل الخلاف لا حاجة بنا إليه؛ لأن الاسم الثلاثي في غاية الخفة؛ فلا يحتمل الحذف، إذ لو قلنا إنه يخفف بحذف آخره لكان ذلك يؤدي إلى الإجحاف به؛ فدلَّ على ما قلناه. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنما جوزنا ترخيمه لأن في الأسماء ما يماثله، نحو يَدٍ ودَمٍ" فنقول: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنَّا نقول: إن هذه الأسماء قليلة في الاستعمال، بعيدة عن القياس: فأما قلتها في الاستعمال فظاهر؛ لأنها كلمات يسيرة معدودة، وأما بعدها عن القياس فظاهر أيضًا، وذلك لأن القياس يقتضي أن لا يحذف؛ لأن حرف العلة إذا كان متحركًا فلا يخلو: إما أن يكون ما قبله ساكنًا أو متحركًا، فإن كان ساكنًا فينبغي أن لا يحذف كما لا يحذف من ظَبْيٍ ونِحْيٍ وغَزْوٍ ولَهْوٍ؛ لأن الحركات إنما تستثقل على حرف العلة إذا كان ما قبله متحركًا لا ساكنًا، وإن كان ما قبله متحركًا فينبغي أن يقلب ألفًا ولا يحذف، كقولهم: رحًى، وعمًى، وعصًا، وقفًا، ألا ترى أن الأصل فيها رَحَيٌ وعَمَيٌ وعَصَوٌ وقَفَوٌ؛ بدليل قولهم: رَحَيَان، وعَمَيَان، وعَصَوَان، وقَفَوَان، إلا أنه لما تحركت الياء والواو، وانفتح ما قبلهما؛ قلبوا كل واحدة منهما ألفًا استثقالًا للحركات على حرف العلة مع تحرك ما قبله، إلى غير ذلك مما لا يمكن إحصاؤه، وعلي هذا سائر الثلاثي المقصور، وإذا ثبت أن هذه الأسماء قليلة في الاستعمال بعيدة عن القياس فوجب أن لا يقاس عليها. والوجه الثاني: وهو أن نقول: قياس محل الخلاف على يد ودم، ليس بصحيح، وذلك لأنهم إنما حذفوا الياء والواو لاستثقال الحركات عليهما؛ لأنها تستثقل على حرف العلة، أما في الترخيم فإنما وضع الحذف فيه على خلاف القياس؛ لتخفيف الاسم الذي كثرت حروفه، ولم يوجد ههنا؛ لأنه أقل الأصول، وهي في غاية الخفة، فلو جوزنا ترخيمه لأدَّى إلى أن

стр. 291

ينقص١ عن أقل الأصول وإلى الإجحاف به، وذلك لا يجوز. والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أنه إذا كان الأوسط منه ساكنًا فإنه لا يجوز ترخيمه. قولهم "إنما لم يجز ترخيمه إذا كان الأوسط منه ساكنًا؛ لأنه إذا حذف الحرف الأخير وجب حذف الساكن الذي قبله؛ فيبقى الاسم على حرف واحد" قلنا: لا نسلّم أنه إذا كان قبل الآخر حرف ساكن أنه يجب حذفه في الترخيم، وإنما هذا شيء ادَّعَيْتموه وجعلتموه أصلًا لكم لا يشهد به نقلٌ ولا قياسٌ، وسنبين فساده في المسألة التي بعد هذه، إن شاء الله تعالى:

стр. 292

٥٠- مسألة: [ترخيم الرباعي الذي ثالثه ساكن] ١ ذهب الكوفيون إلى أن ترخيم الاسم الذي قبل آخره حرف ساكن يكون بحذفه وحذف الحرف الذي بعده، وذلك نحو قولك في قِمَطْرٍ "يا قِمَ" وفي سِبَطْرٍ "ياسِبَ" وما أشبه ذلك وذهب البصريون إلى أن ترخيمه يكون بحذف الحرف الأخير منه فقط. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يرخم بحذف حرفين، وذلك لأن الحرف الأخير إذا سقط من هذه الأسماء بقي آخرها ساكنًا، فلو قلنا إنه لا يحذف لأدَّى ذلك إلى أن يشابه الأدوات٢ وما أشبهها من الأسماء، وذلك لا يجوز. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الترخيم يكون في هذه الأسماء بحذف حرف واحد أننا نقول: أجمعنا على أن حركة الاسم المرخم باقية بعد دخول الترخيم كما كانت قبل دخول الترخيم من ضم وفتح وكسر، ألا ترى أنك تقول في بُرْثُن "يا بُرْثُ" وفي جَعْفَر "يا جَعْفَ" وفي مالك "يا مَالِ" وقد قرأ بعض السلف "ونادوا يا مال ليقض علينا ربك" وذُكِرَ أنها قراءة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، فيبقى كل واحدة من هذه الحركات بعد دخول الترخيم كما كانت قبل وجود الترخيم في أَقْيَسِ الوجهين، فكذلك ههنا، وهذا لأن الحركات إنما بقيت على ما كانت عليه ليُنْوَى بها تمام الاسم، ولو لم يكن كذلك لكان يجب أن يحرك المرخّم بحركة واحدة، فإذا ثبت أن الحركات

