الفرع الثالث: الأسس اللازمة لتحقيق الإِيمان الكامل.
تقدم أن الإِيمان يزيد ويكمل باستكمال شعب الإِيمان علماً وعملاً، ومجاهدة النفس في تحقيق العبودية التي خلق اللَّه الناس من أجلها، بعد أن يأتي بأصل الإِيمان وأركانه القلبية الأخرى.
إلا أن ذلك لا يستقيم للعبد إلا إذا أقام أعماله على أسس هامة، هي:
أولاً: الإخلاص لله في العبادة.
والإخلاص لله في العبادة هو حق اللَّه الذي أمر به عباده، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوآ إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ١.
وقال ﷺ في حديث معاذ٢ ﵁:
стр. 247
"يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي ما حَقَّ اللَّه عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّه؟ قُلْتُ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّه عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّه أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه أَفَلاَ أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا"١.
والإخلاص هو أن يقصد العبد بكل عباداته وجه اللَّه تعالى، فلا يشرك معه في العبادة المعينة أحداً، ولا يصرف جنس العبادة لغيره.
قال تعالى مبينا نية عباده الذين رضي عنهم وأشاد بصنيعهم:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّه لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُورًا﴾ ٢.
والإخلاص في العبادة أساس الحنيفية ملة إبراهيم وهو الأمر الذي تميز به الحنفاء أتباع الأنبياء عن غيرهم من الأدعياء الذين ينتسبون إلى الأنبياء، وهم منهم براء. فالفارق الأساسي هو التوحيد الخالص عند أتباع النبي ﷺ والذي لا يوجد عند أهل الكتاب الذين حادوا عن منهج الأنبياء، بيَّن ذلك ربنا بقوله:
﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّه وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ
стр. 248
لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ١.
فانظر إلى قوله في ختام الآية: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ولم يقل "وأنتم له مخلصون" مما يدل على أن هذا الأمر تفرد به المسلمون.
والإخلاص هو تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا اللَّه في كل العبادات.
قال الشيخ سليمان بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب ﵏: "النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى، من المحبة والخوف، والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، والدعاء لله وحده، ويبنى على ذلك إخلاص العبادات كلها ظاهرها وباطنها لله وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئا لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما ...
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قوله: لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم، وجميع أنواع العبادة. ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق
стр. 249
الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار"١.
وضابط الإخلاص:
أن كل ما ثبت أنه عبادة فهو من الدين، وما كان من الدين فيجب أن يكون خالصاً يقصد به وجه اللَّه وحده - فلا يشرك معه فيه أحد ولا يصرف جنسه إلى غير اللَّه.
وذلك أن اللَّه تعالى قال: ﴿ألاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ٢.
وقال: ﴿هُوَ الحَيُّ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٣.
فالدعاء مثلاً من الدين، فيجب أن يكون لله خالصاً، فلا يجوز أن يُدعى اللَّه ويُدعى غيره في آن واحد. ولا يجوز أن يُصرف جنس الدعاء لغير الله، كأن يدعو اللَّه وحده مرة وفي مرة أخرى يدعو غير الله.
وهكذا في كل العبادات كالصلاة والتوبة والطواف والاستعانة والسؤال والخوف والرجاء.. ونحوها.
فالإخلاص شرط في صحة العبادة، وأساس هام من أسس الإِيمان بدونه لا يدخل العبد في ولاية اللَّه، ولا يقبل منه عمل، ولا يتحصل على
стр. 250
ثمرات الإِيمان وكراماته التي وعد اللَّه بها عباده المؤمنين.
ثانياً: صدق المتابعة للنبي ﷺ :
والمراد أن العبد إذا جاء بأصل الإِيمان، وآمن الإِيمان القلبي وقام بفعل ما أُمر به، وانتهى عما نُهيَ عنه، وتوجه لله وحده بالعبادات، فعليه مع ذلك أن يقتدي بالنبي ﷺ في أداء العبادات وأن يتلقى عنه وحده بيان العبادات وكيفياتها وكل ما يحتاج إليه في القيام بما كلف به.
وصدق المتابعة للرسول ﷺ هو حقيقة معنى شهادة أن محمداً رسول اللَّه.
قال ابن رجب ﵀: "وتحقيقه بأن محمداً رسول الله، ألا يعبد اللَّه بغير ما شرعه اللَّه على لسان محمد ﷺ "١.
قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ ٢.
قال ابن كثير ﵀: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللَّه ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله٣".
стр. 251
وفي قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ﴾ دليل على أهمية الاقتداء برسول اللَّه ﷺ وأنه أساس من أسس العبودية التي ينبغي أن يكون عليها من كان يرجو رضوان اللَّه والحصول على ولايته والفوز يوم القيامة.
وهذا الأصل العظيم دلت عليه نصوص كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١.
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ ٢.
وقد جمع اللَّه بين هذا الأصل - صدق المتابعة - والذي قبله الإخلاص في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
"وهذان ركنا العمل المتقبل لابد أن يكون صواباً خالصاً، فالصواب: أن يكون على السنة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا﴾ .
стр. 252
والخالص: أن يخلص من الشرك الجلي والخفي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ "١.
واتباعه ﷺ يكون بتعلم ما جاء به من الوحي والعمل به والاقتداء به.
قال ﷺ آمراً بالاقتداء به وبالخلفاء الراشدين السائرين على نهجه المقتفين لأثره، ومحذراً من البدع والمحدثات:
"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّه، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بعدي فسيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، فتمسكوا بها وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ"٢.
وكما نهى عن البدعة والمحدثات نهى عن الغلو فقال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً٣.
وقال أيضاً: "فمن رغب عن سنتي فليس مني"٤.
стр. 253
بهذا يتبين أن التأسي بالنبي ﷺ وصدق المتابعة له شرط في صحة العبادة، وأساس عظيم يقوم عليه الإِيمان باللَّه وأن ذلك لا يتحقق إلا بالابتعاد عن الغلو والبدع والمعاصي.
ثالثاً: العلم.
إن الإِيمان الصحيح الراسخ هو الذي يقوم على العلم المستقي مما جاء به النبي ﷺ من الوحي.
والعلم لازم لجميع المطالب الإِيمانية، فأصل الإِيمان - مثلاً - لا يمكن الإتيان به صحيحاً إلا بمعرفة معنى الشهادتين، وما تستلزمانه.
وهكذا بقية الأركان القلبية وغيرها من شعب الإِيمان لا يمكن القيام بها إلا بالعلم بما ورد من تفاصيلها في كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ .
فالعلم أساس هام في الإِيمان باللَّه، وركن بارز في دعوة النبي ﷺ قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَآ أَنَا مِنْ المُشْرِكِينَ﴾ ١.
قال ابن جرير ﵀:
стр. 254
"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَذِهِ﴾ الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته ﴿سَبِيلِي﴾ وطريقتي ودعوتي ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّه﴾ وحده لا شريك له ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بذلك ويقين علم مني به ﴿أَنَا وَ﴾ يدعو إليه على بصيرة أيضاً ﴿مَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وصدقني، وآمن بي ﴿وَسُبْحَانَ اللَّه﴾ يقول تعالى ذكره: وقل تنزيهاً لله وتعظيماً له، من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه ﴿وَمَآ أَنَا مِنْ المُشْرِكِينَ﴾ يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني"١.
وقد بين سبحانه أن التعليم من أخص وظائف النبي ﷺ وأنه به خرج المسلمون من الضلال المبين فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
فالعلم مقدم على كل قول أو عمل كلف به الإِنسان أو رام القيام به
стр. 255
- وشرط في صحته قال الإِمام البخاري ﵀ في الجامع الصحيح: "باب العلم قبل القول والعمل، لقول اللَّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه﴾ فبدأ بالعلم"١.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب٢ ﵀: "اعلم رحمك اللَّه أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:
(الأولى) : العلم، وهو معرفة اللَّه ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإِسلام بالأدلة.
(الثانية) : العمل به.
(الثالثة) : الدعوة إليه.
(الرابعة) : الصبر على الأذى فيه.
الدليل قوله تعالى:
﴿وَالعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٣"٤.
стр. 256
وبهذا يتبين أن العلم والبصيرة في الدين أساس هام لا يتحصل العبد على الإِيمان الكامل بدونه.
خلاصة هذا المطلب:
أن الإِيمان الكامل، الذي يتولى اللَّه أهله، ويوجب لهم الأمن من عقوباته في الدنيا والآخرة، يشمل جميع الطاعات القلبية، والقولية، والفعلية. وهذا المعنى هو المقصود بتعاريف علماء السلف للإِيمان بأنه: قول وعمل واعتقاد، يزيد وينقص، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
وهو يشمل جميع شعب الإِيمان ابتداءً من أركان الإِيمان القلبية الستة، وأركان الإِسلام الخمسة، وجميع الواجبات والمستحبات، كما يشمل الكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك وأهله، واجتناب الكبائر، وترك المحرمات والمكروهات.
وكلما زاد المسلم في الالتزام بشعب الإِيمان علماً وعملاً، زاد إِيمانه وتقواه، وترقى في كماله، وأن الإِيمان لا يتحقق إلا إذا التزم بأسس هامة تنحصر فيما يلي:
إلى قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ١.
لقد ورد هذا المثل العظيم في سياق بدأ بذكر العلم الذي أنزله الله إلىعباده، والذي يتضمن: الآيات البينات، والأمثال المضروبة من أحوال الأمم السابقة، والمواعظ. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . وهذا العلم النازل هو الطريق الوحيد لهداية الناس.
ثم بين سبحانه أنه هو الهادي لأهل السموات والأرض، فكل خير ونور وبصيرة وهدى فهو منه وحده سبحانه حيث قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ .
ثم ضرب - سبحانه - مثلاً لنوره الذي يجعله في قلوب عباده المؤمنين جزاء تصديقهم وقبولهم لما نزل من البينات، وتعلمهم لها، وعملهم بها، مبيناً في المثل حقيقة ذلك النور، ومادته التي تغذيه، وأثره في استنارة القلب وبصيرته، وذلك بقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا
стр. 259
مِصْبَاحٌ ... ﴾ الآية.
ثم ذكر سبحانه شاهداً على أثر ذلك النور في ذكر بعض صفات عباده المؤمنين الذين استنارت قلوبهم بذلك النور، فأكسبها البصيرة، وكشف لهم أحاسن الأعمال فلزموها، وأراذلها فتجافوا عنها. حيث قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١.
ثم أتبع ذلك بذكر مثلين يصور فيهما سبب ضلال فريقين من الكفار، المتمثل في إعراضهما عن نور العلم الذي أنزله الله لهداية الناس، وما نتج عن ذلك من حجب الله نوره عنهم فبقوا في الضلال والظلمات يعمهون.
قال – سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآء حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ
стр. 260
الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ ١.
وفي ختم المثل الأول بقوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء﴾ .
والمثل الثالث بقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ ربط بين هذه الأمثال المصورة لحال من أعطاه الله النور ومن لم يحصل له ذلك النور، وبيان لحقيقة هامة وهي أن الهداية لا تكون إلا بنور الله الحاصل من تعلم العلم من الوحي النازل من الله والإيمان والعمل به، وأن من لم يسلك سبيل العلم فلن يُعْطيَهُ الله نوراً، ومن لم يعطه الله نوراً فلن يستنير قلبه أبداً، ولو سلك ما سلك من الطرق.
وهذه الحقيقة المستفادة من سياق الأمثال الثلاثة المتمثلة: بوجود نور يهدي إلى الإيمان، هو نور العلم، ووجود نور يجعله الله في قلوب عباده المؤمنين، هو نور الإيمان، دل عليه قوله تعالى في ألفاظ المثل الأول: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ .
стр. 261
وتعلم العلم هو فعل العبد، وقذف النور في القلب هو فعل الله تعالى. فإذا جاء العبد بما عليه من الاستجابة للعلم، أعطاه الله ما يستحقه فهداه. حيث قال سبحانه: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء﴾ .
خلاصة دلالة السياق:
إن مثل النور في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ... ﴾ الآية، ورد في سياق أشاد الله فيه بالعلم النازل به الوحي إلى الرسول ﷺ ، وبين أنه الطريق والسبب الأوحد لهداية الناس حيث ينير قلوب المؤمنين وأعمالهم. وأن نور الإيمان يقذفه الله في تلك القلوب التي استنارت بالعلم واستجابت له.
وصوّر مثل النور هذا المعنى أكمل تصوير.
كما دل السياق على أن سبب ضلال الكفار هو إعراضهم عما أنزله الله من العلم. وضُرب لذلك مثلان يبينان حال الكفار الذين حُرموا من النور الإلهي، هما: مثل السراب، ومثل الظلمات.
وسوف يأتي مزيد من التأمل في السياق عند دراسة هذين المثلين إن شاء الله تعالى.
