واعلم: أيضًا: أنهم ربما يحملون في هذا الباب الاسم على الموضع وذلك قولهم: ما أتاني من أحد إلا زيد, وما رأيت من أحد إلا زيدًا؛ لأنه يقبح أن تقول: ما أتاني إلا من زيد. فإذا قلت: لا أحد فيها إلا عبد الله فلا بد من إجرائه على الموضع ورفعه؛ لأن أحدًا مبني مع "لا" وسنذكره في بابه إن شاء الله.
ولا يجوز أن يعمل ما بعد "إلا" فيما قبلها, لا يجوز ما أنا زيدًا/ ٣٢٤ إلا ضارب, تريد, ما أنا إلا ضاربٌ زيدًا, وقد جاءت ألفاظ قامت مقام "إلا" وأصل الاستثناء "لا لا" ونحن نفرد لها بابًا إن شاء الله.
ولا يجوز أن تستثني النكرة من النكرات في الموجب, لا تقول: جاءني قوم إلا رجلًا؛ لأن هذا لا فائدة في استثنائه, فإن نَعَتَّه أو خَصَصْتَه جاز, وهذا امتناعه من جهة الفائدة, فمتى وقعت الفائدة جاز.
стр. 317
هذا باب ما جاء من الكلم في معنى إلا:
اعلم: أنه قد جاء من الأسماء والأفعال والحروف ما فيه إلا:
أما الأول من ذلك: فما جاء من الأسماء نحو: غير وسوى, وقوم يحكون: سوى وسواء١ ويضمون إليها: بيد, بمعنى: غير, وحكم "غير" إذا أوقعتها موقع إلا أن تعربها بالإِعراب الذي يجب للاسم الواقع بعد إلا, تقول: أتاني القوم غير زيد, لأنك كنت تقول: أتاني القوم إلا زيدًا, وتقول: ما جاءني أحد غير زيد؛ لأنك كنت/ ٣٢٥ تقول: أتاني القوم إلا زيدا. وتقول ما جاءني أحد غير زيد؛ لأنك كنت تقول: ما جاءني أحد إلا زيد, وما رأيت أحدًا غير زيد, كما تقول: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا, وما مررت بأحد غير
стр. 318
الموضع الذي ضارعت فيه إلا, ألا ترى أنك تقول: مررت برجل غيرك, ولا تقع إلا في مكانها, لا يجوز أن تقول: جاءني رجل إلا زيد, تريد غير زيد على الوصف, والاستثناء ههنا محال, ولكن تقول: ما يحسن بالرجل إلا زيد أن يفعل كذا, لأن الرجل: جنس, ومعناها بالرجل الذي هو غير زيد, كما قال لبيد:
إنما يُجزَى الفتى غَيرُ الجَمَل١
وكذلك: مررت بالقوم إلا زيد, كما قال:
أُنيخَتْ فألقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَة ... قَلِيل بها الأَصْوَات إلا بُغَامُها٢
стр. 319
وذكر سيبويه قولهم: أتاني القوم سواك, وحكى عن الخليل أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك, إلا أن في سواك معنى١ / ٣٢٨ الاستثناء وسواء تنصب في هذا كله, لأنها تجري مجرى الظروف وتخفض ما بعدها. وأما الثاني: فما جاء من الأفعال في موضع الاستثناء وهي: لا يكون وليس وعدا وخلا فإذا جاءت وفيها معنى الاستثناء ففيها إضمار وذلك قولك: أتاني القوم ليس زيدًا وأتوني لا يكون عمرًا وما أتاني أحد لا يكون زيدًا كأنه قال: ليس بعضهم زيدًا. وترك "بعضًا" استغناءً بعلم المخاطب والخليل يجيز في ليس ولا يكون أن تجعلهما صفتين وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدًا وما أتاني رجل لا يكون عمرًا فيدلك على أنه صفة أن بعضهم يقول: ما أتاني امرأة لا تكون فلانة وما أتتني امرأة ليست فلانة٢.
وأما "عدا" و"خلا" فلا يكونان صفة, ولكن فيهما إضمار كما كان في "ليس". ولا "يكون" وذلك قولُك: ما أتاني أحد خلا زيدًا وأتاني القوم عدا عمرًا فإن أدخلت "ما" على عدا وخلا وقلت: / ٣٢٩ أتاني القومُ ما عدا زيدًا, وأني ما خلا زيدًا "فما" هنا اسم وخلا وعدا صلة له, قال: ولا توصل إلا بفعل٣.
قال سيبويه: وإذا قلت: أتوني إلا أن يكون زيد, فالرفع جيد بالغ وهو كثير في كلامهم و"أن يكون" في موضع اسم مستثنى والدليل على أن "أن يكون" هنا ليس فيها معنى الاستثناء أن ليس وخلا وعدا لا يقَعْنَ هنا,
стр. 320
ومثل الرفع قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ١, وبعضهم ينصب على وجه النصب في لا يكون٢.
وأما الثالث: فما جاء من الحروف في معنى "إلا" قال سيبويه: من ذلك "حاشا" وذكر أنه حرف يجر ما بعده كما تجرُّ "حتى" ما بعدها وفيه معنى الاستثناء قال: وبعضُ العرب يقول: ما أتاني القوم خلا عبدِ الله فيجعل خلا بمنزلة حاشا, فإذا قلت: ما خلا فليس فيه إلا النصب؛ لأن "ما" اسم ولا يكون صلتها إلا الفعل وهي "ما" التي في قولك: أفعل ما٣ فعلت٤.
وحكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد٥: قال: سمعتُ أعرابيا/ ٣٣٠ يقول: اللهم أغفر لي ولمن سَمِعَ حاشا الشيطان وأبا الأصبع, نصب بـ"حاشا"٦.
стр. 321
قال أبو العباس: إنما حاشا بمنزلة خلا, ولأن خلا إذا أردت به الفعل إنما معناه جاوزه من قولك: خلا يخلو, وكذلك حاشا يحاشي, وكذلك قولك: أنت أحب الناس إليّ ولا أُحاشي أحداُ, أي: ولا أستثني أحدًا, وتصييرها فعلًا بمنزلة خلا في الاستثناء قول أبي عمر الجرمي, وأنشد قول النابغة:
وَلاَ أَرَى فَاعِلًا في النَّاسِ يُشبِهُهُ ... ولا أُحَاشِي مِنَ الأَقْوَامِ مِنْ أَحَد١
والبغداديون أيضًا يجيزون النصب والجر بـ"حاشا".
واعلم: أن من الاستثناء ما يكون منقطعًا من الأول, وليس ببعض له وهذا الذي يكون "إلا" فيه بمعنى لكن. ونحن نفرد له بابًا يلي هذا الباب إن شاء الله.
стр. 322
باب الاستثناء المنقطع من الأول
مدخل
...
