وإنما الصحيح أن يقال أن الإيمان لا يحصل إلا بالعلم المستفاد مما جاء به النبي ﷺ من الوحي. فتفسير النورين بالعلم والإيمان هو المطابق لصورة الممثّل به.
قال السدي١ ﵀: "نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه"٢.
٦- أنه لا يوجد في النصوص ما يدل على أن الآيات والحجج الكونية نور، ولم يؤثر عن أحد من السلف أنه قال بذلك. وابن جرير الذي ذكر ذلك لم يذكر أن أحدا من السلف قال به.
ولكن وردت النصوص بتسمية العلم نوراً، والإيمان نوراً، والرسول ﷺ الذي يعلم العلم ويدعو إلى الإيمان نوراً.
وعلى هذا يتبين خطأ من فسر ما يقابل نور الزيت في الممثّل له بنور الأدلة والحجج الكونية.٣ إذ إن ذلك يصرف عن دلالة المثل، وسياقه
стр. 282
- المؤيدة بنصوص الوحي وأقوال السلف الكرام - على نور العلم وأهميته في الهداية وحصول الإيمان وزيادته. ويقوي منهج العقلانيين الزاعمين أن النظر العقلي هو الطريق لمعرفة الإيمان والتوحيد وسائر المطالب الغيبية.
وعلى ضوء ما تقدم يتحصل أن المراد بالنورين في قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ هما:
نور العلم الواصل للقلب من هداية الكتاب والسنة. وهو يقابل نور الزيت.
ونور الإيمان الذي يقذفه الله في قلب المؤمن. وهو يقابل نور شعلة المصباح.
شواهد تفسير النورين بالإيمان والعلم:
إن تفسير النورين في قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ بنور الإيمان ونور العلم يؤيده ما ورد من إطلاق لفظ النور عليهما في نصوص أخرى.
وهذا مع ما دل عليه الاعتبار بالمثل يدل على صواب من رجح تفسيرهما بذلك.
فمما ورد من إطلاق النور على ما أنزله الله على أنبيائه من الكتاب والحكمة المتضمنة للعلم، قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
стр. 283
مُبِينٌ﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَآ التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ ٢.
وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَآ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ ٤. ونحوها.
ومما ورد في إطلاق النور على ما يجعله الله للعباد من الإيمان القائم على العلم قوله تعالى: ﴿أَفمَن شَرَحَ الله صَدْرَه للإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِنْ ربه﴾ ٥.
وقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ ٦.
стр. 284
وقوله: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١، ونحوها.
وجمع الله بينهما بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
كما دل المثل على أن النور الذي عند المؤمنين من فعل الله وجعله لهم، من جهتين:
الجهة الأولى: الاعتبار بصورة الممثّل به وهو المصباح حيث لا يتقد إلا بإشعال النار في الفتيلة التي سرى فيها الزيت.
وكذلك نور الإيمان يجعله الله لمن أناب وأذعن قلبه لما نزل من الحق. فيقذف الله في قلبه الإيمان، ويزيده منه كلما تعلم واستجاب.
والجهة الثانية: قوله في المثَل: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء﴾ .
وقوله في مثل الظلمات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٣.
стр. 285
وقد دل على هذا المعنى نصوص أخرى منها ما سبق إيراده، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ .
وقوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ ، ونحوها.
ومن الأحاديث الدالة على هذا المعنى ما ورد أن النبي ﷺ سئل عن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ ١ قالوا: وكيف يشرح صدره؟ قال: "يدخل فيه النور فينفسح". قالوا: وهل لذلك من علامة يا رسول الله؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت"٢.
فإذا هدى الله العبد وشرح صدره بالنور الذي يجعل فيه - الذي يقابل إشعال فتيلة المصباح - أصبح في القلب نتيجة لذلك نور قائم فيه، ملازم له مادام مؤمناً، دل على ذلك ما ورد عن حذيفة٣ ﵁:
стр. 286
"القلوب أربعة: قلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب أغلف فذاك قلب الكافر، وقلب أجرد كأن فيه سراجاً يزهر، فذاك قلب المؤمن، وقلب فيه نفاق وإيمان، فمثله مثل قرحة يمدها قيح ودم، ومثله مثل شجرة يسقيها ماء خبيث وطيب، فأيما غلب عليها غلب"١.
وحياة القلب وبصيرته تكون بهذا النور الذي يجعله الله في قلوب المؤمنين، واستمرارها باستمراره.
فحياة القلب مستفادة من الإيمان الذي يكتبه الله في قلب المؤمن، وبصيرته مستفادة من النور القائم فيه.
وبالمقابل موت القلب وعماه إنما يكون بخلوه من الإيمان والنور، فالموت سببه خلو القلب من الإيمان، وعمى القلب سببه انطفاء نوره وانعدامه.
قال ابن القيم ﵀: "فالمؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه"٢.
стр. 287
العلاقة بين النورين:
يصور المثل العلاقة بين العلم والإيمان أتم تصوير، وذلك بالمقارنة بعلاقة الزيت بنار المصباح المتمثلة في الخطوات الآتية:
١- سريان الزيت في فتيلة المصباح.