стр. 262
المبحث الثاني: دراسة المثل
المطلب الأول: نوع المثل
...
المطلب الأول: نوع المثل.
هذا المثل من الأمثال التشبيهية، التي يتم إيضاح المراد بها عن طريق القياس التمثيلي.
وبهذا المثل شبه أمر معقول١ هو: نور العلم والإيمان القائم في قلوب المؤمنين، بأمر محسوس هو: نور المصباح الذي في مشكاة، الوارد وصفه في المثل.
والمشبه به والمشبه كلاهما عبارة عن هيئة مركبة. كما سيأتي بيان ذلك فيما يلي من المطالب.
стр. 263
المطلب الثاني: بيان صورة الممثّل به .
لقد بُيِّنت صورة الممثّل به في قوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِة ٍلاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ .
وهذا المثل مكون من خمسة أجزاء رئيسة هي:
١- مشكاة.
٢- مصباح.
٣- زجاجة تحيط بالمصباح.
٤- زيت يوقد منه المصباح.
٥- النور المنبعث من المصباح.
وسأبين فيما يلي المراد بهذه الأجزاء.
أولاً: المشكاة.
ذكر المفسرون وأصحاب كتب المفردات ثلاثة معان للمشكاة هي:
стр. 264
وهي تجويف صغير في الجدار كالرف الصغير.
ورجح الراغب في المفردات هذا المعنى للمشكاة ولم يذكر غيره حيث قال: "والمشكاة كوة غير نافذة، قال: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك مثل القلب، والمصباح مثل نور الله فيه"١.
٢- المشكاة هي: موضع الفتيلة من القنديل. وهي: القصبة أو العمود المجوف الذي توضع فيه الفتيلة.٢
وقد رجح هذا المعنى ابن كثير بعد أن ذكر المعاني الأخرى حيث قال: "والقول الأول أولى وهو: أن المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل".٣
٣- المشكاة هي: الحديدة التي يعلق بها القنديل.٤
ولم أجد من رجح تفسير المشكاة في الآية به من المفسرين.
والمعنى الجامع من هذه المعاني للفظ "مشكاة" هو: أن المكان أو الشيء الذي يوضع فيه المصباح يسمى مشكاة. فمن قال: أن المصباح هو
стр. 265
الفتيلة المضيئة، قال: المشكاة هي العمود أو القصبة التي توضع فيها لقوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ .
ومن قال المصباح هو المجموع المكون من الفتيلة والقصبة ووعاء الزيت، قال: المشكاة هي: الكوة التي يوضع فيها المصباح، وكلا القولين محتملان في تفسير المشكاة.. لكن التفسير الأول وهو: الكوة أنسب من جهة التشبيه ومطابقة المشبه به، حيث نص بعض السلف والمفسرين على أن المشكاة مثل للقلب أو الصدر١، فيكون تجويف القلب مشابه لتجويف المشكاة. والله أعلم.
وسوف يأتي مزيد بيان لهذا المعنى عند الكلام على مطابقة الممثّل به للممثل له.
وأيضا فإن تفسير المشكاة بالكوة يبين ميزة لهذا النور تتمثل في تنويره لهذه الكوة أكمل ما تكون الإضاءة، لأنه يكون محصوراً فيها فينير كافة جوانبها. أما تفسيره بالقصبة أو غيرها فإنه لا يفيد معنى ذا قيمة في اعتبار المثل.
ثانياً: المصباح.
المصباح هو: السراج المضيء الذي نوره من توقد وإضاءة.
стр. 266
قال في تهذيب اللغة: "والمصباح نفس السراج. وهو قُرْطُه الذي تراه في القنديل"١.
والقرط: جمعها قِراط: وتطلق على شعلة السراج، ما احترق من طرف الفتيلة.٢
قال الراغب: "ويقال للسراج مصباح"٣.
وقال: "السراج: الزاهر بفتيلة ودهن، ويعبر عن كل مضيء"٤.
وعلى هذا يسمى الجرم المضيء مصباحاً كالشمس، والنجوم الزاهرة المتوهجة. ولا يقال للضوء والشعاع مصباح. كما لا يقال للجرم المنور بلا إضاءة وتوهج مصباح.
وقد فرق الله سبحانه بين الأجرام المتوهجة المتقدة المضيئة، وبين الأجرام المنورة بسبب انعكاس أشعة الضوء عليها في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآء وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ٥.