باب الاستثناء المنقطع من الأول:
إلا في تأويل "لكن" إذا كان الاستثناء منقطعًا عند البصريين١. ومعنى سوى عند/ ٣٣١ الكوفيين, والاختيار فيه النصب في كل وجه٢. وربما ارتفع ما قبل إلا, وهي لغة بني تميم, وإنما ضارعت إلا "لكن", لأن "لكن" للاستدراك بعد النفي, فأنت توجب بها للثاني ما نفيت عن الأول, فمن ههنا تشابها, تقول: ما قام أحدٌ إلا زيد, فزيد قد قام ويفرق بينهما: أنّ لكن لا يجوز أن تدخل بعد واجب, إلا لترك قصة إلى قصة تامة نحو قولك: جاءني عبد الله لكن زيد لم يجئ ولو قلت: مررت بعبد الله لكن عمرو, لم يجز, وليس منهاج الاستثناء المنقطع منهاج الاستثناء الصحيح؛ لأن الاستثناء الصحيح إنما هو أن يقع جمع يوهم أن كل جنسه داخل فيه, ويكون واحد منه أو أكثر من ذلك لم يدخل فيما دخل فيه السائر بمستثنيه منه ليعرف أنه لم
стр. 323
يدخل فيهم, نحو: جاءني القوم إلا زيدًا, فإن قال: ما جاءني زيد إلا عمرًا, فلا يجوز إلا على معنى لكن/ ٣٣٢.
واعلم: أن إلا في كل موضع على معناها في الاستثناء, وأنها لا بد من أن تخرج بعضًا من كل, فإذا كان الاستثناء منقطعًا, فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل إلا قد دل على ما يُستَثْنى منه فتفقد هذا فإنه يدقّ, فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ١, فالعاصم الفاعل, من رحم ليس بعاصم ولكنه دلّ على العصمة والنجاة. فكأنه قال -والله أعلم: لكن من رحم يُعصم أو معصوم, ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ ٢, وهذا الضرب في القرآن كثير. ومن ذلك من الكلام: لا تكونن من فلان في شيء إلا سلامًا بسلام, وما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضرَّ, "فما نفع" مع الفعل بمنزلة اسم٣. ولولا "ما" لم يجز الفعل هنا بعد إلا وإنما حسن هذا الكلام؛ لأنه لما قال: ما زاد دل على قوله هو على حاله, فكأنه/ ٣٣٣ ٤ قال: هو على حاله إلا ما نقص, وكذلك دل بقوله: ما نفع ما هو على أمره إلا ما ضرَّ وقال الشاعر:
نَجَا سَالِم والنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقهِ ... ولم يَنْج إلا جَفْنَ سيفٍ ومئزَرا٥
стр. 324
فقوله: نجا, ولم ينج كقولك: أفلت ولم يفلت, أي: لم يفلت إفلاتًا صحيحًا كقولك: تكلمت ولم أتكلم, ثم قال: إلا جفن سيف ومئزرًا, كأنه قال: لكن جفن سيف ومئزرًا, وقال الآخر:
وما بالربَّعِ من أحدِ
ثم قال:
إلا أَوَ آرِيَّ١ ...
فهذا كأنه كما قال: من أحد اجتزأ بالبعض من الكل, فكأنه قال: ما
стр. 325
بالربع من شيء واكتفى بأحد لأنه من الاستثناء فساغ ذلك له لأنه لم يلبس وأما قول الشاعر:
مَنْ كَانَ أَسْرَعَ في تَفَرٌّقِ فَالِجٍ ... فَلَبُونُه جربت مَعَا وأغَدَّتِ
إلا كَنَاشِرَةِ الَّذِي ضيَّعَتُمُ ... كالغُصْنِ في غُلوائِهِ المتنبّتِ١
وقال الآخر:
كَلاَّ وَبَيْتِ الله حتى يُنْزِلوا ... مِنْ رأسِ شاهقةٍ إلينا الأسْوَدا
стр. 326
ثم قال:
إلا كَخَارِجَةِ المكلّفِ نفسَه ... وابنى قبيصة أن أَغِيبَ ويُشْهدا١
فإن الكاف زائدة كزيادتها في قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ ٢.
стр. 327
وكقول رؤبة:
لواحقُ الأقرابِ فيها كالمقَق١
والمقق: الطول وإنما المعنى: فيها طول, كما يقال: فلان كذا الهيئة أي: ذو الهيئة.
стр. 328
مسائل من باب الاستثناء:
تقول: ما مررتُ بأحدٍ يقول ذاك إلا زيد. وما رأيت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا, هذا وجه الكلام, وإن حَملْتَه على الإِضمار الذي في الفعل, أعني: المضمر في "يقول" فقلت: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدٌ, فعربي. قال عديُّ بن زيد:
في لَيْلَةٍ لا نَرَى بها أحَدًَا ... يَحْكِي علينا إلا كَواكِبُها١
стр. 329
وإنما تكلَّموا بذلك لأن "تقول" في المعنى منفي, إذ كان وصفًا لمنفي أو خبرًا, كما قالوا: قد عَرَفْتُ زيدًا أبو من هو, لأن معناه معنى المستفهم عنه. ويجوز: ما أظنُّ أحدًا فيها إلا زيدٌ, ولا أحدٌ منهم اتخذت عنده يدًا إلا زيد, رفعت زيدًا في المسألة الأولى على البدل من المضمر في فيها/ ٣٢٥ المرفوع وخفضته في الثانية على البدل من الهاء المخفوضة. في "عنده" وتقول: ما ضربت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا لا يكون في ذلك إلا النصب؛ لأن القول غير منفي هنا, وإنما أخبرت: أنك ضربت ممن يقول ذاك زيدًا, والمعنى في الأول أنك أردت أنه ليس يقول ذاك إلا زيد. ولكنك قلت: رأيت أو ظننت ونحوهما لتجعل ذلك فيما رأيت وفيما ظننت ولو جعلت: رأيت من رؤية العين كان بمنزلة "ضربت".
قال الخليل: ألا ترى أنك تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيد, وما أظنُّه يقوله إلا عمرو, فهذا يدلك على أنك إنما انتحيت على القول١, وتقول: قل رجل يقول ذاك إلا زيد, وليس "زيد" بدلًا من الرجل في "قل".
قال سيبويه: لكن "قل رجل" في موضع "أقل رجل" ومعناه كمعناه, وأقل رجل مبتدأ ٢ / ٣٣٣ مبنى عليه. والمستثنى بدل منه لأنه يدخله في شيء.
стр. 330
يخرج منه من سواه, وكذلك أقل من وقل من إذا جعلت من بمزلة رجل, قال حدثنا بذلك يونس عن العرب. يجعلونه نكرة١ -يعني من- قال أبو العباس: إذا قلت: قل رجل يقول ذاك إلا زيد فهذا نفي. كثر رجل٢ يقول ذاك إلا زيد وليست هذه قل التي تريد بها قل الشيء وإنما تريد ما يقول ذاك إلا زيد. والدليل على أن رجل في معنى رجال, أنك لو قلت: قل زيد إلا زيد, لم يجز لأنك لا تستثني واحدًا من واحد هو هو, وقولك: إلا زيدًا يدلُّ على معنى أقل رجل٣ فهو بدل من قولك: قل رجل. وتقول: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به, من قبل "أن بشيء" في موضع رفع في لغة بني تميم فلما قبح أن يحمله على الباء صار كأنه ٤ / ٣٣٧ بدل من اسم مرفوع, وبشيء في لغة أهل الحجاز في موضع اسم منصوب ولكنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به, استوت اللغتان وصارت "ما" على أقيس الوجهين٥, وهي لغة تميم.