٢- إشعال الفتيلة.
٣- استمرار سريان الوقود لازم لاستمرار اشتعال النار، وإذا انقطع احترقت الفتيلة ثم انطفأ النور.
٤- زيادة الإضاءة بزيادة الوقود، والعكس.
وهذه المعاني معتبرة في الممثّل له، وبالمقارنة بها تبرز العلاقة بين العلم والإيمان، وذلك كما يلي:
стр. 288
بالكتاب والسنة، وعدم تكديره بغيرهما.
وهذا يقابل زيادة ضوء المصباح وصفاءه بزيادة الزيت وجودته.
وهذه المعاني المستفادة من الاعتبار بالمثل دلت عليها نصوص كثيرة منها:
ما ورد في بيان أن القرآن سبب الهداية، كقوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
وقوله: ﴿قَدْ جَآءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ٢، ونحوها.
وقوله: ﴿يَهدي به الله مَن اتبَعَ رِضوَانه﴾ ، يدل على أن الهادي هو الله، وأن سبب الهداية هو الاهتداء بالقرآن - الكتاب المبين - واتباع ما دل عليه من رضوان الله.
أما زيادة الإيمان بزيادة الاهتداء بتعلم العلم والعمل به، فقد دل
стр. 289
عليها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ١.
فهذا المثل يبين الطريق إلى الإيمان، بالإرشاد إلى سببه الذي من جاء به هداه الله، وهو الاستجابة لما أنزل الله من الوحي على نبيه ﷺ وأن زيادة الإيمان تكون بزيادة الاهتداء بتعلم الكتاب والسنة والعمل بهما.
وخلاصة القول في تحديد الممثّل له:
من التأمل في المعطيات المتقدمة، المستفادة من صورة الممثّل به، والنظر في أقوال أهل العلم، وما يؤيدها من النصوص، نخلص إلى أن الممثّل له هو النور المركب من: نور العلم والإيمان الذي يجعله الله في قلب المؤمن.
стр. 290
المطلب الرابع: تحديد ما يقابل أجزاء الممثّل به:
تبين من دراسة الأصل الممثّل به أنه يتكون من أربعة أجزاء رئيسة هي:
١- المشكاة.
٢- المصباح.
٣- الزجاجة المحيطة بالمصباح.
٤- الزيت الذي يوقد منه المصباح.
وقد تقدم بيان ما يقابل النور في المطلب السابق، وفي هذا المطلب يجري التعرف على ما يقابل الأجزاء الأخرى في محل النور القابل له، وذلك من أقوال علماء السلف والمفسرين، والمناسبة المعقولة بين المتقابلات، وذلك يكون في الفقرات الآتية:
أولاً: المشكاة:
تقدم في الكلام على الممثّل به أن المشكاة هي التجويف الذي يكون في الجدار يوضع فيه المصباح، "ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذي يكون فيه من مصباح أو غيره"١.
وتبين من المطلب السابق أن الممثّل له هو: نور العلم والإيمان في
стр. 291
قلب المؤمن.
أما المشكاة فقد فسرها بعض أهل العلم بقلب المؤمن١، وبعضهم فسرها بصدره.٢
والأقرب إلى الاعتبار - والله أعلم - مقابلة المشكاة بقلب المؤمن وذلك للاعتبارات الآتية:
١- إنه بدأ بذكر المشكاة في قوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ فيها مصباحٌ﴾ لتحديد مكان النور وهو القلب.
٢- إن تجويف القلب يناسب تجويف المشكاة، ويكون المراد بيان شدة استنارة القلب بهذا النور بما يستفاد من استجماع الضوء في المشكاة لقربها من المصباح وصغر حجمها، فتكون إنارتها أكمل.
٣- إن البصيرة وأعمال القلوب ووظيفة التفكر هي في القلب٣،
стр. 292
فوجود النور فيه ينعكس على هذه الوظائف فيكشف لها مواطن الرشد والفلاح وضدها من سبل الضلال والهلاك.
ولذلك: إذا استنار القلب استنارت وظائفه وما يقوم به من أعمال القلوب وانعكس ذلك على سائر أعماله الظاهرة والباطنة، كما يدل عليه عموم قوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"١.
أما الصدر خارج القلب فلم يثبت أنه محل لأي وظيفة إيمانية، فلا يكون للنور أثر فيه. ولا يكون في ذكره في المثل فائدة. إذ المراد بيان أثر النور على قلب المؤمن وما فيه من الوظائف والأعمال، والتي ينعكس أثرها على أعماله الظاهرة وجميع أحواله، فوجب مقابلة جميع أجزاء المثل بما يقوم في القلب، بل إن كل نص أو قول أسند شيئاً من الأمور الإيمانية إلى الصدر فإنما المراد ما في القلب.
قال الراغب الأصفهاني ﵀:
стр. 293
"قال بعض الحكماء حيثما ذكر الله تعالى القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ١، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك، إلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب ونحوها"٢.