стр. 267
وقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ ١.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ٢.
وبهذا يتبين أن الأجسام منها ما هو منور بسبب توهّجه واتقاده كالشمس.
ومنها ما هو منور بسبب انعكاس الضوء عليه دون توهجه واتقاده كالقمر.
والمصباح الذي شبه به نور الله في قلب المؤمن هو من النوع الأول الذي يتوهج ويتقد لأن هذا هو حقيقة المصباح كما تقدم في التعاريف اللغوية.
قال ابن جرير: ".. وصف المصباح بالتوقد، لأن التوقد والاتقاد لاشك أنهما من صفته"٣.
ثالثاً: الزجاجة.
قال تعالى: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ .
стр. 268
"الزجاج حجر شفاف، الواحدة زجاجة"١.
ويؤخذ من الزجاج معنى: الشفافية والحسن والصفاء.
ويؤخذ من تشبيه الزجاجة بالكوكب الدري: معنى الإضاءة والتلألُؤِ.
وذلك أنها شبهت بالكوكب المتلألئِ الذي هو من زينة السماء الدنيا. كما قال تعالى: ﴿إنَّا زَيَّنا السَّمآءَ الدنْيَا بِزينَةٍ الكَوَاكِب﴾ ٢ ووصف الكوكب بأنه دري: يدل على معنى الإضاءة.
كما ورد عن أبي بن كعب٣ ﵁ أنه فسر دري: بمضيء.
وكذلك روي عن قتادة٤ ﵀.٥
стр. 269
وعلى هذا فالمراد هو التشبيه بكوكب مضيء ينبعث الضوء من داخله بخلاف الكواكب غير المضيئة التي نورها بسبب الضوء الوارد إليها من غيرها.
وهذا التشبيه - تشبيه الزجاجة بالكوكب الدري - يؤكد المعنى المستفاد من حقيقة المصباح وهو الإضاءة الذاتية الناتجة عن توقد وتوهج ونور ينبعث نتيجة لذلك.
فالنور الذي يتلألأ ويزهر على الزجاجة يأتيها من الداخل من المصباح.
والزجاجة - بطبيعتها المعروفة- تنعكس عليها الأنوار وتنفذ من خلالها كأجمل ما تكون إذا كان المصباح المتوهج حسن الإنارة جيد الزيت. وإذا ضعفت الإنارة أو كان الزيت من النوع الرديء أو خلط به، انبعث من المصباح دخان يتجمع على جدار الزجاجة من الداخل، فيضعف بريقها ونورها، وربما أظلمت إذا كثر الدخان وغطى سائر الزجاجة.
ومعرفة هذه الحال من طبيعة الممثّل به مهمة في تدبر المثل والاعتبار به، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.
رابعاً: الزيت الذي يوقد به المصباح.
قال الله تعالى: ﴿يوْقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَاركةٍ زَيتونَةٍ لا شَرْقِية وَلا غَرْبيةٍ يَكَاد
стр. 270
زَيْتها يُضئ ولوْ لم تمسسْهُ نار﴾ ١.
قوله: ﴿يوْقَدُ﴾ أي المصباح. فالضمير عائد عليه.٢
قوله: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبَاركةٍ زَيتونَةٍ﴾ "أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة: ﴿زَيتونَةٍ﴾ بدل أو عطف بيان"٣.
قوله سبحانه: ﴿زَيتونَةٍ لا شَرْقِية وَلا غَرْبيةٍ﴾ .
بين المفسرون أن هذا الوصف المعبر عنه بقوله: ﴿لا شَرْقِية وَلا غَرْبيةٍ﴾ المراد منه بيان جودة زيت الشجرة وصفائه واعتداله وإشراقه.٤
واختلفوا في المراد بكونها ﴿لا شَرْقِية وَلا غَرْبيةٍ﴾ على قولين مشهورين:
الأول: أن المراد أنها ليست شرقية لا تصيبها الشمس إلا إذا أشرقت، وليست غربية لا تصيبها الشمس إلا إذا غربت، ولكنها شرقية
стр. 271
غربية تصيبها الشمس إذا طلعت وإذا غربت النهار كله. وذلك كأن تكون في أرض فلاة لا يحجبها الشجر أو على رأس جبل. وقالوا ذلك أجود لزيتها.١
الثاني: أن المراد أنها وسط الشجر لا تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا إذا غربت، فهي "لا شرقية ولا غربية".٢
وقد رجح ابن كثير القول الأول حيث قال: "وأولى هذه الأقوال القول الأول وهو أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح بادٍ ظاهر ضاح للشمس تقرعه من أول النهار إلى آخره ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف".٣
وقبله رجح هذا القول ابن جرير ﵀.٤
وقوله سبحانه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ .
قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: يَكَاد زيت هذه الزيتونة يضيء - من صفائه،
стр. 272
وحسن ضيائه - ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يقول: فكيف إذا مسته النار".١
وهذا الوصف يدل على أن الزيت من صفائه وحسنه يشرق ويتنور من انعكاس ضوء المصباح أو غيره عليه.
فهو إذاً ذا نور، لكنه ليس ناتجاً عن إضاءة وإنما ناتج عن انعكاس الضوء الوارد عليه من غيره. يؤيد هذا المعنى قوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ أي يَكَاد من تنوره وإشراقه أن يتقد.
خامساً: النور المنبعث من المصباح.
نور المصباح في المشبه به هو المعنى المعتبر في التشبيه، وكل ما ورد في أوصاف الممثّل به إنما المراد به إيضاح طبيعة النور المنبعث من هذا المصباح الموصوف.
قال - سبحانه - في بداية المثل: ﴿مثَل نُورهِ كَمِشْكَاةٍ فِيها مصْبَاح﴾ .
والمراد تشبيه نور الله في قلب المؤمن بنور حاصل في مشكاة فيها مصباح.
وقال بعدما أتم أوصاف المصباح: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ :
أي نور نار المصباح ونور الزيت.٢
стр. 273
والمعنى أن المشبّه به هو نور كائن على نور.
"وارتفاع ﴿نُورٌ﴾ : على أنه خبر لمبتدإٍ محذوف: أي هو نور.
و ﴿عَلى نُور﴾ : متعلق بمحذوف هو صفة لنور مؤكدة له. والمعنى: هو نور كائن على نور".١
ويمكن استخلاص أهم صفات النور مما ذكر من هيئة المشبه به، ومما يعرف من طبيعته، فيما يلي:
١- أنه نور ناتج عن إيقاد المصباح، وإيقاده تم من غيره، وهو قابل للانطفاء.
٢- أنه نور متأثر بالوقود - الزيت - من جهة صفاء النور وإشراقه لجودة الزيت، ومن جهة زيادة النور أو نقصانه لنقص الزيت.
والمصباح المشبه به وقوده من أحسن الوقود، فنوره كأحسن ما يكون إشراقاً وإنارة وصفاءً.
٣- أن المصباح محفوظ بزجاجة تحميه من تلاعب الرياح باللهب مما يؤدي إلى اضطراب النور أو انطفائه، فهو نور ثابت متنامٍ.
كما أن الزجاجة تسهم في تفرق الضوء وانتشاره خارجها، ويتلألأُ
стр. 274
ويزهر عليها.
وخلاصة القول في الممثّل به:
أن الممثّل به في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فيهَا مِصْباح ... ﴾ مكون من عدة أجزاء، لها أثر في قوة النور وصفائه وكماله:
فهو مصباح بفتيلة جيدة يتقد وينبعث منه الضوء والنور كأحسن ما يكون إشراقاً وصفاء لجودة الزيت الذي يوقد به، وتنعكس أشعة الضوء على الزجاجة التي تحيط به فتتلألأ وتشرق وتنور جميع جوانب تلك الكوة والمشكاة التي وضع فيها المصباح. كما أن الزجاجة تحمي نور المصباح من تلاعب الرياح به، فهو نور ثابت.
стр. 275
المطلب الثالث: بيان الممثّل له .
هذا المثل ضرب لبيان النور المضاف إلى الله في قوله - سبحانه -: ﴿مثَلُ نورهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ .
وفي المراد بالضمير (الهاء) في قوله: ﴿نورهِ﴾ ثلاثة أقوال للمفسرين١ هي:
١- أنه عائد إلى الله ، أي: مثل هداه في قلب المؤمن.
٢- أن الضمير عائد إلى المؤمن، أي: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كَمِشْكَاةٍ.
٣- أنه عائد إلى النبي محمد ﷺ .
