أراد "شاءوا"، وقال الآخر:
[٢٤٧]
وأَخُو الغَوَان متى يَشَأْ يَضْرِمْنَهُ ... ويَكُنَّ أعداءَ بُعَيْدَ وِدَادِ
أراد "الغواني"، وقال الآخر:
[٢٤٨]
كَفَّاكَ كَفٌّ لا تُلِيقُ دِرَهَمًا ... جودًا، وأخرى تُعْطِ بالسيف الدَّمَا
أراد"تعطي"، وقال الآخر:
[٢٤٩]
ليس تخفى يَسَارَتِي قَدْرَ يوم ... ولقد يُخْفِ شِيمَتِي إِعْسَارِي
стр. 317
أراد" يُخْفِي"، وقال الآخر:
[٢٥٠]
لا صُلْحَ بيني -فَاعْلَمُوهُ- ولا ... بينكم، وما حملت عَاتِقِي
بسَيفِي، وما كُنَّا بنجدٍ، وما ... قَرْقَرَ قُمْرُ الوَادِ بالشَّاهِقِ
أراد "الوادي"، وقال الآخر وهو كعب بن مالك الأنصاري:
[٢٥١]
ما بَالُ هَمٍّ عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقُنِي ... بالوادِ من هِنْدَ إذ نَعْدُو عَوَادِيهَا؟
стр. 318
أراد "بالوادي"، وقال أيضًا:
[٢٥٢]
ولكن ببدرٍ سَائِلُوا عن بَلَائِنَا ... على النَّادِ، والأنباءُ بالغيب تَبْلُغُ
أراد "على النادي"، وقال الآخر:
[٢٥٣]
ولا أدرِ من أَلْقَى عليه رِدَاءَهُ ... على أنه قد سُلَّ عن مَاجِدٍ مَحْضِ
أراد "أدري"، وقال الآخر:
[٢٥٤]
فلست بمدركٍ ما فاتَ منِّي ... بلهفٍ، ولا بِلَيْتَ، ولا لَوَانِّي
стр. 319
أراد "بِلَهْفَا" فحذف الألف اجتزاء بالفتحة عنها، فكذلك ههنا: حذف الواو من "ذو" اجتراء بالضمة عنها، وصُيِّرا كلمةً واحدة، وإذا كانا مركبتين من مِنْ وذو التي بمعنى الذي؛ فالذي اسم موصول يفتقر إلى صلة وعائد، والصلة لا تخلو: إما أن تكون من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، فإذا قلت: "ما رأيته مذ يومان" أو "منذ ليلتان" فالتقدير فيه: ما رأيته من الذي هو يومان، فحذف "هو" الذي هو المبتدأ، وبقي الخبر الذي هو يومان، وحَذْفُ المبتدأ من الاسم الموصول جائز كقولك: "الذي أخوك زيد" أي: الذي هو أخوك زيد، والذي يدل على جوازه قولهم: "ما أنا بالذي قائل لك شيئًا" أي: ما أنا بالذي أنا١ قائل لك شيئًا، وهذا كثير في كلامهم، فأما إذا كان الاسم بعدهما مخفوضًا فهو مخفوض بمن؛ ولهذا إذا ظهرت النون في منذ كان الاختيار الخفض، وإذا لم تظهر كان الاختيار الرفع.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مرفوع ما بعدهما لأنه خبر عنهما، وذلك لأن مذ ومنذ معناهما الأمد، ألا ترى أن التقدير في قولك: "ما رأيتُهُ مذ يومان، ومنذ ليلتان" أي: أمَدُ انقطاع الرؤية يومان، وأَمَدُ انقطاع الرؤية ليلتان، والأمد في موضع رفع بالابتداء؛ فكذلك ما قام مقامه، وإذا ثبت أنهما مرفوعان بالابتداء وجب أن يكون ما بعدهما خبرًا عنهما، وإنما بنيا لتضمنهما معنى من وإلى، ألا ترى أنك إذا قلت: "ما رأيته مذ يومان، ومنذ ليلتان" كان معناه: ما رأيته من أول هذا الوقت إلى آخره، وبنيت مذ على السكون لأنه الأصل في البناء، وبنيت منذ على الضم لأنه لما وجب تحريكها لالتقاء الساكنين حركت بالضم؛ لأن من كلامهم أن يُتْبِعُوا الضم الضم، كما قالوا: "رُدُّ يا فَتَى"، والشواهد على ذلك كثيرة جدًّا، وقد ذكرنا ذلك في مواضعه؛ فلا يفتقر إلى ذكره ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنهما مركبتان من من وإذ" قلنا: لا نسلم، وأي دليل يدل على ذلك؟ وهل يمكن الوقوف عليه إلا بوحي أو تنزيل؟ وليس إلى ذلك سبيل!
стр. 320
وقولهم: "إن من العرب من يقول في مُنْذُ مِنْذُ بكسر الميم" قلنا: أولا هذه لغة شاذة نادرة لا يعرج عليها؛ وليس فيها حجة على أنها مركبة من من وإذ، وإنما هي لغة نادرة بكسر كما جاءت اللغة الفصيحة المشهورة بالضم، فهو من جملة ما جاء على لغتين الضم والكسر، والضم أفصح، فأما أن تدل على أنها مركبة من من وإذ فكَلَا!.
وقولهم: "إن الرفع بعدهما يكون بتقدير فعل، والتقدير فيه: مذ مضى يومان، ومنذ مضى ليلتان، اعتبارًا بإذ، والخفض يكون بعدهما اعتبارًا بمن" قلنا: هذا باطل؛ لأن الحرفين إذا ركبا بطل عمل كل واحد منهما مفردًا، وحدث حكم آخر، كما قلنا في "لولا، ولوما، وإلَّا" وما أشبه ذلك، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في مسألة الاستثناء.