ولا شك أن الشهوة والهوى والغضب ونحوها تكون في القلب.
والمتتبع للآيات التي ورد فيها إسناد شيء من الوظائف الإنسانية أو الإيمانية إلى الصدر يجد أن المفسرين يرجعونها إلى ما في القلب.
ومن أمثلة ذلك: قول الله تعالى ﴿ويشْفِ صدورَ قومٍ مؤْمنينَ﴾ ٣.
قال ابن جرير ﵀: "يقول: ويبرئ داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم، وذلك الداء هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموجدة بما كانوا ينالونهم من الأذى والمكروه"٤.
стр. 294
وقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ١.
أي مجموع مثبت في قلوب أهل العلم، كما قال تعالى في حق نبيه ﷺ : ﴿إنَّ عَلينا جَمْعَه وقُرآنه﴾ ٢ حيث فسرها بعض أهل العلم بقولهم: "إن علينا أن نجمعه لك حتى نثبته في قلبك"٣.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ٤ قال ابن جرير ﵀: " ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحق ﴿صَدْرَكَ﴾ فنلين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة"٥.
وليس المقصود الاستقصاء، وإنما إيراد نماذج تبين أن المفسرين يرجعون معنى الصدر في كثير من الآيات إلى ما يقوم في القلب من الوظائف النفسية، والأعمال القلبية.
وعلى هذا يكون تفسير المشكاة بالقلب أولى من تفسيرها بالصدر،
стр. 295
وهو شامل لما يراد بلفظ الصدر من الأعمال والوظائف.
وخلاصة ما تقدم:
إن الأولى مقابلة المشكاة في مثل النور بقلب المؤمن.
ثانياً: الزُجاجة:
قدمت الكلام على ما يقابل الزجاجة قبل الكلام على ما يقابل المصباح، لمناسبة ما ذكر في الكلام على المشكاة - من العلاقة بين القلب والصدر - لتحديد ما يقابل الزجاجة.
وذلك أن من قابل المشكاة بالقلب، قابل الزجاجة بالصدر.
قال أبو بكر بن العربي١ ﵀: "فضرب مثلاً للهدى النور، وللقلب المشكاة، وللإيمان المصباح، وللصدر الزجاجة"٢.
стр. 296
وقد تقدم - عند الكلام على ما يقابل المشكاة تقرير أمرين:
الأول: أن الصدر خارج القلب غير معتبر في المثل، لأنه لا يقوم به وظائف نفسية أو إيمانية.
الثاني: أنه يطلق لفظ الصدر في النصوص الشرعية وكلام أهل العلم ويراد به ما يقوم في القلب من أعماله ووظائفه.
وتقدم ما نقله الراغب ﵀ عن بعض الحكماء في هذا المعنى.
وبناء على ما تقدم يكون ما يقابل الزجاجة هو صدر المؤمن، وصدر المؤمن يراد به ما يقوم في القلب من الوظائف والأعمال، كالمعتقدات، والنيات، والعواطف، والانفعالات ... ونحوها.
ولا يراد بالصدر ما كان خارج القلب من التجويف المحيط به.
وقد ورد عن ابن جرير ﵀ ترجيح مقابلة الزجاجة بالصدر، مع تفسير الصدر بالأعمال الإيمانية التي تقوم بالقلب. فمن ذلك قوله:
"ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله، والشك فيه، وإستنارته بنور القرآن واستضاءته بآيات ربه المبينات، ومواعظه فيها بالكوكب الدري، فقال: ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ - وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه - ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ "١.
стр. 297
وقوله: "فتأويل الكلام: ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ وهي صدر المؤمن، ﴿كَأَنَّهَا﴾ يعنى كأن الزجاجة ... ﴿كَوْكَبٌ﴾ يقول: في صفائها وضيائها وحسنها.
وإنما يصف صدره بالنقاء من كل ريب وشك، في أسباب الإيمان بالله، وبعده من دنس المعاصي، كالكوكب"١.
ولا شك أن الخلوص والنقاء من الشك والريب والكفر، والاستنارة بنور القرآن، والانتفاع بالعلم والمواعظ، إنما هي من أعمال القلوب.
وخلاصة القول في المراد بالزجاجة:
أن الزجاجة تقابل أعمال القلب ووظائفه: كالمعتقدات، والإرادات، والعواطف والانفعالات، وأن النور سطع وتلألأ عليها كما تتلألأ الأنوار على الكوكب الدري، والزجاجة الصافية. فاكتسب القلب لذلك البصيرة في تعقله وأعماله.
وظهرت آثار ذلك النور على سمع المؤمن وبصره ولسانه، واستنارت أعماله الظاهرة وأقواله وسائر أحواله.
ثالثاً: المصباح ووقوده:
المصباح - كما تقدم في بيان الممثّل به - يتكون من:
١- فتيلة قابلة لسريان الزيت واشتعاله عليها.
стр. 298
- الزيت الذي يوقد منه.
٣- شعلة متقدة مضيئة.
فهذه ثلاثة أجزاء في المصباح يقابلها ثلاثة أمور في القلب.
وقد تقدم في المطلب السابق أن:
١- الزيت الذي هو وقود المصباح يقابله العلم بما نزل من الوحي. وكلاهما نور يَكَاد يضيء قبل أن يُضاء.
٢- شعلة المصباح تقابل نور الإيمان الذي يجعله الله في قلب عبده، وكلاهما نور مضيء مزهر.
وبقي أن نعرف ما يقابل الجزء الثالث وهو الفتيلة.
لم أقف على من نص على تحديد ما يقابل الفتيلة في الممثّل له، إلا أن الأقرب - والله أعلم - أنها تقابل الفطرة. وذلك للاعتبارات الآتية:
١- ورد عن بعض العلماء ما يفيد أن الفطرة معتبرة في المثل، من ذلك قول ابن كثير ﵀: "فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه"١.
ومن ذلك قول ابن القيم ﵀: "والنور على النور، نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور
стр. 299
٢ الوحي والكتاب١، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نوراً على نور"٢.
٢- التشابه بين دور الفطرة في القلب، ودور الفتيلة في المصباح.
وذلك أن الفتيلة يُراعى فيها عند صنع المصباح أن تكون ملائمة من حيث قابليتها لسريان الزيت فيها، واشتعالها به، ولكونها من جهة قد يطرأ عليها ما يفسدها أو يمنع من اتقادها، وهي بذلك تشبه الفطرة، حيث إن الفطرة في عمومها٣ هي: أن القلب بأصل خلقه قابل مهيأ لمعرفة الحق وقبوله وإرادة الخير، وقد يطرأ عليها ما يفسدها ويمنع من قبولها للحق.
قال ابن القيم- ﵀ مبيناً ذلك: "أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه ... فلقد ركز في فطرته الإقرار بالخالق، وهو التوحيد، ومحبة القصاص وهو العدل، وإذا ثبت ذلك ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير
стр. 300
منهم إلى سبب معين للفطرة مقوٍّ لها، وقد بينا أنّ هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها، بل يعينها ويذكرها ويقويها، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة الرسل ولابد بما فيها من المقتضي لذلك، كمن دعا جائعاً أو ظمآناً إلى شراب أو طعام لذيذ نافع لا تبعة فيه عليه ولا يكلفه ثمنه، فإنه ما لم يحصل هناك مانع فإنه يجيبه ولا بدّ...." إلى أن قال:
"ومن المعلوم إن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير، ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية، فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل لها القبول، فإن لحصوله في المحل شروطاً مقبولة، وذلك القبول هو كونه مستعداً مهيئا له مستعدا لحصوله فيه"١.
فالفطرة إذاً هي الاستعداد والقابلية لمعرفة الحق والركون إليه، ومؤهلة - إذا عرض عليها الحق وقبلته - لهداية الله وتوفيقه للإيمان.
والفتيلة في المصباح مهيأة صالحة لامتصاص الزيت، وهذا يقابل استعداد الفطرة وقبولها للعلم والهدى الذي جاء به الرسل.
стр. 301
والفتيلة صالحة قابلة للاشتعال، متفاعلة مع الشعلة التي توقدها، وهذا يقابل النور الذي يقذفه الله في قلب عبده الذي شرح صدره للإسلام.
العلاقة بين الفطرة على الحق ووظيفة التعقل:
إن من الفطرة ما أودعه الله في قلوب الناس من القدرة على التعقل والتفكر التي هي آلة القلب ووظيفته.
ومن الفطرة أيضا ما أودع الله في القلوب من القوة على معرفة الحق، والتي عبر عنها ابن القيم بقوله المتقدم: "إن الفطرة قوة تقتضي معرفة الحق وإيثاره على ما سواه".
وبين هذين الأمرين وجوه اتفاق ووجوه اختلاف، أما وجوه الاتفاق فهي:
١- أن كلا منهما مُودَع في القلب خلقةً.
٢- أن دور كل منهما هو: التعرف على ما يؤديه البصر والسمع والفكر.
والفارق بينهما:
١- أن المعارف المودعة في الفطرة أُوجدت فيها بأصل الخلقة، وأما المعارف المستفادة بوظيفة التعقل فهي مكتسبة.
٢- أن ما أُودع في الفطرة من المعرفة لا يكون إلا حقاً، وقد تصرف عنه. أما ما يكتسب بالتعقل فقد يكون حقاً أو خلافه حسب نور
стр. 302
القلب وبصيرته.
فالقدر المشترك بين ما فطر عليه القلب من معرفة الحق، وبين وظيفة التعقل هو: أن كلا منهما قوة للمعرفة.
قال الراغب الأصفهاني: "وفطرة الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان"١.
وتقدم كلام ابن القيم في أن الفطرة: "قوة تقتضي معرفة الحق ... ".
وهذا يؤكد وجود علاقة بينهما، هذه العلاقة هي:
إن ما ركز في قلوب العباد من القوة على معرفة الحق، هو الأصل لوظيفة التعقل في قلوب المؤمنين المنورة المبصرة.
أما قلوب الكفار فهي مظلمة، قد حُرفت فطرهم وبُدلت، وانصرفوا عن إفادتها للحق. وفسد تعقلهم.
ومما يؤيد هذه العلاقة بين ما فطر الناس عليه من القوة على معرفة الحق، وبين وظيفة التعقل، التشابه بين دوريهما في القلب، وذلك أن القدر المشترك بين دوريهما هو:
أن كلاً منهما واسطة لإدراك الدلائل الخارجية الواصلة من السمع والبصر إلى القلب.
وهو دور يشبه دور الفتيلة التي توصل بين الزيت وشعلة المصباح.
стр. 303
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الفطرة أصل للتعقل والنظر، حيث قال: "البرهان الذي يُنال بالنظر فيه العلمُ، لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية ... "١.
وبناء على هذا فإن الأقرب - والله أعلم - مقابلة فتيلة المصباح بتعقل المؤمن القائم على الفطرة السليمة.
فوظيفة التعقل عند المؤمن، تتشرب العلم الذي يصل إليها من السمع والبصر اللذين يتلقيان نصوص الوحي المبارك، كما أن الفتيلة تتشرب الزيت الذي يؤخذ من الشجرة المباركة.
فباستنارة القلب يستنير تعقله وتلك بصيرته، ويستنير تبعاً لذلك سمعه وبصره وفكره، حيث ينتفع بها، ويصح إدراكه وتعقله لما تؤديانه إليه من المعلومات.
وخلاصة القول فيما يقابل أجزاء المصباح:
إن الفتيلة في المصباح يقابلها في الممثّل له - قلب المؤمن - تعقل المؤمن القائم على الفطرة السليمة.
ويقابل الزيت - الوقود - العلم الواصل إلى القلب المستمد من القرآن والسنة، ويقابل شعلة المصباح: هداية الله لعبده وشرح صدره بنور
стр. 304
الإيمان الذي يقذف فيه.
وخلاصة القول فيما يقابل أجزاء الممثّل به:
إن النور المركب المنبعث من المصباح - الحاصل من نور الزيت المشرق الصافي، ونور شعلة المصباح، المتلألئ على الزجاجة، الذي أنار الكوة - يقابل النور المركب من نور العلم والإيمان الذي يجعله الله في قلب المؤمن يهديه به.
فالمشكاة وهي الكوة تقابل قلب المؤمن.
والفتيلة التي في المصباح تقابل ما فطر عليه من الإدراك والتعقل السليم.
والزيت الذي يمدها، يقابل العلم المستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وإيقاد الفتيلة التي سرى فيها الزيت يقابل هداية الله العبد للإيمان بعد أن استجاب لداعي الفطرة وقبل العلم.
والزجاجة التي يزهر عليها النور، وينفذ من خلالها إلى خارج المصباح: تقابل أعمال القلب، ووظائفه التي سطع عليها النور وأكسبها البصيرة، فأثرت على أعمال المؤمن الظاهرة، وأقواله وسائر أحواله.
стр. 305
المبحث الثالث: الغرض من ضرب المثل، وأهميته .
مما تقدم من دراسة المثل الذي ضربه الله لنوره في قوله : ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ..﴾ ١ الآية.
يتبين أن المثل ضرب لبيان حقيقتين هامتين بهما تحصل هداية العباد وتمام تلك الهداية واستمرارها، وهما:
الحقيقة الأولى: إن الهداية والتوفيق للإيمان يكون بفعل الله حيث يشرح صدر عبده الذي اقتضت حكمته أن يهدى فيقذف سبحانه النور في قلبه، وهو نور حقيقي يجعله الله في قلبه هو نور الإيمان.
وهو - المشبه في المثل بنور المصباح - وهو النور الأول من النورين اللذين اجتمعا في قلب المؤمن والمشار إليهما بقوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ٢.
وهذا النور هو أساس الهداية وبدايتها، ولا سبيل إليه إلا بخلق الله وإيجاده كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٣.
الحقيقة الثانية: إن سبب الهداية يكون من العبد عندما ينيب لما نزل من الوحي، ويستفيد مما أعطاه الله من الفطرة على الحق، ويستجيب لما
стр. 306
تستدعيه من العلم الموافق لها.
فتعلم العلم وقبول القلب له نور، وهو النور الثاني من النورين المشار إليهما بقوله: ﴿نُوُرٌ عَلَى نُور﴾ .
ويستخلص من ذلك حقيقة ثالثة هي:
أن تعلم العلم الشرعي لازم لتمام الهداية، واستكمالها، وذلك أنه كلما تعلم العلم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأذعن له تصديقاً وعملاً زاد إيمانه ونوره.
وخلاصة القول في الغرض من ضرب المثل:
أن المثل بين بصورة محسوسة أموراً هامة، هي:
١- بيان أن الهداية من الله، وأنه - سبحانه - يهب للمؤمن نورا حقيقيا، يحيا به قلبه، ويستنير.
٢- أن سبب الهداية يكون من العبد إذا تعلم العلم واستجاب لما دل عليه من الحق.
٣- أن الله أنزل القرآن وما أوحى به إلى الرسول ﷺ هداية للناس، فمن اهتدى به هداه، ومن أعرض عنه أضله وأخزاه.
٤- أن استمرار الهداية وزيادتها تكون بالاعتصام بالكتاب والسنة وزيادة التعلم منهما والاهتداء بهما.
٥- بيان أثر النور المعطى للمؤمنين، القائم على العلم بالوحي المبين في صلاح قلوبهم وأعمالهم وأقوالهم وسائر أحوالهم.
стр. 307
والمثل مع دلالته بصورته الشاخصة على هذه الأمور، فإنه يدل على أضدادها من حال الكافرين المعرضين عما نزل من الوحي بمفهومه.
وهذه الأمور التي تستفاد من مفهوم المثل جاء مثلان بعد مثل النور، يوضحانها، ويصورانها بصورة محسوسة.
أهمية المثل:
إن أهمية المثل تكمن في الأغراض الهامة التي يحققها، حيث يبين المثل العديد من المطالب التي توضح مصدر الهداية، وطريقها، وأسباب زيادتها، وأثرها على من هداهم الله، واصطفاهم لنوره، وهذه مطالب جد هامة.
قال أبو بكر بن العربي ﵀، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ ... ﴾ الآية: "وهذه آية من التوحيد كريمة، وعلى مرتبة في العلم عظيمة، ضربها الله مثلا للعلم والإيمان ... "١.
والمثل بصورته المحسوسة يتفق في الدلالة على تلك المطالب الهامة مع كثير من الآيات، فهو من تصريف القول الذي تختلف فيه الأساليب، وتتفق المعاني.
وإن المرء ليعجب عندما يرى الآيات الكثيرة، والأمثال المضروبة، المتظافرة على بيان تلك المطالب، ثم يرى - ممن ينتسب إلى الإسلام - من
стр. 308
يحيد عن مدلولها، ويتطلب الهدى في غير ما أنزل الله، ولا يجد ما يعبر به عن ذلك أصدق من قول الله تعالى: ﴿انظرْ كَيْف نُصَرّف الآياتِ ثُمّ هُم يَصْدِفُون﴾ ١.
أهمية دراسة مثل النور:
إن الأغراض المباركة التي يحققها مثل النور، والتي أكسبته تلك الأهمية العظيمة، توجب على علماء السنة العناية الفائقة به: بشرحه، وتبسيطه، ونشره بين الناس، وإبراز أقوال علماء السلف، والمفسرين المهتدين بأقوالهم، وشواهده من الكتاب والسنة، لتعم بركاته، ويتحقق نفعه في تشويق القلوب للعلم والإيمان والنور، وإيقافها على الطريق الموصل لذلك من دلالة المثل.
ولم أقف على من أفرد هذا المثل بدراسة متكاملة، تعتني بإبراز المعاني الإيمانية، وإيضاح الفوائد العلمية التي ينطوي عليها.
وإن كان مجموع كلام المفسرين والعلماء الذين تناولوا المثل على فهم السلف الصالح، فيه خير كثير.٢
стр. 309
إلا أن تلك الجهود السُنِّية قوبلت بجهود كبيرة من العلماء والمفسرين الزائغين عن المنهج الحق في دراسة المثل والميل بمدلولاته عن الحق، وأخطر تلك الجهود التي استهدفت الميل بدلالة المثل عن الحق، ذلك الكتاب المنسوب إلى أبي حامد الغزالي١، بعنوان [مشكاة الأنوار] والذي عمد فيه مؤلفه إلى تفسير المثل تفسيراً باطنيا، جعله بذلك أساسا للضلال
стр. 310
البعيد، ومستنداً للقائلين بوحدة الوجود.
قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذا الكتاب: "وهذا الكتاب كالعنصر لمذهب الاتحادية القائلين بوحدة الوجود...."١.
وقال محقق كتاب٢ [مشكاة الأنوار] :
"وهكذا وصل الغزالي في نهاية تفكيره إلى نظرية أشبه ما تكون بنظرية وحدة الوجود، ومن العسير صرفها عن هذا المعنى إلا إذا اعتبرت أقواله من قبيل الشطح الصوفي٣، ولم يؤثر عن الغزالي أنه كان من
стр. 311
أصحاب الشطحات، فهو يقرب قربا عجيبا من أصحاب وحدة الوجود حينما يقول:
"إن العالم بأسره مشحون بالأنوار ... ثم ترقى جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول، وأن ذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقي نوره فقط، وأن الكل نوره، بل هو الكل، بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز ... بل كما أنه لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو. لأن "هو " عبارة عما إليه إشارة كيفما كان ولا إشارة إلا إليه١".٢
وقال المحقق أيضا: "أما لماذا قصر الغزالي التشبيه الوارد في الآية على النور الإلهي الظاهر في الإنسان دون سائر المخلوقات، مع أنها تنص على أن الله نور السماوات والأرض، أي نور كل ما في الوجود من أعلاه إلى أسفله، فذلك لأن الإنسان في نظره هو الموجود الوحيد الذي يتجلى فيه النور الإلهي في جميع مراتبه، في حين أنه لا يتجلى في غير الإنسان إلا في بعض المراتب ...
стр. 312
وهكذا يكشف الغزالي عن الجانب الإلهي في الإنسان، ويصله بصلة مباشرة بالعالم العلوي. ويضع نظرية جديدة في طبيعة النبوة والولاية تستغني في تفسير وصول الوحي إلى الإنسان عن وساطة الوحي، أو أي مدد خارجي آخر خارج عن النفس الإنسانية ذاتها. ولماذا يحتاج النبي أو الولي إلى ملك الوحي وهو يحمل مصباح النور الإلهي في قلبه؟ "١.
ولا يسعنا إزاء هذه الضلالات المتلاطمة إلا أن نقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .
وضلال هذا القول أظهر عند أهل الإسلام - العارفين بمقاصد الدين، وما دل عليه كتاب الله تعالى، وما جاء به النبي ﷺ من الشمس في رائعة النهار -. ويكفي أن يعلم أن هذا القول أشد كفراً، وأخبث معتقداً من قول النصارى الذين زعموا أن عيسى ﵇ له طبيعة إلهية، وأخرى بشرية، وذلك أن النصارى خصوا بهذا الزعم عيسى ﵇ وهذا الدجال ومن حذا حذوه عمموه في سائر البشر، بل في سائر المخلوقات.
وقد يسر الله لهذا الكتاب جنديا من المرابطين للدفاع عن الدين هو الإمام شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ فألف
стр. 313
في نقض ما أسسه الغزالي فيه من الباطل وزخرف القول، كتابا هو: [بغية المرتاد] ١، بين فيه أصول الغزالي ومنابعه الفلسفية، التي استقى منها تلك الأفكار الضالة، ومنهجه الباطني، ومخالفته لمعالم دين الله وأصوله، وموافقته لأفكار الفلاسفة ونظرياتهم، وشيوخه في ذلك، وتلاميذه. وكر على الجميع كاشفاً عوارهم، ومبيناً شناعة أفكارهم. فتحمل عن الأمة فرض الكفاية، وأنكى في الملحدين أشد النكاية.
قال محقق كتاب [بغية المرتاد] : "إن الخطورة الحقيقية والفعلية في هذا الكتاب تكمن في أخذ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتفسيرها فلسفيا حسب مقصود الفلاسفة وهنا ينخدع القارئ فيظن أن القرآن دال على قول هؤلاء الفلاسفة ولا تعارض بينهما، وهذا أسلوب كل من حاول التوفيق بين الدين والفلسفة، وقد أبان الشيخ ﵀ هذا الجانب بل هو المقصود من تأليفه لهذا الكتاب.
لقد تتبع الشيخ ﵀ جميع ما ورد في كتاب المشكاة فناقشه من جميع جوانبه، وأبطل كل ما اشتمل عليه من الأمور الفاسدة المنافية للشرع، وكشف القناع عن فلسفة الغزالي وصوفيته، وسلوكه
стр. 314
طريق الباطنية، وبعده عن المنهج الصحيح لأهل السنة، باعتناقه تلك الأفكار المنحرفة والتأثير السَّيّئ لها على من جاء بعده، وكشف أيضا عن ضعف الغزالي في علم الحديث، حيث لا يفرق بين الصحيح والضعيف".١
هذا وقد وجد كتاب [مشكاة الأنوار] عناية كبيرة، حيث يوجد له ما لا يقل عن ست وثلاين نسخة مخطوطة، وطبع عدة طبعات، وترجم إلى اللغة اللاتينية والإنجليزية، وكتبت عنه مقالات، وبحوث، وتقارير، نشرت في بعض الصحف العالمية.٢
ونقل بعض المفسرين خلاصة كلامه الذي حرف فيه دلالة المثل.٣
ويوجد في الأمة الإسلامية اليوم من ينادي إلى العناية بهذا الكتاب، وبتفسير المثل على المنهج الباطني الذي سار عليه مؤلفه ليوغلوا في تضليل الأمة، التي هي بأشد الحاجة إلى معرفة الدين الحق، والعودة إلى نبعه الصافي الذي جاء به النبي ﷺ وسار عليه السلف الكرام، وتفضل الله بحفظه في الطائفة المنصورة الناجية إلى أن يأتي أمر الله، والذي هو الطريق
стр. 315
إلى ولاية الله، ورفع الذل والمهانة عن المسلمين.
من أولئك محقق كتاب [مشكاة الأنوار] حيث قال: "لم تلق رسالة [مشكاة الأنوار] من عناية الباحثين ما لقيه بعض كتب الغزالي الأخرى على الرغم من أهميتها ومنزلتها العالية بين كتب المؤلف، التي كتبها في عصر نضجه، والرسالة جديرة بالدراسة والتحليل العميق لما تلقيه من ضوء على بعض المسائل التي عالجها الغزالي في كتب سابقة عليها، ولأنها تصور الموقف النهائي الذي وقفه من هذه المسائل، وقد جرؤ فيها على ما لم يجرؤ بالتصريح بمثله في أي موقف آخر، فقد أشرف فيها على القول بوحدة الوجود"١.