وقد رجح ابن جرير ﵀ عود الضمير إلى الله حيث قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلوب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنزله إليهم فآمنوا به، وصدقوا بما فيه، في قلوب المؤمنين، مثل مشكاة".٢
стр. 276
وبين ابن القيم ﵀ أن عود الضمير إلى الله يدل عليه السياق، وينتظم تلك الأقوال، حيث قال:
"وقد اختلف في مفسر الضمير في ﴿نورهِ﴾ ، فقيل: هو النبي ﵌ أي: مثل نور محمد ﵌، وقيل: مفسره المؤمن، أي مثل نور المؤمن. والصحيح أنه يعود على الله . والمعنى: مثل نور الله في قلب عبده. وأعظم عباده نصيباً من هذا النور رسوله ﵌ فهذا مع ما تضمنه عود الضمير المذكور، وهو وجه الكلام، يتضمن التقادير الثلاثة وهو أتم لفظاً ومعنى"١.
وكلا القولين المأثورين عن السلف - من إعادة الضمير على الله أو على المؤمن - صحيح باعتبار:
فهو من جهة: نور الله الذي جعله لعبده، وهداه به، وأنار به قلبه. فيضاف إلى الله باعتباره الواهب له، الهادي إليه. كما في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء﴾ ، وكذلك قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ .
وهو من جهة: نور المؤمن الذي أعطاه الله إياه، وجعله في قلبه، وخصه به. كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا
стр. 277
لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ ١.
فاللام في قوله: ﴿لَهُ﴾ لام الاختصاص.
قال ابن القيم ﵀: "وهذا النور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه. ويضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل"٢.
ويمكن تحديد طبيعة هذا النور الذي يجعله الله لعباده المؤمنين من المعطيات المستفادة من ألفاظ المثل، وأقوال أهل العلم، بالأمور الآتية:
أولاً: أن النور الممثّل له كائن في قلب المؤمن.
ثانياً: أن النور يضاف إلى الله تعالى باعتباره الواهب له الهادي إليه. ويضاف إلى المؤمن باعتباره محله المعطى له، الموهوب إياه.
ثالثاً: أنه نور واحد. كما دل عليه الإفراد في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ ، والمستفاد من حقيقة الممثّل به.
رابعاً: أنه نور مركب كما دل عليه قوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ، ودل عليه صورة الممثّل به، وامتزج هذان النوران فأصبحا نوراً واحداً مضيئاً.
стр. 278
المراد بالنورين في قوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ :
تكاد تتفق التفاسير المأثورة عن السلف على أن المراد بأحد النورين هو القرآن الكريم وما دل عليه من العلم والعمل١. ثم اختلفوا في تحديد النور الثاني على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن النور الثاني هو نور الإيمان في قلب المؤمن.
وهو القول الذي تدور عليه أكثر أقوال السلف.٢ ورجحه ابن تيمية٣ ﵀ وغيره.
القول الثاني: أن النور الثاني هو نور الفطرة. أي ما فطر عليه قلب المؤمن من الهدى. ذكره ابن كثير٤ ﵀.
وهذا في حقيقته عائد إلى القول الأول لأن المراد هو ما فطر عليه قلب المؤمن، وليس أي قلب. وقلب المؤمن باق على أصل الفطرة، على الدين الحنيف، وزاد الإيمان هذه الفطرة رسوخا واستحكاما. فهو عائد
стр. 279
إلى نور الإيمان وما يستلزمه من الفطرة السليمة.
القول الثالث: أن النور الثاني هو الحجج والبراهين الكونية التي نصبها الله لعباده، ورجح هذا ابن جرير ﵀، لكنه لم يذكر أن أحدا من السلف قال به.١
وهذا القول فيه نظر وذلك أن تفسير النور الثاني الذي يعطاه المؤمن بالحجج والبراهين الكونية لا يستقيم للاعتبارات الآتية:
стр. 280
القلب ووظيفته.١
قيل: إنها ليست من ماهية النور، ولكنها مظهر له، متأثرة به، متنورة من النور بعد إيقاد المصباح.
فالتعقل الصحيح هو تعقل المؤمن الذي استنار قلبه بنور العلم والإيمان.٢
٥- أن دلالة الممثّل به تخالف ذلك، ولا تتفق مع جعل النور الثاني هو الحجج والبراهين وذلك أن المثل دل على أن أحد النورين وقود للنور الآخر، متوقف اتقاده عليه. والأدلة والبراهين الكونية ليست مادة للعلم المستقى من الوحي. وإنما هي مؤيدة مساندة له في بعض المطالب إلا أنه لا يتوقف عليها.
وأيضاً لا يقال: أنها نور يغذي نور الإيمان وذلك أن الدلائل الكونية غير كافية في التعريف بالله، وبحقه، وبشعائر الدين، والمطالب الغيبية، فلا يستمد منها وحدها الإيمان الشرعي، وإنما يستمد من الوحي الذي أنزله الله على رسله - صلوات الله وسلامه عليهم -.
стр. 281
وإنما الصحيح أن يقال أن الإيمان لا يحصل إلا بالعلم المستفاد مما جاء به النبي ﷺ من الوحي. فتفسير النورين بالعلم والإيمان هو المطابق لصورة الممثّل به.
قال السدي١ ﵀: "نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه"٢.
٦- أنه لا يوجد في النصوص ما يدل على أن الآيات والحجج الكونية نور، ولم يؤثر عن أحد من السلف أنه قال بذلك. وابن جرير الذي ذكر ذلك لم يذكر أن أحدا من السلف قال به.
ولكن وردت النصوص بتسمية العلم نوراً، والإيمان نوراً، والرسول ﷺ الذي يعلم العلم ويدعو إلى الإيمان نوراً.
وعلى هذا يتبين خطأ من فسر ما يقابل نور الزيت في الممثّل له بنور الأدلة والحجج الكونية.٣ إذ إن ذلك يصرف عن دلالة المثل، وسياقه
стр. 282
- المؤيدة بنصوص الوحي وأقوال السلف الكرام - على نور العلم وأهميته في الهداية وحصول الإيمان وزيادته. ويقوي منهج العقلانيين الزاعمين أن النظر العقلي هو الطريق لمعرفة الإيمان والتوحيد وسائر المطالب الغيبية.
وعلى ضوء ما تقدم يتحصل أن المراد بالنورين في قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ هما:
نور العلم الواصل للقلب من هداية الكتاب والسنة. وهو يقابل نور الزيت.
ونور الإيمان الذي يقذفه الله في قلب المؤمن. وهو يقابل نور شعلة المصباح.
شواهد تفسير النورين بالإيمان والعلم:
إن تفسير النورين في قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ بنور الإيمان ونور العلم يؤيده ما ورد من إطلاق لفظ النور عليهما في نصوص أخرى.
وهذا مع ما دل عليه الاعتبار بالمثل يدل على صواب من رجح تفسيرهما بذلك.
فمما ورد من إطلاق النور على ما أنزله الله على أنبيائه من الكتاب والحكمة المتضمنة للعلم، قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
стр. 283
مُبِينٌ﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَآ التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ ٢.
وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَآ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ ٤. ونحوها.
ومما ورد في إطلاق النور على ما يجعله الله للعباد من الإيمان القائم على العلم قوله تعالى: ﴿أَفمَن شَرَحَ الله صَدْرَه للإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِنْ ربه﴾ ٥.
وقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ ٦.
стр. 284
وقوله: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١، ونحوها.
وجمع الله بينهما بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
كما دل المثل على أن النور الذي عند المؤمنين من فعل الله وجعله لهم، من جهتين:
الجهة الأولى: الاعتبار بصورة الممثّل به وهو المصباح حيث لا يتقد إلا بإشعال النار في الفتيلة التي سرى فيها الزيت.
وكذلك نور الإيمان يجعله الله لمن أناب وأذعن قلبه لما نزل من الحق. فيقذف الله في قلبه الإيمان، ويزيده منه كلما تعلم واستجاب.
والجهة الثانية: قوله في المثَل: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء﴾ .
وقوله في مثل الظلمات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٣.
стр. 285
وقد دل على هذا المعنى نصوص أخرى منها ما سبق إيراده، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ .
وقوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ ، ونحوها.
ومن الأحاديث الدالة على هذا المعنى ما ورد أن النبي ﷺ سئل عن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ ١ قالوا: وكيف يشرح صدره؟ قال: "يدخل فيه النور فينفسح". قالوا: وهل لذلك من علامة يا رسول الله؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت"٢.
فإذا هدى الله العبد وشرح صدره بالنور الذي يجعل فيه - الذي يقابل إشعال فتيلة المصباح - أصبح في القلب نتيجة لذلك نور قائم فيه، ملازم له مادام مؤمناً، دل على ذلك ما ورد عن حذيفة٣ ﵁: