الأنوار] حتى طالب بالمزيد!
وأعجب كيف يحيل في هامش ذلك الكتاب المبارك لابن القيم، بفوائده النيرة المشرقة، وعلومه النافعة، إلى بحر الظلمات، ومجمع الجهالات، ليطفئ ما يعلق في ذهن القارئ من البصيرة والمعرفة بالحق، وما أقرب هذا المنهج من حال من قال الله فيهم: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾ ١.
ولعل فيما ذكر كفاية في بيان مقدار البلية بهذه الأفكار المنحرفة، والأباطيل المزخرفة، وما أحدثته من صرف الناس عن الاهتداء بالقرآن وأمثاله الحسان، وما تعرض له مثل النور من إلحاد وميل به عن المعاني السامية التي دل عليها، وبينها سلف الأمة وعلماء السنة.
وإنما المقصود هو التنبيه إلى وجوب العناية بالمعنى الصحيح الشرعي السلفي لأمثال القرآن الكريم، ببيانها ونشرها، وخاصة ما امتدت إليه يد أهل الإجرام بالحرف والتشويه.
ومثل النور من أهم تلك الأمثال التي تتأكد العناية بها، ودراستها دراسة مستندة في تفسيرها إلى دلائل القرآن والسنة، وأقوال السلف الصالح، وأهل العلم من المفسرين وغيرهم السائرين على نهجهم، ثم
стр. 317
التواصي والتعاون على نشر تلك الدراسات وإتاحتها لطلاب الحق. ﴿ليهلكَ مَنْ هَلك عَن بَينَة وَيَحْيا مَن حَيَّ عَن بَينَةٍ﴾ ١.
وعسى أن تحقق هذه الدراسة - التي يسرها الله لهذا المثل - جانباً من هذا الهدف العظيم. والله المستعان.
стр. 318
المبحث الرابع: أهم فوائد مثل "النور ".
لقد تضمن مثل "النور" فوائد وموازين هامة تتعلق بأصل الهداية، وبدايتها، ومادة استمرارها ورسوخها.
قال ابن القيم ﵀: "وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية، فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره، ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم"١.
وأهم الفوائد التي سيجري الكلام عليها هي:
الفائدة الأولى: إثبات النور اسما من أسماء الله وصفة من صفاته.
الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن الهداية والإيمان والنور من الله تعالى وأن سببه من الإنسان.
الفائدة الثالثة: دل المثل على أن الإيمان يزيد وينقص.
الفائدة الرابعة: دل المثل على أن للإيمان والعلم نوراً حقيقيا في قلوب المؤمنين.
الفائدة الخامسة: في مناسبة التعقيب على المثل بقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ
стр. 319
َذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ الآية.
الفائدة السادسة: دلالة المثل على إعداد الله للإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان.
الفائدة السابعة: أثر نور العلم والإيمان في سلامة القلب ووظائفه.
الفائدة الثامنة: أن مثل النور ميزان توزن به المناهج الحادثة في تعيين طريق تحصيل العلوم في المطالب الدينية.
وإلى بيان هذه الفوائد. والله المستعان.
стр. 320
الفائدة الأولى: ثبوت النور اسماً من أسماء الله، وصفة من صفاته.
جرت عادة المفسرين والعلماء في بحث ثبوت اسم الله "النور" واتصافه به - سبحانه - عند كلامهم على تفسير قول الله : ﴿الله نُور السماوات وَالأرْضِ﴾ والمراد بالإخبار عن الله بأنه: نور السماوات والأرض.
قال ابن القيم ﵀: "وقد فسر قوله تعالى: ﴿الله نُور السماوات وَالأرْضِ﴾ بكونه منوّر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به ومنه اشتق له اسم "النور" الذي هو أحد الأسماء الحسنى، والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله"١.
وحاصل كلام ابن القيم ﵀ أن قول الله : ﴿الله ُ نُورُ السماوات وَالأرْضِ﴾ لا تدل قطعا على وصف الله بالنور القائم بذاته، وإنما هي محتملة، لذلك ورد عن السلف تفسيرها بكونه سبحانه منور
стр. 321
السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض.
أما النور الذي هو من أوصافه سبحانه ومنه اشتق له اسم "النور" فهو ثابت من نصوص أخرى سيأتي بيانها قريبا - إن شاء الله ...
وقد رجح ابن جرير ﵀ أن معنى قول الله تعالى: ﴿الله نُور السماوات وَالأرْضِ﴾ هو: "هادي من في السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلال يعتصمون"١.
وقد بين ﵀ وجه ترجيح هذا المعنى بقوله: "وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لأنه عقب قوله: ﴿وَلَقد أَنْزَلْنَآ إليكُمْ آيَاتٍ مُبَيّنَاتٍ ومَثلاً مِن الَّذين خَلَوْا مِنْ قَبلكم ومَوْعِظَةً للمتَّقِين﴾ فكان ذلك بأن يكون خبرا يقع تنزيله من خلقه، ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدل على انقضاء الخبر عنه من غيره، فإذا كان كذلك، فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات مبينات الحق من الباطل، ﴿ومَثلاً مِن الَّذين خَلَوْا مِنْ قَبلكم ومَوْعِظَةً للمتَّقِين﴾ فهديناكم بها، وبينا لكم معالم دينكم بها، لأني هادي أهل السماوات وأهل الأرض ... ثم ابتدأ في الخبر عن مثل هدايته خلقه بالآيات المبينات التي أنزلها إليهم،
стр. 322
فقال: ﴿مَثَلُ نُورهِ كَمشْكَاةٍ فِيها مِصْبَاح﴾ يقول: مثل ما أنار من الحق بهذا التنزيل في بيانه: كمشكاة"١.
النور المضاف إلى الله :
قال ابن القيم ﵀: "إن النص قد ورد بتسمية الرب نوراً، وبأن له نورا مضافا إليه، وبأنه نور السماوات والأرض، وبأن حجابه نور، فهذه أربعة أنواع"٢.
قوله: وبأن له نورا مضافا إليه: يقصد إضافة صفة إلى موصوفها، وأن النور وصفه القائم به كما تضاف إليه سائر صفاته القائمة به سبحانه.
وقوله: وبأنه نور السماوات والأرض: يقصد إضافة مفعول إلى فاعله، فقد فسر بأنه منور السماوات والأرض وبأنه هادي أهل السماوات والأرض كما تقدم قريباً.
وقد بين ﵀ هذين النوعين من أنواع النور المضاف إلى
стр. 323
الله في موضع آخر حيث قال:
"إضافة النور إلى الله تعالى على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله"١.
وسأبدأ بذكر أدلة هذين النوعين، ثم أتبع ذلك بذكر أدلة النوعين الآخرين:
النوع الأول: أدلة ثبوت النور صفة ذات لله .
قال الله : ﴿وأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنورِ رَبِّها﴾ ٢.
"فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء"٣.
قال ابن القيم ﵀: "فأخبر أن الأرض يوم القيامة تشرق بنوره الذي هو نوره ... "٤.
وقال ﷺ : "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه
стр. 324
بصره من خلقه"١.
وهذا الحديث دل على ثبوت نوعين من النور:
الأول: نور الحجاب، وهو مستفاد من قوله: (حجابه النور) .
والثاني: نور الذات، وهو وصف قائم به سبحانه ومستفاد من قوله: "لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه".
والسبحات: جمع سبحة، وهي النور والجلال والبهاء.
وقد نقل الإمام النووي اتفاق شراح الحديث من اللغويين والمحدثين على أن معنى "سبحات وجهه": نوره وجلاله وبهاؤه.٢
ويؤكد أن المراد بالسبحات النور المضيء استخدام لفظ الإحراق في قوله: "لأحرقت".
فيكون معنى الحديث: لو كشف سبحانه الحجاب وتجلى لمخلوقاته لأحرق نوره المتجلى من وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
ودلالة هذا الحديث قاطعة في ثبوت صفة النور لله لمن تأمله وسلم من مرض التعطيل والتأويل.
وهذه الصفة - صفة النور - كغيرها من الصفات، تثبت لله مع
стр. 325
التنزيه، على حد قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١. فليس النور الثابت له سبحانه كنور الشمس والقمر أو غيرها من الأنوار المخلوقة. بل هو نور يليق به سبحانه لا يماثل المخلوق، فلكل ذات ما يناسبها من الصفات ولله المثل الأعلى والوصف الأكمل الذي ليس كمثله شيء، فيثبت ما أثبت الله وأثبت رسوله ﷺ من اتصاف الله بالنور، وينفي ما نفى الله من مماثلة المخلوق.
النوع الثاني: النور المضاف إلى الله إضافة مفعول إلى فاعله:
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السماوات وَالأرْضِ﴾ .
وقد تقدم٢ بيان ما ورد عن السلف من تفسيرها بأنه منور السماوات والأرض، أو هادي أهل السماوات والأرض بما يجعل لهم من النور، كما في نحو قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .
وفي الحديث أن النبي ﷺ كان يدعو من الليل: "اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض، لك الحمد أنت قيّم السماوات والأرض ومن فيهن، لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، قولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك
стр. 326
أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وأسررت، وأعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك"١.
قوله: "لك الحمد أنت نور السماوات والأرض" هو الشاهد لهذا النوع من النور المضاف إلى الله.