стр. 293

إنما بقيت لينوى بها تمام الاسم فهذا المعنى موجود في الساكن حسب وجوده في المتحرك؛ فينبغي أن يبقى على ما كان عليه إذا كان ساكنًا كما يبقى على ما كان عليه إذا كان متحركًا. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: قولهم "لو أسقطنا الحرف الأخير لبقي ما قبله ساكنًا فيشبه الأدوات" وهي الحروف. قلنا: هذا فاسد؛ لأنه لو كان هذا معتبرًا لوجب أن يحذف الحرف المكسور؛ لئلا يشبه المضاف إلى المتكلم، ولا خلاف أن هذا لا قائل به؛ فدلَّ على فساد ما ذهبوا إليه، والله أعلم.

стр. 294

٥١- مسألة: [القول في ندبة النكرة والأسماء الموصولة ؟] ١ ذهب الكوفِيُّون إلى أنه يجوز ندبة النكرة والأسماء الموصولة، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك.. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز ندبه النكرة والأسماء الموصولة، وذلك لأن الاسم النكرة يقرب من المعرفة بالإشارة نحو "واراكباه" فجازت ندبته كالمعرفة، والأسماء الموصولة معارف بصلاتها كما أن الأسماء الأعلام معارف، وكما يجوز ندبه الأسماء الأعلام نحو زيد وعمرو فكذلك يجوز ندبه ما يشبهها ويقرب منها، والدليل على صحة هذا التعليل ما حكي عنهم من قولهم: "وَامَنْ حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَاهْ" وما أشبه ذلك. وأما البصريون فاحتجوا بأن، قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن الاسم النكرة مبهم لا يخصُّ واحدًا بعينه، والمقصود بالندبة أن يُظْهِرَ النَّادِبُ عُذْرَهُ في تَفَجُّعِهِ على المندوب ليساعَدَ في تفجعه فيحصل التأسِّي بذلك فيخف ما به من المصيبة، وذلك إنما يحصل بندبة المعرفة، لا بندبة النكرة، وإذا كان ندبة النكرة ليس فيها فائدة وجب أن تكون غير جائزة، وأما الأسماء الموصولة فإنها أيضًا مبهمة، فأشبهت النكرة؛ فوجب أن لا تجوز ندبتها كالنكرة. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الإشارة قد قَرَّبَت الاسم النكرة من المعرفة فجازت ندبته كالمعرفة" قلنا: إلا أنه باقٍ على إبهامه، والمندوب يجب أن يندب بأعرف أسمائه، وأما الأسماء الموصولة وإن كانت قد تخصصت بالصلة فإنها لا تخلو عن إبهام؛ لأن تخصيصها إنما يحصل بالجمل، والجمل في الأصل نكرات.

стр. 295

وأما ما حكوه من قولهم "وامن حفر بئر زمزماه" فهو من الشاذ الذي لا يقاس عليه، على أنا نقول: إنما جاء مع شذوذه ههنا لأنه كان معروفًا، وهو عبد المطّلب جدّ النَّبي ﷺ ، وكان قد عُرِف بحفر بئر زمزم، وله يقول خُوَيْلِدُ بن أسد: [٢٢٩] أقول وما قولي عليكم بِسُبَّةٍ ... إليك ابن سلمى أنت حَافِرُ زَمْزَمَ حَفِيرَةُ إبراهيم يوم ابن هَاجَرَ ... ورَكْضَةُ جِبريل على عهد آدم فقال عبد المطلب: ما وجدت أحدًا ورث العلم الأقدم غير خويلد بن أسد؛ فلما كان عبد المطلب معروفًا بحفرها تنزَّل الاسم الموصول الدالُّ عليه منزلة اسمه العلم، والله أعلم