وهذا هو الجواب عن قول الفراء "إنهما مركبتان من من وذو التي بمعنى الذي" والذي يبطل ما ذهب إليه الفَرَّاء أن "ذو" التي بمعنى الذي إنما تستعملها طيّئ خاصة، و "منذ يومان" بالرفع مستعمل في لغة جميع العرب، فكيف استعملت العرب قاطبةً ذو بمعنى الذي مع مِنْ -على زعمكم- دون سائر المواضع؟ وهل ذلك إلا تحكم محض لا دليل عليه؟
وقولهم: إن التقدير فيه مِنَ الذي هو يومَانِ فحذف المبتدأ الذي هو هو، كقولهم: الذي أخوك زيد، أي الذي هو أخوك" قلنا: وهذا أيضًا لا يستقيم؛ لأن حذف المبتدأ من صلة الاسم الموصول لا يجوز في نحو "الذي أخوك زيد" أي: الذي هو أخوك، وإنما يجوز ذلك جوازًا ضعيفًا إذا طال الكلام؛ كقولهم: "الذي راغب فيك زيد، وما أنا بالذي قائلٌ لك شيئًا"١، وما أشبه ذلك، على أن من النحويين من يجعل الحذف في هذا النحو أيضًا شاذا لا يقاس عليه، وإذا كان شاذًّا لا يقاس عليه مع طول الكلام فمع عدمه أولى؛ فدل على فساد ما ذهب إليه، والله أعلم.
стр. 321
٥٧- مسألة: [هل يعمل حرف القسم محذوفًا بغير عوض ؟]
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز الخفض في القسم بإضمار حرف الخفض من غير عوض.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك إلا بعوض، نحو ألف الاستفهام، نحو قولك للرجل: "اللهِ ما فعلتَ كَذَا" أو هاء التنبيه نحو "هاللهِ".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء عن العرب أنهم يُلْقُونَ الواو من القسم ويخفضون بها؛ قال الفراء: سمعناهم يقولون: "اللهِ لتفعلنَّ" فيقول المجيب: "ألله لأفعلنَّ" بألف واحدة مقصورة في الثانية؛ فيخفض بتقدير حرف الخفض وإن كان محذوفًا، وقد جاء في كلامهم إعمال حرف الخفض مع الحذف، حكى يونس بن حبيب البصري أن من العرب من يقول: "مررت برجل صالح إلا صالح فطالح" أي إلا أكن مررت برجل صالح؛ فقد مررت بطالح، وروي عن رؤبة بن العجاج أنه كان إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول "خَيْرٍ عافاك الله" أي بخير. قال الشاعر:
[٢٣٨]
رسمٍ دارٍ وَقَفْتُ في طَلَلِه ... كِدْتُ أقضي الحَيَاةَ من جَلَلِهْ
فخفض "رسم" بإضمار حرف الخفض، وقال الأخر:
[٢٥٥]
لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عنِّي، ولا أنت دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
стр. 322
فخفض "لاهِ" بتقدير اللام، كأنه قال: لله ابنُ عَمِّكَ، وقال الآخر:
[١٦١]
أَجِدَّكَ لَسْتَ الدَّهْرَ رَائِي رَامَةٍ ... ولا عاقل إلَّا وأنت جَنِيبُ١
ولا مُصْعدٍ في المصعِدِينَ لمَنْعِج ... ولا هَابطٍ ما عِنْتَ هَضْبَ شَطِيبِ
فخفض على تقدير الباء، كأنه قال "بمصعد"٢، وقال الآخر:
[١١٥]
بَدَا لِي أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... ولا سَابِقٍ شيئًا إذا كان جَائِيًا
وقال الآخر، وهو الفرزدق:
[١١٧]
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مصلحين عَشِيرةً ... ولا نَاعِبٍ إلا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
فخفض "ناعب" بإضمار حرف الخفض، وقال الفرزدق أيضًا:
[٢٥٦]
وما زُرْتُ سَلْمَى أن تكون حَبِيبَةً ... إِلَيَّ، ولا دَيْنٍ بها أنا طَالِبُهْ
стр. 323
فخفض "دين" بإضمار حرف الخفض.
والذي يدل على ذلك أنكم تُعْمِلُونَ رُبَّ مع الحذف بعد الواو والفاء وبل؛ فدل على جوازه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن الأصل في حروف الجر أن لا تعمل مع الحذف، وإنما تعمل مع الحذف، وإنما تعمل مع الحذف في بعض المواضع إذا كان لها عوض، ولم يوجد ههنا، فبقينا فيما عداه على الأصل، والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال، وهو من الأدلة المعتبرة، ويُخَرَّجُ على هذا الجر إذا دخلت ألف الاستفهام وها التنبيه نحو: "آلله ما فَعَلَ، وهالله ما فَعَلْتُ" لأن ألف الاستفهام وها صارتا عوضًا عن حرف القسم؛ والذي يدل على ذلك أنه لا يجوز أن يظهر معهما حرف القسم؛ فلا يقال: "أوالله" ولا "ها والله"؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين العوض والمعوض، ألا ترى أن الواو لما كانت عوضًا عن الباء لم يجز أن يجمع بينهما؛ فلا يجوز أن يقال: "بِوَاللهِ لأفعلنَّ"؟ فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقولهم "ألله لأفعلن" فإنما جاز ذلك مع هذا الاسم خاصة على خلاف القياس لكثرة استعماله، كما جاز دخول حرف النداء عليه مع الألف واللام دون غيره من الأسماء لكثرة الاستعمال؛ فكذلك ههنا: جاز حذف حرف الخفض لكثرة الاستعمال مع هذا الاسم دون غيره، فبقينا فيما عداه على الأصل. يدل على أن هذا الاسم يختص بما لا يكون في غيره، ألا ترى أنه يختص بالتاء كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] وإن كان لا يجوز دخول التاء في غيره، كما لا يجوز إدخال التاء
стр. 324
في "أسْنَتُوا" إلا في خلاف الخِصْبِ، ولا يقال "تالرحمن"١ ولا "تالرحيم" وكما أن ما حكاه أبو الحسن الأخفش من قوله "تَرَبِّي" لا يدل على جوازه لشذوذه وقلته؛ فكذلك قولهم "ألله لأفعلن" لا يدل على جوازه في غيره، واختصاص هذا الاسم بهذا الحكم كاختصاص "لات" بحين، و "لَدُنْ" بغدوة، و "جاءت" بحاجتك في قولهم "ما جاءت حَاجَتَكَ" فإن لات لا تعمل إلا في الحين، ولدن لا تنصب إلا غُدْوَة، وجاءت لا تنصب إلا حاجتك، كأنهم قالوا: ما صارت حاجتك، وكانت حاجتك، وأدخلوا التاء على ما٢ إذ كان ما هو الحاجة كما قال بعضهم "مَنْ كانت أُمَّكَ" فنصب الأم وأنَّث من حيث أوقعها على مؤنث؛ ولأن هذا الاسم عَلَم فجاز أن يختص بما لا يكون في غيره؛ لأن الأسماء الأعلام كثيرًا ما يُعْدَلُ ببعضها عن قياس الكلام، ألا ترى أنهم قالوا "مَوْهَبٌ، ومَوْرَقٌ" ففتحوا العين وقياسها أن تكسر، وكذلك قالوا: "حَيْوَة" بالواو وإن كان قياسها أن تكون بالياء، وكذلك قالوا "مَزْيَدٌ، ومَكْوَزَةٌ، ومَدْيَنٌ" فصححوا وإن كان القياس أن يُعِلُّوا؛ لأن ما كان من الأسماء على مَفْعَلٍ أو مفعلٍ؛ فإنه يعتل لمجيئه على وزن الفعل وفصل الميم له من أمثلته، وكذلك قالوا "محْبَبٌ" بغير إدغام وإن كان القياس الإدغام، وكذلك قالوا "العجَّاج، والحجَّاج" بإمالة الألف وإن كان قياسها أن لا تمال؛ لعدم شرط الإمالة من الياء والكسرة، وهذا لأن من كلامهم أن يجعلوا الشيء في موضع على غير حاله في سائر الكلام: إما لكثرة الاستعمال، أو تنبيه على أصل، أو غير ذلك.
وأما احتجاجهم بما حكى يونس أن من العرب من يقول "مررت برجل صالح إلا صالح فطالح" أي "إلا أكن مررت برجل صالح فقد مررت بطالح" قلنا: هذا لغة قليلة الاستعمال بعيدة عن القياس؛ فلا يجوز أن يقاس عليها: أما قلتها في الاستعمال فظاهر؛ لأن أكثر العرب لا تتكلم بها، وإنما جاءت قليلة في لغة لبعض العرب؛ وأما بُعْدُهَا عن القياس فإنك تفتقر إلى إضمار أشياء، وحكم الإضمار أن يكون شيئًا واحدًا، ألا ترى أنك إذا قلت "مررت برجل صالح إلا صالح فطالح" تقديره: إلا أكن مررت بصالح [فقد مررت بطالح] فتفتقر إلى أشياء، وذلك بعيد عن القياس، وهذا شبيه بقول النحويين "ما مررت بزيد فكيف أخيه" ويقول الرجل: جئتك بدرهم، فيقول المجيب "فهلا دينار" وهذا كله رديءٌ لا تتكلم به العرب.
стр. 325
وأما ما روي عن رؤبة من قوله "خيرٍ عافاك الله، أي: بخير" فهو من الشاذ الذي لا يعتد به لقلته وشذوذه، وكذلك جميع ما استشهدوا به من الأبيات وقد أجبنا عنها في مواضعها بما يغني عن الإعادة.
وأما إضمار رب بعد الواو والفاء وبل -وهي حروف جر- فإنما جاز ذلك لأن هذه الأحرف صارت عوضًا عنها دالة عليها، فجاز حذفها، وما حذف وفي اللفظ على حذفه دلالة أو حُذِفَ إلى عوض وبدل؛ فهو في حكم الثابت، وقد بيَّنَّا ذلك مستقصى في موضعه، بخلاف ههنا، فإنكم جوزتم حذف حرف القسم ولا دلالة في اللفظ على حذفه ولا إلى عوض وبدل، فبان الفرق بينهما، والله أعلم.
стр. 326
٥٨- مسألة: [اللام الداخلة على المبتدأ، لام الابتداء أو لام جواب القسم؟]
ذهب الكوفيون إلى أن اللام في قولهم "لزيدٌ أفضلُ من عمروٍ" جواب قسم مقدَّر، والتقدير: والله لزيد أفضل من عمرو، فأضمر اليمين اكتفاءً باللام منها، وذهب البصريون إلى أن اللام لام الابتداء.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن هذه اللام جواب القسم وليست لام الابتداء أن هذه اللام يجوز أن يليها المفعول الذي يجب له النصب. وذلك نحو قولهم "لَطَعَامَكَ زيدٌ آكلٌ" فلو كانت هذه اللام لامَ الابتداء لكان يجب أن يكون ما بعدها مرفوعًا، ولمَا كان يجوز أن يليها المفعول الذي يجب أن يكون منصوبًا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها لام الابتداء أنها إذا دخلت على المنصوب بظننت أوجبت له الرفع وأزالت عنه عمل ظننت، تقول: ظننت زيدًا قائمًا، فإذا أدخلت على زيد اللام قلت: ظننت لزيد قائم، فأوجبت له الرفع بالابتداء بعد أن كان منصوبًا؛ فدل على أنها لام الابتداء.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن الظن محمول على القسم؛ فاللام جواب القسم، كقولهم: والله لزيد قائم، لا لام الابتداء، فإذا كانت جواب القسم فحكمها أن تُبْطِل عمل ظننت؛ فلهذا وجب أن يرفع زيد بما بعده، لا بالابتداء، وهذا لأن حكم لام القسم في كل موضع أن لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، ولا ما بعدها فيما قبلها؛ لأن ما بعدها من الكلام محلوف عليه؛ فلو جعل شيء منه قبلها لزال منه معنى الحلف عليه" لأنا نقول: لا يجوز أن يكون الظن قسمًا، لأنه إنما نُقْسِمُ بالشيء في العادة إذا كان عظيمًا عند الحالف، كقوله "والله، والقرآن، والنبي، وأبي" وما أشبه ذلك مما يحلف به أهل الجاهلية والإسلام، ومعنى الظن خارج عن هذا المعني.
