← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

- ﵇: وقول النبي ﷺ في بيان الإِيمان "أن تؤمن باللَّه وملائكته ... " الحديث. قال: "تنبيه: ظاهر السياق يقتضي أن الإِيمان لا يطلق إلا على من صدق بجميع ما ذكر، وقد اكتفى الفقهاء بإِطلاق الإِيمان على من آمن باللَّه ورسوله، ولا اختلاف، لأَن الإِيمان برسول اللَّه المراد به الإِيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه، فيدخل ما ذكر تحت ذلك. واللَّه أعلم"١. قوله ﵀: "وقد اكتفى الفقهاء.." هذا هو الصواب إذ أنه مقتضى الأدلة الشرعية. وقوله: "فيدخل ما ذكر تحت ذلك": الذي يدخل في الإِيمان باللَّه ورسوله ﷺ والذي ينعقد به أصل الإِيمان: هو الإِيمان المجمل بأن الرسول ﷺ صادق في كل ما أخبر به، والعزم على طاعة أمره واجتناب نهيه، وتدخل أركان الإِيمان القلبي دخولاً أولياً فيما يستلزمه ذلك الإِقرار، إلا أنه لا يشترط العلم بها وبتفاصيلها لانعقاده. وسيأتي بيان هذا قريباً - إِن شاء اللَّه -. وإذا ورد لفظ أصل الإِيمان في هذا البحث فإِن المراد به الإِيمان باللَّه،

стр. 177

الركن الأول من أركان الإِيمان القلبي الستة، الذي يدخل به العبد في الإِسلام، ويشترط في قبول الأَعمال وصحتها. أما المعنى الثالث الذي يُراد عند إِطلاق لفظ "الإِيمان" فهو الإِيمان الكامل الذي يشمل كل الطاعات القلبية والقولية والفعلية. ويدل عليه كل لفظ للإِيمان مطلق، غير مقترن بلفظ الإِسلام، أو الأعمال الصالحة ونحوها. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ ١. قال محمد بن نصر المروزي٢ ﵀: "لما كانت المعاصي بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، فرق بينها فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق. وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين؛ ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإِيمان، وليس فيها شيء خارج عنه، لم يفرق بينها فيقول: حبب إليكم الإِيمان والفرائض، وسائر

стр. 178

الطاعات، بل أجمل ذلك فقال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ ، فدخل في ذلك جميع الطاعات"١. ومن الآيات التي تدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، ونحوها. ومن الأَحاديث التي ورد فيها لفظ الإِيمان مطلقاً دالاً على كماله، حديث شعب الإِيمان المشهور، وفيه قال ﷺ : "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ"٣. وسيأتي قريباً - إِن شاء اللَّه - بيان طبيعة هذا الإِيمان وبعض أدلته، وإِنما المراد ذكر نماذج من النصوص التي تدل على اختلاف المعاني التي تراد بلفظ الإِيمان.

стр. 179

ويتلخص من ذلك أن لفظ الإِيمان الشرعي يراد به ثلاثة معان هي: الأول: أصل الإِيمان، الركن الأول من أركان الإِيمان القلبي، وهو أول الإِيمان وابتداؤه، الذي يدخل به العبد في الإِسلام، ويعصم به دمه وماله، وهو شرط لصحة الأعمال وقبولها. وتقدم من أدلته حديث جبريل ﵇ حيث فرق فيه بين الإِيمان المسئول عنه - والإِيمان باللَّه الوارد في الجواب، ودلت إِجابة النبي ﷺ على أن الإِيمان المسئول عنه هو كمال الإِيمان القلبي، والإِيمان باللَّه الوارد في الجواب هو أصله. كما يدل عليه كل دليل جُعِل فيه الإِيمان شرطاً لصحة الأعمال. فإِن أقل ما يشترط لذلك هو انعقاد أصل الإِيمان. الثاني: الإِيمان القلبي، أو الإِيمان بالغيب، المتضمن للإقرار بالأركان الستة، والمستلزم للإِيمان المطلق الكامل. وتقدم من أدلته حديث جبريل ﵇ حيث فسره النبي ﷺ بالأركان الستة: الإِيمان باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ومن أدلته - أيضاً - كل دليل اقترن فيه لفظ الإِيمان بلفظ الإِسلام أو الأعمال الصالحة.

стр. 180

الثالث: الإيمان المطلق الكامل، الذي يشمل كل الدين. وأدلة هذا المعنى كل دليل ورد فيه لفظ الإِيمان مطلقاً غير مقترن بلفظ الإِسلام، أو الأعمال الصالحة، أو أي قيد آخر، واللَّه أعلم.

стр. 181

المطلب الثاني: بيان أصل الإِيمان . أصل الإِيمان في القلبِ، وبصلاح ما في القلب أو فساده يكون صلاح الأَعمال أو فسادها، قال النبي ﷺ : "أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ"١. وقد وردت أحاديث تبيّن الأمور التي ينعقد بها أصل الإِيمان، ويحصل بها أوَّلُه ومبتداه، ويدخل به العبد في الإِسلام، ويوجب له الجنة، وعصمة دمه وماله، وتجري عليه أحكام المسلمين. من ذلك قوله ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"٢. وقوله ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي

стр. 182

وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ"١. وقال ﷺ : "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ. وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ. وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ"٢. وقد استند أهل العلم إلى هذه النصوص ونحوها، في بيان الأمور التي ينعقد بها أصل الإِيمان. قال القاضي عياض٣ ﵀: "ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إِحداهما ولا تنجي من النار دون الأُخرى، إلا لمن لم يقدر على الشهادتين

стр. 183

لآفة بلسانه، أو لم تمهله المدة ليقولها، بل اخترمته المنية"١. وقال النووي ﵀ – في شرحه لقول النبي ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ" ٢، قال: "وفيه أن الإِيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به الرسول ﷺ "٣. وقال شيخ الإِسلام ابن تيميه ﵀: "فأصل الإِيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إِقرار بالتصديق والحب والانقياد"٤. وقال أيضاً: "فلا يكون مسلماً إلا من شهد أن لا إِله إِلاَّ اللَّه، وأن محمداً عبده ورسوله. وهذه الكلمة بها يدخل الإِنسان في الإِسلام ... فيكون معه من الإِيمان هذا الإِقرار، وهذا الإِقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه معه من اليقين ما لا يقبل الريب.. لكن لا بد من الإِقرار بأنه رسول اللَّه، وأنه صادق في كل ما أخبر به عن اللَّه"٥.

стр. 184

وقال الإِمام ابن رجب١ ﵀: "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإِسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلماً. فإِن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما، ويصير بذلك مسلماً، فإِذا دخل في الإِسلام، فإِن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإِسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وإِن أخل بشيء من هذه الأركان، فإِن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا ..."٢. إلى أن قال: "وقوله: "وحسابهم على اللَّه" يعني: أن الشهادتين مع إِقام الصلاة، وإِيتاء الزكاة، تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه. أما في الآخرة، فحسابهم على اللَّه ، فإِن كان صادقاً، أدخله اللَّه بذلك الجنة، وإِن كان كاذباً، فإِنه من جملة المنافقين،

стр. 185

في الدرك الأسفل من النار"١. ومما تقدم نستخلص أهم الأمور التي ينعقد بها أصل الدين، وهي: ١- النطق بالشهادتين. ٢- العلم بهما. ٣- التصديق والاعتقاد لما دلتا عليه من توحيد اللَّه، وأن النبي ﷺ صادق في كل ما أخبر به عن اللَّه والعزم على الانقياد لموجب ذلك. ٤- حب اللَّه، وحب الرسول ﷺ وما جاء به من الدين. فإِذا جاء العبد بهذه الأمور فقد جاء بأصل الإِيمان صحيحاً، ويثمر له ذلك: ١- أنه يدخل به في الإِسلام. ٢- تبدأ حياة قلبه ويقذف فيه النور. ٣- يقبل منه العمل الصالح إذا عمله. ٤- يكون من أهل الجنة - إِن مات على ذلك- وإِن أصابه قبل ذلك ما أصابه. ثم هو مطالب، بتكميل إِيمانه وتحقيقه، بالإِتيان بشعب الإِيمان علماً وعملاً، بفعل ما أمر اللَّه به، واجتناب ما نهى عنه، والمسارعة في الخيرات.

стр. 186

اشتمال أصل الإِيمان على التوحيد: إِن أصل الإِيمان يرتكز على الإِتيان بالشهادتين نطقاً واعتقاداً، ولذلك فإِن معرفة ما يتضمنه أصل الإِيمان من التوحيد يتوقف على معرفة الشهادتين. والتوحيد يرتكز على أمرين متلازمين هما: الكفر بالطاغوت، والإِيمان باللَّه بمعرفته، وإِخلاص العبادة له. ولتجلية هذا الأمر لا بد من معرفة معنى الشهادتين وما تدلان عليه من الإِقرار بتوحيد اللَّه، والكفر بالطاغوت، والتصديق بالرسالة، والعزم على اتّباع النبي ﷺ وعبادة اللَّه بشريعته. معنى الشهادتين: ويكون الكلام على ذلك في فرعين: الفرع الأول: في معنى شهادة أن لا إِله إلا اللَّه. الفرع الثاني: معنى شهادة أن محمداً رسول اللَّه.

стр. 187

الفرع الأول: في معنى شهادة أن لا إِله إلا اللَّه. إِن معنى شهادة أن لا إِله إلا اللَّه، يتم بمعرفة ألفاظها، ودلالة أسلوبها- أسلوب الحصر- المبني على النفي والإثبات. أولاً: معنى ألفاظ شهادة أن لا إِله إلا اللَّه. "أشهد": فعل مشتق من الشهادة. قال الراغب ﵀: "والشهادة: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر"١. "وشهدت يقال على ضربين: أحدهما: جار مجرى العلم، وبلفظه تقام الشهادة"٢. فالشهادة لا بد فيها من علم الشاهد بما يشهد به، وقد ورد في النصوص ما يدل على استلزام لفظ الشهادة العلم. منها قوله تعالى عن إِخوة يوسف ﵇: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ ٣.

стр. 188

وقوله - سبحانه -: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١. فالمتشهد بشهادة أن لا إِله إلا اللَّه يلزمه أن يكون عالماً بها إذ أن العلم يستلزمه قوله: أشهد. وقد ورد في النصوص ما يدل على وجوب معرفة معناها لكي ينتفع بها العبد. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه﴾ ٢. وقال النبي ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه دَخَلَ الْجَنَّةَ"٣. وسوف يأتي قريباً - إِن شاء اللَّه - بيان الأمور التي يجب على المتشهد بها معرفتها. معنى إله: الإِله هو المعبود. قال الراغب ﵀: "وإِله جعلوه اسماً لكل معبود لهم ... فالإِله على هذا هو المعبود"٤.

стр. 189

وقال ابن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى في ذكر وصية نبي اللَّه يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١. قال: "ويعني بقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي شيء تعبدون ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ ؟ أي من بعد وفاتي؟ قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ ، يعني به: قال بنوه له: نعبد معبودك الذي تعبده، ومعبود آبائك إِبراهيم وإِسماعيل، وإِسحاق، ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: نخلص له العبادة، ونوحد له الربوبية، فلا نشرك به شيئاً، ولا نتخذ دونه رباً".٢ لفظ الجلالة (اللَّه) : عَلَم على الإِله الحق المستحق وحده للعبادة، خالق كل شيء ومالكه وربه ومدبّره، الذي له المثَل الأعلى، والأسماء الحسنى، المتصف بجميع أوصاف الكمال، وهو اسم خاص به - سبحانه - لا يسمى به غيره.٣

стр. 190

وهو مشتق من إله، وأصله الإله.١ قال ابن القيم ﵀: "ولكن الذين قالوا بالاشتقاق ... أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإِلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع والبصير ... لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة عنها تولد الفرع عن اسمه. وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلاً وفرعاً ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإِنما باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة، ولا محذور في اشتقاق أسماء اللَّه بهذا المعنى"٢. أما معنى اسمه تعالى (اللَّه) فهو كما فسره ابن عباس ﵄ ورجحه ابن جرير وغيره: ذو الألوهية والمعْبُوديه على خلقه أجمعين.٣

стр. 191

ثانياً: دلالة أسلوبها: تقدم أن أسلوب شهادة أن لا إله إلا اللَّه أسلوب حصر قائم على النفي والإِثبات. ومن المناسب قبل الكلام على دلالة ذلك أن أشير إلى إِعرابها. قال صاحب كتاب:"الإعراب المفصل لكتاب اللَّه المنزل" عند إعرابه لقوله تعالى: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١. "لا: نافية للجنس، تعمل عمل "إِن". إِله: اسمها مبني على الفتح، في محل نصب. إِلاَّ: أداة حصر واستثناء. هو: المستثنى في موضع رفع بدلاً من موضع "لا إله" لأن وضع لا وما عملت فيه الرفع بالابتداء. وخبر لا النافية للجنس: محذوف تقديره موجود"٢. قوله في خبر لا النافية للجنس: "تقديره موجود" ليس بصحيح في المعنى، وإِن كان مستقيماً في الإِعراب، وذلك أن تقدير موجود يؤدي إلى

стр. 192

أن يكون معنى الشهادة غير مطابق للواقع من وجود آلهة كثيرة عبدت وما زالت تُعبد من دون اللَّه. وقد بين هذا المعنى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ بقوله: ".. ما قاله النحاة ... من تقدير الخبر بكلمة "في الوجود" ليس بصحيح، لأن الآلهة المعبودة من دون اللَّه كثيرة وموجودة، وتقدير الخبر بلفظ "في الوجود" لا يحصل به المقصود من بيان لحقيقة ألوهية اللَّه سبحانه وبطلان ما سواها، لأن لقائل أن يقول: كيف تقولون "لا إِله في الوجود إلا اللَّه"؟ وقد أخبر اللَّه سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين، كما في قوله - سبحانه -: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، وقوله - سبحانه -: ﴿فَلَوْلاَ نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّه قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ ٢ الآية. فلا سبيل إلى التخلص من هذا الاعتراض وبيان عظمة هذه الكلمة وأنها كلمة التوحيد المبطلة لآلهة المشركين وعبادتهم من دون اللَّه، إلا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النحاة، وهو كلمة "حق" لأنها هي التي توضح

стр. 193

بطلان جميع الآلهة وتبين أن الإله الحق والمعبود بالحق هو اللَّه وحده كما نبه على ذلك جمع من أهل العلم منهم أبو العباس ابن تيميه وتلميذه العلامة ابن القيم وآخرون ﵏. ومن أدلة ذلك قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ١ فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه هو الحق وأن ما دعاه الناس من دونه هو الباطل، فشمل ذلك جميع الآلهة المعبودة من دون اللَّه من البشر والملائكة والجن وسائر المخلوقات، واتضح بذلك أنه المعبود بالحق وحده، ولهذا أنكر المشركون هذه الكلمة وامتنعوا من الإقرار بها لعلمهم بأنها تبطل آلهتهم لأنهم فهموا أن المراد بها نفي الألوهية بحق عن غير اللَّه سبحانه ولهذا قالوا جواباً لنبينا محمد ﷺ ، لما قال لهم: قولوا: لا إله إلا اللَّه ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢، وقالوا أيضاً: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٣ وما في معنى ذلك من الآيات. وبهذا التقدير يزول جميع الإشكال ويتضح الحق المطلوب واللَّه

стр. 194

الموفق"١. وبعد هذا أعود للمقصود من بيان دلالة أسلوب شهادة أن لا إِله إلا اللَّه. فهذا الأسلوب مكون من النفي بـ (لا) النافية للجنس، والاستثناء بـ (إِلا) ، وكل منهما له دلالة هامة، ويشير أهل العلم إلى الأول بأنه النفي، والثاني بأنه الإِثبات. وحول ما تدل عليه لا النافية للجنس قال صاحب النحو الوافي: "فهي تنفي الحكم عن كل فرد من أفراد جنس الشيء الذي دخلت عليه نفياً صريحاً وعاماً، وهذا مراد النحاة بقولهم في معناها: "إِنها تدل على نفي الحكم عن جنس اسمها نصاً" أو: "إِنها لاستغراق حكم النفي لجنس اسمها كله نصاً"، أي: التي قصد بها التنصيص على استغراق النفي لأفراد الجنس كله من غير ترك لأحد"٢. وقال: "ويسميها بعضهم: (لا التي للتبرئة) لأنها تدل على تبرئة جنس اسمها كله من معنى الخبر، وبهذا الاسم ترد في بعض الكتب القديمة، وتختص به، لقوة دلالتها على النفي المؤكد أكثر من أدوات النفي الأخرى.

стр. 195

والنفي بها قد يكون مطلق الزمن، أي: لا يقع على زمن معين، وإِنما يراد منه مجرد نفي النسبه بين معموليها وسلب المعنى بغير تقيد بزمن خاص، نحو: لا حيوان حجرٌ، ولا وفاء لغادر. وقد يراد بها نفي المعنى في زمن معين حين تقوم قرينة كلامية أو غير كلامية تدل على نوع الزمن ... كقوله تعالى: ﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ ١"٢. وبناءً على ما تقدم يتضح في شهادة أن لا إِله إلاَّ الله، أن: الجنس المنفي عنه الحكم: هو المستفاد من اسمها (إله) : ويشمل جميع الآلهة والمعبودات سوى ما استثني بأداة الاستثناء (إلا) ، وهو اللَّه تعالى. والحكم المنفي: هو المستفاد من الخبر المقدر (حق) ، وهو الحكم بأنه حق. ولا يوجد قرينة تدل على تقييد الحكم بزمن معين، فهو مطلق، والمتشهد بها ينفي الحكم عن جنس اسمها في أي وقت وأي مكان. فدلالة النفي في لا إِله إلا اللَّه، هي: نفي المتشهد نفيا قاطعاً وحاسماً أن يكون لأحد ممن صرفت له عبادة، أو اتخذ إلهاً، سوى اللَّه ، حق في الألوهية، أو العبادة،

стр. 196

وحكمه على تلك الآلهة والمعبودات من دون اللَّه بأنها باطلة وعلى كل عبادة صُرفت لغير اللَّه بأنها باطلة، وذلك في أي مكان أو زمان كان، وهذا هو أصل الكفر بالطاغوت، وهو براءة من الشرك وأهله. ودلالة الإِثبات: هي استثناء اللَّه من الحكم الذي دل عليه النفي، وإثبات أنه سبحانه هو الإِله الحق، المستحق وحده للعبادة، وأن كل عبادة صرفت له هي العبادة الحق. وهذا هو أصل الإِيمان باللَّه، المتضمن لأصل التوحيد، بالإقرار بتفرد اللَّه بالألوهية، واستحقاق العبادة، الذي يُسمَّى بتوحيد الألوهية. فيكون معنى "أشهد أن لا إِله إلا الله" هو: أقر إِقراراً جازماً، وأحكم حكماً قاطعاً على كل من زُعم أنه إله، أو صُرفت له عبادة سوى اللَّه بأنه باطل، وعبادته باطلة، وأن اللَّه وحده هو الإِله الحق، المستحق وحده للعبادة. وهذا المعنى هو الذي يقصده أهل العلم عندما يفسرونها بقولهم: "لا معبود بحق إلا الله". والمتشهد يعلم بهذا الإِقرار أن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير اللَّه تعالى ظلم عظيم وشرك به سبحانه، كما يلزم لتحقيقها أن يعرف معنى العبادة، وأنواعها، لكي لا يصرف شيئاً منها لغير اللَّه وهو لا يشعر أن ذلك عبادة له. ومما تقدم يتبين أن الإِقرار بشهادة أن لا إله إلا اللَّه يتضمن أمرين

стр. 197

هامين هما: ١- الكفر بالطاغوت. ٢- الإِيمان بأن اللَّه وحده هو الإِله الحق، المستحق للعبادة. قال صاحب كتاب: "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد"١: "فهذا هو معنى لا إِله إلاَّ اللَّه، وهو عبادة اللَّه، وترك عبادة ما سواه، وهو الكفر بالطاغوت، وإِيمان باللَّه. فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى اللَّه ليس بإِله، وأن إلهيةَ ما سواه أبطلُ الباطل، وإِثباتَها أظلمُ الظلمِ، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإِلهية لغيره، فتضمنت نفي الإِلهية عما سواه، وإِثباتها له وحده لا شريك له، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه إِلهاً وحده، والنهي عن اتخاذ غيره معه إِلهاً، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي

стр. 198

والإِثبات"١. وقد جاءت نصوص كثيرة تجمع بين هذين الأصلين - اللَّذيْن دلت عليهما شهادة أن لا إِله إلاَّ اللَّه - وتُبيِّن أنه بهما يكون الإِيمان الشرعي الصحيح، وأن دعوة الرسل جميعاً مرتكزة عليهما، فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّه﴾ ٣. وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّه فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ ٤. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّه هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٥.... ونحوها.

стр. 199

وقال النبي ﷺ : "مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ" وفي رواية: "مَنْ وَحَّدَ اللَّه" ثم ذكر بمثله.١ المراد بالكفر بالطاغوت٢: الطاغوت في اللغة مشتق من طغا يطغو: إذا عدا وتجاوز قدره٣ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ٤. وفسر الطاغوت بالشيطان والساحر والكاهن والأصنام٥. وهذا تفسير له ببعض أفراده، وإلا فالطاغوت يطلق على كل من طغا وتجاوز حده وادَّعى حقاً من حقوق اللَّه التي تفرد بها.

стр. 200

قال ابن جرير ﵀: "والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على اللَّه فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنماً كائناً ما كان من شيء"١. فالضابط إذاً لمعنى الطاغوت: أنه كل مخلوق تجاوز حده وادَّعى لنفسه أو لغيره شيئاً مما تفرد اللَّه به، أو نُسب إليه ورضِيَ، أو كان في حكم الراضي. ويخرج من هذه الأنبياء والملائكة وصالحو الإنس والجن الذين عُبدوا في حياتهم أو بعد موتهم أو أسند إليهم دون رضاهم شيء مما اختص اللَّه به. وذلك أنهم لم يدَّعوا ذلك ولم يقروا مَن ادعاه، وسيتبرّؤون منه إن علموا به في حياتهم أو يوم القيامة كما قال تعالى مبيناً ذلك: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢. فهم لا يعبدونهم في حقيقة الأمر، إنما يعبدون الشياطين الذين زيَّنوا

стр. 201

لهم ذلك، والذين يتلاعبون بهم بما يُظهرون لهم من خوارق العادات ونحوها. ويدخل في مسمى الطاغوت الجمادات التي عُبدت من دون اللَّه، كالقبور والأحجار والأشجار والعتبات والمشاهد. وذلك أنه نسب إِليها وفعل عندها ما لا يجوز إلا للَّه وحده فهي في حكم الطواغيت، وسوف تُلقى في النار مع مَن عَبدها زيادة في تبكيت المشركين كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ١. وقد استثنى اللَّه عباده الصالحين الذين عُبدوا من دونه من الدخول في جهنم وذلك أنه نُسب إليهم ذلك زوراً وبهتاناً، فلم يَدْعُوا لذلك، ولن يرضوا به، وسيتبرّؤون منهم يوم القيامة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ ٢. والإِيمان بالطاغوت: يكون بتصديقه فيما ادّعاه من حق اللَّه، أو

стр. 202

تصديق ما نُسب إِليه من ذلك حتى لو لم يعمل به. وعبادة الطاغوت: تكون بالعمل بموجب ذلك التصديق، بصرف شيء من العبادة له كالصلاة أو الدعاء أو الرجاء.. ونحو ذلك. والكفر بالطاغوت: يكون باعتقاد بطلان عبادة غير اللَّه، وتكذيب ما يَدَّعون أو ينسب إليهم من حق اللَّه، ويدخل في ذلك بغض الطواغيت وأتباعهم ومللهم وكراهتهم والبراءة منهم ومما يعبدون وعداوتهم.١ وقد بين اللَّه تعالى أهمية الكفر بالطاغوت وكيفيته وممن يكون في سياق واحد في سورة "الممتحنة" فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّه وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

стр. 203

لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ١. فقوله تعالى في أول السياق: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وفي آخر السياق ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بيان لأهمية الأمر وتأكيد له وأنه من الأسس التي تقوم عليها الحنيفية ملة إِبراهيم ﵇، وأن هذا الأمر لازم لمن أراد أن يلقى اللَّه وهو راض عنه فيفوز في اليوم الآخر. وفي قوله: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ بيان أن البراءة تكون من الشرك وأهله، من الطواغيت وأتباعهم وأعمالهم وكل خصائصهم وأحوالهم الضالة. وفي قوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ بيان لكيفية الكفر بالطاغوت. وفي قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّه وَحْدَهُ﴾ بيان لغاية الكفر بالطاغوت وأنها مستمرة ما دام الكافر على كفره، لا حد لها إلا رجوعه عن باطِلِهِ وإِيمانه باللَّه الإِيمان الشرعي القائم على التوحيد. فالكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله أساس هام للإِيمان باللَّه، وخطوة مقدمة لتطهير القلب وتهيئته لاستقبال

стр. 204

الإِيمان وعقائده المباركة. وبعد هذه الإِطلالة على أهم معالم الكفر بالطاغوت، أحب التأكيد على أن الذي يكفي لانعقاد أصل الإِيمان، هو أصل الكفر بالطاغوت الذي اشتملت عليه شهادة أن لا إِله إلا اللَّه، والذي تقدم في بيان معناها. اشتمال شهادة أن لا إِله إلا اللَّه على أصل التوحيد بأنواعه: تقدم عند الكلام على معنى "أشهد" أنها تستلزم العلم، أي علم المتشهد بما يشهد به. والمتشهد بشهادة أن لا إِله إلا اللَّه يلزمه أن يكون عالماً بأمرين هامين لا تصح منه الشهادة بدونهما: الأمر الأول: علمه بالمشهود له وهو اللَّه تعالى. الأمر الثاني: علمه بمعنى الكلمة، وهي قوله: "لا إِله إلا اللَّه". وقد تقدم الكلام على الأمر الثاني، وتبين أن معنى لا إِله إلا اللَّه يشتمل على الكفر بالطاغوت، والإِقرار بتوحيد الألوهية، ووجوب إِفراد اللَّه بالعبادة. أما الأمر الأول وهو معرفة المشهود له فهي تنقسم إلى قسمين: معرفة مجملة، ومعرفة مفصلة. والمعرفة المجملة الصحيحة باللَّه هي أقل ما يلزم لصحة النطق بالشهادتين، وانعقاد أصل الإِيمان، لذلك فمن المهم ذكر أهم معالمها.. ويكون ذلك في النقاط الآتية:

стр. 205

- أهمية المعرفة المجملة باللَّه : تقدم أنها لازمة لصحة النطق بالشهادتين، وانعقاد أصل الإِيمان، إلا أنها لا توجب لصاحبها الرسوخ في الإِيمان، والتحصن من الشبهات المضلة، والشهوات المحرمة. قال الشيخ سليمان بن عبد اللَّه بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏: "ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضاً بشهادة أن محمداً رسول اللَّه، ولم يعرف معنى الإِله ولا معنى الرسول وصلى وصام وحج، ولا يدري ما ذلك، إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم، ولم يفعل شيئاً من الشرك، فإِنه لا يشك أحد في عدم إِسلامه"١. ٢- حد المعرفة المجملة باللَّه : هو أن يعرف العبد ربه معرفة صحيحة ولو كانت مجملة (ضعيفة) ، تمكنه من التمييز بين ربه الإِله الحق وغيره من الآلهة الباطلة وسائر الموجودات. وذلك أنه لا يكون مسلماً مَن نطق بالشهادتين، وأظهر الإِسلام لكنه لا يعرف ربه معرفة صحيحة، كحال من يقول بوحدة الوجود٢،

стр. 206

أو حلول اللَّه١ - تعالى - وتجليه في بعض خلقه، أو أن الأولياء ونحوهم لهم تصرف في الكون، فكل هؤلاء ينقصهم أقل ما يلزم من المعرفة الصحيحة باللَّه لصحة العقد. فلا بد لصحة النطق بالشهادة من معرفة باللَّه صحيحة - ولو كانت يسيرة - يتمكن بها من التمييز بين اللَّه وغيره من الآلهة الباطلة، وسائر المخلوقات. ٣- كيفية حصول هذه المعرفة: تحصل المعرفة الصحيحة باللَّه إذا فهم العبد بعض النصوص الشاملة للتعريف بالله، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢.

стр. 207

ووقوفه على المعاني التي دلت عليها سورة الإِخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ اللَّه الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١. وآية الكرسي: ﴿اللَّه لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٢.. ونحوها. وهذا هو أصل توحيد الأسماء والصفات. كما يعرف أنه سبحانه هو رب العالمين المتفرد بالملك والخلق والتدبير، بأفعاله العظيمة الحكيمة، من دلالة بعض الآيات المبينة لذلك مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٤

стр. 208

وقوله: ﴿اللَّه خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١ وقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ..﴾ ٢ ... ونحوها. وهذا أصل توحيد الربوبية. وبهذا يتبين أن معرفة المشهود له - اللَّه ﵎ في شهادة أن لا إِله إلا اللَّه تتضمن: أصل توحيد الربوبية، وأصل توحيد الأسماء والصفات. ومعنى الكلمة "لا إِله إلاَّ اللَّه": يدل على أصل توحيد الألوهية. وعليه فشهادة أن لا إِله إلا اللَّه تتضمن الإِقرار بأنواع التوحيد الثلاثة. إلا أن هذا الإِقرار لا يكفي، بل عليه أن يعقد العزم على أن يعبد اللَّه وحده ولا يشرك به شيئاً، وبهذا يصبح موحِّداً. أما المعرفة المفصّلة باللَّه - تعالى - فتحصل بالدراسة المفصّلة لأنواع التوحيد، ومعرفة معاني ما ورد في الكتاب والسنة من النصوص المبينة لأسماء اللَّه، وصفاته، وأفعاله، وسننه الجارية على عباده، وأنه الإِله الحق، المستحق وحده للعبادة، وأدلة ذلك وبراهينه، وشواهده.. وكل ما كان الإِنسان بذلك أعرف كان حظه من التوحيد ومعرفة اللَّه أوفر.

стр. 209

الفرع الثاني: معنى شهادة أن محمداً رسول اللَّه. تقدم في الكلام على معنى أشهد أن لا إِله إلا اللَّه أن لفظ "أشهد" يتستلزم علم المتشهد بما يشهد به من معرفة المشهود له ومعنى الشهادة. وكذلك الحال في شهادة أن محمداً رسول اللَّه، يلزم المتشهد بها العلم بالمشهود له وهو النبي محمد ﷺ وبمدلول الكلمة "محمد رسول اللَّه". والعلم بهذين الأمرين يكون مجملاً ومفصلاً، وأقل ما يلزم لصحة النطق بالشهادة هي المعرفة المجملة الصحيحة بهما، ويتضح ذلك فيما يلي: المعرفة المجملة برسول اللَّه ﷺ : معرفة النبي ﷺ المجملة تتم بأمرين: ١- معرفة اسمه: وأقل ما يلزم لصحة النطق بالشهادة أن يعرف اسمه المنصوص عليه بلفظ الشهادة.١ ٢- معرفة صفاته، وأقل ما يلزم من ذلك لصحة النطق بالشهادة أن يعرف أنه ﷺ بشر مثل سائر البشر، وإِنما اختصه اللَّه بالوحي والرسالة وما يلزم لها من العصمة والمعجزات ونحوها.

стр. 210

وهذا أمر ورد تأكيده في القرآن الكريم: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١. وبين - سبحانه - أنه ﷺ بشر كغيره من الرسل الذين خلوا من قبله واختصهم اللَّه بالوحي والرسالة، في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ٢. ومثلها قوله - تعالى - في حق عيسى ﵇: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٣. قال ابن جرير ﵀: "ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادة الأمهات أبناءَهن، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق

стр. 211

البشر؛ وإِنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخلوا، أجرى على يده ما شاء أن يجري عليها من الآيات والعبر، حجة له على صدقه وعلى أنه للَّه رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي مَن قبله مِن الرسل من الآيات والعبر، حجة لهم على حقيقة صدقهم أنهم لله رسل"١. وقال أيضاً: "وقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ : خبر من اللَّه تعالى ذكره عن المسيح وأمه: أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب، كسائر البشر من بني آدم، فإِن من كان كذلك، فغير كائنٍ إِلهاً، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوامه بغيره، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليل واضح على عجزه، والعاجز لا يكون إلا مربوباً لا ربّاً"٢. وقال في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا..﴾ : "يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم مَنْ زعم من النصارى أنه إِله، والذي زعم من زعم منهم أنه للَّه ابن، لا يملك لهم ضراً يدفعه عنهم

стр. 212

إِن أحله اللَّه بهم، ولا نفعاً يجلبه إِليهم إِن لم يقضه اللَّه لهم، يقول تعالى ذكره: فكيف يكون رباً وإِلهاً من كانت هذه صفته؟ بل الرب المعبود: الذي بيده كل شيء، القادر على كل شيء، فإِياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة، دون غيره من العجزة، الذين لا ينفعونكم ولا يضرون"١. وقال تعالى مبيناً هذه المعاني في حق الرسول ﷺ : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّه يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّه أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاَغًا مِنَ اللَّه وَرِسَالاَتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٢. وقيل له ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٣. وهذه المعرفة لبشرية النبي ﷺ هامة، إذ لو اعتقد خلافها، ونسب شيئاً من الألوهية أو الربوبية للنبي محمد أو لغيره من الأنبياء - عليهم

стр. 213

صلوات اللَّه وسلامه - فإِنه يكون جاهلاً بالمشهود له في كِلْتا الشهادتين ولا تصحان منه. المعرفة المجملة بمعنى الكلمة: "محمد رسول اللَّه": بعد أن يعرف العبدُ المشهودَ له الذي دل عليه المبتدأُ في قولنا: "محمد رسول اللَّه" أو اسم (أنّ) في شهادة أن محمداً رسول اللَّه، وهو رسول اللَّه محمد ﷺ ، ينبغي أن يعرف ما يدل عليه الخبر "رسول اللَّه". وأقل ما يلزمه من ذلك لصحة النطق بالشهادة ما يلي: ١- معرفته بدلالة قوله: "رسول اللَّه" من أن اللَّه أوحى إليه، وأنه يبلغ عن اللَّه، فهو صادق في كل ما أخبر به عنه - سبحانه - كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١. ويعرف أنه مرسل للناس كافة، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين٢.

стр. 214

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١. وقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّه وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢. ٢- ما يستلزمه قوله: "رسول اللَّه": من أن اللَّه أرسله برسالة هي دين الإِسلام، وأنه الدين الحق، الخاتم، الناسخ لجميع شرائع الأنبياء قبله: كما دل على ذلك قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلاَمُ﴾ ٣. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤.

стр. 215

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه اللَّه -: "والإِسلام بالمعنى الخاص بعد بعثة النبي ﷺ يختص بما بعث به محمد ﷺ لأن ما بعث به ﷺ نسخ جميع الأديان السابقة فصار من اتبعه مسلماً، ومن خالفه ليس بمسلم، لأنه لم يستسلم لله بل استسلم لهواه. فاليهود مسلمون في زمن موسى ﵊، والنصارى مسلمون في زمن عيسى فكفروا به فليسوا بمسلمين؛ ولهذا لا يجوز لأحد أن يعتقد أن دين اليهود والنصارى الذي يدينون به اليوم دين صحيح مقبول عند اللَّه مساوٍ لدين الإِسلام، بل من اعتقد ذلك فهو كافر خارج عن دين الإِسلام، لأن اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلاَمُ﴾ ويقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ، وهذا الإِسلام الذي أشار اللَّه إليه هو الإِسلام الذي امتن اللَّه به على محمد ﷺ وأمته قال اللَّه - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ١، وهذا نص صريح في أن مَن سوى هذه الأمة بعد أن بُعث محمد ﷺ ليسوا على الإِسلام، وعلى هذا فما يدينون للَّه به لا يُقبل منهم ولا ينفعهم يوم القيامة، ولا يحل لنا أن نعتبره ديناً قائماً قويماً، ولهذا يخطئ خطأً كبيراً من يصف اليهود والنصارى بقوله إِخوة لنا، أو أن أديانهم اليوم قائمة لما
следующие страницы →