стр. 296

٥٢- مسألة: [هل يجوز إلقاء علامة الندبة على الصفة ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن تُلْقَى علامة الندبة على الصفة، نحو قولك "وازيدُ الظريفاه" وإليه ذهب يونس بن حبيب البصريُّ وأبو الحسن بن كَيْسَان. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أنه يجوز أن نلقي علامة الندبة على المضاف إليه، نحو قولك: "واعبد زَيْدَاه، واغلام عَمْرَاهْ" فكذلك ههنا؛ لأن الصفة مع الموصوف بمنزلة المضاف مع المضاف إليه؛ فإذا جاز أن تُلْقَى علامةُ النُّدْبَةِ على المضاف إليه فكذلك يجوز أن تُلْقَى على الصفة. والذي يدل على ذلك ما رُوِيَ عن بعض العرب أنه ضاع منه جُمجمتان -أي قَدَحَان- فقال "واجُمْجُمَتَيَّ الشَّامِيَّتَيْنَاه" وألقى علامة الندبة على الصفة؛ فَدَلَّ على ما قلناه. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز أن تلقى علامة الندبة على الصفة لأن علامة الندبة إنما تلقى على ما يلحقه تنبيه النداء لمدِّ الصوت، وليس ذلك موجودًا في الصفة؛ لأنها لا يلزم ذكرها مع الموصوف؛ فوجب أن لا يجوز وسنبيّن هذا في الجواب إن شاء الله تعالى. أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنا أجمعنا على أنه يجوز أن تلقى علامة الندبة على المضاف إليه فكذلك على الصفة؛ لأن الصفة مع الموصوف بمنزلة المضاف مع المضاف إليه"، قلنا: لا نسلم؛ فإن المضاف لا يتم بدون ذكر المضاف إليه، بخلاف الموصوف مع الصفة فإن الموصوف يتم بدون ذكر الصفة. ألا ترى أنك لو قلت "عبد" في قولك عبد زيد أو "غلام" في قولك غلام عمرو

стр. 297

لم يتم إلا بذكر المضاف إليه، ولو قلت "زيد" في قولك هذا زيد الظريف يتم الموصوف بدون ذكر الصفة، وكنت في ذكرها مخيّرًا: إن شئت ذكرتها، وإن شئت لم تذكرها، فَبَانَ الفرق بينهما. وأما ما روي عن بعض العرب من قوله "واجمجمتيّ الشاميّتيتاه" فيحتمل أن يكون إلحاق علامة الندبة من قياس يونس، وعلى كل حال فهو من الشاذ الذي لا يُعْبأ به ولا يقاس عليه، كقولهم "وامَنْ حَفَرَ بئر زَمْزَمَاهْ" وما أشبه ذلك، والله أعلم.

стр. 298

٥٣- مسألة: [اسم لا المفرد النكرة، مُعْرَبٌ أو مبنيٌّ ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أن الاسم المفرد النكرة المنفي بلا معرب منصوب بها نحو "لا رجلَ في الدَّارِ" وذهب البصريون إلى أنه مبنيٌّ على الفتح. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه منصوب بها لأنه اكتفى بها من الفعل؛ لأن التقدير في قولك "لا رجل في الدار" لا أجد رجلاً في الدار، فاكتفوا بلا من العامل، كما تقول "إن قُمْتَ قُمْتُ، وإنْ لا فلا" أي وإن لا تَقُمْ فلا أقُومُ، فلما اكتفوا بلا من العامل نصبوا النكرة به، وحذفوا التنوين بناء على الإضافة. ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا إنه منصوب بها لأن "لا" تكون بمعنى غير، كقولك" زيد لا عاقل ولا جاهل" أي: غير عاقل وغير جاهل، فلما جاءت ههنا بمعنى ليس نصبوا بها: ليخرجوها من معنى غير إلى معنى ليس ويَقَعَ الفرق بينهما. ومنهم من تمسك بأن قال: إنما أعملوها النصب لأنهم لما أولوها النكرة -ومن شأن النكرة أن يكون خبرها قبلها- نصبوا النكرة بغير تنوين. ومن النحويين من قال: إنه منصوب لأن "لا" إنما عملت النصب لأنها نقيضة إنَّ؛ لأن "لا" للنفي، و"إنَّ" للإثبات، وهم يحملون الشيء على ضده، كما يحملوه على نظيره، إلا أن "لا" لما كانت فرعًا على "إن" في العمل، و "إنَّ" تنصب مع التنوين نَصَبَتْ "لا" من غير تنوين؛ لينحطَّ الفرع عن درجة الأصل؛ لأن الفروع أبدًا تنحط عن درجات الأصول.

стр. 299

وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مبنيٌّ على الفتح لأن الأصل في قولك "لا رجل في الدار؟ " لا مِنْ رجل في الدار؛ لأنه جواب من قال "هل من رجل في الدار؟ " فلما حذفت "من" من اللفظ وركبت مع لا تضمنت معنى الحرف فوجب أن تُبْنَى، وإنما بنيت على حركة لأن لها حالة تمكنٍ قبل البناء، وبنيت على الفتح لأنه أخفّ الحركات. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنما قلنا إنه منصوب بلا؛ لأنها اكتفي بها عن الفعل" قلنا: هذا مجرد دعوى يفتقر إلى دليل؛ ثم لو كان كما زعمتم لوجب أن يكون منوّنًا. قولهم "حذف التنوين بناء على الإضافة" قلنا: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن يطرد في كل ما يجوز إضافته من الأسماء المفردة المنونة، فلما قلتم إنه يختص بهذا الموضع دون سائر المواضع دلَّ على فساد ما ذهبتم إليه. وأما قولهم "إنَّ لا تكون بمعنى غير، فلما جاءت بمعنى ليس منصوبًا بها ليخرجوها من معنى غير" قلنا: ولِمَ إذا كانت بمعنى ليس ينبغي أن يُنْصَب به؟ وهلّا رفعوا بها على القياس؛ فإنهم يرفعون بها إذا كانت بمعنى ليس، قال الشاعر: [٢٣٠] من صَدَّ عن نِيرَانِهَا ... فأنا ابنُ قَيْسٍ لا بَرَاحُ

стр. 300

أي ليس براح، وقال الآخر: [٢٣١] واللهِ لولا أن تَحُسَّ الطُّبَّخُ ... بِي الجحيمَ حين لا مُسْتَصْرَخُ أي ليس مستصرخ هناك لنا. وأما قولهم "إنما أعملوها النصب لأنهم لما أَوْلُوهَا النكرة -ومن شأن النكرة أن يكون خبرها مقدما عليها- نصبوا بها النكرة" قلنا: ولم قلتم ذلك؟ وما وجه المناسبة بينه وبين النصب؟ ثم لو كان كما زعمتم وأنه معرب منصوب لوجب أن يدخله التنوين ولا يحذف منه؛ لأنه اسم معرب منصوب لوجب أن يدخله التنوين ولا يحذف منه؛ لأنه اسم معرب ليس فيه ما يمنعه من الصَّرْفِ، فلم مُنِعَ من التنوين دلَّ على أنه ليس بمعرب منصوب. وهذا هو الجواب عن قول من ذهب إلى أنه منصوب بلا؛ لأنها نقيضَةُ إنَّ؛ فإنه كان ينبغي أن يكون منوّنًا. قولهم: "إنَّ لا لما كانت فرعًا على إنَّ في العمل، وأن تنصب مع التنوين نَصَبَتْ لا من غير تنوين؛ لينحط الفرع عن درجة الأصل". قلنا: هذا فاسد، وذلك لأن التنوين ليس من عمل إن، وإنما هو شيء يستحقه الاسم في الأصل، وإنما يستقيم هذا الكلام أن لو كان التنوين من عمل إن، ولا خلاف بين النحويين أن التنوين ليس من عملها، وإذا لم يكن من عمل إن التي هي الأصل، فلا معنى لحذفه مع "لا" التي هي الفرع لينحط الفرع عن درجة الأصل؛ لأن الفرع إنما ينحط عن درجة الأصل فيما كان من عمل الأصل، وإذا لم يكن من عمل الأصل، فيجب

стр. 301

أن يكون ثابتًا مع الفرع، كما كان ثابتًا مع الأصل، ثم انحطاطُهَا عن درجة "إِنَّ" قد ظهر في أربعة أشياء: أحدها: أن إنَّ تعمل في المعرفة والنكرة، ولا لا تعمل إلا في النكرة دون المعرفة. والثاني: أن إنَّ لا تركَّب مع الاسم لقوتها، ولا تركَّب مع الاسم لضعفها. والثالث: أن إنَّ تعمل في الاسم مع الفصل بينها وبينه بالظرف وحرف الجر، ولا لا تعمل مع الفصل بينها وبينه بالظرف ولا حرف الجر. والرابع: أن إنَّ تعمل في الاسم والخبر عندنا، ولا إنما تعمل في الاسم دون الخبر عند أهل التحقيق والنظر. فقد ظهر انحطاطُ لا عن درجة إنَّ على ما بيّنا، والله أعلم.

стр. 302

٥٤- مسألة: [هل تقع "من" لابتداء الغاية في الزمان ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أنَّ "من" يجوز استعمالها في الزمان والمكان. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز استعمالها في الزمان. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز استعمال "من" في الزمان أنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] و ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من الزمان، [و] قال الشاعر، وهو زهير بن أبي سُلْمَى: [٢٣٢] لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ ... أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ ومِنْ دَهْرِ

стр. 303

فدلَّ على أنه جائز. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن "مِنْ" في المكان نظير مُذْ في الزمان؛ لأن مِنْ وضعت لتدل على ابتداء الغاية في المكان؛ كما أن مُذْ وضعت لتدل على ابتداء الغاية في الزمان، ألا ترى أنك تقول: "ما رَأَيْتُهُ مُذْ يَوْمُ الجُمْعة" فيكون المعنى أن ابتداء الوقت الذي انقطعت فيه الرؤية يوم الجمعة، كما تقول: "ما سِرْتُ مِنْ بَغْدَادَ" فيكون المعنى ما ابتدأت بالسير من هذا المكان، فكما لا يجوز أن تقول "ما سرت مُذْ بغداد" فكذلك لا يجوز أن تقول "مَا رَأَيْتُهُ من يوم الجمعة". وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] فلا حجة لهم فيه؛ لأن التقدير فيه: من تأسيس أول يوم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقَامه، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] والتقدير فيه: أهل القرية وأهل العير، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وكقولهم: الجودُ حاتمٌ، والشجاعة عنترة، والشعر زهير، أي: جود حاتم، وشجاعة عنترة، وشعر زهير، وكقولهم "بَنُو فَلَانٍ يَطَؤُهُمُ الطَّرِيقُ" أي: أهل الطريق، وقال الشاعر: [٢٣٣] حسبت بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وما هي -وَيْبَ غَيْرَكَ- بِالعَنَاقِ

стр. 304

والتقدير فيه: بُغَامَ راحلتي بُغَامَ عَنَاقِ، وقال الآخر: [٢٣٤] لقد خِفْتُ حتَّى لا تزيد مَخَافَتِي ... عَلَى وَعَلٍ في ذِي المَطَارَةِ عَاقِلٍ والتقدير فيه: حتى لا تزيد مخافتي على مخافة وعلٍ، وهو من المقلوب، وتقديره: حتى لا تزيد مخافَةُ وَعِلٍ على مخافتي، كما قال الآخر: [٢٣٥] كانت فريضةَ ما تقولُ كَمَا ... أن الزِّنَاء فريضةُ الرَّجْمِ

стр. 305

.......................................................................................................................

стр. 306

تقديره: كما أن الرَّجْمَ فريضةُ الزِّنَاءِ: وأما قول زهير: [٢٣٢] أَقْوَيْنَ من حِجَج ومن دَهْرِ فالرواية الصحية "مُذْ حِجَج ومُذْ دَهْرِ" ولئن سلمنا ما رويتموه "من حجج ومن دهر" فالتقدير فيه أيضا: من مَرِّ حِجَج ومن مَرِّ دَهْرِ، كما تقول: مَرّت عليه السنُون، ومَرّت عليه الدهُورُ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما بيَّنَّا في الآية، وقيل: إنَّ "من" ههنا زائدة، وهو قول أبي الحسن الأخفش؛ فإنه يجوز أن تُزَاد في الإيجاب، كما يجوز أن تُزَاد في النفي، ويحتج بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] أي يغفر لكم ذنوبكم، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] أي يغضوا من أبصارهم، ويحتج أيضًا بقول الشاعر: [٢١٠] ألا حَيِّ نَدْمَانِي عُمَيْرَ بْنَ عامر ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غَدَا أراد اليوم أو غدًا، فكذلك ههنا: التقدير في قوله "من حجج ومن دهر" أي حججًا ودهرًا، فدلَّ على فساد ما ذهبوا إليه، والله أعلم.

стр. 307

٥٥- مسألة: [واو رُبَّ، هل هي التي تعمل الجر ؟] ١ ذهب الكوفيون إلى أن واو رب تعمل في النكرة الخفض بنفسها وإليه ذهب أبو العباس المُبَرِّد من البصريين. وذهب البصريون إلى أن واو رب لا تعمل، وإنما العمل لربَّ مقدرة. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الواو هي العاملة لأنها نابت عن رُبّ، فلما نابت عن رُبّ وهي تعمل الخفض فكذلك الواو لنيابتها عنها، وصارت كواو القسم؛ فإنها لما نابت عن الباء عملت الخفض كالباء، فكذلك الواو ههنا: لما نابت عن رُبّ عملت الخفض كما تعمل رُبّ، والذي يدل على أنها ليست عاطفة أن حرف العطف لا يجوز الابتداء به، ونحن نرى الشاعر يبتدئ بالواو في أول القصيدة، كقوله: [٢٣٦] وبَلَدٍ عَامِيَةٍ أَعْمَاؤُهُ

стр. 308

وكقول الآخر: [١٦٠] وبلدة ليس بها أنيس وما أشبه ذلك؛ فدلَّ على أنها ليست عاطفة، فَبَانَ بهذا صحة ما ذهبنا إليه. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إن الواو ليست عاملة، وإن العمل لرُبَّ مقدرة، وذلك لأن الواو حرف عطف، وحرف العطف لا يعمل شيئًا؛ لأن الحرف إنما يعمل إذا كان مختصًّا، وحرف العطف غير مختص؛ فوجب أن لا يكون عاملًا، وإذا لم يكن عاملًا وجب أن يكون العامل رُبّ مقدرة. والذي يدل على أنها واو العطف وأن رب مضمرة بعدها أنه يجوز ظهورها معها، نحو "ورب بلد" وسنبيّن ذلك مستوفى في الجواب. أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنها لما نابت عن رب عملت عملها كواو القسم" قلنا: هذا فاسد؛ لأنه قد جاء عنهم الجرُّ بإضمار رب من غير عِوَض منها، وذلك نحو قوله: [٢٣٧] رَسْمِ دَارٍ وَقَفْتُ في طَلَلِهْ ... كِدْتُ أَقْضِي الحياةَ من جَلَلِهْ وقال الآخر: [٢٣٨] مِثْلِكِ أو خَيْرٍ تَرَكْتُ رَذِيَّةً ... تُقَلِّبُ عينيها إذا طَارَ طَائِرُ

стр. 309

والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أيضًا أنها تضمر بعد بَلْ، قال الشاعر: [٢٣٩] بَلْ جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ

стр. 310

أراد بل رُبَّ جَوْزِ، ولا يقول أحد إن بل تجر. وكذلك تضمر بعد الفاء قال الشاعر: [٢٤٠] فَخُورٍ قد لَهَوْتُ بهنَّ عِينٍ وليست نائبةً عنها، ولا عوضًا منها. والذي أعتمد عليه في الدليل على أن هذه الأحرف -التي هي الواو والفاء وبل- ليست نائبة عن رُبَّ ولا عِوَضًا عنها أنه يحسن ظهورها معها، فيقال "ورُبَّ بلد" و "بل ربّ بلد" و "فربّ حُورٍ" ولو كانت عوضًا عنها لما جاز ظهورها معها؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين العوض والمعوض. ألا ترى أن واو القسم لما كانت عوضًا عن الباء لم يجز أن يجمع بينهما؛ فلا يقال "وبالله لأفعلنَّ" وتجعلهما حرفَيْ قسم، وكذلك أيضًا التاء، لما كانت عوضًا من الواو كما كانت الواو عوضًا من الباء لم يجمع بينهما؛ فلا يقال: "وتالله" وتجعلهما حرفي قسم؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين العوض والمعوض، فأما قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]

стр. 311

فالواو فيه واو عطف، وليست واو قسم؛ فلم يمتنع أن يجمع بينها وبين تاء القسم، فلما جاز الجمع بين الواو ورب دلَّ على أنها ليست عوضًا عنها، بخلاف واو القسم، وأنها واو عطف. وقولهم "إن حرف العطف لا يجوز الابتداء به"، ونحن نرى الشاعر يبتدئ بالواو في أول القصيدة كقوله: [٢٣٦] وبلد عَامِيةٍ أَعْمَاؤُهُ فنقول: هذه الواو واو عطف وإن وقعت في أول القصيدة؛ لأنها في التقدير عاطفة على كلام مقدر، كأنه قال: رب قفر طامس أعلامه سلكته، وبلد عامية أعماؤه قطعته. يصف نفسه بركوب الأخطار وقطع المفاوز والقِفَاز، إشعارًا بشهامته وشجاعته. وإذ قد ثبت ما ذكرناه أنها حرف عطف؛ فينبغي أن لا تكون عاملةً، فدل على أن النكرة بعدها مجرورة بتقدير رُبَّ على ما بينَّا، والله أعلم.

стр. 312

٥٦- مسألة: [القول في إعراب الاسم الواقع بعد "مذ" و "منذ"] ١ ذهب الكوفيون إلى أن "مذ"، و "منذ" إذا ارتفع الاسم بعدهما ارتفع بتقدير فعل محذوف. وذهب أبو زكرياء يحيى بن زياد الفَرَّاء إلى أنه يرتفع بتقدير مبتدأ محذوف. وذهب البصريون إلى أنهما يكونان اسمين مبتدأين، ويرتفع ما بعدهما لأنه خبر عنهما، ويكونان حرفين جَارَّيْنِ فيكون ما بعدهما مجرورًا بهما. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الاسم بعدهما يرتفع بتقدير فعل محذوف أنهما مركبان من "مِنْ" و "إِذْ" فتغيرا عن حالهما في إفراد كل واحد منهما، فحذفت الهمزة ووصلت "مِنْ" بالذال وضمت الميم؛ للفرق بين حالة الإفراد والتركيب. والذي يدل على الأصل فيهما من وإذ أنَّ٢ من العرب من يقول في منذ: "مِنْذُ" بكسر الميم؛ فكسر الميم يدل على أنها مركبة من من وإذ، وإذا ثبت أنها مركبة من من وإذ كان الرفع بعدهما بتقدير فعل؛ لأن الفعل يحسن بعد إذ؛ والتقدير: ما رأيته مذ مَضَى يومانِ، ومنذ مضى ليلتان، فأما إذا كان الاسم بعدهما مخفوضًا كان الخفض بهما اعتبارًا بمن، ولهذا المعنى كان الخفض بمنذ أَجْوَدَ من مذ؛ لظهور نون من فيها تغليبًا لمن، والرفع بمذ أجود لحذف نون من منها تغليبًا لإذ، والذي يدل على أن أصل مذ ومنذ واحد أنك لو سميت بمذ لقلت في تصغيره "مُنَيْذٌ" وفي تكسيره "أَمْنَاذٌ" فتعود النون المحذوفة؛ لأن التصغير والتكسير يردّانِ الأشياء إلى أصولها كما نقول في تصغير منذ وتكسيره إذا سميت به. وأما الفَرَّاء فاحتج بأن قال: إنما قلت إن الاسم يرتفع بعدهما بتقدير مبتدأ

стр. 313

محذوفٍ، وذلك لأن مذ ومنذ مركبتان من مِن وذُو التي بمعنى الذي، وهي لغة مشهورة، قال قوال الطائي: [٢٤١] قُولَا لهذا المرء ذو جاء ساعيًا ... هَلُمَّ فإن المَشْرَفِيَّ الفَرَائِضُ أراد: الذي جاء، وقال فيها أيضًا: [٢٤٢] أَظُنُّكَ دُونَ المال ذُو جِئتَ تَبْتَغِي ... سَتَلْقَاكَ بِيضٌ للنفوس قوابضُ أراد: الذي جئت تبتغي. وقال مِلْحَةُ الجَرْمِيُّ: [٢٤٣] يُغَادِرُ مَحْضَ المَاءِ ذُو هُوَ مَحْضُهُ ... عَلَى إِثْرِهِ إِنْ كان للماء من مَحْضِ

стр. 314

يُرَوِّي العروق البالياتِ من البِلَى ... من العَرْفَجِ النَّجْدِيِّ ذُو بَادَ والحَمْضِ أراد: الذي هو محضه، والذي باد. وقال سِنَانُ بن الفَحْلِ: [٢٤٤] فإنَّ المَاءَ ماءُ أبي وجَدِّي ... وبئري ذُو حفرت وذُو طَوَيْتُ أراد: الذي حفرت والذي طويت؛ فلما رُكِّبَتَا حذفت الواو من "ذو" اجتزاء بالضمة عنها؛ لأنهم يجتزئون بالضمة عن الواو وبالكسرة عن الياء وبالفتحة عن الألف، قال الشاعر: [٢٤٥] فلو أنَّ الأَطِبَّا كانُ حَوْلِي ... وكان مع الأَطِبَّاءِ الشُّفَاةُ

стр. 315

إذا ما أذهبوا أَلَمًا بقلبي ... وإن قيل الشُّقَاةُ هُمُ الأسَاةُ أراد "كانوا" فحذف الواو اجتزاء بالضمة. وقال الشاعر: [٢٤٦] إذا ما شاء ضَرُّوا من أرادوا ... ولا يَأْلُوهُمُ أحدٌ ضِرَارًا

стр. 316

أراد "شاءوا"، وقال الآخر: [٢٤٧] وأَخُو الغَوَان متى يَشَأْ يَضْرِمْنَهُ ... ويَكُنَّ أعداءَ بُعَيْدَ وِدَادِ أراد "الغواني"، وقال الآخر: [٢٤٨] كَفَّاكَ كَفٌّ لا تُلِيقُ دِرَهَمًا ... جودًا، وأخرى تُعْطِ بالسيف الدَّمَا أراد"تعطي"، وقال الآخر: [٢٤٩] ليس تخفى يَسَارَتِي قَدْرَ يوم ... ولقد يُخْفِ شِيمَتِي إِعْسَارِي

стр. 317

أراد" يُخْفِي"، وقال الآخر: [٢٥٠] لا صُلْحَ بيني -فَاعْلَمُوهُ- ولا ... بينكم، وما حملت عَاتِقِي بسَيفِي، وما كُنَّا بنجدٍ، وما ... قَرْقَرَ قُمْرُ الوَادِ بالشَّاهِقِ أراد "الوادي"، وقال الآخر وهو كعب بن مالك الأنصاري: [٢٥١] ما بَالُ هَمٍّ عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقُنِي ... بالوادِ من هِنْدَ إذ نَعْدُو عَوَادِيهَا؟

стр. 318

أراد "بالوادي"، وقال أيضًا: [٢٥٢] ولكن ببدرٍ سَائِلُوا عن بَلَائِنَا ... على النَّادِ، والأنباءُ بالغيب تَبْلُغُ أراد "على النادي"، وقال الآخر: [٢٥٣] ولا أدرِ من أَلْقَى عليه رِدَاءَهُ ... على أنه قد سُلَّ عن مَاجِدٍ مَحْضِ أراد "أدري"، وقال الآخر: [٢٥٤] فلست بمدركٍ ما فاتَ منِّي ... بلهفٍ، ولا بِلَيْتَ، ولا لَوَانِّي

