← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

البشر؛ وإِنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخلوا، أجرى على يده ما شاء أن يجري عليها من الآيات والعبر، حجة له على صدقه وعلى أنه للَّه رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي مَن قبله مِن الرسل من الآيات والعبر، حجة لهم على حقيقة صدقهم أنهم لله رسل"١. وقال أيضاً: "وقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ : خبر من اللَّه تعالى ذكره عن المسيح وأمه: أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب، كسائر البشر من بني آدم، فإِن من كان كذلك، فغير كائنٍ إِلهاً، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوامه بغيره، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليل واضح على عجزه، والعاجز لا يكون إلا مربوباً لا ربّاً"٢. وقال في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا..﴾ : "يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم مَنْ زعم من النصارى أنه إِله، والذي زعم من زعم منهم أنه للَّه ابن، لا يملك لهم ضراً يدفعه عنهم

стр. 212

إِن أحله اللَّه بهم، ولا نفعاً يجلبه إِليهم إِن لم يقضه اللَّه لهم، يقول تعالى ذكره: فكيف يكون رباً وإِلهاً من كانت هذه صفته؟ بل الرب المعبود: الذي بيده كل شيء، القادر على كل شيء، فإِياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة، دون غيره من العجزة، الذين لا ينفعونكم ولا يضرون"١. وقال تعالى مبيناً هذه المعاني في حق الرسول ﷺ : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّه يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّه أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاَغًا مِنَ اللَّه وَرِسَالاَتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٢. وقيل له ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٣. وهذه المعرفة لبشرية النبي ﷺ هامة، إذ لو اعتقد خلافها، ونسب شيئاً من الألوهية أو الربوبية للنبي محمد أو لغيره من الأنبياء - عليهم

стр. 213

صلوات اللَّه وسلامه - فإِنه يكون جاهلاً بالمشهود له في كِلْتا الشهادتين ولا تصحان منه. المعرفة المجملة بمعنى الكلمة: "محمد رسول اللَّه": بعد أن يعرف العبدُ المشهودَ له الذي دل عليه المبتدأُ في قولنا: "محمد رسول اللَّه" أو اسم (أنّ) في شهادة أن محمداً رسول اللَّه، وهو رسول اللَّه محمد ﷺ ، ينبغي أن يعرف ما يدل عليه الخبر "رسول اللَّه". وأقل ما يلزمه من ذلك لصحة النطق بالشهادة ما يلي: ١- معرفته بدلالة قوله: "رسول اللَّه" من أن اللَّه أوحى إليه، وأنه يبلغ عن اللَّه، فهو صادق في كل ما أخبر به عنه - سبحانه - كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١. ويعرف أنه مرسل للناس كافة، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين٢.

стр. 214

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١. وقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّه وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢. ٢- ما يستلزمه قوله: "رسول اللَّه": من أن اللَّه أرسله برسالة هي دين الإِسلام، وأنه الدين الحق، الخاتم، الناسخ لجميع شرائع الأنبياء قبله: كما دل على ذلك قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلاَمُ﴾ ٣. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤.

стр. 215

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه اللَّه -: "والإِسلام بالمعنى الخاص بعد بعثة النبي ﷺ يختص بما بعث به محمد ﷺ لأن ما بعث به ﷺ نسخ جميع الأديان السابقة فصار من اتبعه مسلماً، ومن خالفه ليس بمسلم، لأنه لم يستسلم لله بل استسلم لهواه. فاليهود مسلمون في زمن موسى ﵊، والنصارى مسلمون في زمن عيسى فكفروا به فليسوا بمسلمين؛ ولهذا لا يجوز لأحد أن يعتقد أن دين اليهود والنصارى الذي يدينون به اليوم دين صحيح مقبول عند اللَّه مساوٍ لدين الإِسلام، بل من اعتقد ذلك فهو كافر خارج عن دين الإِسلام، لأن اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلاَمُ﴾ ويقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ، وهذا الإِسلام الذي أشار اللَّه إليه هو الإِسلام الذي امتن اللَّه به على محمد ﷺ وأمته قال اللَّه - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ١، وهذا نص صريح في أن مَن سوى هذه الأمة بعد أن بُعث محمد ﷺ ليسوا على الإِسلام، وعلى هذا فما يدينون للَّه به لا يُقبل منهم ولا ينفعهم يوم القيامة، ولا يحل لنا أن نعتبره ديناً قائماً قويماً، ولهذا يخطئ خطأً كبيراً من يصف اليهود والنصارى بقوله إِخوة لنا، أو أن أديانهم اليوم قائمة لما

стр. 216

أسلفناه آنفاً"١. ٣- عزمه على اتّباعه، والانقياد لموجب الرسالة، وأن لا يعبد اللَّه إلا بشريعته. ٤ - محبته ﷺ لمحبة اللَّه له، ولاختياره ليكون واسطة تبليغ دين اللَّه الذي به حياة القلوب، والفوز في الدنيا والآخرة، ومحبة هديه وما جاء به من الدين. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه اللَّه - مبيناً أهم الأمور التي تدل عليها شهادة أن محمداً رسول اللَّه: "أما معنى شهادة "أن محمداً رسول اللَّه" فهو الإِقرار باللسان والإِيمان بالقلب بأن محمد بن عبد اللَّه القرشي الهاشمي رسول اللَّه إلى جميع الخلق من الجن والإِنس كما قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ

стр. 217

لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ١، ومقتضى هذه الشهادة أن تصدِّق رسول اللَّه ﷺ فيما أخبر، وأن تتمثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد اللَّه إلا بما شرع؛ ومقتضى هذه الشهادة أيضاً أن لا تعتقد أن لرسول اللَّه ﷺ حقاً في الربوبية وتصريف الكون، أو حقاً في العبادة، بل هو ﷺ عبدٌ لا يُعبد، ورسول لا يكذب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً من النفع أو الضر إلا ما شاء اللَّه"٢. أما المعرفة المفصلة بالنبي ﷺ فتكون: بالدراسة المفصلة لمعرفة نسبه، وسيرته، وجهاده، وصفاته وشمائله، ودلائل نبوته، وأدلة عموم رسالته، وأنه خاتم النبيين ... ونحو ذلك. والمعرفة المفصلة بشهادة أن محمداً رسول اللَّه تكون: بتعلم ما جاء به من الدين والدراسة المفصلة لهديه وسننه، وصدق المتابعة له ﷺ والبعد عن البدع والغلو والعصيان. وكلما كان العلم والعمل بمقتضى ذلك أكثر كان تحقيقه للشهادة أكمل. وخلاصة ما تقدم: أن الأمور التي ينعقد بها أصل الإِيمان، هي:

стр. 218

أولاً: النطق بالشهادتين. ثانياً: معرفة المشهود لهما، ويتضمن: ١ - الإِقرار بأصل توحيد الأسماء والصفات، من أن اللَّه واحد، فرد صمد لم يلد ولم يولد متصف بالكمال، ليس له كُفُؤٌ، وليس كمثله شيء. ٢- الإِقرار بأصل توحيد الربوبية، من أن اللَّه هو الرب الحق، المتفرد بالملك والخلق والتدبير للسموات والأرض ومن فيهن، لا شريك له في ذلك. ٣- الإِقرار بأن محمد بن عبد الله رسول اللَّه، وأنه بشر ليس له شيء من الألوهية أو الربوبية، وأنه صادق في كل ما أخبر به، وأنه خاتم النبيين. ثالثاً: محبة المشهود لهما، ومحبة الدين. رابعاً: اعتقاد ما دلت عليه الشهادتان، ويتضمن:

стр. 219

وحده الموصل إلى اللَّه المقبول عنده. خامساً: قبول ما دلتا عليه، ويكون بما يلي: ١ - العزم على عبادة اللَّه وحده، والبراءة من الشرك وأهله. ٢- العزم على اتباع النبي ﷺ وحده، وعبادة اللَّه بشريعته. فإِذا جاء بهذه الأمور دخل في الإسلام ظاهراً وباطناً١ ثم هو

стр. 220

مطالب بالإِيمان القلبي بالإِقرار بالأركان الخمسة الأخرى، ثم تكميل إِيمانه بالالتزام ببقية شعب الإِيمان. وقد جاء المجال للكلام على المعنيين الآخرين للإِيمان، واللَّه المستعان.

стр. 221

المطلب الثالث: في تعريف الإِيمان القلبي بيّن النبي ﷺ أركان الإِيمان القلبي في حديث جبريل ﵇ في قوله ﷺ في تعريف الإِيمان: "أَن تُؤْمِنَ بِاللَّه وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"١. والإِيمان بهذه الأصول الستة جميعاً من الإِيمان بالغيب، إذ مدار العلم بها على الخبر من اللَّه تعالى في كتابه أو سنة رسوله ﷺ . قال الربيع بن أنس ﵀ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ٢ "آمنوا باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت"٣. ويكون الإِيمان بها: بالإِقرار القلبي والتصديق بكل ما أخبر به اللَّه - سبحانه - أو أخبر به الرسول ﷺ عن اللَّه تعالى، أو عن ملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر.

стр. 222

وسأتكلم - باختصار - على التعريف بهذه الأركان الستة بما يحصل به المقصود - إِن شاء اللَّه - من بيان أهم معالم الإِيمان القلبي، دون قصد الشرح والتفصيل. الركن الأول: الإِيمان بالله. تقدم أن الإِيمان باللَّه - الركن الأول من الأركان الستة - أصلٌ للإِيمان القلبي، وجرى بيان ما يلزم منه للدخول في الإِسلام في المطلب السابق. إلا أن ما ينبغي التنبيه عليه هنا هو أن هذا الركن - كغيره من الأَركان الأخرى - يزيد وينقص، ويقوى ويضعف. وخير ما يشبه به الإِيمان القلبي - الذي هو أصل الإِيمان المطلق الكامل - أصل الشجرة، الذي يبدأ ضعيفاً ثم يزداد قوة ومتانة، ويبقى اسم: أصل الشجرة، ملازم له في مبتداه ومنتهاه. إذاً فالكلام على الإِيمان باللَّه - الركن الأول - هنا يشمل أصله وكماله، بخلاف ما تقدم في المعنى السابق، الذي يختص بأصله الذي هو أقله اللازم لانعقاد الإِيمان، وصحة النطق بالشهادتين.. ونحوه. وزيادة هذا الركن - الإِيمان باللَّه - إِنما تكون بالمعرفة المفصلة لما يشتمل عليه من معرفة الله، ومعرفة رسوله ﷺ ، وما دلت عليه الشهادتان،

стр. 223

وقوة التصديق بما ورد من تفاصيلها، وما تستلزمه من أعمال القلوب.١ وسأذكر بعض كلام أهل العلم في بيان أن التصديق والإِقرار القلبي يزيد وينقص، مما يجعل أصل الإِيمان قابلاً للزيادة والنقصان في قلوب العباد، وأنه يكون عند بعضهم أكمل من بعض، فمن ذلك: قول الإمام النووي ﵀: "والأظهر - واللَّه اعلم - أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إِيمان الصديقين أقوى من إِيمان غيرهم، بحيث لا تعتريه الشبه، ولا يتزلزل إِيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإِن اختلفت عليهم الأحوال، أما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم، ونحوهم، فليسوا كذلك. فهذا مما لا يمكن إِنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس"٢. وبيّن شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ الوجوه التي يزيد بها الإِيمان وذكر من ذلك: الإِجمال والتفصيل فيما أمروا به، وفيما وقع منهم من الإِيمان والاستجابة.٣ ثم قال:

стр. 224

"فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إِيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإِن كان معه التزام عام، وإِقرار عام. وكذلك من عرف أسماء اللَّه ومعانيها، فآمن بها، كان إِيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء، بل آمن بها إِيماناً مجملاً، أو عرف بعضها. وكلما ازداد الإِنسان معرفة بأسماء اللَّه وصفاته وآياته، كان إِيمانه به أكمل"١. ثم قال: "إِن العلم والتصديق نفسه، يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد، مثل رؤية الناس للهلال، وإِن اشتركوا فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض،.. فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعدده. والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه، يتفاضل الناس في معرفتها أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها"٢. وعليه فالإِيمان باللَّه - أصل الإِيمان - يزيد بزيادة العلم، والاعتقاد

стр. 225

بما اشتمل عليه من المباني العظام التي تقدم بيانها في المعنى السابق الذي خصصناه للكلام على أصل الإِيمان. الركن الثاني: الإِيمان بالملائكة. وهو الاعتقاد الجازم بأن اللَّه تعالى خلق عالماً أسماه الملائكة، وهم أرواح قائمة في أجسام نورانية، قادرة على التمثل بأنواع مختلفة الشكل بإذنه تعالى مناسبة للحال التي يأتون بها"١. كما يجب التصديق بصفاتهم وأفعالهم الواردة في نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية، الدالة دلالة قطعية على وجودهم وأنهم يتصفون بصفات حميدة وأفعال رشيدة"٢. الركن الثالث: الإِيمان بكتب الله. وهو الاعتقاد الجازم بأن اللَّه تعالى أنزل على رسله كتبا مشتملة على هدى العباد مبينة لهم ما يصلح دينهم ودنياهم، موضحة ما عليهم من واجبات، ومالهم من حقوق بها الأنظمة الشرعية والتوجيهات الخلقية"٣.

стр. 226

ويكون الإِيمان إجمالاً بالكتب المنزلة على رسل اللَّه السابقين: كالتوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، وصحف إبراهيم، وكل ما ورد الإشارة إليه في نصوص الوحي. أما القرآن فيزيد على ذلك باعتقاد حفظ اللَّه له، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والإِيمان بعقائده، والتصديق بأخباره، وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه، وتنفيذ وصاياه، واعتقاد أنه كلام اللَّه حقاً سمعه منه جبريل ﵇ وسمعه - محمد ﷺ من جبريل وسمعه الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - من النبي، وتناقلته الأمة بالنقل الصحيح المتواتر جيلاً بعد جيل وإلى أن يرفعه اللَّه إليه. الركن الرابع: الإِيمان بالرسل. وهو الاعتقاد الجازم بأن اللَّه بعث في كل أمة رسولاً منهم يدلهم على الخير ويحذرهم من الشر رحمة بهم١، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢.

стр. 227

ويتضمن الإِيمان بالرسل أربعة أمور١: ١ - الإيمان بأن رسالتهم حق من اللَّه تعالى فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع. ٢ - الإيمان بمن علمنا اسمه منهم مثل محمد وإبراهيم وموسى ونوح ﵈ وغيرهم مما ذكر اسمه في الكتاب أو السنة على وجه التعيين. أما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالا حيث نعتقد أن اللَّه بعث في كل أمة نذيرا. ٣ - تصديق ما صح عنهم من أخبارهم. ٤ - العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد ﷺ . الركن الخامس: الإِيمان باليوم الآخر. قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ٢. والإِيمان باليوم الآخر: هو الاعتقاد بالبعث بعد الموت، وأن هناك يوما يحاسب فيه الناس على أعمالهم، والتصديق بكل ما أخبر اللَّه به مما

стр. 228

يكون في ذلك اليوم. ويشمل الإِيمان باليوم الآخر أموراً أهمها: الإِيمان بالبعث بعد الموت بعد النفخ في الصور، والحساب والجزاء والموازين، ولقاء رب العالمين، والحوض والصراط، وما ورد الخبر به مما يجري على العباد في يوم القيامة. والجنة والنار وما ورد في صفاتهما وصفات أهلهما. ويلحق بالإِيمان باليوم الآخر التصديق بما يكون بعد الموت من فتنة القبر والسؤال فيه وعذاب القبر ونعيمه.١ الركن السادس: الإِيمان بالقدر: وهو الاعتقاد الجازم بأن اللَّه سبق في علمه مقادير الخلائق، ويشمل ذلك ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. كما كتب لهم وعليهم ما تقتضيه حكمته من المقادير والأحوال التي يستحقونها على أعمالهم التي علم أنهم سيعملونها، وأراد إرادة كونية أن يقع ما علمه وكتبه لأجله الذي قدر له، وهو الذي يخلقه إذا حان الأجل. فهو الخالق لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد من الكفر والإِيمان

стр. 229

والطاعة والعصيان وغيرها.١ ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وخلاصة هذا المطلب: أن الإِيمان القلبي يشتمل على ستة أركان هي: الإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإِيمان بالقدر خيره وشره من اللَّه تعالى. وأنه يزيد ويقوى بزيادة العلم بتفاصيل هذه الأمور، وقوة التصديق، وبمقدار حظه مما تستلزمه من أعمال القلوب.

стр. 230

المطلب الرابع: في تعريف الإِيمان الكامل . إذا جاء العبد بأصل الإِيمان، ودخل في الإِسلام، فإِنه مطالب بالإِيمان القلبي بتعلم الأركان الستة واعتقادها، ثم عبادة اللَّه بفعل ما أمره اللَّه به، واجتناب ما نهى عنه، وبذلك يزداد إِيمانه ويترقى نحو الكمال. قال ابن تيمية ﵀: "فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإِسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إِيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإِيمان إلى قلوبهم إِنما يحصل شيئاً فشيئاً، إِن أعطاهم اللَّه ذلك"١. وقال أيضاً: "وقد ختم اللَّه الرسل بمحمد ﷺ فلا يكون مسلماً إلا من شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً عبده ورسوله، وهذه الكلمة بها يدخل الإِنسان في الإِسلام ... ثم لا بد من التزام ما أمر به الرسول من الأعمال الظاهرة، كالمباني الخمس، ومن ترك من ذلك شيئاً نقص إِسلامه بقدر ما نقص من ذلك"٢. ولا يكمل الإِيمان بدون تحقيق العبودية لله تعالى، التي خلق اللَّه

стр. 231

الناس للقيام بها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. ففي هذه الآية بيان للحكمة الشرعية التي خلق اللَّه من أجلها الناس، وهي أن يكلفهم بعبادته بالامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه، فالعبادة جزء هام من أجزاء الإِيمان الكامل. وقد حذر اللَّه تعالى وحذر رسوله ﷺ من التفريط في الطاعة وعدم الالتزام بالتكليف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. وقال ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه: وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى"٣. وهذا التحذير يدل على أن الطاعات جزء من الإِيمان الجالب للأمن،

стр. 232

قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١. فالذي يخل بالطاعات يتعرض للعقوبة، مما يدل على أنه أخل بذلك الإِيمان. وليس الغرض الكلام على تفاصيل التكاليف، وإِنما بيان أن القيام بمقتضى التكليف، بفعل الطاعات واجتناب المحرمات، أساس مهم في الإِيمان الكامل، الذي كلف اللَّه به الناس، ويتولى من جاء به، ويتحصلون به على الثمرات المباركة التي يكرم بها أهله. وسوف أبين أهم معالم الإِيمان الكامل في الفروع الآتية: الفرع الأول: تعريف السلف للإِيمان الكامل. الفرع الثاني: الأدلة على أن الإِيمان يكون بالقلب والقول والأعمال الظاهرة. الفرع الثالث: أهم الأسس اللازمة لتحقيق هذا النوع من الإِيمان.

стр. 233

الفرع الأول: تعريف السلف للإِيمان الكامل للإِيمان الكامل مفهوم شرعي دلت عليه النصوص الكثيرة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ هذا المفهوم أجمله السلف في تعريفهم للإِيمان بأنه: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإِيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.."١. وقال ابن حجر ﵀: " ... وروى اللالكائي٢ بسنده الصحيح عن البخاري٣ قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء

стр. 234

بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وأطنب ابن أبي حاتم١ واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين.."٢. وقال ابن عبد البر٣ ﵀: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإِيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإِيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات عندهم كلها إيمان، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إِيماناً"٤.

стр. 235

وقد عرف الإمام ابن القيم ﵀ الإِيمان تعريفاً وافياً فقال: "وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علماً والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد له محبة وخضوعاً، والعمل به باطناً وظاهراً، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان. وكماله في الحب في اللَّه والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون اللَّه وحده إلهه ومعبوده. والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى اللَّه ورسوله وباللَّه التوفيق"١. فالإِيمان إذاً بمفهومه الشامل الكامل، يتضمن جميع الطاعات القلبية، والقولية، والفعلية، كما تقدم في قول ابن عبد البر ﵀: "والطاعات كلها عندهم إِيمان". وقد ورد ما يدل على هذا المعنى في قوله ﷺ في حديث شعب الإِيمان: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ"٢.

стр. 236

وضابط شعب الإِيمان أن يقال: جميع الطاعات المأمور بها في كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ فعلها إِيمان، وهو من شعب الإِيمان. وجميع المعاصي المنهي عنها فتركها إِيمان وهو من شعب الإِيمان. ففعل العبد الموافق للأمر أو النهي هو الذي يكون طاعة ويسمى إِيماناً. شعب الإِيمان على وجه الإِجمال: أركان الإِيمان الستة: الإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإِيمان بالقدر، وأركان الإِسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، ثم سائر الفرائض والواجبات، ثم المستحبات. وكذلك: الكفر بالطاغوت واجتناب الشرك، والابتعاد عن كبائر الذنوب، واجتناب سائر المحرمات، وترك المكروهات، كل ذلك من شعب الإِيمان. فلا يكمل الإِيمان إلا باستكمال شعبه علماً وعملاً.

стр. 237

قال عمر بن عبد العزيز١ ﵀: "إِن للإِيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإِيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإِيمان ... "٢.

стр. 238

الفرع الثاني: الأدلة على أن الإِيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص: أولاً: الأدلة على أن الإِيمان يكون بالقلب: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ ١. وقال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّه مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ ٢. وقال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوآ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣. وقال النبي ﷺ : "أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ

стр. 239

الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ"١. وصلاح القلب إنما يكون بعمرانه بالعقائد الحق، فإذا شرب القلب الحقائق الإِيمانية وانبعثت منها أعماله القلبية كان قلباً سليماً. وفي حديث جبريل ﵇: "قال: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّه، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"٢. وهذه الأمور الستة يكون الإِيمان بها بالعلم والتصديق والقبول الذي يكون في القلب، فدلت هذه النصوص على أن الإِيمان يدخل القلب، ويطمئن به، وأن إِيمان القلب هو الأصل وأنه شرط في صحة الإِيمان، ولا عبرة بغيره بدونه، وأن أساس الإِيمان هي الاعتقادات التي تقوم بالقلب. ثانياً: النصوص الدالة على أن الإِيمان يكون باللسان: قال ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ... "٣. وقال ﵊: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه

стр. 240

وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الخَيْرِ ذَرَّةً"١. ففي هذين الحديثين دلالة واضحة على اشتراط النطق بالشهادتين لصحة الإِيمان، وأن الإِيمان الذي يُدخِل في الإِسلام والذي يُنجِي من الخلود مكون من قول اللسان مع عقد القلب. وقوله ﷺ في حديث شعب الإِيمان: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ"٢. فيه دليل على أن التلفظ بلا إله إلا اللَّه أفضل شعب الإِيمان سواء قالها عقداً أو ذكراً. وكل الطاعات التي تقال باللسان هي من الإِيمان، وشعبة من شعبه الواجبة أو المستحبة. ثالثاً: النصوص الدالة على أن الإِيمان يكون بالأعمال الظاهرة: كل النصوص المتقدمة في المجموعة الثانية داخلة في هذا النوع، وذلك أن النطق باللسان عمل ظاهر، ويضاف إلى ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا

стр. 241

كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيَمَانَكُمْ﴾ ١. أي صلاتكم، فسمى الصلاة إِيماناً. قال البخاري ﵀ في الصحيح: قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني صلاتكم عند البيت" ثم أورد بسنده عَنِ البَرَاءِ٢: "أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ "٣. ومن أقوى الأدلة وأصرحها في القرآن على أن الأعمال من الإِيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمْ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٤.

стр. 242

حيث جعل سبحانه إقام الصلاة والإنفاق من صفات المؤمنين حقاً. أما من الأحاديث فقد تقدم في حديث شعب الإِيمان أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإِيمان وهو عمل ظاهر. ومن ذلك حديث وفد عبد القيس١، وفيه قال رسول اللَّه ﷺ : "هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّه؟ قَالُوا: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ المَغْنَمِ....."٢. فهذا الحديث من أقوى الأدلة وأصرحها على أن الأعمال من الإِيمان وذلك أن النبي ﷺ فسر الإِيمان بالنطق بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأداء خمس المغنم، وهذه أعمال ظاهرة. رابعاً: النصوص الدالة على زيادة الإِيمان ونقصانه: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ

стр. 243

زَادَتْهُمْ إِيمَانَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ١. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "وقد استدل البخاري وغيره بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإِيمان وتفاضله في القلوب كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد٢"٣. وأشباه هذه الآية التي أشار إليها كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ٤. وقول اللَّه تعالى:

стр. 244

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١. أما الأحاديث فمنها قوله ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ"٢. فدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعب الإِيمان وخصاله٣ وأن بعضه أعلى من بعض. وقال ﷺ : "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ"٤. فدل هذا الحديث على أن الإِيمان يتفاوت قوة وضعفاً في القلوب، كما دل الحديث الذي قبله على أن شعب الإِيمان بعضها أقوى وأعلى

стр. 245

من بعض. ومما تقدم من النصوص يتضح لنا تعريف الإِيمان في الكتاب والسنة وأنه قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأن بعض خصاله أعلى من بعض وأن أهله يتفاوتون فيه قوة وضعفاً.

стр. 246

الفرع الثالث: الأسس اللازمة لتحقيق الإِيمان الكامل. تقدم أن الإِيمان يزيد ويكمل باستكمال شعب الإِيمان علماً وعملاً، ومجاهدة النفس في تحقيق العبودية التي خلق اللَّه الناس من أجلها، بعد أن يأتي بأصل الإِيمان وأركانه القلبية الأخرى. إلا أن ذلك لا يستقيم للعبد إلا إذا أقام أعماله على أسس هامة، هي: أولاً: الإخلاص لله في العبادة. والإخلاص لله في العبادة هو حق اللَّه الذي أمر به عباده، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوآ إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ١. وقال ﷺ في حديث معاذ٢ ﵁:

стр. 247

"يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي ما حَقَّ اللَّه عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّه؟ قُلْتُ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّه عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّه أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه أَفَلاَ أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا"١. والإخلاص هو أن يقصد العبد بكل عباداته وجه اللَّه تعالى، فلا يشرك معه في العبادة المعينة أحداً، ولا يصرف جنس العبادة لغيره. قال تعالى مبينا نية عباده الذين رضي عنهم وأشاد بصنيعهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّه لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُورًا﴾ ٢. والإخلاص في العبادة أساس الحنيفية ملة إبراهيم وهو الأمر الذي تميز به الحنفاء أتباع الأنبياء عن غيرهم من الأدعياء الذين ينتسبون إلى الأنبياء، وهم منهم براء. فالفارق الأساسي هو التوحيد الخالص عند أتباع النبي ﷺ والذي لا يوجد عند أهل الكتاب الذين حادوا عن منهج الأنبياء، بيَّن ذلك ربنا بقوله: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّه وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ

стр. 248

لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ١. فانظر إلى قوله في ختام الآية: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ولم يقل "وأنتم له مخلصون" مما يدل على أن هذا الأمر تفرد به المسلمون. والإخلاص هو تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا اللَّه في كل العبادات. قال الشيخ سليمان بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب ﵏: "النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى، من المحبة والخوف، والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، والدعاء لله وحده، ويبنى على ذلك إخلاص العبادات كلها ظاهرها وباطنها لله وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئا لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما ... وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قوله: لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم، وجميع أنواع العبادة. ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق

стр. 249

الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار"١. وضابط الإخلاص: أن كل ما ثبت أنه عبادة فهو من الدين، وما كان من الدين فيجب أن يكون خالصاً يقصد به وجه اللَّه وحده - فلا يشرك معه فيه أحد ولا يصرف جنسه إلى غير اللَّه. وذلك أن اللَّه تعالى قال: ﴿ألاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ٢. وقال: ﴿هُوَ الحَيُّ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٣. فالدعاء مثلاً من الدين، فيجب أن يكون لله خالصاً، فلا يجوز أن يُدعى اللَّه ويُدعى غيره في آن واحد. ولا يجوز أن يُصرف جنس الدعاء لغير الله، كأن يدعو اللَّه وحده مرة وفي مرة أخرى يدعو غير الله. وهكذا في كل العبادات كالصلاة والتوبة والطواف والاستعانة والسؤال والخوف والرجاء.. ونحوها. فالإخلاص شرط في صحة العبادة، وأساس هام من أسس الإِيمان بدونه لا يدخل العبد في ولاية اللَّه، ولا يقبل منه عمل، ولا يتحصل على

стр. 250

ثمرات الإِيمان وكراماته التي وعد اللَّه بها عباده المؤمنين. ثانياً: صدق المتابعة للنبي ﷺ : والمراد أن العبد إذا جاء بأصل الإِيمان، وآمن الإِيمان القلبي وقام بفعل ما أُمر به، وانتهى عما نُهيَ عنه، وتوجه لله وحده بالعبادات، فعليه مع ذلك أن يقتدي بالنبي ﷺ في أداء العبادات وأن يتلقى عنه وحده بيان العبادات وكيفياتها وكل ما يحتاج إليه في القيام بما كلف به. وصدق المتابعة للرسول ﷺ هو حقيقة معنى شهادة أن محمداً رسول اللَّه. قال ابن رجب ﵀: "وتحقيقه بأن محمداً رسول الله، ألا يعبد اللَّه بغير ما شرعه اللَّه على لسان محمد ﷺ "١. قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ ٢. قال ابن كثير ﵀: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللَّه ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله٣".
следующие страницы →