وقد أشار محقق٢ كتاب: [الأمثال في القرآن الكريم لابن القيم] إلى شرح الغزالي لمثل النور في كتابه [مشكاة الأنوار] مثنيا عليه، مدعيا أن المثل لازال بحاجة إلى تأمل ونظر باطني لمن كان له ذوق صوفي، وعلم بالأشعة والأنوار، ليدرك منه تصورا لوجود العالم وقيامه بوجود الواحد القهار! ٣
فانظر كيف لم يقنع بتلك الضلالات التي حواها كتاب [مشكاة
стр. 316
الأنوار] حتى طالب بالمزيد!
وأعجب كيف يحيل في هامش ذلك الكتاب المبارك لابن القيم، بفوائده النيرة المشرقة، وعلومه النافعة، إلى بحر الظلمات، ومجمع الجهالات، ليطفئ ما يعلق في ذهن القارئ من البصيرة والمعرفة بالحق، وما أقرب هذا المنهج من حال من قال الله فيهم: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾ ١.
ولعل فيما ذكر كفاية في بيان مقدار البلية بهذه الأفكار المنحرفة، والأباطيل المزخرفة، وما أحدثته من صرف الناس عن الاهتداء بالقرآن وأمثاله الحسان، وما تعرض له مثل النور من إلحاد وميل به عن المعاني السامية التي دل عليها، وبينها سلف الأمة وعلماء السنة.
وإنما المقصود هو التنبيه إلى وجوب العناية بالمعنى الصحيح الشرعي السلفي لأمثال القرآن الكريم، ببيانها ونشرها، وخاصة ما امتدت إليه يد أهل الإجرام بالحرف والتشويه.
ومثل النور من أهم تلك الأمثال التي تتأكد العناية بها، ودراستها دراسة مستندة في تفسيرها إلى دلائل القرآن والسنة، وأقوال السلف الصالح، وأهل العلم من المفسرين وغيرهم السائرين على نهجهم، ثم
стр. 317
التواصي والتعاون على نشر تلك الدراسات وإتاحتها لطلاب الحق. ﴿ليهلكَ مَنْ هَلك عَن بَينَة وَيَحْيا مَن حَيَّ عَن بَينَةٍ﴾ ١.
وعسى أن تحقق هذه الدراسة - التي يسرها الله لهذا المثل - جانباً من هذا الهدف العظيم. والله المستعان.
стр. 318
المبحث الرابع: أهم فوائد مثل "النور ".
لقد تضمن مثل "النور" فوائد وموازين هامة تتعلق بأصل الهداية، وبدايتها، ومادة استمرارها ورسوخها.
قال ابن القيم ﵀: "وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية، فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره، ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم"١.
وأهم الفوائد التي سيجري الكلام عليها هي:
الفائدة الأولى: إثبات النور اسما من أسماء الله وصفة من صفاته.
الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن الهداية والإيمان والنور من الله تعالى وأن سببه من الإنسان.
الفائدة الثالثة: دل المثل على أن الإيمان يزيد وينقص.
الفائدة الرابعة: دل المثل على أن للإيمان والعلم نوراً حقيقيا في قلوب المؤمنين.
الفائدة الخامسة: في مناسبة التعقيب على المثل بقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ
стр. 319
َذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ الآية.
الفائدة السادسة: دلالة المثل على إعداد الله للإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان.
الفائدة السابعة: أثر نور العلم والإيمان في سلامة القلب ووظائفه.
الفائدة الثامنة: أن مثل النور ميزان توزن به المناهج الحادثة في تعيين طريق تحصيل العلوم في المطالب الدينية.
وإلى بيان هذه الفوائد. والله المستعان.
стр. 320
الفائدة الأولى: ثبوت النور اسماً من أسماء الله، وصفة من صفاته.
جرت عادة المفسرين والعلماء في بحث ثبوت اسم الله "النور" واتصافه به - سبحانه - عند كلامهم على تفسير قول الله : ﴿الله نُور السماوات وَالأرْضِ﴾ والمراد بالإخبار عن الله بأنه: نور السماوات والأرض.
قال ابن القيم ﵀: "وقد فسر قوله تعالى: ﴿الله نُور السماوات وَالأرْضِ﴾ بكونه منوّر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به ومنه اشتق له اسم "النور" الذي هو أحد الأسماء الحسنى، والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله"١.
وحاصل كلام ابن القيم ﵀ أن قول الله : ﴿الله ُ نُورُ السماوات وَالأرْضِ﴾ لا تدل قطعا على وصف الله بالنور القائم بذاته، وإنما هي محتملة، لذلك ورد عن السلف تفسيرها بكونه سبحانه منور