стр. 319

أراد "بِلَهْفَا" فحذف الألف اجتزاء بالفتحة عنها، فكذلك ههنا: حذف الواو من "ذو" اجتراء بالضمة عنها، وصُيِّرا كلمةً واحدة، وإذا كانا مركبتين من مِنْ وذو التي بمعنى الذي؛ فالذي اسم موصول يفتقر إلى صلة وعائد، والصلة لا تخلو: إما أن تكون من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، فإذا قلت: "ما رأيته مذ يومان" أو "منذ ليلتان" فالتقدير فيه: ما رأيته من الذي هو يومان، فحذف "هو" الذي هو المبتدأ، وبقي الخبر الذي هو يومان، وحَذْفُ المبتدأ من الاسم الموصول جائز كقولك: "الذي أخوك زيد" أي: الذي هو أخوك زيد، والذي يدل على جوازه قولهم: "ما أنا بالذي قائل لك شيئًا" أي: ما أنا بالذي أنا١ قائل لك شيئًا، وهذا كثير في كلامهم، فأما إذا كان الاسم بعدهما مخفوضًا فهو مخفوض بمن؛ ولهذا إذا ظهرت النون في منذ كان الاختيار الخفض، وإذا لم تظهر كان الاختيار الرفع. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مرفوع ما بعدهما لأنه خبر عنهما، وذلك لأن مذ ومنذ معناهما الأمد، ألا ترى أن التقدير في قولك: "ما رأيتُهُ مذ يومان، ومنذ ليلتان" أي: أمَدُ انقطاع الرؤية يومان، وأَمَدُ انقطاع الرؤية ليلتان، والأمد في موضع رفع بالابتداء؛ فكذلك ما قام مقامه، وإذا ثبت أنهما مرفوعان بالابتداء وجب أن يكون ما بعدهما خبرًا عنهما، وإنما بنيا لتضمنهما معنى من وإلى، ألا ترى أنك إذا قلت: "ما رأيته مذ يومان، ومنذ ليلتان" كان معناه: ما رأيته من أول هذا الوقت إلى آخره، وبنيت مذ على السكون لأنه الأصل في البناء، وبنيت منذ على الضم لأنه لما وجب تحريكها لالتقاء الساكنين حركت بالضم؛ لأن من كلامهم أن يُتْبِعُوا الضم الضم، كما قالوا: "رُدُّ يا فَتَى"، والشواهد على ذلك كثيرة جدًّا، وقد ذكرنا ذلك في مواضعه؛ فلا يفتقر إلى ذكره ههنا. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنهما مركبتان من من وإذ" قلنا: لا نسلم، وأي دليل يدل على ذلك؟ وهل يمكن الوقوف عليه إلا بوحي أو تنزيل؟ وليس إلى ذلك سبيل!

стр. 320

وقولهم: "إن من العرب من يقول في مُنْذُ مِنْذُ بكسر الميم" قلنا: أولا هذه لغة شاذة نادرة لا يعرج عليها؛ وليس فيها حجة على أنها مركبة من من وإذ، وإنما هي لغة نادرة بكسر كما جاءت اللغة الفصيحة المشهورة بالضم، فهو من جملة ما جاء على لغتين الضم والكسر، والضم أفصح، فأما أن تدل على أنها مركبة من من وإذ فكَلَا!. وقولهم: "إن الرفع بعدهما يكون بتقدير فعل، والتقدير فيه: مذ مضى يومان، ومنذ مضى ليلتان، اعتبارًا بإذ، والخفض يكون بعدهما اعتبارًا بمن" قلنا: هذا باطل؛ لأن الحرفين إذا ركبا بطل عمل كل واحد منهما مفردًا، وحدث حكم آخر، كما قلنا في "لولا، ولوما، وإلَّا" وما أشبه ذلك، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في مسألة الاستثناء. وهذا هو الجواب عن قول الفراء "إنهما مركبتان من من وذو التي بمعنى الذي" والذي يبطل ما ذهب إليه الفَرَّاء أن "ذو" التي بمعنى الذي إنما تستعملها طيّئ خاصة، و "منذ يومان" بالرفع مستعمل في لغة جميع العرب، فكيف استعملت العرب قاطبةً ذو بمعنى الذي مع مِنْ -على زعمكم- دون سائر المواضع؟ وهل ذلك إلا تحكم محض لا دليل عليه؟ وقولهم: إن التقدير فيه مِنَ الذي هو يومَانِ فحذف المبتدأ الذي هو هو، كقولهم: الذي أخوك زيد، أي الذي هو أخوك" قلنا: وهذا أيضًا لا يستقيم؛ لأن حذف المبتدأ من صلة الاسم الموصول لا يجوز في نحو "الذي أخوك زيد" أي: الذي هو أخوك، وإنما يجوز ذلك جوازًا ضعيفًا إذا طال الكلام؛ كقولهم: "الذي راغب فيك زيد، وما أنا بالذي قائلٌ لك شيئًا"١، وما أشبه ذلك، على أن من النحويين من يجعل الحذف في هذا النحو أيضًا شاذا لا يقاس عليه، وإذا كان شاذًّا لا يقاس عليه مع طول الكلام فمع عدمه أولى؛ فدل على فساد ما ذهب إليه، والله أعلم.
следующие страницы →