وتقول: لا أحد فيها إلا عبد الله, تحمل عبد الله على موضع "لا" دون
стр. 331
لفظه وكذلك تقول: ما أتاني من أحد إلا عبد الله, ألا ترى أنك تقول: ما أتاني من أحد لا عبدُ الله ولا زيدٌ, من قبل أنه خطأ أن تحمل المعرفة على "من" في هذا الموضع كما تقول: لا أحدَ فيها إلا زيدٌ, لا عمروٌ؛ لأن المعرفة لا تحمل على "لا"١. وتقول: ما فيها إلا زيد, وما علمت أن فيها إلا زيدًا, ولا يجوز: ما إلا زيد فيها, ولا ما علمت أن إلا زيدًا فيها٢, وإنما حسن لما قدمت وفصلت بين أن وإلا لطول الكلام, كأشياء تجوز في الكلام إذا طال وتحسن. ولا يجوز أن تقول: ما علمت أن إلا زيدا فيها, من أجل أنك/ ٣٣٨ لم تفصل بين "أن" وإلا كما فصَلْت في قولك ما علمت أن فيها إلا زيدًا.
قال سيبويه: وتقول إن أحدًا لا يقول ذاك وهو خبيث ضعيف٣ فمن أجاز هذا قال: إن أحدًا لا يقول هذا إلا زيدًا, حمله على "إن" وتقول: لا أحد رأيته إلا زيد, وإن بنيت جعلت "رأيته" خبرًا لأحد أو صفة. وتقول ما فيهم أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدًا كأنه قال: قد قالوا ذاك إلا زيدا. وتقول: ما أتاني إلا أنهم قالوا كذا و"أن" في موضع اسم مرفوع قال الشاعر:
لم يَمْنَعِ الشَّربَ منها غَيْرَ أن هَتَفت ... حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ٤
وناس يقولون: غير أن نطقت٥, وقد مضى تفسيره.
стр. 332
وتقول: ما أتاني زيد إلا عمرو, إذا أردت بذكرك زيدًا: بعض من نَفَيْتَ توكيدًا للنفي فهي بمنزلة ما لم تذكره ولا يجوز أن تقول: ما زيد إلا قام, فإن قلت: ما زيد إلا يقوم كان جيدًا/ ٣٣٩ وذلك أن الموضع موضع خبر والخبر اسم فلو كان: ما زيدًا إلا يقوم كان جيدًا لمضارعة يفعل الأسماء. ولم يقولوا: أكثر من ذلك.
قال أبو العباس ﵀: والتقدير: ما زيد شيئًا إلا ذا فلا يجوز أن يقع بعد إلا شيء إلا اسم في معنى شيء الذي هو حدُّ زيد؛ لأنه واحد من شيء لأنه شيء في معنى جماعة, وتقدره: ما زيد شيئًا من الأشياء إلا قائم, فلا يجوز أن يقع بعد "إلا" إلا اسم أو مضارع له, ومن ههنا وجب أن تقول ما زيد إلا الجبن آكل وإلا الخبز آكله هو, وفيمن قال زيدًا ضربته: قال: ما زيد إلا الخبز آكله ولا يجوز: ما الخبز إلا زيد آكل. لا يجوز أن تعمل الفعل الذي بعد إلا في الاسم الذي قبلها بوجه من الوجوه, لأن الاستثناء إنما يجيء بعد مضي الابتداء, لأن المعنى: ما الخبز شيئًا إلا زيد آكله, فإن حذفت الهاء من "آكله" أضمرتها ورفعت الخبز. لا يجوز إلا ذلك/ ٣٤٠. فإن قلت: ما زيد إلا قد قام, فهو أمثل ولو لم يجزه مجيز كان قاصدًا فيه إلى مثل ترك إجازة ما قبله لأن "قد" إنما أكدت وصارت جوابًا لتوقع خبر والفعل الماضي على حاله ومن أجازه فعلى وجه أن "قد" لما زادت ضارع الفعل بالزيادة التي قبله الأفعال المضارعة والأسماء لأن الأفعال المضارعة يدخلها السين, وسوف والأسماء يدخلها الألف واللام فتقول: ما زيد إلا قد قام ألا ترى أن "قد" إذا لحقت الفعل الماضي صلح أن يكون حالًا نحو: جاء زيد قد ركب دابة ولولا "قد" كان قبيحًا فإن قيل: ألست تقول: ما جاءني زيد إلا تكلم بجميل, فقد وقع الفعل الماضي بعد إلا, قيل: إنما جاز وجاد لأنه ليس قبله اسم يكون خبرًا له وإنما معناه: كلما جاءني زيد تكلم "بجميل" فإن قال: فأنت قد تقول: ما تأتيني إلا قلت حسنًا وما تحدثني إلى صدقت فمن أين وقع الماضي بعد إلا/٣٤١ والذي قبله مضارع؟ قيل: فالمضارع الذي قبله في معنى الماضي, لأنه حكاية الحال,
стр. 333
ألا ترى أن معناه: كلما حدثتني صدقتني, وكلما جئتني قلت: حقا, ولو قلت: ما زيد إلا أنا ضارب, لأضمرت الهاء في "ضارب", لأن زيدًا لا سبيل لضارب عليه لأن تقديره: ما زيد شيئًا إلا أنا ضاربه, فإن كانت ما الحجازية فهي الرافعة لزيد, وإن كانت التميمية فإنما جاء الفعل بعد أن عمل الابتداء فصار بمنزلة قولك كان زيد ضربت في أنه لا بد من الهاء في "ضربت" وتقول: ما كان أخاك إلا زيد, وما ضرب أباك إلا زيد؛ لأن الفعل فارغ لما بعده فتقديره, ما كان أحد أخاك إلا عمرو, وما كان أخوك أحدًا إلا زيدًا١, فما بعد "إلا" من فاعل أو مفعول مستثنيًا من اسم في النية أو خبر ولا يجوز: ما منطلقًا إلا كان زيد, من حيث استحال ما زيدًا إلا ضرب عمرو, وتقول ما كان زيد قائمًا إلا أبوه وما زيد قائمًا إلا أبوه لأن "ما" في قائم منفي/ ٣٤٢ في المعنى, والأب هو الفاعل كما تقول: ما قام إلا زيد. فإن قلت: ما زيد قائمًا أحد إلا أبوه كان جيدًا لأن الاستثناء معلق بما قبله غير منفصل منه ونظير ذلك: زيد ما قام أحد إلا أبوه وزيد ما كان أحد قائمًا إلا أبوه. وتقول: ما أظنُّ أحدًا قائمًا إلا أبوك والنصب في الأب أجود على البدل من "أحد" ولو قلت: ما زيد قائمًا أحد إليه إلا أبوه كان أجود حتى يكون الاستثناء فضلة. ويقول: إن أخويك ليسا منطلقًا إلا أبوهما كما تقول: إن أخويك ليسا منطلقة جاريتهما وكذلك: إن أخويك ليسا منطلقًا أحد إلا أبوهما, كما تقول: مررت برجالٍ ليسوا إلا منطلقًا آباؤهم.
قال أبو العباس ﵀: يزعم البغداديون: أن قولهم: إلا في الاستثناء, إنما هي إن ولا٢, ولكنهم خففوا إن لكثرة الاستعمال, ويقولون
стр. 334
إذا قلنا: ما جاءني أحد إلا زيد. فإنما رفعنا زيدًا "بلا" وإن نصبنا فبإن. ونحن في ذلك مخيرون في هذا لأنه قد/ ٣٤٣ اجتمع عاملان "إن ولا" فنحن نعمل أيهما شئنا وكذلك يقولون: جاءني القوم إلا زيد وإلا زيدًا, ولا يعرفون ما نقول نحن أن رفعه على الوصف في معنى غير فيلزمهم أن يقولون: ما جاءني إلا زيدًا إذا أعملوا "إن" وهم لا يقولون١ به, فسألناهم: لِمَ٢ ذلك؟ فقالوا: لأن أحدا مضمرة, قلت: ذاك أجدر أن يجوز النصب, كما يجوز إذا أظهرت أحدًا, فلم يكن في ذاك وما يتولد فيه من المسائل حجة, وهذا فاسد من كل وجه ذكرنا إياه يجعل له حظا فيما يلتفت إليه ويجب على قولهم أن تنصب النكرات في الاستثناء بلا تنوين لأن: لا تنصب النكرات بلا تنوين, قال سيبويه: إذا قلت لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا, الدليل على أنه وصف أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا, وأنت تريد الاستثناء لكنت قد أحلت ونظير ذلك قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ ٣ لَفَسَدَتَا﴾ ٤ ومثل ذلك قوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٥ ومثله قول لبيد: / ٣٣٥
وإذا جُوزِيتَ قَرْضًَا فَاجْزهِ ... إنّما يَجْزِي الفَتَى غَيْرُ الجَمَل٦
قال أبو العباس ﵀: لو كان معنا إلا زيدًا لغلبنا أجود كلام وأحسنه, والدليل على جودته أنه بمنزلة النفي, نحو قولك: ما جاءني أحد إلا
стр. 335
زيد وما جاءني إلا زيد, أنك لو قلت: لو كان معنا أحد إلا زيد لهلكنا فزيد معك كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١ والله تعالى فيهما٢. وتقول: لو كان لنا إلا زيدًا أحد لهلكنا كما تقول: ما جاءني إلا زيدًا أحد والدليل على جودة الاستثناء أيضًا أنه لا يجوز أن يكون إلا وما بعدها وصفًا إلا في موضع لو كان فيه استثناء لجاز. ألا ترى أنك تقول: ما جاءني أحد إلا زيد على الوصف إن شئت وكذلك: جاءني القوم إلا زيد على ذلك, ولو/ ٣٤٥ قلت: جاءني رجلًا إلا زيد, تريد: غير زيد على الوصف لم يجز؛ لأن الاستثناء هنا محال وتقول: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا لأن معنى: ما أكل أحد إلا الخبز أنه قد أكل الخبز كل إنسان فكأنك قلت أكل الخبز كل إنسان فكأنك قلت أكل الخبز كل إنسان إلا زيدًا وكذلك ما مسلوب أحد إلا ثوبًا إلا زيدًا؛ لأنك أردت: كل إنسان سلب ثوبًا إلا زيدًا وتقول: ما ضربت أحدًا إلا قائمًا فتنصب "قائمًا" على الحال وكذلك: ما مررت بأحد إلا "قائمًا" وما جاءَني أحد إلا راكبًا فإن قلت: ما مررت بأحد إلا قائمًا إلا زيدًا نصبت: زيدًا ولم يجز أن تبدله من "أحد" لأن المعنى: مررت بكل أحد قائم, وإن شئت: قائمًا إلا زيدًا وتقول: ما مر بي البعير إلا إبلك وذهب الدنانير إلا دنانيرك وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٣.
قال الأخفش: لو قلت: أين إلا زيدًا قومك/ ٣٤٦ وكيف إلا زيدًا قومك. لجاز لأن هذا بمنزلة أههنا إلا زيدًا قومك, ويجيز ضرب إلا زيد قومك أصحابنا, على أن يستثنى زيدًا من الفاعلين. وقال: لو استثنيته من المفعولين لم يحسن؛ لأنك لم تجئ للمفعولين بذكر في أول الكلام و"ضرب" هو من ذكر الفاعلين لأن الفعل "لهم".
стр. 336
واعلم: أنه لا يجوز أن تجمع بين حرفين من هذه الحروف, إلا ويكون الثاني اسمًا, مثل قولك: قام القوم إلا خلا زيدًا, هذا لا يجوز أن تجمع بين إلا وخلا فإن قلت: إلا ما خلا زيدًا وإلا ما عدا جاز١ ولا يجوز إلا حاش زيدًا والكسائي: يجيزه إذا خفض "بحاشا", والبغداديون يجيزون في: ما عندي إلا أباك أحدًا, الرفع والنصب في "أبيك" يجيزون: ما عندي إلا أبوك أحد. وقد مضى ذكر هذا. وما يجوز فيه وما لا يجوز.
وإذا قلت: ما قام القوم إلا زيد, وهل قام القوم إلا زيد, فالرفع عند/ ٣٤٧ البصريين على البدل٢, وعند الكوفيين على العطف٣, ويقولون: إذا اجتمعت "إلا وغير" فاجعل إحداهما تتبع ما قبلها وإحداهما استثناء, فيقولون: ما جاءني أحد إلا زيد غير عمرو, ترفع زيدًا وتنصب "غير" وهذا عندنا إنما انتصب الثاني, لأنه لا يجوز أن يرفع بالفعل فاعلان وقد مضى تفسير ذلك, وإذا نَسَقْتَ جاز رفعهما جميعًا فقلت: ما جاءني أحد إلا زيد وغير عمرو, قال الشاعر:
مَا بِالمِدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَار الخليفةِ إلا دَارَ مَرْوَانَا٤
стр. 337
ترفع "غير" وتنصب دارَ مروان, ولك أن تنصبهما جميعًا على قولك: ما جاءني أحد إلا زيدًا, ورفعهما جميعًا, لا يجوز إلا على أن تجعل "غير" نعتًا فيصير الكلام كأنك قلت: ما بالمدينة دار كبيرة إلا دار مروان. ولا يجوز أن يقع بعد إلا شيئان مختلفان على غير جهة البدل/ ٣٤٨ لا يجوز: ما أكل إلا عبد الله طعامَكَ. ولا ما أكل إلا طعامك عبد الله, وقد مضى تفسير هذا فإن جعلت "إلا" بمعنى غير فقد أجازه قوم.
وإذا قال القائل: الذي له عندي مائة دِرهم إلا درهَمَين, فقد أقر بثمانية وتسعينَ وإذا قال: الذي له عندي مائة إلا درهمان فقد أقر بمائة لأن المعنى: له عندي مائة غير درهمين. وكذلك لو قال: له عليَّ مائة غير ألف. كان له مائة, ألا ترى أنه لو قال: له عليَّ مائة مثل درهمين, جاز أن يكون المعنى: أن المائة درهمان.
وكذلك لو قال: له عليَّ مائة مثل ألف كان عليه ألف "فغير" نقيض مثل, وإذا قلت: ما له عندي إلا درهمين, فأردت أن تقر بما بعد "إلا" رفعته لأنك إذا قلت: ما له عندي مائة إلا درهمان, فإنما رفعت درهمان, بأن جعلته بدلًا من "مائة" فكأنك قلت: ما له عندي إلا درهمان, وإذا نصبت فقلت: ما له عندي مائة إلا درهمين, فما أقررت بشيء لأن "عندي" لم ترفع شيئًا فيثبت له عندك/ ٣٤٩ فكأنك قلت: ما له عندي ثمانية وتسعون.
كذلك إذا قلت ما لك عليّ عشرون إلا درهمًا, فإذا قلت: ما لك عشرون إلا خمسة, فأنت تريد: ما لك إلا خمسة وتقول: لك عليّ عشرة إلا خمسة ما خلا درهمًا فالذي له ستة. وكل استثناء فهو مما يليه والأول: حط والثاني: زيادة وكذلك جميع العدد, فالدرهم مستثنى من الخمسة فصار
стр. 338
المستثنى أربعة. ولا ينسق على حروف الاستثناء "بلا" لا تقول: قام القوم ليس زيدًا ولا عمرًا, ولا: قام القوم غير زيد ولا عمرو, والنفي في جميع العربية ينسق عليه "بلا"١ إلا في الاستثناء, وقال بعضهم: "لا سيما" يجيء شبيهًا بالاستثناء وحكي: ولا سيما يوم ويومًا, من رفع جعله في صلة "ما" ومن خفض خفض بشيء. ههنا وجعل "ما" زائدة٢ للتوكيد والسي/ ٣٥٠. والمثل ومن نصب جعله ظرفًا وحكي عن الأحمر٣: أنه كان يجيز: ما قام صغير وما خلا أخاك كبير وإنما قاسه على قول الشاعر:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بها طُورِي ... ولا خلا الجن بها إنسي٤
стр. 339
وليس كما ظن لأن إنسي مرتفع "بها" على مذهبهم ولو قلت: ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله, إذا كان أبو عبد الله زيدًا كان جيدًا.
قال أبو بكر: قد كنا قلنا عند افتتاحنا ذكرنا الأسماء المنصوبات أنها تنقسم قسمة أولى على ضربين. وأن الضرب الأول: هو العام الكثير. وقد ذكرناه بجميع أقسامه وبقي الضرب الآخر وهو "إلا" ونحن ذاكرون إن شاء الله الضرب الآخر من الأسماء المنصوبة من القسمة الأولى. هذا الضرب كل اسم نذكره لفائدة بعد اسم مضاف أو فيه نون ظاهرة أو مضمرة قد تما بالإِضافة والنون وحالت النون بينهما أو/ ٣٥١ الإِضافة ولولاها لصلح أن يضاف إليه والفرق بين هذا الضرب من التمييز وبين التمييز الذي قبله أن المنصوب هنا ينتصب عند تمام الاسم وذلك ينتصب عند تمام الكلام, وهذا الضرب أكثر ما يكون في نوعين يميزان المقادير والأعداد, وقد نصبوا أشياء نصب الأسماء بعد المقادير.
стр. 340
باب تمييز المقادير:
المقدرات بالمقادير على ثلاثة أضرب: ممسوح, ومكيل, وموزون. أما ما كان منها على معنى المساحة, فقولهم: ما في السماء قدر راحة سحابًا, جعل قدر الراحة شيئا معلومًا نحو: ما يمسح به ما في الأرض وكل ما كان في هذا المعنى فهذا حكمه. وأما ما كان على معنى الكيل فقولهم: عندي قفيزان برا وما أشبه ذلك. وأما ما كان على معنى الوزن فقولهم: عندي منوان سمنًا وعندي رطل زيتًا. فالتمييز إنما هو فيما يحتمل أن يكون أنواعًا, ألا ترى أنك إذا قلت: عندي منا ورطل وأنت تريد: مقدار منا ومقدار رطل لا الرطل والمن١ اللذين٢ / ٣٥٢ يوزن بهما جاز أن يكون ذلك المقدار من كل شيء يوزن من الذهب والفضة والسمن والزيت, وجميع الموزونات, وكذلك الذراع يجوز أن يكون مقدار الذراع من الأرضين والثياب ومن كل ما يمسح, وكذلك القفيز والمكيل يصلح أن يكال به الحنطة, والشعير والتراب وكل ما يكال. فأما قولهم: لي مثله رجلًا فمشبه بذلك لأن المثل مقدار فذلك الأصل ولكنهم يتسعون في الكلام فيقولون: لي مثله رجلًا وهم يريدون: في شجاعته وغنائه أو غير ذلك. فإذا قلت: لي مثله زيدًا فذلك على بابه إنما يريد: مثل شيء في وزنه وقدره والهاء في مثله حالت بين مثل وبين زيد
стр. 341
أن تضيفه إليه, وكذلك النون في "منوان" فنصبته كما نصبت المفعول لما حال الفاعل بينه وبين الفعل. ولولا المضاف, والنون لأضفته إليه, لأن كل اسم يلي اسمًا ليس بخبر له, ولا/ ٣٥٣ صفة ولا بدل منه فحقه الإِضافة, وسيتضح لك ذلك في باب الخفض إن شاء الله.
ومثل ذلك: عليه شعر كلبين دينًا فالشعر مقدار وكذلك: لي ملء الدار خيرًا منك, ولي ملء الدار أمثالك؛ لأن خيرًا منك وأمثالك نكرتان١ وإن شئت قلت: لي ملء الدار رجلًا وأنت تريد: رجالًا وكل مميز مفسر في المقادير والأعداد وغيرها. "فمن" تحسن فيه إذا رددته إلى الجنس تقول: لي مثله من الرجال, وما في السماء قدر راحة من السحاب, ولله دره من الرجال, وعندي عشرون من الدراهم, ومنه ما تدخل فيه "من" وتقره على إفراده كقولك: لله دره من رجل.
قال أبو العباس ﵀: أما قولهم: حسبك بزيد رجلًا, وأكرم به فارسًا, وحسبك يزيدٍ من رجل, وأكرم به من فارس, ولله دره من شاعر, وأنت لا تقول: عشرون من درهم ولا هو أفره من عبد, فالفصل بينهما: أن الأول كان يلتبس فيه التمييز بالحال فأدخلت٢ / ٣٤٥ "من" لتخلصه للتمييز, ألا ترى أنك لو قلت: أكرم به فارسًا وحسبك به خطيبًا لجاز أن تعني في هذه الحال, وكذلك إذا قلت: كم ضربت رجلًا وكم ضربت من رجل. جاز ذلك لأن "كم" قد يتراخى عنها مميزها. وإذا قلت: كم ضربت لم يدر السامع أردت: كم مرةً ضربت رجلًا واحدًا أم: كم ضربت من رجل فدخول "من" قد أزال الشك. ويجوز أن تقول: عندي رطل زيت وخمسة أثواب, على البدل لأنه جائز أن تقول: عندي زيت رطل, وأثواب خمسة فتوخوها على هذا المعنى, وجائز الرفع في: لي مثله رجل،
стр. 342
تريد: رجل مثله, فأما الذي ينتصب انتصاب الاسم بعد المقادير فقولك: ويحه رجلًا, ولله دره رجلًا, وحسبك به رجلًا, قال العباس بن مرداس:
ومرة يحميهم إذا ما تبدَّدوا ... ويطعنهم شزرًا فأبرحتَ فارسا١
قال سيبويه: كأنه قال: فكفى بك فارسًا, وإنما يريد: كفيت فارسًا٢ / ٣٥٥ ودخلت هذه الباء توكيدًا, ومن ذلك قول الأعشى:
فأَبْرَحْتَ رَبًّا وَأْبرَحْتَ جَارًَا٣
стр. 343
ومثله: أكرم به رجلًا. وإذا كان في الأول ذكر منه حسن أن تدخل "من" توكيدًا لذلك الذكر تقول: ويحه من رجل, ولله در زيد من فارس, وحسبك به من شجاع ولا يجوز: عشرون من درهم, ولا هو أفرههم من عبد؛ لأنه لم يذكره في الأول ومعنى قولهم: ذكر منه, أن رجلًا هو الهاء في ويحه. وفارس هو زيد, والدرهم ليس هو العشرون والعبد ليس هو زيد, ولا الأفره, لأن الأفره خبر زيد.
стр. 344
باب تمييز الأعداد:
اعلم: أن الأعداد كالمقادير تحتاج إلى ما يميزها كحاجتها. وهي تجيء على ضربين: منها ما حقه الإِضافة إلى المعدود وذلك ما كان منه يلحقه التنوين ومنها ما لا يضاف, وهو ما كان فيه نون أو بني اسم منه مع اسم فجعلا بمنزلة اسم واحد. أما المضاف فما كان منها من الثلاثة إلا العشرة فأنت تضيفه/ ٣٥٦ إلى الجمع الذي بني لأدنى العدد نحو: ثلاثة أثوب وأربعة أفلس وخمسة أكلب وعشرة أجمال. فأفعل وأفعال مما بني لأقل العدد١ وأقل العدد هو العشرة فما دونها ذلك أن تدخل في المضاف إليه الألف واللام؛ لأنه يكون الأول به معرفة فتقول: ثلاث الأثواب وعشرة الأفلس. ومن ذلك مائة وألف؛ لأن المائة نظير عشرة لأنها عشر عشرات والألف نظير المائة لأنه عشر مئات.
قال أبو العباس ﵀: ولكنك أضفت إلى المميز: لأن التنوين غير لازم في المائة, والألف والنون في عشرين لازمة؛ لأنها تثبت في الوقف وتثبت مع الألف واللام, فإذا زدت على العشرة شيئًا جعل مع الأول اسمًا واحدًا وبنيا على الفتح, ويكون في موضع عدد فيه نون, وذلك قولك: أحد
стр. 345
عشر درهمًا, وخمسة عشر دينارًا, ويدلك على أن عشر قد قامت مقام التنوين قولهم: اثنا عشر درهمًا, ألا ترى أن عشر قد عاقبت النون فلم تجتمعا فهذا١ / ٣٥٧ على ذلك إلى تسعة عشر, فإذا ضاعفت أدنى العقود وهو عشرة كان له اسم من لفظه ولحقته الواو والنون والياء والنون, نحو: عشرون وثلاثون, إلى تسعين والذي يبين به هذه العقود لا يكون إلا واحدًا نكرة, تقول: عشرون ثوبًا وتسعون غلامًا, فإذا بلغت المائة تركت التنوين وأضفت المائة إلى واحد مفسر ووجب ذلك في المائة لأنها تشبه عشرة وعشرين أما شبهها بعشرة فلأنها عشر عشرات فوجب لها من هذه الجهة الإِضافة, وأما شبهها بعشرين وتسعين فلأنها العقد الذي يلي تسعين, فوجب أن يكون مميزها واحدًا, فأُضيفت إلى واحد لذلك إلا أنك تدخل عليه الألف واللام إن شئت. لأن الأول يكون به معرفة, وكذلك ألفَ حكمهُ حكمُ مائة وتثنيتها فتقول: مائة درهم وألفا درهم وقدْ جاءَ بعضُ هذا منونًا منصوبًا ما بعده في الشعر, قال الربيع:
إذَا عاشَ الفَتى مائتين عامًا ... فقد ذهبَ البشاشةُ والفَتاءُ٢
стр. 346
قال/ ٣٥٨ سيبويه وثلاث: وأما تسع مائة وثلاث مائة فكان حقه مائتين أو مئات ولكنهم شبهوه بعشرين وأحد عشر١. وقال: اختص هذا إلى تسع مائة ثم ذكر: أنهم قد يختصونَ الشيءَ بما لا يكون لنظائرهِ, فذكَر: لدُن وغدوة وما شعرت به شعرة, وليت شعري والعَمْرُ, والعُمْرُ, ولا يقولون إلا لعمرك في اليمين, وذكر مع ذلك أنه قد جاء في الشعر الواحد يراد به الجمع٢ وأنشد:
في حَلقُكُم عَظمٌ وقَد شَجِينَا٣
يريد في حلوقكم. وقال آخر:
كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فإنَّ زمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ٤
стр. 347
باب كم
مدخل
...
باب كم:
اعلم: أن لـ"كم" موضعين: تكون في أحدهما استفهامًا وفي الآخر خبرًا, فأما إذا كانت استفهامًا فهي فيه بمنزلة: عشرين وما أشبهه من الأعداد التي فيها/ ٣٥٩ نون تنصب ما يفسرها, تقول: كم درهمًا لك, كما تقول: أعشرون درهمًا لك, أثلاثون درهمًا لك, فينتصب الدرهم بعد "كم" كما انتصب بعد عشرين وثلاثين؛ لأن "كم" اسم ينتظمُ العدد كلهُ وخص الاستفهام بالنصب ليكون فرقًا بينه وبين الخبر لأن العدد على ضربين: منه ما يضاف إلى المعدود, ومنه ما لا يضاف كما ذكرنا, فجعلت "كم" في الاستفهام بمنزلة ما لا يضاف منه وذلك نحو: خمسة عشر, وعشرين, فخمسة عشر أيضًا بمنزلة اسم منون, ألا ترى أنه لا يضاف إلى ما يفسره فإذا قلت: كم درهمًا لك فإنما أردت: كم لك من الدراهم كما أنك لما قلت: عشرون درهمًا إنما أردت: عشرون من الدراهم ولكنهم حذفوا "من" استخفافًا كما قالوا: هذا أول فارس في الناس, وإنما يريدون: هذا أول الفرسان.
قال الخليل: إن كم درهمًا لك أقوى من قولك: كم لك درهمًا, وذلك أن قولك: أعشرون١ / ٣٦٠ لك درهمًا أقبح إلا أنها في "كم" عربية
стр. 348
جيدة, وذلك قبيح في عشرين, إلا أن الشاعر قد قال١:
على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثونَ للهجرِ حولًا كميلا
واعلم: أن "كم" لا تكون إلا مبتدأة في الاستفهام والخبر, ولا يجوز أن تبنيها على فعل, وأنها تكون فاعلة في المعنى ومفعولة ومبتدأة وظرفًا, كما يكون سائر الأعداد في التقدير لا يجوز أن تقول: رأيت كم رجلًا, فتقدم عليها ما يعمل فيها. فأما كونها فاعلة فقولك: كم رجلًا أتاني وأما كونها مفعولة فقولك: كم رجلًا ضربت وأما كونها مبتدأة فقولك: كم دانقًا دراهمك.
واعلم: أنه لك ألا تذكر ما تفسر به "كم" كما جاز لك ذلك في العدد تقول: كم درهم لك, فالتقدير: كم قيراطًا درهم لك, ولا تذكر القيراط،
стр. 349
وتقول: كم غلمانك والمعنى كم/ ٣٦١ غلامًا غلمانك, ولا يجوز إلا الرفع في غلمانك لأنه معرفة. ولا يكون التمييز بالمعرفة, فكأنك قلت: أعشرون غلمانك, وأما كونها ظرفًا فقولك: كم ليلة سرت كأنك قلت: أعشرين ليلة سرت, وكم يومًا أقمت كأنك قلت: أثلاثين يومًا أقمت, فكم عدد.
والعدد: حكمه حكم المعدود الذي عددته به. فإن كان المعدود زمانًا فهو زمان, وإن كان حيوانًا فهو حيوان. وإن كان غير ذلك, فحكمه حكمه. ولا يجوز: كم غلمانًا لك, كما لا يجوز: أعشرون غلمانًا لك.
قال: وحكى الأخفش: أن الكوفيين يجيزونه١, وإذا قلت: كم عبد الله ماكث "فكم" ظرف, فكأنك قلت: كم يومًا عبد الله ماكث فكم أيام, وعبد الله يرتفع بالابتداء كما ارتفع بالفعل حين قلت: كم رجلًا ضرب عبد الله وتقول: كم غلمان لك, فتجعل "لك" صفة لهم٢ والمعنى: كم غلامًا غلمان لك.
قال سيبويه: وسألته -يعني الخليل- عن قولهم: على كم جذع بيتك مبني٣ / ٣٦٢ فقال: القياس والنصب وهو قول عامة الناس. يعني نصب جذع. قال: فأما الذين جروا فإنهم أرادوا معنى: "مِن" ولكنهم حذفوا ههنا تخفيفًا على اللسان. وصارت "على" عوضًا منها٤, أما "كم" التي تكون خبرا فهي في الكثير نظيره: "رُبَّ" في التقليل, إلا أن "كم": التي اسم, ورب: حرف وهي في الخبر بمنزلة اسم لعدد غير منون نحو: مائتي درهم, فهي
стр. 350
مضافة وذلك قولك: كم غلام لك قد ذهب, جعلوها في الاستفهام بمنزلة: عشرين وفي الخبر بمنزلة: ثلاثة, تجر ما بعدها ولا تعمل "كم" في الخبر إلاّ فيما تعمل فيه "رب" في اسم نكرة لا يجوز أن تدخل فيه الألف واللام كما فعلت ذلك في مائة الدرهم وما أشبهها, ولا تعمل إلا في نكرة نصبت أو خفضت فتقول: كم رجل قد لقيت, وكم درهم قد أعطيت. وإن شئت قلت: كم رجال قد لقيت, وكم غلمان قد وهبت, فيجوز الجمع إذا كانت خبرًا, ولا يجوز إذا كانت استفهامًا أن تفسر/ ٣٦٣ بجميع. وتقول العرب: كم رجل أفضل منك, تجعله خبر "كم" وحكى ذلك: يونس عن أبي عمرو١, وكم تفسر ما وقعت عليه من العدد بالواحد المنكور, كما قلت: عشرون درهمًا أو بجمع منكور نحو: ثلاثة أثواب. وهذا جائز في التي تقع في الخبر. فأما التي في الاستفهام فلا يجوز فيها إلا ما جاز في العشرين٢, وناس من العرب يعملونها في الخبر كعملها في الاستفهام فينصبون كأنهم يقدرون التنوين ومعناها منونة وغير منونة سواء. وبعض العرب ينشد:
كَمْ عمةً لَكَ يَا جَريرُ وخَالةً ... فَدْعَاءُ قَدْ حلَبَتْ عليَّ عِشَارِي٣
стр. 351
وهم كثير منهم الفرزدق, وهذا البيت ينشد على ثلاثة أوجه: رفع ونصب وخفض, فإذا قلت: كم عمة فعلى معنى: رُبَّ, فإن قلت: كم عمةً فعلى وجهين: على ما قال سيبويه في لغة من ينصب في الخبر, وعلى الاستفهامِ١, فإن قلتَ: كم عمةٌ فرفعتَ أوقعتَ "كم" على الزمان فقلت: كم يومًا عمة/ ٣٦٤ لك وخالة قد حلبت عليّ عشاري, أو كم مرة ونحو ذلك.
واعلم: أنك إذا قلت: كم عمة فلست تقصد إلى واحدة بعينها. وكذلك إذا نصبت. فإن رفعت لم يكن إلا واحدة؛ لأن التمييز يقع واحدة في موضع الجميع. فإذا رفعت فإنما المعنى: كم دانقًا هذا الدرهم الذي أسألك عنه, فالدرهم واحد لأنه خبر وليس بتمييز, وإذا فصلت بين كم وبين الاسم وبشيء استغنى عليه السكون, أو لم يستغن فاحمله على لغة الذين يجعلونها بمنزلة اسم منون, وانصب لأنه قبيح أن تفصل بين الجار والمجرور قال زهير:
تَؤُمُّ سَنانًا وكَمْ دُونَهُ ... من الأرضِ مُحدوْدِبًا غَارُهَا٢
стр. 352
وإن شئت رفعت فجعلت: كم مرارًا وأنشد سيبويه:
كَمْ بِجُودٍ مقرفٍ نَالَ العُلى ... وكَرِيمٍ بخلهُ قد وضَعَهْ١
يفصل بين كم وبين مقرف بالظرف, وأجاز في مقرف الرفع والنصب٢ / ٢٦٥ أيضًا على ما فسرنا.
واعلم: أنك إذا قلت: كم من درهم عندك, فلا يجوز أن تقول: عندك عشرون من درهم. وقد أجروا مجرى "كم" في الاستفهام فنصبوا قولهم: له كذا وكذا درهمًا, كأنهم قالوا: له عدد ذا دراهم. قال سيبويه: هو كناية للعدد بمنزلة فلان في الحيوان, وهو مبهم وصار ذا من كذا بمنزلة التنوين؛ لأن المجرور بمنزلة التنوين. قال! وكذلك كأين رجلًا قد رأيت, قال: زعم ذلك يونس. وكائن قد أتاني رجلًا, إلا أن أكثر العرب إنما تتكلم بها مع٣ "من" قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَة﴾ ٤, فإن حذفت "من" فالكلام عربي جيد.
стр. 353
مسائل من هذه الأبواب:
تقول: عندي رطل زيتًا ورطل زيت, فمن نصب فعلى التمييز, ومن خفض أضاف, ومن رفع اتبع, وكل هذا جائز في المقادير, وكذلك: بيت تبنٍ وجرة زيتٍ, فإن قلت: شاة لحمٍ وجبة خز فالإِضافة؛ لأنك لم ترد: مقدار شاة لحمًا, ومقدار جبة خزا, فإن أردت هذا المعنى جاز/ ٣٦٦ النصب, وتقول: عندي زق عسل سمنًا, تضيف الأول وتنصب الثاني تريد: مقدار زق عسل سمنا, ولا يجوز عندي ملء زق عسلًا سمنًا إلا في بدل الغلط خاصة, لأنه لا يكون عندك ملء زق سمنًا وملؤه عسلًا, لأنه من أيهما امتلأ فقد شغله عن الآخر, ومن ذلك قوله جل وعز: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ١ و ﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ٢ ويجوز: ملءُ الأَرضِ ذَهبٌ في غير القرآن. وتقول: عندي رطلان زيتًا والرطلان زيتًا ورطلا زيت, ولا يجوز: الرطلا زيت, لأنه لا يجمع بين الألف واللام والإِضافة, وكان الكسائي يضيفه ويدخل الألف واللام في كل ما كان مفسرًا ويجيز أيضًا: الرطل الزيت, والرطل الزيت والخمسة الأثواب والخمسة الأثواب فإذا قال: رجل السوء وزن السبعة لم يجز أن تدخل عليه الألف واللام, لإن إضافته صحيحة, والبصريون يأبون إدخال الألف واللام في جميع هذا, والفراء أيضًا يأباه إلا مع الضارب الرجل/ ٣٦٧ والحسن الوجه, وقد مضى تفسير هذا. فإذا قلت: ماء فرات وتمر شهرير, ورطب بَرْنِيّ٣ قضيبا عوسج٤, ونخلتا برني, فكان ليس بمقدار معروف مشهور, فكلام العرب الخفض والاختيار فيه الإِضافة أو الإِتباع ولا يجوز فيه التمييز إذ لم يكن
стр. 354
مقدار. وتقول: كم مثله لك, وكم خيرًا منه لك, وكم غيره مثله لك انتصب "غير" بكم وانتصب المثل, لأنه صفة له ومثله وغيره نكرة, وإن كانا مضافين إلى معرفة وقد ذكر هذا.
ولم يجز يونس والخليل: كم غلمانًا لك؛ لأنك لا تقول: أعشرون غلمانًا لك إلا على وجه: لك مائة بيضًا وعليك راقود خلا, فإن أردت هذا المعنى قلت: كم لك غلمانا, ويقبح أن تقول: كم غلمانا لك١, لأن: لك سبب نصب: غلمان, ولا يجوز أن يتقدم عليها كما لم يجز: زيد قائمًا فيها, وقد بينا: أن العامل إذا كان معنى لم يجز أن يتقدم مفعوله عليه.
وتقول: كم أتاني لا رجل ولا رجلان وكم عبد لك/ ٣٦٨ لا عبد ولا عبدان فهذا محمول على "كَمْ" وموضعُها مِنَ الإِعرابِ لا على ما تعملُ فيهِ كم كأنك قلت: عشرونَ أتوني لا رجلٌ ولا رجلان٢ ولو قلت: كم لا رجل ولا رجلين في الخبر والاستفهام كان غير جائز. وتقول: كم منهم شاهد على فلان إذا جعلت شاهدًا خبرًا "لكم" وكذلك هو في الخبر أيضًا تقول: كم مأخوذ بك إذا أردت أن تجعل: مأخوذًا بك في موضع "لك" إذا قلت: كم لك؛ لأن "لك" لا تعمل فيه "كم" ولكنه مبني عليها٣ -خبر لها- وتقول: كم رجل قد رأيته أفضل من زيد لأنك جعلت "أفضل" خبرًا عن "كم" لأن "كم"اسم مبتدأ.
стр. 355
فأما "رُبَّ" إذا قلت: رُب رجل أفضل منك فلا يكون لها خبرٌ, لأنها حرف جر, وكم: لا تكون إلا اسمًا وتقول: كم امرأة قد قامت, ولا يجوز أن تقول: كم امرأة قد قمن, لأن المعنى: كم من مرة امرأة قد قامت. فإن كانت "امرأة" مميزة فقلت: كم امرأة قد قامت, جاز أن تقول: قامت وقمن لجعل الفعل مرة على لفظ المفسر ومرة على معنى "كم" وقال/ ٣٦٩ الله جل وعز: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ ١ فردوه إلى معنى "كم" وقال جل ثناؤه: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ ٢ فجاء على لفظ المفسر فإدخالك "من" وإخراجها واحد لأنك تريد التفسير. وتقول: كم ناقة لك وفصيلَها وفصيلُها نصبًا ورفعًا من رفع اتبع ما في لك ومن نصب اتبع الناقة, وإنما جاز في فصيلها النصب وهو مضاف إلى الضمير لأن التأويل: وفصيلا لها كما قيل: كل شاة وسخلتها بدرهم, فالتأويل وسخلة لها, كما قالوا: رُب رجل وأخيه والمعنى: وأخ له, فإذا قلت: كم ناقة وفصيلها لك فلا يجوز في الفصيل إلا النصب كأنك قلت: كم ناقة وكم فصيل ناقة لك وتقول: كم رجلًا قد رأيت وامرأة على لفظ "رجل" ويجوز: ونساءه لأن المعنى: رجال لكل رجل امرأة, والفراء يقول: كم رجلًا قد رأيت ونساءه, وكم رجل قد رأيت ونسائه ويقول: تأويل "رجل" جمع فلا أرد عليه بالتوحيد.