стр. 327
فأما قولهم "جَيْرِ لأذهبنَّ، وعوْضُ لأقومنَّ، وكلَّا لأنطلقن" فإنما أقسموا بها لأنهم أجروها مجرى حق، والحق معظم في النفوس، بخلاف الظن الذي فيه معنى الشك، وجير بمعنى نَعَمْ، قال الشاعر:
[٢٥٧]
إن الذي أغناك يغنيني جَيْر ... واللهُ نَفَّاحُ اليَدَينِ بالخير
وعَوْضُ بمعنى الدهر، قال الشاعر:
[٢٥٨]
رَضِيعَيْ لبَانٍ ثَدْيَ أمِّ تَحَالفَا ... بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لا نتفرَّقُ
стр. 328
وفي عَوْضُ ثلاث لغات: عوضُ بالضم، وعوضَ بالفتح، وعوضِ بالكسر، وكلًّا بمعنى حقًّا، قال الشاعر:
[٢٥٩]
أليس قليلَا نَظْرَةٌ إن نَظَرْتُهَا ... إليكِ؟ وكَلَّا ليس منك قليلُ
стр. 329
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن هذه اللام ليست لام الابتداء، لأن الابتداءَ يوجب الرفع، وهذه اللام يجوز أن يليها المفعول الذي يجب له النصب، نحو قولهم "لطَعَامَكَ زيدٌ آكلٌ" قلنا: الأصل في اللام ههنا أن تدخل على زيد الذي هو المبتدأ، وإنما دخلت على المفعول الذي هو معمول الخبر لأنه لما قُدِّمَ في صدر الكلام وقع موقع المبتدأ؛ فجاز دخول اللام عليه؛ لأن الأصل في هذه اللام أن تدخل على المبتدأ، فإذا وقع المفعول موقعه جاز أن تدخل هذه اللام عليه كما تدخل على المبتدأ، وإذا جاز دخول هذه اللام على معمول الخبر إذا وقع موقعه، كقولك "إن زيدًا لَطَعَامَكَ آكلٌ" وكقول الشاعر:
[٢٦٠]
إنَّ امْرَأَ خَصَّنِي عمدًا مودَّتَهُ ... على التَّنَائِي لَعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ
وإن كان الأصل فيها أن تدخل -بعد نقلها عن الاسم- على الخبر لا على معموله؛ لوقوعه موقعه١، فكذلك يجوز دخول هذه اللام على المفعول إذا وقع موقع المبتدأ، وإن كان الأصل فيها أن تدخل على المبتدأ؛ لوقوعه موقعه، والله أعلم.
стр. 330
٥٩- مسألة: [القول في أيمن في القسم مفرد هو أو جمع ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن قولهم في القسم "أيمن الله" جمع يمين. وذهب البصريون إلى أنه ليس جمع يمين، وأنه اسم مفرد مشتق من اليُمْن.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن "أيمن" جمع يمين أنه على وزن أَفْعُل، وهو وزن يختص به الجمع، ولا يكون في المفرد، يدل عليه أن التقدير في قولهم "أيمن الله" أي: عليَّ أَيْمُنُ اللهِ، أي أَيْمَانُ اللهِ عليَّ فيما أُقسم به، وهم يقولون في جمع يمين "أَيْمُنٌ" قال زهير:
[٢٦١]
فتجمع أَيْمُنٌ منا ومنكم ... بِمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بها الدِّمَاءُ
стр. 331
وقال الأزرقُ العنبري:
[٢٦٢]
طِرْنَ انْقِطَاعَةَ أَوْتَارٍ مُحَظْرَبَةٍ ... في أَقْوُسٍ نازَعَتْهَا أَيْمُنٌ شُمُلَا
وقال الآخر:
[٢٦٣]
يأتي لها من أَيْمُنٍ وأَشْمُلِ
стр. 332
والأصل في همزة أيمن أن تكون همزة قطع، لأنه جمع، إلا أنها وُصِلَتْ لكثرة الاستعمال؛ وبقيت فتحتها على ما كانت عليه في الأصل، ولو كانت -على ما زعمتم- في الأصل همزة وصل لكان ينبغي أن تكون مكسورة على حركتها عندكم في الأصل. والذي يدل على أنها ليست همزة وصل أنها ثبتت في قولهم "أم الله لأفعلنَّ" فتدخل الهمزة على الميم وهي متحركة، ولو كانت همزة وصل لوجب أن تحذف لتحرك ما بعدها.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مفرد وليس بجمع يمين لأنه لو كان جمع يمين لوجب أن تكون همزته همزة قطع، فلما وجب أن تكون همزته همزة وصل دلَّ على أنه ليس بجمع يمين، قال الشاعر:
[٢٦٤]
وقد ذَكَرَتْ لِي بِالكثيب مُؤَالفًا ... قِلَاصَ سُلَيْمٍ أو قِلَاصَ بني بكر
стр. 333
فَقَالَ فريقُ القومِ لما نَشَدْتُهُمْ: ... نعم، وفريق: ليْمُنُ اللهِ ما ندري
ويدل عليه أنهم قالوا في أيمن الله "مُ الله" ولو كان جمعًا لما جاز حذف جميع حروفه إلا حرفًا واحدًا؛ إذ لا نظير له في كلامهم، فدلَّ على أنه ليس بجمع، فوج بأن يكون مفردًا.
وأما ما ذكروه من كونها همزة وصل لكثرة الاستعمال فسنبين أنه حجة عليهم في الجواب عن كلماتهم، إن شاء الله تعالى.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنه جمع يمين، بدليل أنه على وزن أَفْعُل، وأفعل وزن يختص به الجمع، ولا يكون في المفرد" قلنا: لا نسلم؛ بل قد جاء ذلك في المفرد؛ فإنهم قالوا: رَصاصٌ آنُكٌ، وهو الخالص، وقالوا "أَسْنُمَة" اسم موضع وأكمه، و "أشُدُّ" على الصحيح، وهو منتهى الشباب والقوة، وقيل: هو الحلم، وقيل: عشرون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة.
وقولهم "الأصل في الهمزة أن تكون همزة قطع لأنه جمع يمين" قلنا: لو كانت الهمزة فيه همزة قطع لما جاز فيه كسر الهمزة فقيل "إيمُنُ الله" لأن ما جاء من الجمع على وزن أَفْعُلُ لا يجوز فيه كسر الهمزة، فلما جاز ههنا بالإجماع كسرة الهمزة دل على أنها ليست همزة قطع.
وأما قولهم "إنها لو كانت همزة وصل لكان ينبغي أن تكون مكسورة" قلنا: إنما جاءت مفتوحة -وإن كان القياس يقتضي أن تكون مكسورة- لأنهم لما كثر استعماله في كلامهم فتحوا فيه الهمزة لأنها أخف من الكسرة كما فتحوا الهمزة التي تدخل على لام التعريف -وإن كان الأصل فيها الكسر- لكثرة الاستعمال، فكلك ههنا.
وأما قولهم "إن الهمزة ثبتت في قولهم أمُ الله لأفعلن مع تحرك ما بعدها" قلنا: إنما ثبتت الهمزة فيه من وجهين؛ أحدهما: أن الأصل في الكلمة "أيمن" فالهمزة داخله على الياء وهي ساكنة، فلما حذفت -وحذفها غير لازم- بقي حكمها. والثاني: أن حركة الميم حركة إعراب، وليست لازمة وتسقط في الوقف؛ فلذلك ثبتت همزة الوصل.
والدليل على ذلك أن العرب تقول في الأحمر: "أَلَحْمَر" فلا يحذفون همزة الوصل؛ لأن حركة اللام ليست بلازمة، وبعض العرب يحذفون الهمزة لتحرك ما بعدها، على أن من العرب من يقول "مُ اللهِ" فيحذف الهمزة، وفيها لغات كثيرة تنيف على عشر لغات: أَيْمُنُ الله، وإِيْمُن الله، وأَيْمُ الله، وإِيْمُ الله، وأمُ الله، ومُ
стр. 334
الله، ومَ الله، ومِ الله، ولَيْمُنُ الله، ومُنُ الله، ومُنْ رَبِّي، ومِنْ رِبِّي. و "مُنْ" لا تدخل إلا على "رَبِّ" وحده، ولا تدخل على غيره، كما لا تدخل التاء إلا على الله في "تالله". والله أعلم.
تم الجزء الأول من كتاب "الإنصاف، في مسائل الخلاف"
لأبي البركات الأنباري
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الثاني منه مفتتحًا بالمسألة "٦٠"- القول الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف والجار والمجرور.
نسأل الله تعالى أن يعين على إكماله بمنه وكرمه وفضله.
стр. 335
فهرس المحتويات
١- مسألة: الاختلاف في اصل اشتقاق الاسم ٨
٢- مسألة: الاختلاف في إعراب الأسماء الستة ١٧
٣- مسألة: القول في إعراب المثنى والجمع على حَدِّه ٢٩
٤- مسألة: هل يجوز جمع العلم المؤنث بالتاء جمع المذكر السالم؟ ٣٤
٥- مسألة: القول في رافع المبتدأ ورافع الخبر. ٣٨
٦- مسألة: في رافع الاسم الواقع بعد الظرف والجار والمجرور ٤٤
٧- مسألة: القول في تحمل الخبر الجامد ضمير المبتدأ ٤٨
٨- مسألة: القول في إبراز الضمير إذا جرى الوصف على غير صاحبه ٥٠
٩- مسألة: القول في تقديم الخبر على المبتدأ ٥٦
١٠- مسألة: القول في العامل في الاسم المرفوع بعد لولا ٦٠
١١- مسألة: القول في عامل النصب في المفعول ٦٦
١٢- مسألة: القول في ناصب الاسم المشغول عنه ٦٩
١٣- مسألة: القول في أولى العاملين بالعمل في التنازع ٧١
١٤- مسألة: القول في نعم وبئس، أفعلان هما أم اسمان؟ ٨١
١٥- مسألة: القول في "أفعل" في التعجب، اسم هو أو فعل ١٠٤
١٦- مسألة: القول في جواز التعجب من البياض والسواد، دون غيرهما من الألوان ١٢٠
١٧- مسألة: القول في تقديم خبر "ما زال" وأخواتها عليهن ١٢٦
١٨- مسألة: القول في تقديم خبر "ليس" عليها ١٣٠
١٩- مسألة: القول في العامل في الخبر بعد "ما" النافية النصب ١٣٤
٢٠- مسألة: القول في تقديم معمول خبر "ما" النافية عليها ١٤٠
٢١- مسألة: القول في تقديم معمول الفعل المقصور عليه ١٤١
٢٢- مسألة: القول في رافع الخبر بعد "إن" المؤكدة ١٤٤
٢٣- مسألة: القول في العطف على اسم "إن" بالرفع قبل مجيء الخبر ١٥١
стр. 336
٢٤- مسألة: القول في عمل "إن" المخففة النصب في الاسم ١٥٩
٢٥- مسألة: القول في زيادة لام الابتداء في خبر لكنَّ ١٦٩
٢٦- مسألة: القول في لام "لعل" الأولى زائدة هي أو أصلية؟ ١٧٧
٢٧- مسألة: القول في تقديم معمول اسم الفعل عليه ١٨٤
٢٨- مسألة: القول في أصل الاشتقاق، الفعل هو أو المصدر؟ ١٩٠
٢٩- مسألة: القول في عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا ١٩٧
٣٠- مسألة: القول في عامل النصب في المفعول معه ٢٠٠
٣١- مسألة: القول في تقديم الحال على الفعل العامل فيها ٢٠٣
٣٢- مسألة: هل يقع الفعل الماضي حالا ٢٠٥
٣٣- مسألة: ما يجوز من وجوه الإعراب في الصفة الصالحة للخبرية
إذا وُجِدَ معها ظرف مكرر ٢١٠
٣٤- مسألة: القول في العامل في المستثنى النصب ٢١٢
٣٥- مسألة: هل تكون "إلا" بمعنى الواو ٢١٦
٣٦- مسألة: هل يجوز تقديم حرف الاستثناء في أول الكلام؟ ٢٢٢
٣٧- مسألة: حاشى في الاستثناء، فعل أو حرف أو ذات وجهين ٢٢٦
٣٨- مسألة: هل يجوز بناء "غير" مطلقًا؟ ٢٣٣
٣٩- مسألة: هل تكون "سوى" اسمًا أو تلزم الظرفية؟ ٢٣٩
٤٠- مسألة: "كم" مركبة أو مفردة؟ ٢٤٣
٤١- مسألة: إذا فصل بين "كم" الخبرية وتمييزها فهل يبقى التمييز مجرورًا؟ ٢٤٧
٤٢- مسألة: هل تجوز إضافة النيف على العشرة ٢٥٢
٤٣- مسألة: القول في تعريف العدد المركب وتمييزه ٢٥٥
٤٤- مسألة: القول في إضافة العدد المركب إلى مثله ٢٦٣
٤٥- مسألة: المنادى المفرد العلم، معرب أو مبني؟ ٢٦٤
٤٦- مسألة: القول في نداء الاسم المحلَّى بأل ٢٧٤
٤٧- مسألة: القول في الميم في "اللهمَّ" أعِوَضٌ من حرف النداء أم لا؟ ٢٧٩
٤٨- مسألة: هل يجوز ترخيم المضاف بحذف آخر المضاف إليه؟ ٢٨٤
٤٩- مسألة: هل يجوز ترخيم الاسم الثلاثي؟ ٢٩٢
٥٠- مسألة: ترخيم الرباعي الذي ثالثه ساكن ٢٩٦
٥١- مسألة: القول في ندبة النكرة والأسماء الموصولة؟ ٢٩٨
стр. 337
٥٢- مسألة: هل يجوز إلقاء علامة الندبة على الصفة؟ ٣٠٠
٥٣- مسألة: اسم لا المفرد النكرة، معرب أو مبني؟ ٣٠٢
٥٤- مسألة: هل تقع "من" لابتداء الغاية في الزمان؟ ٣٠٦
٥٥- مسألة: واو رب، هل هي التي تعمل الجر؟ ٣١١
٥٦- مسألة: القول في إعراب الاسم الواقع بعد "مذ" و"منذ" ٣١٦
٥٧- مسألة: هل يعمل حرف القسم محذوفا بغير عوض؟ ٣٢٥
٥٨- مسألة: اللام الداخلة على المبتدأ، لام الابتداء أو لام جواب القسم؟ ٣٣٠
٥٩- مسألة: القول في أيمن في القسم، مفرد هو أو جمع؟ ٣٣٤
стр. 338
المجلد الثاني
مسألة القول في الفصل بين المضاف والمضاف إليه
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٠- مسألة: [القول في الفصل بين المضاف والمضاف إليه] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض لضرورة الشعر. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك بغير الظرف وحرف الجر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن العرب قد استعملته كثيرًا في أشعارها، قال الشاعر:
[٢٦٥]
فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَّةٍ ... زَجَّ القَلُوصَ أَبِي مَزَادَهْ
стр. 339
والتقدير: زج أبي مَزَادَةَ القَلُوصَ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص، وهو مفعول، وليس بظرف ولا حرف خفض، وقال الآخر:
[٢٦٦]
تمرُّ على ما تستمرُّ، وقد شَفَتْ ... غَلَائِلَ عبدُ القَيْسِ منها صُدُورِهَا
стр. 340
والتقدير: شفت غلائل صدورها عبد القيس منها، ففصل بين المضاف والمضاف إليه، وقال الآخر:
[٢٦٧]
يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَرَاتِعِ لَمْ تُرَعْ ... بِوَادِيهِ مِنْ قَرْعِ القِسِيَّ الكَنَائِنِ
стр. 341
والتقدير: مِنْ قَرْعِ الكَنَائِنِ القِسِيَّ، وقال الآخر:
[٢٦٨]
فَأَصْبَحَتْ بَعْدَ خَطِّ بَهْجَتِهَا ... كأنَّ قَفْرًا رُسُومَهَا قَلَمَا
والتقدير: بعد بهجتها، ففصل بين المضاف الذي هو "بعد" والمضاف إليه الذي هو "بهجتها" بالفعل الذي هو "خط" وتقدير البيت: فأصبحت قفرًا بعد بهجتها كأن قلما خط رسومها. وقد حكى الكسائي عن العرب: هذا غلام والله زيد، وحكى أبو عبيدة قال: سمعت بعض العرب يقول: إن الشاة لَتَجْتَرُّ فتسمع صوت والله رَبِّهَا، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله "والله"، وإذا جاء هذا في الكلام ففي الشعر أولى، وقد قال ابن عامر أحد القراء السبعة ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ بنصب "أولادهم" وجر "شركائهم" ففصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله "أولادهم" والتقدير فيه: قتلُ شركائِهِم أولادَهم، ولهذا كان منصوبًا في هذه القراءة، وإذا جاء في القرآن ففي الشعر أولى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد؛ فلا يجوز أن يفصل بينهما، وإنما جاز الفصل بينهما بالظرف وحرف الجر، كما قال عمرو بن قَمِيئَةَ:
[٢٦٩]
لَمَّا رَأَتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ ... للهِ دَرُّ اليوم مَنْ لَامَهَا
стр. 342
ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ لأن التقدير لله در من لامها اليوم، وقال أبو حيّة النّميري:
[٢٧٠]
كما خُطَّ الكتابُ بِكَفّ يومًا ... يهوديّ يُقَارِبُ أو يُزِيلُ
стр. 343
ففصل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن تقديره: بكف يهودي يومًا، وقال ذو الرمة:
[٢٧١]
كَأَنَّ أصواتَ من إِيغَالِهِنَّ بنا ... أَوَاخِرَ المَيْسِ أَصْوَاتُ الفَرَارِيج
وقال امرأةٌ من العرب دُرْنَا بنتُ عَبْعَبَةَ الجَحْدَرِيَّة، وقيل: عَمْرَةُ الجُشَمِيَّة:
[٢٧٢]
هما أَخَوَا في الحرب مَنْ لا أخا لَهُ ... إذا خاف يومًا نبوةً فدعاهما
стр. 344
ففصل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن تقديره: هما أخوا من لا أخا له في الحرب؛ لأن الظرف١ وحرف الجر يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما، فبقينا فيما سواهما على مقتضى الأصل.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلّته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به.
وأما ما حكى الكسائي من قولهم "هذا غلامُ واللهِ زيدٍ" وما حكاه أبو عبيده عن بعض العرب من قولهم "فتسمع صَوْتَ والله رَبِّهَا" فنقول: إنما جاء ذلك في اليمين لأنها تدخل على أخبارهم للتوكيد، فكأنهم لما جازوا بها موضعها استدركوا ذلك بوضع اليمين حيث أدركوا من الكلام؛ ولهذا يسمونها في مثل هذا النحو "لغوًا" لزيادتها في الكلام في وقوعها غير موقعها.
والذي يدل على صحة هذا أنا أجمعنا وإياكم على أنه لم يجئ عنهم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير اليمين في اختيار الكلام.
وأما قراءة من قرأ من القراء: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ فلا يَسُوغُ لكم الاحتجاج بها: لأنكم لا تقولون بموجبها؛ لأن الإجماع واقع على امتناع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول في غير ضرورة الشعر، والقرآن ليس فيه ضرورة، وإذا وقع الإجماع على امتناع الفصل [به] بينهما في حال الاختيار سقط الاحتجاج بها على حالة الاضطرار، فبان أنها إذا لم يجز أن تجعل حجّة في النظير لم يجز أن تجعل حجة في النقيض.
والبصريون يذهبون إلى وَهْي هذه القراءة وَوَهْم القارئ؛ إذ لو كانت صحيحة لكان ذلك من أفصح الكلام، وفي وقوع الإجماع على خلافه دليل على وَهْيِ القراءة، وإنما دعا ابن عامر إلى هذه القراءة أنه رأى في مصاحف أهل الشأم "شركائهم" مكتوبا بالياء ومصاحف أهل الحجاز والعراق "شركاؤهم" بالواو، فدلّ٢ على صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
стр. 345
٦١- مسألة: [هل تجوز إضافة الاسم إلى اسم يوافقه في المعنى ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان. وذهب البصريون أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء في كتاب الله وكلام العرب كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليقينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] واليقين في المعنى نعت للحق؛ لأن الأصل فيه الحق اليقين، والنعت في المعنى هو المنعوت، فأضاف المنعوت إلى النعت وهما بمعنى واحد، وقال تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ١٠٩] والآخرة في المعنى نعت الدار، والأصل فيه وللدار الآخرة خير، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿ولَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] فأضاف دار إلى الآخرة، وهما بمعنى واحد، وقال تعالى: ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [قّ: ٩] والحب في المعنى هو الحصيد، وقد أضافه إليه، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] والجانب في المعنى هو الغربي، ثم قال الراعي:
[٣٧٢]
وقَرَّبَ جانب الغربي يَأْدُو ... مَدَبَّ السَّيلِ، واجتنب الشِّعَارَا
стр. 346
ومن ذلك قولهم "صَلَاةُ الأولى، ومَسْجدُ الجامع، وبَقْلَةُ الحمقاء" والأولى في المعنى هي الصلاة، والجامع هو المسجد، والبقلة هي الحمقاء، وقد أضافوها إليها، فدل على ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز لأن الإضافة إنما يراد بها التعريف والتخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه، لأنه لو كان فيه تعريف كان مستغنيًا عن الإضافة، وإن لم يكن فيه تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعد من التعريف؛ إذ يستحيل أن يصير شيئًا آخر بإضافة اسمه إلى اسمه؛ فوجب أن لا يجوز كما لو كان لفظهما مُتَّفِقًا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما احتجوا به فلا حجة لهم فيه؛ لأنه كله محمول على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليقينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] فالتقدير فيه: حق الأمر اليقين، كما قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي دين الملة القيمة، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ١٠٩] فالتقدير فيه: ولدار الساعة الآخرة، وأما قوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [قّ: ٩] أي حب الزرع الحصيد، ووصف الزرع بالحصيد، وهو التحقيق١؛ لأن الحب اسم لما ينبت في الزرع، والحصد إنما يكون للزرع الذي ينبت فيه الحب، لا للحب، ألا ترى أنك تقول "حصدت الزرع" ولا تقول "حصدت الحب" وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] فالتقدير فيه: بجانب المكان الغربيّ، وأما قولهم "صلاة الأولى" فالتقدير فيه: صلاة الساعة الأولى، وأما قولهم "مسجد الجامع" فالتقدير فيه: مسجد الموضع الجامع، وأما قولهم "بقلة الحمقاء" فالتقدير فيه: بقلة الحبة الحمقاء٢؛ لأن البقلة اسم لما نبت من تلك الحبة، ووصف الحبة بالحمق، وهو التحقيق١؛ لأنها الأصل، وما نَبَتَ
стр. 347
منها فرع عليها، فكان وصف الأصل بالحمق أولى من وصف الفرع، وإنما وصفت بذلك لأنها تنبت في مَجَارِي السيول فتقلعها، ولذلك يقولون في المثل "هو أحمق مِنْ رِجْلَةٍ" فإذا كان جميع ما احتجوا به محمولًا على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه على ما بيَّنَّا لم يكن لهم فيه حجّة، والله أعلم.
стр. 348
٦٢- مسألة: ["كلا" و"كلتا" مثنيان لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "كلا، وكلتا" فيهما تثنية لفظية ومعنوية، وأصل كلا "كل" فخفّفت اللام، وزيدت الألف للتثنية، وزيدت التاء في "كلتا" للتأنيث، والألف فيهما كالألف في "الزيدان"، والعمران" ولزم حذف نون التثنية منهما للزومهما الإضافة.
وذهب البصريون إلى أن فيهما إفراًدا لفظيًّا وتثنية معنوية، والألف فيهما كالألف في "عصًا، ورحًا".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنهما مثنَّيان لفظًا ومعنًى وأن الألف فيهما للتثنية النقل والقياس:
أما النقل فقد قال الشاعر:
[٢٧٤]
في كِلْتَ رجليها سُلَامَى وَاحِدَهْ ... كِلْتَاهُمَا مَقْرُونَةٌ بِزَائِدَهْ١
стр. 349
فأفرد قوله "كِلْتَ" فدلَّ على أن "كِلْتَا" تثنية.
стр. 350
وأما القياس فقالوا: الدليل على أنها ألف التثنية أنها تنقلب إلى الياء في النصب والجر إذا أضيفتا إلى المضمر، وذلك نحو قولك: "رأيت الرجلين كليهما، ومررت بالرجلين كليهما، ورأيت المرأتين كلتيهما، ومررت بالمرأتين كلتيهما" ولو كانت الألف في آخرهما كالألف في آخر "عصًا، ورحًا" لم تنقلب كما لم تنقلب ألفهما نحو "رأيت عصاهما ورحاهما، ومررت بعصاهما ورحاهما" فلما انقلبت الألف فيهما انقلاب ألف "الزيدان، والعمران" دل على أن تثنيتهما لفظية ومعنوية.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن فيهما إفرادًا لفظيًّا وتثنية معنوية أن الضمير تارة يُرَدّ إليهما مفردًا حملًا على اللفظ، وتارة يردّ إليهما مثنى حملًا على المعنى.
فأما رَدُّ الضمير مفردًا حملًا على اللفظ فقد جاء ذلك كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] فقال: ﴿آتَتْ﴾ بالإفراد حملًا على اللفظين ولو كان مثنى لفظًا ومعنًى لكان يقول: ﴿آتَتْا﴾ كما تقول: الزيدان ذهبا، والعمران ضربا، وقال الشاعر:
[٢٧٥]
كِلَا أَخَوَيْنَا ذو رجال، كأنهم ... أُسُودُ الشّرَى من كل أَغْلَبَ ضَيْغَمِ
стр. 351
فقال "ذو" بالإفراد حملًا على اللفظ، ولو كان مثنى لفظًا ومعنًى لقال "ذَوَا" وقال الآخر:
[٢٧٦]
كِلَا أَخَوَيكُم كان فَرْعًا دِعَامَة ... ولكنهم زَادُوا وأَصْبَحْتَ نَاقِصَا
فقال "كان" بالإفراد حملًا على اللفظ، ولم يقل "كانا" وقال الآخر:
[١٢٢]
أُكَاشِرُهُ وأعلم أن كِلَانَا ... على ما ساء صاحِبَهُ حَرِيصُ
فقال "حريص" بالإفراد ولم يقل "حريصان" وقال الآخر:
[٢٧٧]
كلانا يا يزيد يحب ليلى ... بِفِيَّ وفِيكَ مِنْ ليلى التُّرَابُ
فقال "يحب" بالإفراد على ما بيَّنَّا. وقال الآخر:
[٢٧٨]
كِلَانا ثَقَلَيْنَا وَاثِقٌ بِغَنِيمَةٍ ... وقد قَدَرَ الرَّحمن ما هو قادر
стр. 352
فقال "واثق" بالإفراد. وقال الآخر:
[٢٧٩]
كِلَا يَوْمَيْ أُمَامَةَ يومُ صَدٍّ ... وإن لم نَأْتِهَا إلا لمَامَا
стр. 353
فقال "يوم" بالإفراد. وقال أبو الأَخْزَرِ الحِمَّانِيُّ:
[٢٨٠]
فكلتاهما خرَّت وأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كما سجدت نَصْرَانَةٌ لم تَحَنَّفِ
فقال "خرت" بالإفراد. وقال الآخر:
[٢٨١]
فكلتاهما قد خُطَّ لي في صَحِيفَةٍ ... فلا العيش أهواهُ ولا الموتُ أَرْوَحُ
стр. 354
فقال: "خُطَّ" بالإفراد، والشواهد على هذا النحو كثيرًا جدًّا.
وأما رَدُّ الضمير مثنى حملًا على المعنى فعلى ما حكي عن بعض العرب أنه قال "كِلَاهُمَا قَائِمَان، وكِلْتَاهُمَا لقيتهما" وقال الشاعر:
[٢٨٢]
كلاهما حين جَدَّ الجَرْيُ بينهما ... قد أَقْلَعَا، وكلا أَنْفَيهِمَا رَابِي
стр. 355
فقال "أقلعا" حملًا على المعنى، وقال "رابي" حملًا على اللفظ.
والحمل في "كلا، وكلتا" على اللفظ أكثر من الحمل على المعنى، ونظيرهما في الحمل على اللفظ تارة وفي الحمل على المعنى أخرى "كلٌّ" فإنه لما كان مفردًا في اللفظ مجموعًا في المعنى رُدّ الضمير إليه تارة على اللفظ وتارة على المعنى، كقولهم "كل القوم ضربته، وكل القوم ضربتهم" وقد جاء بهما التنزيل، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم: ٩٣] فقال ﴿آتِي﴾ بالإفراد حملًا على اللفظ، وقال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] فقال ﴿أَتَوْهُ﴾ بالجمع حملًا على المعنى، إلا أن الحمل على المعنى في "كل" أكثر من الحمل على المعنى في "كلا، وكلتا".
والذي يدل على أن فيهما إفرادًا لفظيًّا أنك تضيفهما إلى التثنية فتقول: "جاءني كِلَا أَخَوَيكَ، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك، وجاءني أَخَوَاكَ كِلَاهُمَا، ورأيتُهُمَا كِلَيْهِمَا، ومررت بهما كليهما" وكذلك حكم إضافة "كلتا" إلى المُظْهَر والمُضْمَر، فلو كانت التثنية فيهما لفظية لما جاز إضافتهما إلى التثنية؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
والذي يدل على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها تجوز إمالتها، قال الله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] وقال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] قرأهما حمزة والكسائي وخلف بإمالة الألف فيهما، ولو كانت الألف فيهما للتثنية لما جازت إمالتها؛ لأن ألف التثنية لا تجوز إمالتها.
والذي يدل أيضا على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها لو كانت للتثنية لانقلبت في حالة النصب والجر إذا أُضِيفَتَا إلى المظهر؛ لأن الأصل هو المظهر، وإنما المضمر فرعه، تقول: "رأيت كلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين"، وكذلك تقول في المؤنث: "رأيت كلتا المرأتين، ومررت بكلتا المرأتين" ولو كانت للتثنية لوجب أن تنقلب مع المظهر كما تنقلب مع المضمر؛ فلما لم تنقب دلَّ على أنها ألف مقصورة، وليست للتثنية.
والذي يدل على أن "كلا" ليست مأخوذة من "كُلّ" أن كُلّا للإحاطة وكِلَا لمعنًى مخصوص؛ فلا يكون أحدهما مأخوذًا من الآخر.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقول الشاعر:
[٢٧٤]
في كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلَامَى واحده