فالله نور السماوات والأرض: أي منورهما وبه يهتدي من فيهما.٢
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن تفسير النور المضاف إلى السماوات والأرض والمخبر به عن الله: بكونه منور السماوات والأرض أو هادي أهل السماوات والأرض، لا يمنع من إثبات ما ثبت في النصوص الأخرى من اتصافه بالنور وكونه اسما من أسمائه. قال ﵀:
"ثم قول من قال من السلف "هادي أهل السماوات والأرض" لا يمنع أن يكون في نفسه نوراً، فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفَسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك
стр. 327
ثبوت بقية صفات المسمى، بل قد يكونان متلازمين"١.
ثم قال: "وكذلك من قال منور السماوات والأرض، لا ينافي أنه نور وكل منَوِّر نور، فهما متلازمان"٢.
وهذا الحديث - حديث دعاء النبي ﷺ من الليل - دل على فائدة هامة
في إثبات اسم النور لله ، وما يتضمنه من اتصافه بالنور.
وذلك أنه ﷺ أخبر عن ربه بثلاثة أخبار:
بأنه: رب السماوات والأرض.
وأنه: قيّم السماوات والأرض ومن فيهن.
وأنه: نور السماوات والأرض.
والقول في هذه الأوصاف الثلاثة - رب، وقيوم، ونور - من جنس واحد.
وذلك أنه اشتق منها أسماء لله ، فهو سبحانه: الرب، والقيوم، والنور.
وهو سبحانه متصف بما دلت عليه من المعاني، فمن أوصافه:
стр. 328
الربوبية، والقيومية، والنور.
وهي من أسمائه الدالة على صفة فعلية، فهو الذي يرب خلقه ويصرف شؤونهم، وبه قامت السماوات والأرض ومن فيهن، وهو المنور لهما الهادي لأهلهما.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "إن الحديث تضمن ثلاثة أمور شاملة عامة للسموات والأرض وهي: ربوبيتهما، وقيوميتهما، ونورهما.
فكونه سبحانه رباً لهما، وقيوما لهما، ونورا لهما أوصاف له.
فآثار ربوبيته، وقيوميته، ونوره، قائمة بهما.
وصفة الربوبية مقتضاها هو المخلوق المنفصل. وهذا كما أن صفة الرحمة والقدرة والإرادة والرضى والغضب قائمة به سبحانه، والرحمة الموجودة في العالم، والإحسان والخير، والنعمة والعقوبة، آثار تلك الصفات، وهي منفصلة عنه. وهكذا علمه القائم به هو صفته. وأما علوم عباده فمن آثار علمه، وقدرتهم من آثار قدرته"١.
وعلى هذا فالنور يضاف إلى الله على أنه منور لغيره، وإنارته لغيره فرع عن كونه نوراً في نفسه، وليس في الموجودات ما هو مُنوِّر لغيره وهو
стр. 329
في نفسه ليس بنور.١
وعلى هذا فإضافة النور إلى الله في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ هو من هذا النوع، أي مثل نوره الذي يجعله في قلب المؤمن، ينوره به.
النوع الثالث: ثبوت اسم النور لله تعالى.
قال ابن القيم ﵀: "إن النور جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبتوه في أسمائه الحسنى.... ولم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة، ومحال أن يسمي نفسه نوراً وليس له نور، ولا صفة النور ثابتة له، كما أن من المستحيل أن يكون عليما قديرا سميعا بصيراً، ولا علم له ولا قدرة، بل صحة هذه الأسماء عليه مستلزمة لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزمة لنفيها عنه، والثاني باطل قطعاً فتعين الأول"٢.
ففي هذا الكلام من ابن القيم ﵀ بيان لنوعين من الأدلة على ثبوت اسم النور له - سبحانه - هما:
الأول: إن النور جاء في أسماء الله تعالى أي أن الله سمى نفسه نوراً
стр. 330
سبحانه كما في قوله: ﴿الله نُور السماوات وَالأرْضِ﴾ ١.
وقول النبي ﷺ في الحديث: "أنت نور السماوات والأرض"٢.
قال ابن تيمية ﵀: "النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أن الله نور، وأخبر أيضا أنه يحتجب بالنور، فهذه ثلاثة أنوار في النص"٣.
الثاني: إن الأمة تلقته بالقبول وأثبتوه في أسماء الله الحسنى ولم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة.
ومراد ابن القيم ﵀ بقوله: "وأثبتوه في أسمائه الحسنى" يقصد بذلك من عني من السلف بتتبع الأسماء الحسنى وحصرها، سواء فيما أدرج في حديث أبي هريرة٤ ﵁: "إن لله تسعة وتسعين اسماً"٥
стр. 331
أو في اجتهاداتهم لحصرها لعدم ثبوت التعيين من رسول الله ﷺ .
وقد عنى ابن حجر العسقلاني١ ﵀ بتتبع الأسماء الواردة في روايات حديث أبي هريرة، وما أضافه العلماء على ذلك أو توقفوا فيه، ثم ختم البحث باجتهاده هو في تعيين أسماء الله التسعة والتسعين المشار إليها في الحديث وذكر من جملتها اسم الله النور، وذكر أنه من الأسماء المضافة حيث قال بعد أن ذكر بعض الأسماء الذي تتبع ورودها في القرآن: "فهذه سبعة وعشرون اسما إذا انضمت إلى الأسماء التي وقعت في رواية الترمذي مما وقعت في القرآن بصيغة الاسم تكمل بها التسعة والتسعون وكلها في القرآن لكن بعضها بإضافة كالشديد من ﴿شَدِيد العِقَابِ﴾ ٢ ...
стр. 332
والنور من قوله ﴿نُور السماوات وَالأرْضِ﴾ ...."١.
كما يفهم من استعراضه لجهود علماء السلف في تعيينها اتفاقهم على عد النور من أسمائه سبحانه. وهذا الذي عليه مدار الاحتجاج بورود اسم النور لله وهو الذي عبر عنه ابن القيم ﵀ بكلامه المتقدم بقوله:
"إن الأمة تلقته بالقبول وأثبتوه في أسماء الله الحسنى ولم ينكر أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة".
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن جماهير علماء المسلمين يثبتون لله اسم النور ولا يتأولونه٢.
وبهذا يتبين أن النور من أسماء الله الحسنى، دل على ذلك الكتاب واتفاق علماء السلف.
وأنه مشتق٣ من وصف النور القائم به سبحانه وتعالى٤.
стр. 333
النوع الرابع: إثبات أن النور حجابه .
ورد التصريح بذلك في الحديث المتقدم الذي رواه الإمام مسلم: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"١.
وفي رواية: "حجابه النار".
قال ابن تيمية ﵀: "فهذا الحديث فيه ذكر حجابه، فإن تردد الراوي في لفظ النار والنور لا يمنع ذلك، فإن مثل هذه النار الصافية التي كلم بها موسى يقال لها نار ونور كما سمى الله نار المصباح نوراً بخلاف النار المظلمة كنار جهنم، فتلك لا تسمى نورا"٢.
ومن أدلة الحجاب ما رواه مسلم أيضا أن النبي ﷺ سُئل: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى أراه"٣.
وفي رواية: "رأيت نوراً"٤.
والمراد بقوله: "نور أنَّى أراه" أن النور الذي هو الحجاب يمنع من
стр. 334
رؤيته، فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته. وقوله: "رأيت نوراً" أي أنه رأى الحجاب١.
وخلاصة الفائدة الأولى من فوائد هذا المثل:
أن الأدلة من الكتاب والسنة دالة على أن النور صفة لله صفة ذات وصفة فعل، وأن النور من أسماء الله الحسنى وأن حجابه النور، وأقوال السلف الصالح متظافرة على إثبات ذلك.
стр. 335
الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن النور والهداية للإيمان من الله تعالى، وأن سببها من الإنسان.
لقد تقرر عند دراسة المثل أن الغرض من ضربه إنما هو لبيان حقيقتين هامتين.
الحقيقة الأولى: مستفادة من قوله: ﴿مثلُ نُورِه﴾ : وهي أن أصل الإيمان يكون من الله عندما يشرح صدر عبده المؤمن للإسلام ويجعل له نوراً فيبدأ به النور والحياة.
وهذا هو فعل الله، وخلقه للهداية في قلوب العباد إذا استحقوا ذلك واقتضت الحكمة أن يُهدوا.
وسوف يأتي بيان أن الهداية والإضلال من فعل الله تعالى، عند دراسة مثل الظلمات ضمن فوائده.
الحقيقة الثانية: مستفادة من تشبيه العلم المستفاد من الوحي الواصل للقلب بالزيت الجيد.
والذي يدل على أن قبول العبد وإنابته لما نزل من الحق وتشربه له هو السبب في هداية الله له، وإيقاد النور في قلبه.
والسبب الذي جعله الله لابتداء النور والإيمان والهداية، هو نفسه السبب في استمرارها وزيادتها، فاستدامة النور وقوته وسلامته، وتنامي حياة القلب إنما تكون بالعلم بالكتاب والسنة، والعمل به، فهي غذاؤه،
стр. 336
ومادة حياته.
قال ابن القيم ﵀: "إن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفئ كما تطفأ النار بفراغ مادتها"١.
والاعتبار الصحيح لهذا المثل وما تقدمه من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢ أن يعلم أن العلم المأخوذ من الوحي النازل على رسول الله ﷺ هو الطريق الوحيد لتزكية القلوب، ومعرفة الحقائق الدينية، وإمداد مصباح الإيمان بمادة نوره، وكلما زاد العلم المستقى من الوحي الواصل للقلب زاد نوره وحياته وصلاحه.
ومعرفة الإنسان لهذه الحقيقة التي دل عليها المثل من أسباب سعادته في الدارين.
فإذا عرف أن هدايته تكون بالعلم بالكتاب والسنة والعمل بهما،
стр. 337
وأن ذلك هو الطريق الأوحد لمعرفة العلوم والحقائق في المطالب الإلهية والغيبية، والمطالب الشرعية، فقد وضع قدميه على الطريق المستقيم، وكلما سار فيه ازداد بصيرة وعلما بسبل السلام، واستبانت له الظلمات ومواطن الهلكات، واستقر قدمه على الهدى، وقوي استمساكه بالعروة الوثقى، مما يزيد حظه من ولاية الله، ويمكنه في أسباب السعادة.
قال سبحانه مبينا أن الهداية والسلامة إنما تكون بنور العلم المستقى من الكتاب والسنة: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ١.
وقال أيضاً: ﴿هُو الَّذي بَعَثَ فِي الأُميينَ رَسُولاً مِنهم يَتْلُو عَليهِم ءاياتِه وَيُزكِيهم ويعلِّمهُم الكِتَابَ وَالحكمةَ وإنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبين﴾ ٢.
فالخروج من الضلال المبين إلى الهدى المبين إنما يكون بالعلم بالكتاب والحكمة لا بغيره.
والناس بأشد الحاجة إلى من يدلهم إلى المصدر الموثوق لتحصيل
стр. 338
العلوم الصحيحة والحقائق في المطالب الإلهية والشرعية.
وهذا المثل بما ينطوي عليه من تشبيه بليغ ودلالة قاطعة يؤدي هذا الغرض ويوجب لمن تأمله اليقين بأن لا طريق إلى المعرفة الصحيحة إلا بتعلم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . لذلك قال سبحانه في ختام المثل:
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
فالناس عامة، وأهل الإيمان خاصة، بحاجة إلى تدبر هذا المثل وفقهه ليتبين لهم الطريق الحق الأوحد لمعرفة الحقائق الإيمانية.
والله سبحانه بين الطريق للمعرفة في هذا المثل وغيره من الآيات إقامة للحجة على من طلب المعرفة في غير الكتاب والسنة.
فضرب - سبحانه - هذا المثل للناس، لشدة حاجتهم إليه، وعظيم نفعه لهم، وإتماماً للحجة على عباده. ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ ١.
وقد بين ابن القيم ﵀ أن العلم الذي أوحاه الله إلى رسوله ﷺ هو الطريق إلى حياة القلوب واستنارتها، وأن العبرة بصحة العلوم، واستمدادها من مشكاة النبوة، لا بكثرتها مع التخليط، بين ذلك في معرض كلامه حول قول الله تعالى:
стр. 339
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَآء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ١.
حيث قال: "فسمى وحيه روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة ومَن عُدمها فهو ميت لا حي ... وسماه نوراً لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها وكمال الروح بهاتين الصفتين بالحياة والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والاهتداء بما بعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، وإلا فالروح ميتة مظلمة، وإن كان العبد مشارا إليه بالزهد والفقه والفضيلة والكلام في البحوث. فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله ﵌ وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده ... فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال"٢.
وهذه الفائدة المستوحاة من هذا المثل - وهي إخلاص التلقي
стр. 340
للأمور الدينية والمطالب الغيبية من الوحي المطهر - هي خطوة هامة ومقدمة في واقع المسلمين اليوم، في مجال النهوض بهم، والعمل على عودتهم إلى الدين القويم، وفي سبيل توحيدهم وضم جهودهم للعمل على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وعزتهم ورفعتهم، فذلك لا يكون إلا إذا سبقه عملية مراجعة لأحوالهم وأوضاعهم وعرضها على الميزان العلمي الذي جاء به الوحي المطهر، وإخضاع تلك الأحوال والأوضاع الدينية والدنيوية لحكمه، والتخلص مما يخالفه.
وبذلك يسعى المسلمون أولاً إلى استجلاب ولاية الله، والله وليهم - إذا جاؤوا بشرط الولاية - يحوطهم بعنايته وتوفيقه، ويدافع عنهم، ويكلل أسبابهم بالتوفيق، ويكمل نقصهم ويهيِّئ لهم من أمرهم رشداً.١
وخلاصة هذه الفائدة:
أن المثل دل على أن إيمان العبد يوجد بفعل الله حيث يشرح صدره فيحيا القلب ويستنير، وأن هذا النور - نور الإيمان - يحتاج
стр. 341
إلى مادة من نور العلم المستخلص من الوحي يقوم بها ويدوم بدوامها ويزيد ويصفو بزيادتها وصفائها، وإذا ضعف العلم أو استقى من غير الوحي ضعف نور الإيمان وربما انطفأ كما تنطفئ النار بفراغ مادتها.
стр. 342
الفائدة الثالثة: دل المثل على أن الإيمان يزيد وينقص.
وذلك مستنبط من تشبيه العلم النازل بالوحي بالزيت الذي يمد المصباح بوقوده.
وكلما كان الزيت جيداً في مادته، وزاد في كميته، قوي نور المصباح وازداد إشراقا وصفاء. وكذلك نور الإيمان في قلوب أولياء الرحمن يزيد بزيادة العلم وصفائه من العلوم الدخيلة، والعمل به.
كما ينقص بضعف العلم، أو خلطه بعلوم ليست من الوحي، أو عدم العمل بالعلم.
وما دل عليه المثل من كون الإيمان يزيد وينقص هو الذي تظافرت على بيانه النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح.
وقد ذكرت طرفا من تلك الأدلة في المقدمات المتعلقة بالإيمان في الباب الأول١.
وهذه الفائدة يترتب عليها أن يكون نور الإيمان والعلم في قلوب المؤمنين متفاوتاً قوة وضعفاً بحسب ما عند كل منهم من العلم والإيمان.
стр. 343
والنبي ﵌ هو أكمل المؤمنين علما بالله وبدينه وإيماناً وعملاً فهو الذي تحقق فيه كمال نور الإيمان والعلم.
وعلى هذا يوجه قول من قال: إن المراد بالنور في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِه﴾ هو النبي محمد ﷺ .
قال ابن جرير ﵀: "وقال آخرون بل عنى بالنور: محمداً ﷺ وقالوا: الهاء التي في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِه﴾ : عائدة على اسم الله"١.
فالنبي ﷺ وصف بأنه نور وسراج منير، كما قال تعالى: ﴿يَآ أيها النَّبي إنَّا أَرْسَلْناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وَدَاعِياً إلى اللهِ بإذْنِه وَسِرَاجاً منيراً﴾ ٢.
قال ابن جرير ﵀: "وقوله: ﴿بإذْنِه﴾ يقول: بأمره إياك بذلك. ﴿وَسِرَاجاً منيراً﴾ يقول: وضياء لخلقه يستضيء بالنور الذي أتيتهم به من عند الله عباده ﴿منيراً﴾ يقول ضياء ينير لمن استضاء بضوئه، وعمل بما أمره، وإنما يعني بذلك: أنه يهدي به من اتبعه من أمته"٣.
стр. 344
فالنبي ﷺ وصف بأنه نور باعتبارين:
الأول: أنه قد عمر قلبه بنور العلم والإيمان، فهو الأنموذج البشري الذي اكتمل فيه النور لكمال علمه وإيمانه. فاتقد سراجه أتم الاتقاد.
قال ابن القيم ﵀: "وقد اختلف في مفسر الضمير في ﴿نُورِهِ﴾ فقيل هو النبي ﵌ أي مثل نور محمد ﷺ ، وقيل مفسره المؤمن أي مثل نور المؤمن. والصحيح أنه يعود على الله . والمعنى مثل نور الله في قلب عبده. وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسوله ﵌"١.
الاعتبار الثاني: أنه قد بدا عليه ومنه النور ظاهراً وباطناً.
حيث عمل بالعلم والإيمان. فعمله نور، وقوله نور، وفي كل أحواله على نور من ربه. وقد دعا إلى الله وبلغ البلاغ المبين، فهدى الله به من شاء من عباده واستناروا بما بلغهم به من نور الوحي.
فهو ﷺ سراج منير، مستنير في نفسه منير لغيره.
"والنور في الحقيقة هو كمال العبد في الظاهر والباطن"٢.
والاقتباس من نوره ﷺ يكون بتعلم ما جاء به من العلم المدلول عليه
стр. 345
بنصوص الكتاب والسنة.
والانتفاع من نوره ﷺ يكون باتباعه والاهتداء بهديه والاستنان بسنته، وألا يفعل فعلاً يتعبد لله فيه إلا وعنده شاهد عليه مما جاء به ﷺ من الوحي، أو من سيرته وما كان عليه من الأحوال، لذلك قال سبحانه:
﴿لقَد كَان لَكُم في رَسُولِ الله أسْوَةٌ حَسَنةٌ لمنْ كَانَ يَرْجُو الله واليَوْم الآخِر وَذَكَرَ اللهَ كثيْراً﴾ ١.
خلاصة هذه الفائدة:
أن المثل دل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بزيادة العلم الواصل للقلب المستفاد من نور الكتاب والسنة كما ينقص بنقصه.
ومأخذ ذلك من المثل هو تشبيه العلم الذي يمد القلب بالمعارف والحقائق الإيمانية بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود، وكون المصباح يزيد ضوؤه ويصفو بزيادة الزيت وجودته.
والمؤمنون يتفاوتون بقوة النور الكائن في قلوبهم بحسب ما عندهم من العلم والإيمان.
وأكمل المؤمنين نوراً هو النبي ﷺ لكمال علمه وإيمانه.
стр. 346
الفائدة الرابعة: دل المثل على أن للإيمان والعلم نوراً حقيقياً في قلوب المؤمنين.
وذلك مستفاد من التشبيه نفسه، حيث لا يفهم من تشبيه نور الإيمان والعلم بالمصباح المتقد الذي وقوده زيت جيد، إلا حقيقة ذلك النور، وإنما ضرب المثل لبيان حقيقته وما يتعلق به من الأوصاف وما ينتج عنه من الآثار.
ولا يجوز أن يقال إن الله ضرب مثلاً محسوساً لبيان وإيضاح أمر مجازي لا حقيقة له.
فالقلب يحيا بنور الوحي كما تحيا الأرض بالماء، وحياة القلب ونوره أمران وجوديان حقيقيان.
وكذلك كل ما نسب إلى القلب من أضداد الحياة والنور: كموت القلب وعماه، والختم والطبع والأقفال ... ونحوها فهي على حقيقتها، "ولا تصغ إلى قول من يقول: إن هذه مجازات واستعارات"١.
وليس المراد إذا قيل أن النور في القلب نور حقيقي أنه كالأنوار المحسوسة، ولا أن العمى الذي يصيب القلب كالعمى الذي يصيب العين، ولا أن حياة القلب وموته كحياة البدن وموته.
стр. 347
فهذه الألفاظ وإن كانت حقيقة في كل ما تنسب إليه، إلا أن الحقائق تختلف باختلاف محالّها التي تعلقت بها.
قال ابن القيم ﵀: "فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محالّها كانت بحسب تلك المحالّ"١.
فحياة البدن حقيقة، وحقيقته سريان الروح فيه، وموته حقيقة، وحقيقته مفارقة الروح له.
وحياة القلب حقيقة، وحقيقته قذف الله الإيمان فيه. وموته حقيقة، وحقيقته مفارقة الإيمان له وخلوه منه. ونور القلب حقيقة، وحقيقته أن يجعل الله فيه النور. وعماه حقيقة، وحقيقته خلوه من ذلك النور نور العلم والإيمان.
وهكذا في كل الألفاظ المنسوبة إلى القلب فهي على الحقيقة المناسبة للقلب، على قاعدة "لكل ذات ما يناسبها من الصفات".
وكما دل المثل - كما تقدم - على أن نور القلب حقيقة، إذ لا يضرب المثل لشيء لا حقيقة له، فقد وردت آية واضحة الدلالة قاطعة في إثبات عمى القلوب حقيقة وهي قول الله تعالى: ﴿أفلَمْ يَسِيرُوا في الأرْض
стр. 348
فَتكون لهم قُلُوب يعقِلُون بهَا أَوْ آذَان يَسْمَعونَ بها، فإنَّها لا تَعْمى الأبصار ولَكن تَعْمى القلُوب الَّتي في الصّدُور﴾ ١.
فقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .
المراد: إن معظم العمى وأصله هو عمى القلب، ولم يرد سبحانه نفي العمى عن الأبصار، وإنما أراد أن عمى القلوب أولى بهذا الوصف وأحق به لشدة خطره وضرره على صاحبه.٢
فعمى القلب أمر حقيقي وجودي يقوم بالقلب ويؤثر فيه تأثيرا معينا يترتب عليه فساده وضلاله، وينعكس ذلك على جوارح الإنسان الأخرى، كما قال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"٣.
فأكدت هذه الآية أمرين:
الأول: حقيقة عمى القلوب وأنه هو الأصل، وأعظم من عمى الأبصار وأخطر.
стр. 349
الثاني: إن القلوب التي تعمى هي القلوب المعروفة الكائنة في الصدور.
فالقلوب تحيا وتبصر وتموت وتعمى، ونصيبها من ذلك متأثر بما فيها من الإيمان والعلم قوة وضعفا.
كما أنها قد تكون عوراء وذلك إذا خلط العلم المستمد من الكتاب والسنة بغيره، فيرى من الحق بما معه من نور الكتاب والسنة، ويقع في ضلالات بسبب تلك الظلمة التي نتجت عن العلوم الدخيلة.
ومثله في المصباح: إذا خلط الوقود الجيد بوقود رديء فإنه يضعف نوره، وينبعث منه دخان يلطخ باطن الزجاجة، وكلما زاد الوقود الرديء زاد الدخان حتى يظلمها.
وخلاصة هذه الفائدة:
أن المثل دل على أن النور الذي يجعله الله في قلوب المؤمنين نور حقيقي، ومأخذ ذلك هو تشبيه ذلك النور - الذي يعلم معناه ولا تعقل كيفيته١ - بنور المصباح المحسوس. ولا يجوز تشبيه شيء
стр. 350
مجازي لا حقيقة له بشيء محسوس، بل إن التشبيه بالمحسوس يؤكد وجوده وحقيقته.
стр. 351
الفائدة الخامسة: مناسبة التعقيب على المثل بقوله تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّه أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١.
اختلف المفسرون وأهل اللغة في قوله تعالى: ﴿فِى بُيُوتٍ.....﴾ اختلافاً واسعاً، ومرد أقوالهم إلى ما يلي:
١- أنها متعلقه بما قبلها.
٢- أنها متعلقه بما بعدها.
٣- أنها على تقدير محذوف.
٤- أنها مستأنفة لا علاقة لها بما قبلها وما بعدها٢.
أما القول بأنها متعلقة بما بعدها، والقول بأنها مستأنفة، فهي أقوال لا تخلو من بُعْد أو تكلف٣. وتلغي تلك العلاقة العظيمة بين ما دل عليه
стр. 352
مثل النور وبين أولئك الرجال الذين قلوبهم معلقة بالمساجد.
وأما كونها متعلقة بما قبلها، فسأذكر مما قيل فيه قولين. أما الأول فلشهرته عند المفسرين. والثاني لكونه أقرب إلى الصواب، وبيان علاقة نور العلم والإيمان بأولئك الذين يعمرون بيوت الله.
وعلى القول بتقدير محذوف فسأذكر فيه ما أرى أنه يربط بين ما دلّ عليه مثل النور، وبين الرجال الذين يعبدون الله في بيوته.
فهذه ثلاثة أقوال، وتفصيلها فيما يلي:
(الأول) : أن المراد المصابيح المشبه بها وهي المصابيح المحسوسة التي توقد بالزيت.
ويكون المعنى كما قال ابن جرير ﵀:
"يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ : الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع"١.
والبيوت هي المساجد٢.
стр. 353
وعلى هذا القول أكثر المفسرين١.
(الثاني) أن المراد أن المصابيح المشبهة بالمشكاة - مصابيح الإيمان في قلوب عباد الرحمن التي تضاء بالعلم المستقى من الوحي - كائنة في بيوت ... .
وقد أشار إلى هذا بعض المفسرين حيث قال: "ولما كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد، ذكرها منوهاً بها، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ﴾ "٢.
ويكون التقدير على هذا القول: مثل نوره في قلوب المؤمنين، حال كونهم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ الآية، كمشكاة فيها مصباح.
وهذا القول ليس ببعيد عن القول الأول. وذلك أن كلا القولين يشتركان في تعلق البيوت بالمصابيح. أي: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ... في بيوت أذن الله أن ترفع.
стр. 354
والفرق بينهما أن القائلين بالقول الأول أرادوا المصابيح الحسية الممثّل بها.
وفي القول الثاني المراد: المصابيح الممثّل لها، القائمة في قلوب المؤمنين.
والقول الثاني هو الأنسب للسياق - والله أعلم - وذلك للاعتبارات الآتية:
١- أن تخصيص المشبه به - وهي المصابيح المحسوسة - بالمساجد لا يفيد شيئاً في إيضاح المثل حيث أن نور المصابيح في المساجد وغيرها واحد.
أما تخصيص المشبه - وهو نور الإيمان والعلم- بكونه في المساجد فإنه يفيد زيادة معنى، وذلك أن الإيمان يزيد بالطاعة وخاصة الفرائض. فيتجلى النور ويشرق أكثر في بيوت الله عند قيامهم بالطاعات المذكورة.
٢- أن المصابيح المحسوسة ليست مختصة بالمساجد بل توضع فيها وفي غيرها. أما مصابيح الإيمان، فإن من قامت بهم من المؤمنين هم أهل المساجد الذين اختصوا بها وبعمارتها فلا يعمرها غيرهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
стр. 355
٣- إنه ذكر صفات الذين يعمرون البيوت - التي أذن الله أن ترفع - وذكر قبول أعمالهم مما يدل على أن المراد ذكر أثر نور العلم والإيمان القائم في قلوبهم في صلاح أعمالهم وقبولها.
ويكون التقدير: مثل نوره في قلوب المؤمنين الكائنين في بيوت ... كمشكاة.
٤- التعقيب بعد ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُم كَسَرَاب..﴾ ١ الآية، يؤكد المعنى السابق من أن المراد ذكر أثر نور العلم والإيمان على صلاح أعمال المؤمنين وقبولها؛ حيث قابل ذلك بذكر أثر ظلمة الجهل على فساد أعمال الكافرين وحبوطها.
٥- أن هذا المعنى هو الذي يظهر حكمة التعقيب بذكر البيوت وما يحصل فيها وأن ذلك لبيان أثر نور العلم والإيمان على عُمَّارها، والسياق في معرض بيان هذا النور (المشبه) وبركته وأهميته.
أما المصابيح المحسوسة فذكرت مثالاً لإيضاح نور الإيمان والعلم ثم انصرف السياق عنها، واستمر في بيان المقصد الأهم وهو نور الإيمان والعلم وثماره على أهله، فقال ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أي: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في قلوب المؤمنين حال كونهم ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ .