وهم كثير منهم الفرزدق, وهذا البيت ينشد على ثلاثة أوجه: رفع ونصب وخفض, فإذا قلت: كم عمة فعلى معنى: رُبَّ, فإن قلت: كم عمةً فعلى وجهين: على ما قال سيبويه في لغة من ينصب في الخبر, وعلى الاستفهامِ١, فإن قلتَ: كم عمةٌ فرفعتَ أوقعتَ "كم" على الزمان فقلت: كم يومًا عمة/ ٣٦٤ لك وخالة قد حلبت عليّ عشاري, أو كم مرة ونحو ذلك.
واعلم: أنك إذا قلت: كم عمة فلست تقصد إلى واحدة بعينها. وكذلك إذا نصبت. فإن رفعت لم يكن إلا واحدة؛ لأن التمييز يقع واحدة في موضع الجميع. فإذا رفعت فإنما المعنى: كم دانقًا هذا الدرهم الذي أسألك عنه, فالدرهم واحد لأنه خبر وليس بتمييز, وإذا فصلت بين كم وبين الاسم وبشيء استغنى عليه السكون, أو لم يستغن فاحمله على لغة الذين يجعلونها بمنزلة اسم منون, وانصب لأنه قبيح أن تفصل بين الجار والمجرور قال زهير:
تَؤُمُّ سَنانًا وكَمْ دُونَهُ ... من الأرضِ مُحدوْدِبًا غَارُهَا٢
стр. 352
وإن شئت رفعت فجعلت: كم مرارًا وأنشد سيبويه:
كَمْ بِجُودٍ مقرفٍ نَالَ العُلى ... وكَرِيمٍ بخلهُ قد وضَعَهْ١
يفصل بين كم وبين مقرف بالظرف, وأجاز في مقرف الرفع والنصب٢ / ٢٦٥ أيضًا على ما فسرنا.
واعلم: أنك إذا قلت: كم من درهم عندك, فلا يجوز أن تقول: عندك عشرون من درهم. وقد أجروا مجرى "كم" في الاستفهام فنصبوا قولهم: له كذا وكذا درهمًا, كأنهم قالوا: له عدد ذا دراهم. قال سيبويه: هو كناية للعدد بمنزلة فلان في الحيوان, وهو مبهم وصار ذا من كذا بمنزلة التنوين؛ لأن المجرور بمنزلة التنوين. قال! وكذلك كأين رجلًا قد رأيت, قال: زعم ذلك يونس. وكائن قد أتاني رجلًا, إلا أن أكثر العرب إنما تتكلم بها مع٣ "من" قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَة﴾ ٤, فإن حذفت "من" فالكلام عربي جيد.
стр. 353
مسائل من هذه الأبواب:
تقول: عندي رطل زيتًا ورطل زيت, فمن نصب فعلى التمييز, ومن خفض أضاف, ومن رفع اتبع, وكل هذا جائز في المقادير, وكذلك: بيت تبنٍ وجرة زيتٍ, فإن قلت: شاة لحمٍ وجبة خز فالإِضافة؛ لأنك لم ترد: مقدار شاة لحمًا, ومقدار جبة خزا, فإن أردت هذا المعنى جاز/ ٣٦٦ النصب, وتقول: عندي زق عسل سمنًا, تضيف الأول وتنصب الثاني تريد: مقدار زق عسل سمنا, ولا يجوز عندي ملء زق عسلًا سمنًا إلا في بدل الغلط خاصة, لأنه لا يكون عندك ملء زق سمنًا وملؤه عسلًا, لأنه من أيهما امتلأ فقد شغله عن الآخر, ومن ذلك قوله جل وعز: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ١ و ﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ٢ ويجوز: ملءُ الأَرضِ ذَهبٌ في غير القرآن. وتقول: عندي رطلان زيتًا والرطلان زيتًا ورطلا زيت, ولا يجوز: الرطلا زيت, لأنه لا يجمع بين الألف واللام والإِضافة, وكان الكسائي يضيفه ويدخل الألف واللام في كل ما كان مفسرًا ويجيز أيضًا: الرطل الزيت, والرطل الزيت والخمسة الأثواب والخمسة الأثواب فإذا قال: رجل السوء وزن السبعة لم يجز أن تدخل عليه الألف واللام, لإن إضافته صحيحة, والبصريون يأبون إدخال الألف واللام في جميع هذا, والفراء أيضًا يأباه إلا مع الضارب الرجل/ ٣٦٧ والحسن الوجه, وقد مضى تفسير هذا. فإذا قلت: ماء فرات وتمر شهرير, ورطب بَرْنِيّ٣ قضيبا عوسج٤, ونخلتا برني, فكان ليس بمقدار معروف مشهور, فكلام العرب الخفض والاختيار فيه الإِضافة أو الإِتباع ولا يجوز فيه التمييز إذ لم يكن
стр. 354
مقدار. وتقول: كم مثله لك, وكم خيرًا منه لك, وكم غيره مثله لك انتصب "غير" بكم وانتصب المثل, لأنه صفة له ومثله وغيره نكرة, وإن كانا مضافين إلى معرفة وقد ذكر هذا.
ولم يجز يونس والخليل: كم غلمانًا لك؛ لأنك لا تقول: أعشرون غلمانًا لك إلا على وجه: لك مائة بيضًا وعليك راقود خلا, فإن أردت هذا المعنى قلت: كم لك غلمانا, ويقبح أن تقول: كم غلمانا لك١, لأن: لك سبب نصب: غلمان, ولا يجوز أن يتقدم عليها كما لم يجز: زيد قائمًا فيها, وقد بينا: أن العامل إذا كان معنى لم يجز أن يتقدم مفعوله عليه.
وتقول: كم أتاني لا رجل ولا رجلان وكم عبد لك/ ٣٦٨ لا عبد ولا عبدان فهذا محمول على "كَمْ" وموضعُها مِنَ الإِعرابِ لا على ما تعملُ فيهِ كم كأنك قلت: عشرونَ أتوني لا رجلٌ ولا رجلان٢ ولو قلت: كم لا رجل ولا رجلين في الخبر والاستفهام كان غير جائز. وتقول: كم منهم شاهد على فلان إذا جعلت شاهدًا خبرًا "لكم" وكذلك هو في الخبر أيضًا تقول: كم مأخوذ بك إذا أردت أن تجعل: مأخوذًا بك في موضع "لك" إذا قلت: كم لك؛ لأن "لك" لا تعمل فيه "كم" ولكنه مبني عليها٣ -خبر لها- وتقول: كم رجل قد رأيته أفضل من زيد لأنك جعلت "أفضل" خبرًا عن "كم" لأن "كم"اسم مبتدأ.
стр. 355
فأما "رُبَّ" إذا قلت: رُب رجل أفضل منك فلا يكون لها خبرٌ, لأنها حرف جر, وكم: لا تكون إلا اسمًا وتقول: كم امرأة قد قامت, ولا يجوز أن تقول: كم امرأة قد قمن, لأن المعنى: كم من مرة امرأة قد قامت. فإن كانت "امرأة" مميزة فقلت: كم امرأة قد قامت, جاز أن تقول: قامت وقمن لجعل الفعل مرة على لفظ المفسر ومرة على معنى "كم" وقال/ ٣٦٩ الله جل وعز: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ ١ فردوه إلى معنى "كم" وقال جل ثناؤه: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ ٢ فجاء على لفظ المفسر فإدخالك "من" وإخراجها واحد لأنك تريد التفسير. وتقول: كم ناقة لك وفصيلَها وفصيلُها نصبًا ورفعًا من رفع اتبع ما في لك ومن نصب اتبع الناقة, وإنما جاز في فصيلها النصب وهو مضاف إلى الضمير لأن التأويل: وفصيلا لها كما قيل: كل شاة وسخلتها بدرهم, فالتأويل وسخلة لها, كما قالوا: رُب رجل وأخيه والمعنى: وأخ له, فإذا قلت: كم ناقة وفصيلها لك فلا يجوز في الفصيل إلا النصب كأنك قلت: كم ناقة وكم فصيل ناقة لك وتقول: كم رجلًا قد رأيت وامرأة على لفظ "رجل" ويجوز: ونساءه لأن المعنى: رجال لكل رجل امرأة, والفراء يقول: كم رجلًا قد رأيت ونساءه, وكم رجل قد رأيت ونسائه ويقول: تأويل "رجل" جمع فلا أرد عليه بالتوحيد.
стр. 356
قال أبو بكر: ويجوز عندي: كم رجلًا رأيت ونساءهم/ ٣٧٠ لأن المعنى: كم رجالًا رأيت ونساء لهم. وتقول: كم زيد قائم, وبكم ثوبك مصبوغ تريد: كم مرة أو ساعة زيد قائم, وما أشبه ذلك. وبكم درهمًا أو دينارًا ثوبك مصبوغ وما أشبه ذلك.
قال الفراء: إذا قلت: عندي خمسة أثوابًا, فهو أشبه شيء بقولك: مررت برجل حسن وجهًا.
قال أبو بكر: وليس هو عند أصحابنا١ كذلك, لأن وجهًا عندهم منصوب بأنه مشبه بالمفعول؛ لأن حسن يشبه اسم الفاعل. وقد مضى ذكر هذا. والنصب في قولهم: خمسة أثوابًا شاذ, إنما يجوز مثله في ضرورة شاعر.
وقال أحمد بن يحيى٢ ﵀: كل منصوب على التفسير فقد جعل ما قبله في تأويل الفعل, ولذلك قلت: عندي خمسة وزنًا وعددًا فجعلت لها مصدرًا. فتأويله عندي ما يعد به الدرهم خمسة وكذلك في كل التفسير ترده تقديره إلى أن تقدره الفعل: فإن قال قائل: فأنت تقول: ما/ ٣٧١ أحسنك من الرجال وما أحسنك من رجل فيثبتهما إذًا فيه فرق إذا قلت: ما أحسنك من الرجال فإنما تريد: أنتَ حَسَنٌ مِن بينهم ومِن جماعتِهم وإذا قلتَ: مِنْ رجل ففيها مَذاهب.
أما مذهب أبي العباس محمد بن يزيد ﵀ فيقول: فصلوا بين الحال والتمييز, وقد مضى ذكر ذلك. وقال غيره: تكون "من" هنا لابتداء الغاية كأنك قلت: ما أحسنك من أول أحوالك يوصف بها الرجل إلى غاية النهاية ومذهب آخر أن تكون "من" تبعيضًا للجنس المميز برجل رجل كأنك
стр. 357
قلت: ما أحسنك من الرجال إذا ميزوا رجلًا رجلًا, فجعلت رجلًا موحدًا ليدل على تمييز الرجال بهذا الإِفراد وكذلك: ما أحسنك من رجلين. كأنك قلت: من الرجال إذا ميزوا رجلين رجلين. والقياس على مذهب الكسائي: عندي الخمسة الألف الدرهم, فيجعل الخمسة مضافة إلى الالف, والألف مضافة إلى الدرهم, وذا عندنا لا يجوز, وتقول على مذهبهم: عندي الخمسة/ ٣٧٢ العشر الألْف الدرهم, فتفتح الخمسة والعشر, وتنصب الألْف على التفسير وتضيفه إلى الدرهم. وهذا لا يجوز لما قدمنا ذكره. وتقول: عندي عشرون رجلًا صالحًا وعندي عشرون رجلًا صالحون ولا يجوز: صالحين على أن تجعله صفة رجل, فإن كان جمعًا على لفظ الواحد جاز فيه وجهان: تقول: عندي عشرون درهمًا جيادًا وجياد, من رفع جعله صفة للعشرين ومن نصب أتبعه المفسر وهذا البيت ينشد على وجهين:
فِيهَا اثْنَتَانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبةً ... سُودًَا كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحمِ١
يروى: سود وتقول: عندي ثلاث نسوة وعجوزان, وشابة وعجوزين وشابة. ترده مرة على ثلاث ومرة على نسوة وإذا قلت: خمستك أو خمسة أثوابك لم تخرج منه مفسرًا؛ لأنه قد أضيف وعلم. ويجيز البغداديون: خمسة دراهمك, ودرهمك ينوي في الأول الإِضافة وهذا إنما يجوز عندي مثله في ضرورة الشاعر قالوا/ ٣٧٣: وقد سمع: برئت إليك من خمسة وعشري
стр. 358
النخاسين قالوا: ولا يجوز مع المكنى, وتقول: عندي خمسةٌ وزنًا, تنصب وترفع, من نصب فعلى المصدر, ومن رفع جعله نعتًا. كأنه قال: خمسة موزونة وإذا قالوا: عندي عشرون وزن سبعة, نصبوا ورفعوا مثل ذلك, وكذلك إن أدخلوا الألف واللام قالوا: عندي العشرون وزنُ السبعة, ووزنَ السبعة, النصب والرفع, وكان الأخفش يجيز: كم رجلًا عندك وعبيده, يعطف "عبيده" على المضمر الذي في "عندكَ" ويرفعهُ قال: ولو قلت: كَمْ رجلًا وعبيدهُ عندك على التقديمِ والتأخير جاز, كأنك قلت: كم رجلًا عندك وعبيده قال الشاعر:
ألا يَا نَخْلَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقِ ... عَلَيْكِ وَرَحْمَة اللهِ السَّلامُ١
وقال يزيدُ بنُ الحكم الثقفي:
جَمَعْتَ وَبُخلًا غِيَبةً ونَمِيمَةً ... ثَلاَثَ خِصَال لَسْتَ عَنْها بِمُرْعَوي٢
قال: وقد فسروا الآية في كتاب الله جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 359
وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ١ والصابئون [كذلك] وتقول: كم يسرك أن لك درهمًا. فتنصب الدرهم وتعني: درهمًا واحدا, ولو قلت: كم يسرك أن لك من "درهم" لم يجز لأن "أن" لا اسم لها, وكذلك لو قلت: كم درهمًا يسرك أن لك, لم يجز وتصحيح المسألة: كم يسرك أنه لك من درهم, تريد: كم من درهم يسرك أنه لك وتقول: كم تزعم أن إلى زيد درهمًا قد دفع, تنصب درهمًا "بأن" ودرهم ههنا واحد, وكم مرار تريد: كم مرة تزعم, وتقول: كم عندك قائمًا رجلًا, تنصب "قائمًا" على الحال, وتجعل خبر "كم" "عندك" وهو قبيح؛ لأنك قد فصلت بين "كم" وبين ما عملت فيه, وتقول: كم مالك إلا درهمان, إذا كنت تستقله وكم عطاؤك إلا خمسون كأنك قلت: كم درهمًا مالك إلا درهمان وكم درهمًا عطاؤك إلا خمسون, فهذا في الاستقلال كقول القائل: هل الأمير إلا عبد الله, وهل الدنيا إلا شيء زائل/ ٣٧٥ وتقول: كم ثلاثة ستة إلا ثلاثتان, وكم خمسة عشرة إلا خمستان, وكم رجلًا أصحابك إلا خمسون, إذا كنت تستقل عددهم, ويكون ما بعد إلا تفسيرًا "لكم" وترفعه إذا كانت "كم" رفعًا, وتنصب إذا كانت "كم" نصبًا وتجره إذا كانت "كم" جرا يقول: كم ثلاثة وجدت ستة إلا ثلاثين, وبكم درهمًا أرضك إلا ألف, وكذلك: كم ثلاثة ستة إلا ثلاثتان, وكم عشرون خمسة إلا أربع خمسات. هذا على الاستثناء تجعل ما بعد إلا بدلًا من "كم" كأنك
стр. 360
قلت: هل بشيء أرضك إلا ألف, وهل شيئًا وجدت ستة إلا ثلاثين فاعتبر هذا بهذا.
قال أبو بكر: قد فرغنا من ذكر المرفوعات والمنصوبات وذكرنا في كل باب من المسائل مقدارًا كافيًا فيه دربة للمتعلم ودرس للعالم بحسب ما يصلح في هذا الكتاب؛ لأنه كتاب أصول ونحن نفرد كتابًا لتفريع الأصول ومزج بعضها ببعض ونسميه كتاب الفروع ليكون فروع هذه الأصول, إن أخر الله في الأجل وأعان/ ٣٧٦, وإذا فرغنا من الرفع والنصب فلنذكر الضم والفتح اللذين يضارعانهما إن شاء الله.
ذكر الاسم المضموم والمفتوح اللذين١ يضارعان المعرب:
اعلم: أن الضم الذي يضارع الرفع هو الضم الذي يطرد في الأسماء ولا يخص اسمًا بعينه, كما أن الفعل هو الذي يرفع الأسماء, ولا يخص اسمًا بعينه وهذا الضرب إنما يكون في النداء, وأما الفتح الذي يشبه النصب فما كان على هذا المنهاج مطردًا في الأسماء ولا يخص اسمًا بعينه, وهذا الضرب إنما يكون في النفي "بلا" وسنذكر كل واحد منهما في بابه, إن شاء الله.
стр. 361
باب النداء
مدخل
...
باب النداء:
الحروف التي ينادى بها خمسة١: يا, وأيا, وهيا, وأي, وبالألف, وهذه ينبه بها المدعو, إلا أن أربعة غير الألف يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخى عنه أو للإِنسان المعروض أو النائم المستثقل/ ٣٧٧, وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف, ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها, ويجوز أن تستعمل هذه الخمسة إذا كان صاحبك قريبًا مقبلًا عليك توكيدًا وإن شئت حذفتهن كلهن استغناء إلا في المبهم والنكرة فلا يحسن أن تقول: هذا وأنت تريد: يا هذا ولا رجل وأنت تريد: يا رجل ويجوز حذف: يا, من النكرة في الشعر. والندبة يلزمها: يا ووا, "ووا" يخص بها المندوب. وأصل النداء تنبيه المدعو ليقبل عليك وتعرض فيه الاستغاثة والتعجب والمدح والندبة وسنذكر ذلك في مواضعه, والأسماء المناداة تنقسم على ثلاثة أضرب: مفرد ومضاف ومضارع للمضاف بطوله.
стр. 362
شرح الأول:
وهو الاسم المفرد في النداء, الاسم المفرد ينقسم على ضربين: معرفة ونكرة, فالمعرفة: هو المضموم في النداء, والمعرفة المضمومة في النداء على ضربين:
إحداهما/ ٣٧٨: ما كان اسمًا علمًا قبل النداء, نحو: زيد وعمرو فهو على معرفته.
وضرب كان نكرة فتعرف بالنداء نحو: يا رجل أقبل, صار معرفة بالخطاب وأنه في معنى: يا أيها الرجل.
فهذان الضربان هما اللذان يُضَمّان في النداء تقول: يا زيد, ويا عمرو, ويا بكر, ويا جعفر, ويا رجل أقبل, ويا غلام تعال. فأما: يا زيد فزيد وما أشبهه من المعارف معارف قبل النداء, وهو في النداء معرفة كما كان, ولو كان تعريفه بالنداء لقدر تنكيره قبل تعريفه, ويحيل قول من قال: أنه معرفة بالنداء فقط, إنك قد تنادي باسمه من لا تعلم له فيه شريكًا, كما تقول: يا فرزدق أقبل, ولو كنت لا تعرف أحدًا له مثل هذا الاسم ولو لم يكن عرف أن هذا اسمه فيما تقدم لما أجابك إذا دعوته به. ومن قال إذا قلت: يا زيد, أنه معرفة بالنداء١, فهذا الكلام من وجه حسن ومن وجه قبيح عندي, أما حسنة: فأن/ ٣٧٩ يعني: أن أول ما يوضع الاسم ليعرف به الإِنسان أنه ينادى به فيقول له أبوه أو من سماه مبتدأ: يا فلان, وإذا كرر ذلك عليه, علم أنه اسمه, ولولا التكرير أيضًا ما علم, فمن قال: أن الاسم معرفة بالنداء أي: أصله أنه به صار يعرف المسمى, فحسن, وإن كان أراد: أن التعريف الذي كان فيه قد زال وحدث بالنداء تعريف آخر, فقد بينا وجه الإِحالة فيه ويلزم قائل هذا القول شناعات أخر عندي.
стр. 363
وأما قولك: يا رجل. فهذا كان نكرة لا شك فيه قبل النداء, وإنما صار باختصاصك له وإقبالك عليه في معنى: يا أيها الرجل, فرفع وإنما ادعى من قال: أن: يا زيد معرفة بالنداء١ لا بالتعريف الذي كان له. قيل: إنه وُجِد الألف واللام لا يثبتان مع "يا" في التعريف في التثنية, ألا ترى أنك تقول يا زيدان أقبلا ولولا "يا" لقلت: الزيدان إذا أردت التعريف, وإنما حذفت الألف واللام استغناء "بيا" عنهما, إذ كانتا آلة للتعريف, كما حذفنا/ ٣٨٠ من النكرة في النداء أيضًا. ووجدنا ما ينوب عنهما فليس ينادي شيءٌ مما فيه الألف واللام إلا الله عز وجل٢.
قال سيبويه: وذلك من أجل أن هذا الاسم لا تفارقه الألف واللام وكثر في كلام العرب٣.
وأما الاسم النكرة الذي بقي على نكرته فلم يتعرف بتسمية ولا نداء فإذا ناديته فهو منصوب, تقول: يا رجلًا أقبل ويا غلامًا تعال, وكذلك إن قلت: يا رجلًا عاقلًا تعالى, فالنكرة منصوبة وصفتها أو لم تصفها, ومعنى هذا أنك لم تدع رجلًا بعينه, فمن أجابك فقد أطاعك, ألا ترى أنه يقول: من هو وراء حائط ولا يدري من وراءه من الناس: يا رجلًا أغثني, ويا غلامًا كلمني, كما يقول: الضرير يا رجلًا خذ بيدي فهو ليس يقصد واحدًا بعينهِ بَل من أخذَ بيدهِ فهو بغيتُهُ قال الشاعر:
فيا رَاكِبًا إما عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدامَايَ مِنْ نَجْرَان أنْ لا تَلاقِيا٤
стр. 364
وإنما أعربت النكرة ولم تبن لأنها لم تخرج عن بابها إلى/ ٣٨١ غير بابها كما خرجت المعرفة, فإن قال قائل: ما علمنا أن قولهم: يا زيد مبني على الضم وليس بمعرب مرفوع١ قيل: يدل على أنه غير معرب أن موضعه نصب, والدليل على ذلك أن المضاف إذا وقع موقع المفرد نصب, تقول: يا عبدَ الله, وأن الصفة قد تنصب على الموضع تقول: يا زيدُ الطويلُ فلو كانت الضمة إعرابًا لما جاز أن تنصبه إذا أضفناه, ولا أن تنصب وصفه, لكنا نقول: أنه مضموم, مضارع للمرفوع ويشبهه من أجل أن كل اسم متمكن يقع في هذا الموضع يضم فأشبه من أجل ذلك المرفوع "بقام" يعني الفاعل؛ لأن كل اسم متمكن يلي "قام" فهو مرفوع, فلهذا حسن أن تتبعه النعت فتقول: يا زيدٌ الطويل كما تقول: قام زيد الطويل, يا زيد وعمرو, فتعطف كما تعطف على المرفوع.
стр. 365
وينبغي أن تعلم: أن حق كل منادى النصب. من قبل أن قولك: يا فلان ينوب عن قولك: أنادي/ ٣٨٢ فلانًا؛ لأن قولك: "يا" هو العمل بعينه وأنه فارق سائر الكلام. لأن الكلام لفظ يغني عن العمل, وهذا العمل فيه هو اللفظ. فإن قلت: ناديت زيدًا بعدَ قولِكَ: يا زيد وهو مثل قولِكَ: ضربت زيدًا, بعدَ علمِكَ ذلكَ به, فتأملْ هذا فإنه منفرد به هذا الباب.
وأما السبب الذي أوجب بناء الاسم المفرد فوقوعه موقع غير المتمكن, ألا ترى أنه قد وقع موقع المضمرة والمكنيات والأسماء إنما جعلت للغيبة لا تقول: قام زيد وأنت تحذف زيدًا عن نفسه, إنما تقول: قمت يا هذا فلما وقع زيد وما أشبهه بعد "يا" في النداء موقع أنت والكاف وأنتم وهذه مبنيات لمضارعتها الحروف بُني, وسنبين أمر المبنيات في مواضعها. وبني على الحركة في النداء لأن أصله التمكن ففرق بينه وبين ما لا أصل له في التمكن فأما تحريكه بالضم دون غيره فإنهم شبهوه بالغايات نحو قبل وبعد إذ كانت تعرب بما يجب لها من الإِعراب/ ٣٨٣ إذا أضفتها وهو النصب والخفض دون الرفع, وتقول: جئت قبلك ومن قبلك فلما حذف منها الاسم المضاف إليه بني الباقي على الضم, وهي الحركة التي لم تكن له قبل البناء, فعلم أنها غير إعراب. فقالوا: جئتك من قبل ومن بعد ومن علُ يا هذا, فكذلك هذا المنادى لما كان مضافهُ منصوبًا ضم مفرده, ألا ترى أنك تقول: يا عبد الله فتنصب, فإن لم تضف قلت: يا عبد ويا غلام فضممت فكذلك التقدير في كل مفرد, وإن كنت لم تفرد عن إضافة فهذا تقديره.
واعلم: أن لك أن تصف زيدًا وما أشبهه في النداء وتؤكده وتبدل منه وتعطف عليه بحرف العطف وعطف البيان. أما الوصف فقولك: يا زيد الطويلُ والطويلَ فترفع على اللفظ وتنصب على الموضع١, فإن وصفته
стр. 366
بمضاف نصبت الوصف لا غير١ لأنه لو وقع موقع زيد لم يكن إلا منصوبًا تقول: يا زيد ذا الجمة/ ٣٨٤ وكذلك إن أكدته تقول: يا زيد نفسُهُ ويا تميم كلكُم ويا قيس كلكُم. فأما يا تميم أجمعون, فأنت فيه بالخيار, إن شئت رفعت وإن شئت نصبت, حكم التأكيد حكم النعت, إلا أن الصفة يجوز فيها النصب على إضمار "أعني" ولا يجوز في أجمعين ذلك, وأما البدل فقولك: يا زيد زيدٌ الطويلَ, ويا زيد أخان؛ لأن تقدير البدل أن يقوم الثاني مقام الأول فيعمل فيه ما عمل في الأول فقولك: يا زيد أخانا كقولك: يا أخانا.
واعلم: أن عطف البيان كالنعت سواء, لا يلزمك فيه طرح التنوين كما لا يلزمك في النعت طرح الألف والام, تقول: يا زيدٌ زيدًا فتعطفُ على الموضعِ, ويا زيدٌ زيدٌ وأمر البدل وعطف البيان سنذكرهما مع ذكر توابع الأسماء وهذا البيت ينشد على ضروب:
إني وأسطارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا ... لَقَائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًَا نَصْرَا ٢
فمن قال: يا نصر نصرًا, فإنه جعل المنصوبين تبيينًا للمضموم وهو
стр. 367
الذي يسميه النحويون عطف البيان, وسأفرق لك/ ٣٨٥ عطف البيان من البدل في موضعه, ومجرى العطف للبيانِ مجرى الصفةِ فأجريا على قولك: يا زيد الظريفَ وتقديرهُ: يا رجل زيدًا أقبل على قول من نصب الصفة. وينشد:
يا نَصْرُ نَصْرا١
جعلهما تبيينًا وأجرى أحدهما على اللفظ والآخر على الموضع كما تقول: يا زيدٌ الظريف العاقلُ ولو نصبت "العاقل" على "أعني" كان جيدًا, ومنهم من ينشده:
يا نَصْرُ نَصْرُ نَصْرا٢
فجعل الثاني بدلًا من الأول, وتنصب الثالث على التبيين فكأنه قال:
يا نَصْرُ نصرُ نَصْرا٣.
وأما العطف فقولك: يا زيد وعمرو أقبلا, ويا هند وزيد أقبلا, ولا
стр. 368
يجوز عطف الثاني على الموضع لما ذكرناه في باب العطف وهو أن حكم الثاني حكم الأول لأنه منادى مثله وكل مفرد منادى فهو مضموم. وقد قالوا على ذلك: يا زيد والحرث لما دخلتِ الألفُ واللامُ "ويا" لا تدخل عليهما, فاعلم وإنما يبنى الأولُ لأنه منادى مخاطب باسمه, وعلة/ ٣٨٦ الثاني وما بعده كعلة الأول لا فرقَ بينهما في ذلك, ألا ترى أنهم:
يقولون: يا عبدَ الله وزيدٌ فيضمون الثاني والأول منصوب لهذه العلة ولولا ذلك لم يجز, قال جميع ذلك ابن السراج, أيضًا فإن عطفت اسمًا فيه ألف ولام على مفرد فإن فيه اختلافًا.
أما الخليل وسيبويه والمازني: فيختارون الرفع, يقولون: يا زيدٌ والحارثُ أقبلا١, وقرأ الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز: "يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرُ"٢. وأما أبو عمرو وعيسى ويونس وأبو عمر الجرمي فيختارون النصب٣, وهي قراءة العامة. وكان أبو العباس يختار النصب في قولك: يا زيد والرجلُ ويختار الرفع في الحارث إذا قلت: يا زيدٌ والحارثُ؛ لأن الألف واللام في "الحارث" دخلت عنده للتفخيم, والألف واللام في الرجل دخلتا بدلًا من "يا" لأن قولك: النضر والحارث, ونصر وحارث بمنزلة٤ ومثل
стр. 369
ذلك اختلافهم في الاسم المنادى إذا لحقه التنوين اضطرارًا في الشعر, فإن الأولين يؤثرون رفعه ١ / ٣٨٧ أيضًا ويقولون: هو بمنزلة مرفوع لا ينصرف يلحقه التنوين فيبقى على لفظه وأبو عمرو بن العلاء وأصحابه يلزمون النصب ويقولون هو بمنزلة قولك: مررت بعثمان يا فتى, فإذا لحقه التنوين رجع إلى الخفض٢. فإن كان المنادى مبهمًا, فحكمه حكم غيره, إلا أنه يوصف بالرجل وما أشبهه من الأجناس وتقول: يا أيها الرجل أقبل, فيكون "أي" ورجل كاسم واحد "فأي" مدعو والرجل نعت له, ولا يجوز أن يفارقه نعته؛ لأن "أيا" اسم مبهم ولا يستعمل إلا بصلة, إلا في الجزاء والاستفهام فلما لم يوصل أُلزم الصفة لتبينه كما كانت تبينه الصلة. و"ها" تبينه وكذلك إذا قلت: يا هذا الرجل, فإذا قلت: يا أيها الرجل لم يصلح في "الرجل" إلا الرفع؛ لأنه المنادى في الحقيقة و"أي" مبهم متوصل إليه به. وكذلك: يا هذا الرجل إذا جعلت هذا سببًا إلى نداء الرجل, ولك أن تقيم الصفة مقام الموصوف فتقول: / ٣٨٨ يا أيها الطويل ويا هذا القصير كقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ ٣ فإن قدرت الوقف على هذا ولم تجعله وصلة إلى الصفة وكان مستغنيًا بإفرادهِ كنت في صفته بالخيار: إن شئت رفعت وإن شئت نصبت كما كان ذلك في نعت زيد فقلت: يا هذا الطويلُ والطويلَ.
وأما "أي" فلا يجوز في وصفها النصب لأنها لا تستعمل مفردة فإن وصفتَ الصفةَ بمضافٍ فهو مرفوع لأنك إنما تنصب صفة المنادى فقط.
قال الشاعر:
يا أيُّها الجَاهِلُ ذو التَّنَزِّي٤
стр. 370
فوصف "الجاهل" وهو صفة بـ"ذو" ويجوز النصب على أن تجعله بدلًا من "أي" فتقول: يا أيها الجاهل ذا التنزي, ولا يجوز أن تقول: هذا أقبل وأنت تناديه تريد: يا هذا كما تقول: زيد أقبل وأنت تريد يا زيد ولا: رجل أقبل؛ لأن هذين نعت لأي, فإن جاء في الشعر فهو جائز ولك أن تسقط "يا" فتقول: زيد أقبل وإنما قبح إسقاط حرف النداء من هذا/ ٣٨٩ ورجل لأنهما يكونان نعتًا لأي فلا يجمع عليها حذف المنعوتِ وحرفُ النداءِ فاعلم.
فأما قولهم: اللهُّم اغفر لي, فإنَّ الخليل كان يقول: الميم المشددة في آخرهِ بدل من "يا" التي للنداء لأنهما حرفان مكان حرفين١.
قال أبو العباس: الدليل على صحة قول الخليل: أن قولك: اللهم لا يكون إلا في النداء لا تقول: غفر اللهم لزيد ولا: سخط اللهم على زيد كما تقول: سخط الله على زيد وغفر الله لزيد وإنما تقول: اللهم اغفر لنا اللهم اهدنا وقال: فإن قال الفراء: هو نداء معه "أم" قيل: له فكيف تقول: اللهم اغفر لنا, واللهم أمنا بخير فقد ذكر "أم" مرتين قال: ويجب على قوله أن تقول: يا اللهم لأنه: يا الله أمنا ولا يلزم ذلك الخليل: لأنه يقول الميم بدل من يا٢.
وإذا وصفت مفردًا بمضاف لم يكن المضاف إلا منصوبًا تقول: يا زيد.
стр. 371
ذا الجمة, فأما: يا زيد الحسن الوجه, فإن سيبويه: يجيز الرفع والنصب في الصفة, لأن معناه عنده الانفصال فهو كالمفرد في التقدير, لأن حسن١ / ٣٩٠ الوجه بمنزلة حسن وجههُ, فكما أنه يجيز: يا زيد الحَسَنُ والحسنَ فكذلك يفعل إذا أضاف, لأنه غير الإِضافة يعني به, وأنشد:
يا صَاحِ يا ذَا الضَّامِرِ العَنسِ٢
يريد: يا ذا الضامرة عنسُه وتقول: يا زيدٌ أو عبد الله, ويا زيدُ أو خالدُ وقال سيبويه: أو, ولا في العطفِ على المنادى بمنزلة الواو٣.
стр. 372
شرح الاسم المنادى الثاني وهو المضاف:
اعلم: أن كل اسم مضاف منادى, فهو منصوب على أصل النداء الذي يجب فيه -كما بينا- تقول: يا عبدَ الله أقبل, ويا غلامَ زيد افعل, ويا عبدَ مرة تعال, ويا رجل سوء تُبْ, المعرفة والنكرة في هذا سواء, وقال : ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ ١.
وذكر سيبويه: أن ذلك منصوب على إضمار الفعل المتروك إظهاره٢.
وقال أبو العباس: أن "يا" بدل من قولك: أَدعو أو أُريد لا أنك تخبر أنك تفعل, ولكن بها علم أنك قد أوقعت فعلًا, يا عبد الله وقع دعاؤك بعبد الله فانتصب على ٣ / ٣٩١ أنه مفعول تعدى إليه فعلك, فإن أضفت المنادى إلى نفسك فحكم كل اسم تضيفه إلى نفسك أن تحذف إعرابه وتكسر حرف الإِعراب وتأتي بالياء التي هي اسمك فتقول: يا غلامي وزيدي, فإذا ناديت قلت: يا غلام أقبل, لا تثبت "ياء" الإِضافة كما تثبت التنوين في المفرد تشبيهًا به, وثبات الياء فيما زعم يونس في المضاف لغة, وكان أبو عمرو يقول: "يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ"٤. وقد يبدلون مكان الياء الألف لأنها أخف عليهم نحو: يا ربا تجاوز عنا, ويا غلاما لا تفعل, فإذا وقفت قلت: يا غلاماُه, وعلى هذا يجوز: يا أَباه ويا أُماه.
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: يا أبه, ويا أبةِ لا تفعل, ويا أبتاه, ويا أُمتاه فزعم الخليل: أن هذه الهاء مثل الهاء في عمة وخالة, وزعم: أنه سمع من العرب من يقول: يا أمة لا تفعلي ويدلك على أن الهاء بمنزلة الهاء في عمة أنك تقول في الوقت: يا أمةْ ويا أبه كما تقول:
стр. 373
يا خالة, إنما يلزمون هذه في النداء١ / ٣٩٢ إذا أضفت إلى نفسك خاصة, كأنهم جعلوها عوضًا من حذف الياء, قال: وحدثنا يونس: أن بعض العرب يقول: يا أم لا تفعلي, ولا يجوز ذلك في غيرها من المضاف.
وبعض العرب يقول: يا ربُّ اغفر لي, ويا قومُ لا تفعلوا, فإن أضفت إلى مضاف إليك قلت: يا غلام غلامي, ويابن أخي, فتثبت الياء لأن الثاني غير منادى, فإنما تسقط الياء في الموضع الذي يسقط فيه التنوين وقالوا: يابن أُم, ويابن عم, فجعلوا ذلكَ بمنزلة اسمْ واحدٍ لكثرته في كلامهم٢.
قال أبو العباس ﵀: سألت أبا عثمان عن قول من قال: يابن أم لا تفعل, فقال: عندي فيه وجهان: أحدهما أن يكون أراد: يابن أمي فقلب الياء ألفًا فقال: يابن أما ثم حذف الألف استخفافًا من "أما" كما حذف الياء من "أمي". ومثل ذلك: يا أبة لا تفعل, والوجه الآخر أن يكون: ابن عمل في أُم عمل خمسة عشر فبني/ ٣٩٣ لذلك قلت: فلم جاز في الوجه الأول قلب الياء ألفًا؟ فقال: يجوز في النداء والخبر وهو في النداء أجود قلت: وأمّ؟ قال: لأن النداء يقرب من الندبة وهو قياس واحد وذلك قولك: وا أماه قلت: فنجيزه في الخبر في الشعرِ؟ فقالَ: في الشعر وفي الكلام جيدٌ بالغ, أقول: هذا غلاما قد جاء فأقلبها؛ لأنَّ الألف أخف من الياء. وقد قال الشاعر:
وقَدْ زَعَمُوا أنِّي جَزِعْتُ علَيهِمَا ... وهَلْ جَزَعٌ إن قُلْتَ: وا بأباهما٣
стр. 374
يريد: وا بأبي هما. وأنشد سيبويه لأبي النجم:
يا بنتَ عَمَّا لا تلومِي واهْجَعِي١
فإن أضفت اسمًا مثنى إليك: نحو عبدين وزيدين قلت: يا عبدي ويا زيدي ففتحت الياء من قبل أن أصل الإِضافة إلى نفسك الفتح, تقول: هذا بني وغلامي يا فتي, ثم تسكن إن شئت استخفافًا فلما التقى ساكنان في عبدي واحتجت إلى الحركة رددت ما كان للياء إليها فإذا صغرت ابنًا فقلت بني, ثم أضفته إلى نفسك قلت: يا بني أقبل, ولم تكن هذه الياء كياء التثنية؛ لأن هذه حرف/ ٣٩٤ إعراب كما يتحرك دال عبدٍ, تقول: هذا بني كما تقول: هذا عبد, فإذا أضفتهما إلى نفسك كسرت حرف الإِعراب إرادة للياء, وكان الأصل في: يا بني أن تأتي بياء بعد الياء المشددة فحذفتها واستغنيت بالكسر عنها وتقول: يا زيد عمرو ويا زيد زيد أخينا ويا زيد زيدنا.
قال سيبويه, وزعم الخليل ويونس: أن هذا كله سواء وهي لغة للعرب جيدة, وذلك لأنهم قد علموا: أنهم لو لم يكرروا الاسم كان الأول نصبًا لأنه مضاف فلما كرروه تركوه على حاله٢ قال الشاعر:
стр. 375
يا تيمَ تَيمَ عَدِيٍّ لا أَبَا لَكُمُ ... لا يَلْقَيَنَّكُم في سَوأةٍ عُمَرُ١
وإن شئت قلت: يا تيم تيمَ عدي٢, ويا زيد زيدَ أخينا, فكل اسمين لفظهما واحد والآخر منهما مضاف فالجيد الضم في الأول والثاني منهما منصوب, لأنه مضاف, فإن شئت كان بدلًا من الأول وإن شئت كان عطفًا عليه, عطف البيان والوجه الآخر نصب الأول بغير تنوين لأنك/ ٣٩٥ أردت بالأول: يا زيد عمرو فأما أقحمت الثاني توكيدا للأول, وأما حذفت من الأول المضاف استغناء بإضافة الثاني, فكأنه في التقدير: يا زيد عمرو, زيد عمرو, ويا تيم عدي تيم عدي.
واعلم: أن المضاف إذا وصفته بمفرد وبمضاف مثله لم يكن نعته إلا نصبًا؛ لأنك إن حملته على اللفظ فهو نصب والموضع موضع نصب, فلا يزال ما كان على أصله إلى غيره وذلك نحو قولك: يا عبدَ الله العاقلَ, ويا غلامنا الطويلَ, والبدل يقوم مقام المبدل منه, تقول: يا أخانا زيد أقبل, فإن لم ترد البدل وأردت البيان قلت: يا أخانا زيدًا أقبل, لأن البيان يجري مجرى النعت.
стр. 376
شرح الثالث: وهو الاسم المنادى المضارع للمضاف لطوله .
إذا ناديت أسمًا موصولًا بشيء هو كالتمام له فحكمه حكم المضاف إذ كان يشبهه في أنه لفظ مضموم إلى لفظ هو تمام الاسم الأول ويكون معرفة ونكرة وذلك قولك: يا خيرًا من زيد أقبل. ويا ضاربًا رجلًا ويا عشرون رجلًا/ ٣٩٦ ويا قائمًا في الدار, وما أشبهه, جميع هذا منصوب, إذا أقبلت على واحد فخاطبته وقدرت التعريف, وإن أردت التنكير فهو أيضا منصوب, وقد كنت عرفتك أن المعارف على ضربين: معرفة بالتسمية ومعرفة بالنداء. وقال الخليل: إذا أردت النكرة فوصفت أو لم تصف فهي منصوبة؛ لأن التنوين لحقها فطالت فجعلت بمنزلة المضاف لما طال نصب ورد إلى الأصل كما تفعل ذلك بقبل وبعد١, وزعموا: أن بعض العرب يصرف قبلًا فيقول: ابدأ بهذا قبلا, فكأنه جعلها نكرة, وأما قول الأحوص:
سَلامُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا ... وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلامُ٢
فإنما لحقه التنوين كما لحق ما لا ينصرف. وكان عيسى بن عمر يقول: يا مطرًا, يشبهه بيا رجلًا, قال سيبويه: ولم نسمع عربيا يقوله, وله وجه من القياس إذا نون فطال كالنكرة, فالتنوين في جميع هذا الباب كحرف في وسط الاسم وكذلك: لو سميت رجلًا: بثلاثة وثلاثين, لقلت: يا ثلاثة وثلاثين أقبل, وليس بمنزلة قولك ٣ / ٣٩٧ للجماعة: يا ثلاثة وثلاثون, لأنك أردت
стр. 377
في هذا: يا أيها الثلاثة والثلاثون, ولو قلت أيضًا وأنت تنادي الجماعة: يا ثلاثة والثلاثين لجاز الرفع والنصب في الثلاثين كما تقول: يا زيد والحارث والحارثَ, ولكنك أردت في الأول: يا من يقال له ثلاثة وثلاثون١. وإن نعت الاسم المفرد بابن فلان أو ابن أبي فلان, وذكرت اسمه الغالب عليه وأضفته إلى اسم أبيه أو كنيته فإن الاسمين قد جعلا بمنزلة اسم واحد؛ لأنه لا ينفك منه ونصب لطوله, تقول: يا زيدَ بن عمرو كأنك قلت: يا زيد عمرو, فجعلت زيدًا وابنًا بمنزلة اسم واحد ولا تنون زيدًا, كما لم تكن تنونه قبل النداء إذا قلت: رأيت زيد بن عمرو فإن قلت: يا زيد ابن أخينا ضممت الدال من "زيد" لأن ابن أخينا نعت غير لازم, وكذلك: يا زيد ابن ذي المال ويا رجل ابن عبد الله؛ لأن رجلًا اسم غير غالب, فمتى لم يكن المنادى/ ٣٩٨ اسمًا غالبًا, والذي يضيف إليه ابنا سما غالبًا, لم يجز فيه ما ذكرنا من نصب الأول بغير تنوين, وإذا قلت: يا رجل ابن عبد الله, فكأنك قلت: يا رجل يابن عبد الله, وعلى هذا ينشد هذا البيت:
يا حكمَ بنَ المنذرِ بن الجَارُود٢
стр. 378
ولو قلت: يا حكمُ بنُ المنذر كان جيدًا وقياسًا مطردًا, وكان أبو العباس ﵀ يقول: إن نصب: يا حسن الوجه لطوله لا لأنه مضاف؛ لأن معناه: حسن وجههُ١.
قال أبو بكر: والذي عندي أنه نصب من حيث أضيف, فما جاز أن يضاف ويخفض ما أضيف إليه, وإن كان المعنى على غير ذلك, كذلك نصب كما ينصب المضاف لأنه على لفظه.
стр. 379
باب ما خص به النداء من تغيير بناء الاسم المنادى والزيادة في آخره والحذف فيه:
أما التغيير, فقولهم: يا فسقُ ويا لكعُ, عدل عن فاعل إلى فعيل للتكثير والمبالغة كما عدل: عمر عن عامر, ولم يستعمل فسق إلا في النداء وهو معرفة فيه ويقوى/ ٣٩٩ أنه كذلك ما حكى سيبويه عن يونس: أنه سمع من العرب من يقول: يا فاسقُ الخبيثُ١ فلو لم يكن فاسق عنده معرفة ما وصفه بما فيه الألف واللام, وكذلك: يا لَكاعِ ويا فَساقِ ويا خَباثِ معدول عن معرفة, كما صارت جَعَارِ اسمًا للضبع, وكما صارت: حذام ورقاش اسمًا للمرأة, وجميع ذلك مبني على الكسر؛ لأنك عدلته من اسم معرفة مؤنث غير منصرف وليس بعد ترك الصرف إلا البناء, فبني على كسر؛ لأن الكسرة والتاء من علامات التأنيث. ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله, فإن لم ترد العدل قلت: يا لكعُ, ويا لكعاءُ, وأما ما لحقه الزيادة من آخره فقولهم: يا نومان ويا هناه, وقال بعض المتقدمين في النحو: يا هناه٢ هو فعال في
стр. 380
التقدير وأصله هن, فزيد هذا في النداء وبني هذا البناء. ويلزم قائل هذا القول أن يقول في التثنية: يا هنانان أقبلا, ولا أعلم أحدًا يقول هذا.
قال الأخفش: تقول: يا هناه/ ٤٠٠ أقبل, ويا هنانيه أقبلا, و [يا] ١ هنوناه أقبلوا. وإن شئت قلت: يا هن, ويا هنان أقبلا, ويا هنون أقبلوا وإن أضفت إلى نفسك لم يكن فيه إلا شيء واحد يأتي فيما بعده قال أبو بكر: والمنكر من ذا تحريك الهاء من هناه, وإلا فالقياس مطرد كهاء الندبة وألفها. وقال أيضًا الأخفش: تقول: يا هنتاه٢ أقبلي, ويا هنتانيه أقبلا, ويا هناتوه أقبلن. وتقول للمرأة بغير زيادة يا هنت أقبلي ويا هنتان أقبلا ويا هنات أقبلن, وتقول في الإِضافة: إليك: ياهن٣ أقبل ويا هني أقبلا ويا هني٤ أقبلوا. وللمرأة في الإِضافة يا هنت أقبلي ويا هنتي أقبلا وللجمع: يا هنات٥ أقبلن وتزاد في آخر الاسم في النداء الألف التي تبين بالهاء في الوقف إذا أردت أن تسمع بعيدًا أو تندب هالكًا؛ لأن المندوب في غاية البعد/ ٤٠١ وللندبة باب مفرد نذكره بعون الله تعالى.
تقول: يا زيداه, إذا ناديت بعيدًا, هذا إذا وقفت على الهاء وهي ساكنة, وإنما تزاد في الوقف لخفاء الألف كا تزاد لبيان الحركة في قولك غلاميه, وما أشبه ذلك. إذا وصلت ألف النداءِ بشيءٍ أغنى ما بعدَ الألف من الهاءِ فقلت: يا زيدا أقبل, ويا قوما تعالوا.
فأما لام الاستغاثة والتعجب فتدخل على الاسم المنادى من أوله وهي
стр. 381
لام الجر فتخفضهُ, ولذلكَ أيضًا بابٌ يذكر فيه إلا أنها تزادُ إذا أردت أن تسمع بعيدًا, وأما ما حذفُ من آخره في النداء فقولهم في فلان: يا فل أقبل.
وذكر سيبويه أن: هناه ونومان وفل أسماء اختص بها النداء. وقال: قول العرب: يا فل أقبل, لم يجعلوه اسمًا حذفوا منه شيئًا يثبت في غير النداء ولكنهم بنوا الاسم على حرفين وجعلوه بمنزلة دم والدليل١ على/ ٤٠٢ ذلك أنه ليس أحد يقول: يا فلا. فإن عنوا امرأة قالوا: يا فلة, وإنما بني على حرفين؛ لأن النداء موضع تخفيف ولم يجز في غير النداء؛ لأنه جعل اسمًا لا يكون إلا كناية لمنادى نحو: يا هناه ومعناه. يا رجل. وأما فلان. فإنما هو كناية عن اسم سمي به المحدث عنه خاص غالب قال: وقد اضطر الشاعر فبناه على هذا المعن, ى قال أبو النجم:
في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فلانًا عن فُلِ٢
قوله في لجة أي: في كثرة أصوات, ومعناه: أمسك فلانًا عن فلان,
стр. 382
فأما ما حذف آخره للترخيم فله باب وإنما أخرجنا "فل" عن الترخيم لأنه لا يجوز أن يرخم اسم ثلاثي فينقص في النداء ولم يكن منقوصًا في غيرِ النداءِ؛ ولأنَّه ليس باسم علمٍ, وللترخيمِ بابٌ يفرد به, إن شاء الله.
стр. 383
باب اللام التي تدخل في النداء للاستغاثة والتعجب:
اعلم: أن اللام التي تدخل للاستغاثة هي/ ٤٠٣ لام الخفض وهي مفتوحة إذا أدخلتها على الاسم المنادى, كأن المنادى كالمكنى. وقد بينا هذا فيما مضى فانفتحت مع المنادى كما تنفتح مع المكنى ألا ترى أنك تقول: لزيد ولبكر فتكسر. فإذا قلت: لك وله فتحت, وقد تقدم قولنا في أن المبني كالمكنى؛ فلذلك لم يتمكن في الإِعراب وبني فتقول: يا لبكر ويا لزيد ويا للرجال ويا للرجلين١ إذا كنت تدعوهم وقال أصحابنا٢: إنما فتحتها لتفصل بين المدعو والمدعو إليه. ووجب أن تفتحها لأن أصل اللام الخافضة إنما كان الفتح فكسرت مع المظهر ليفصل بينها وبين لام التوكيد٣, ألا ترى أنك تقول: إن هذا لزيد إذا أردت: إن هذا زيد, فاللام هنا مؤكدة/ ٤٠٤ وتقول: إن هذا لِزيد إذا أردت أنه في ملكه. ولو فتحت لالتبسا, فإن وقعت اللام على مضمر فتحتها على أصلها فقلت: أن هذا لك, وإن هذا لأنت؛ لأنه ليس هنا لبس, وتقول: يا للرجال للماء, ويا للرجال للعجب, ويا لزيد للخطب الجليل, قال الشاعر:
стр. 384
يا لَلِّرجَالِ لِيوْمِ الأربعاءِ أما ... يَنْفَكُّ يُحْدِثُ لِي بَعْدَ النُّهى طَربا١
وقال آخر:
تَكَنَّفَني الوُشَاةُ فَأَزْعَجُوني ... فَيا للناسِ لِلواشي المُطَاعِ٢
فالذي دخلت عليه اللام المفتوحة هو المدعو, والمستغاث به, والذي دخلت عليه اللام المكسورة هو الذي دعي له ومن أجله.
واعلم: أنه لا يجوز أن تقول: يا لزيدٍ لمن هو قريب منك ومقبل عليك. وذكر سيبويه: أن هذه اللام التي للاستغاثة بمنزلة الألف التي تبين بها في الوقف إذا أردت أن تسمع بعيدًا, فإن قلت: يا لزيد٣ / ٤٠٥ ولعمرو
стр. 385
كسرت اللام في "عمرو" وهو مدعو لأنه يسوغ في المعطوف على المنادى ما لا يسوغ في المنادى. ألا ترى أن الألف واللام تدخل على المعطوف على المنادى, ويجوز فيه النصب, وإنما يتمكن في باب النداء ما لصق "بيا" يعني بحرف النداء.
وأما أبو العباس ﵀ فكان يقول في قولهم: يا لزيد ولعمرو, إنما فتحت اللام في "زيد" ليفصل بين المدعو والمدعى إليه فلما عطفت على "زيد" استغنيت عن الفصل لأنك إذا عطفت عليه شيئًا صار في مثل حاله١ وقال الشاعر:
يَبْكِيكَ نَاءٍ٢ بَعِيدُ الدارِ مُغتَربٌ ... يا لَلْكُهُولِ ولِلشُّبان لِلْعِجبِ٣
وأما التي في التعجب فقول الشاعر:
لَخُطَّابُ لَيْلَى يا لبُرثُنَ مِنْكُمُ ... أَدَلُّ وأمضى مِنْ سُليكِ المقانبِ٤
وقالوا: يا للعجب ويا للماء لما رأوا عجبًا أو رأوا ماء كثيرًا, كأنه يقول:
стр. 386
تعال/ ٤٠٦ يا عجب, وتعال يا ماء, فإنه من أيامك وزمانك وأبانك ومثل ذلك قولهم: يا للدواهي أي: تعالين فإنه لا يستنكر لكن لأنه من أحيانكن, وكل هذا في معنى التعجب, والاستغاثة فلا يكون موضع "يا" سواها من حروف النداء نحو: أي وهيا وأيا. وقد يجوز أن تدعو مستغيثًا بغير لام فتقول: يا زيد وتتعجب كذلك كما أن لك أن تنادي المندوب ولا تلحق آخره ألِفًا؛ لأن النداء أصل لهذه أجمع وقد تحذف العرب المنادى المستغاث به مع "يا" لأن الكلام يدل عليه فيقولون: يا للعجب, ويا للماء, كأنه قال: يا لقوم للماء, ويا لقوم للعجب, وقال أبو عمرو قولهم: يا ويل لك, ويا ويح لك, كأنه نبه إنسانًا ثم جعل الويل له١ ومن ذلك قول الشاعر:
يَا لعنَةُ الله والأقوامِ كُلِّهِمِ ... والصالحينَ على سِمَعانَ مِن جَارِ٢
فيا/ ٤٠٧ لغير اللعنة ولغير الويل كأنه قال: يا قوم لعنة الله على فلان.
стр. 387
باب الندبة:
الندبة تكون بياء أو بواو ولا بد من أحدهما وتلحق الألف آخر الاسم المندوب إن شئت وإن شئت ندبت بغير ألف والألف أكثر في هذا الباب قال سيبويه: لأن الندبة كأنهم يترنمون فيها١ ومن شأنهم أن يزيدوا حرفًا إذا نادوا بعيدًا ولا أبعد من المندوب فإذا وقفوا قالوا: يا زيداه واعمراه فيقفون على هاء لخفاء الألف فإن وصلوا النداء بكلام أسقطوا الهاء وإذا لم تلحق الألف قلت: وا زيد, ويا بكر, والألف تفتح ما قبلها مضموما كان أو مكسورا تقول: وا زيد فتضم, فإن أدخلت الألف قلت: وا زيداه, فإن أضفت إلى اسم ظاهر غير مكنى قلت: وا غلام زيد فإن أدخلت الألف قلت وا غلام زيداه وحذفت التنوين لأنه لا/ ٤٠٨ يلتقي ساكنان.
قال سيبويه: ولم يحركوها يعني التنوين في هذا الموضع لأن الألف زيادة فصارت تعاقب التنوين وكان أخف عليهم٢, فإن أضفت إلى نفسك, قتل وازيدِ فكسرت الدال فإن أدخلت الأل, قلت: وا زيداه يكون إذا أضفته إلى نفسك وإذا لم تضفه سواء ومن قال: يا غلامي قال: وا زيدياه فيحرك الياء في لغة من أسكن الياء للألف التي بعدها لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا.
стр. 388
قال أبو العباس: ولك في وا غلامي في لغة من أسكن الياء وجهان: أن تحرك الياء لدخول الألف, فتقول: واغلامياه, وأن تسقطها لالتقاء الساكنين فتقول: وا غلاماه كما تقول جاء غلام العاقل فتحذف الياء فأما من كان يحرك الياء قبل الندبة, فليس في لغته إلا إثباتها مع الألف, تقول: وا غلاماه١ وذكر سيبويه: أنه يجوز/ ٤٠٩ في الندبة: وا غلاميه فيبين الياء بالهاء كما هي في غير النداء٢, فإن أضفت إلى مضاف إليك قلت: وا غلام غلامي, فإن أدخلت الألف قلت: وا غلام غلامياه, لا يكون إلا ذلك؛ لأن المضاف الثاني غير منادى, وقد بيناه لك فيما تقدم. وكذلك وانقطاع ظهرياه لا بد من إثبات الياء, وإذا وافقت ياء الإِضافة الياء الساكنة في النداء لم يجدوا بدا من فتح ياء الإِضافة ولم يكسر ما قبلها كراهية للكسرة في الياء ولكنهم يفتحون٣ ياء الإِضافة ويجمعون على ذلك لئلا يلتقي ساكنان. فإذا ناديت فأنت في إلحاق الألف بالخيار أيضًا, وذلك قولك: وا غلامياه ووا قاضياه ووا غلاميَّ في تثنية غلام ووا قاضيَّ.
стр. 389
وإن وافقت ياء الإِضافة ألفًا لم تحرك الألف وأثبتوا الياء وفتحوها لئلا يلتقي ساكنان, وأنت أيضًا بالخيار في إلحاق الألف وذلك قولك/ ٤١٠: وا مثناي ووا مثناه. فإن لم تضف إلى نفسك قلت: وا مثناي وتحذف الألف الأولى لئلا يلتقي ساكنان, ولم يخافوا التباسًا فإن كان الاسم المندوب مضافًا إلى مخاطب مذكر قلت: وا غلامك يا هذا, فإن ألحقت ألف الندبة قلت: وا غلامكاه وإن ثنيت قلت: وا غلامكاه وإن جمعت قلت: وغلامكموه فقلبت ألف الندبة واوًا كيلا يلتبس بالتثنية, وتقول للمؤنث: وا غلامكية. وكان القياس الألف لولا اللبس وفي التثنية وا غلامهماه والمذكر والمؤنث في التثنية سواء وتقول في الجمع: وا غلامكناه وتقول في الواحد المذكر الغائب, وا غلامهوه وللاثنين وا غلامهماه, وللجميع وا غلامهموه وللمؤنث: وا غلامهاه وفي التثنية: وا غلامهاه وللجميع وا غلامهناه, فإن كان المنادى مضافًا إلى مضاف نحو: وانقطاع ظهره "٩١/ ٤١١" قلت في قول من قال: مررت بظهرهوه قيل: وانقطاع ظهرهوه وفي قول من قال: بظهرهي قال: وانقطاع ظهرهيه٢.
وقال قوم من النحويين: كل ما كان في أخره ضم أو فتح وكسر, ليس يفرق بين شيء وبين شيء جاز فيه الإِتباع والفتح وغير الإِتباع مثل قطام تقول: وا قطاميهْ ويا قطاماه ويقولون: يا رجلانية ويا رجلاناه ويا مسلموناه ويقولون: يا غلام الرجلية والرجلاه, فإذا كانت الحركة فرقًا بين شيئين مثل: قمتُ وقمتَ فالإِتباع لا غير نحو: وا قيامًا قمتوه وقمتاه وقمتيه وقد مر تثنية المفرد وجمعه في النداء في "هن" فقس عليه.
واعلم: أن ألف الندبة لا تدخل على الصفة ولا الموصوف إذا اجتمعا
стр. 390
نحو وا زيد الظريف والظريفَ, لأن الظريف غير منادى١ وليس هو بمنزلة المضاف والمضاف إليه, لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد وأنت في الصفة/ ٤١٢ بالخيار إن شئت وصفت وإن شئت لم تصف, وهذا قول الخليل.
وأما يونس فيلحق الألف الصفة ويقول: وا زيد الظريفاه٢, ولا يجوز أن تندب النكرة وذلك: وا رجلاه ويا رجلاه ولا المبهم, لا تقول: وا هذاه, قال سيبويه: إنما ينبغي أن تتفجع بأعرف الأسماء ولا تبهم٣, وكذلك قولك: وا مَن في الداراه في الفتح وذكر يونس: أنه لا يستقبح: وا من حفر زمزماه؛ لأن هذا معروف بعينه٤.
وقال الأخفش: الندبة لا يعرفها كل العرب وإنما هي من كلام النساء٥, فإذا أرادوا السجع وقطع الكلام بعضه من بعض أدخلوا ألف الندبة على كلام يريدون أن يسكتوا عليه, وألحقوا الهاء لا يبالون أي كلام كان.