← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الفائدة الخامسة: مناسبة التعقيب على المثل بقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّه أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. اختلف المفسرون وأهل اللغة في قوله تعالى: ﴿فِى بُيُوتٍ.....﴾ اختلافاً واسعاً، ومرد أقوالهم إلى ما يلي: ١- أنها متعلقه بما قبلها. ٢- أنها متعلقه بما بعدها. ٣- أنها على تقدير محذوف. ٤- أنها مستأنفة لا علاقة لها بما قبلها وما بعدها٢. أما القول بأنها متعلقة بما بعدها، والقول بأنها مستأنفة، فهي أقوال لا تخلو من بُعْد أو تكلف٣. وتلغي تلك العلاقة العظيمة بين ما دل عليه

стр. 352

مثل النور وبين أولئك الرجال الذين قلوبهم معلقة بالمساجد. وأما كونها متعلقة بما قبلها، فسأذكر مما قيل فيه قولين. أما الأول فلشهرته عند المفسرين. والثاني لكونه أقرب إلى الصواب، وبيان علاقة نور العلم والإيمان بأولئك الذين يعمرون بيوت الله. وعلى القول بتقدير محذوف فسأذكر فيه ما أرى أنه يربط بين ما دلّ عليه مثل النور، وبين الرجال الذين يعبدون الله في بيوته. فهذه ثلاثة أقوال، وتفصيلها فيما يلي: (الأول) : أن المراد المصابيح المشبه بها وهي المصابيح المحسوسة التي توقد بالزيت. ويكون المعنى كما قال ابن جرير ﵀: "يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ : الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع"١. والبيوت هي المساجد٢.

стр. 353

وعلى هذا القول أكثر المفسرين١. (الثاني) أن المراد أن المصابيح المشبهة بالمشكاة - مصابيح الإيمان في قلوب عباد الرحمن التي تضاء بالعلم المستقى من الوحي - كائنة في بيوت ... . وقد أشار إلى هذا بعض المفسرين حيث قال: "ولما كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد، ذكرها منوهاً بها، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ﴾ "٢. ويكون التقدير على هذا القول: مثل نوره في قلوب المؤمنين، حال كونهم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ الآية، كمشكاة فيها مصباح. وهذا القول ليس ببعيد عن القول الأول. وذلك أن كلا القولين يشتركان في تعلق البيوت بالمصابيح. أي: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ... في بيوت أذن الله أن ترفع.

стр. 354

والفرق بينهما أن القائلين بالقول الأول أرادوا المصابيح الحسية الممثّل بها. وفي القول الثاني المراد: المصابيح الممثّل لها، القائمة في قلوب المؤمنين. والقول الثاني هو الأنسب للسياق - والله أعلم - وذلك للاعتبارات الآتية: ١- أن تخصيص المشبه به - وهي المصابيح المحسوسة - بالمساجد لا يفيد شيئاً في إيضاح المثل حيث أن نور المصابيح في المساجد وغيرها واحد. أما تخصيص المشبه - وهو نور الإيمان والعلم- بكونه في المساجد فإنه يفيد زيادة معنى، وذلك أن الإيمان يزيد بالطاعة وخاصة الفرائض. فيتجلى النور ويشرق أكثر في بيوت الله عند قيامهم بالطاعات المذكورة. ٢- أن المصابيح المحسوسة ليست مختصة بالمساجد بل توضع فيها وفي غيرها. أما مصابيح الإيمان، فإن من قامت بهم من المؤمنين هم أهل المساجد الذين اختصوا بها وبعمارتها فلا يعمرها غيرهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.

стр. 355

٣- إنه ذكر صفات الذين يعمرون البيوت - التي أذن الله أن ترفع - وذكر قبول أعمالهم مما يدل على أن المراد ذكر أثر نور العلم والإيمان القائم في قلوبهم في صلاح أعمالهم وقبولها. ويكون التقدير: مثل نوره في قلوب المؤمنين الكائنين في بيوت ... كمشكاة. ٤- التعقيب بعد ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُم كَسَرَاب..﴾ ١ الآية، يؤكد المعنى السابق من أن المراد ذكر أثر نور العلم والإيمان على صلاح أعمال المؤمنين وقبولها؛ حيث قابل ذلك بذكر أثر ظلمة الجهل على فساد أعمال الكافرين وحبوطها. ٥- أن هذا المعنى هو الذي يظهر حكمة التعقيب بذكر البيوت وما يحصل فيها وأن ذلك لبيان أثر نور العلم والإيمان على عُمَّارها، والسياق في معرض بيان هذا النور (المشبه) وبركته وأهميته. أما المصابيح المحسوسة فذكرت مثالاً لإيضاح نور الإيمان والعلم ثم انصرف السياق عنها، واستمر في بيان المقصد الأهم وهو نور الإيمان والعلم وثماره على أهله، فقال ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أي: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في قلوب المؤمنين حال كونهم ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ .

стр. 356

(الثالث) على القول بوجود محذوف لا بد من تقديرة قبل قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ لإبراز المعنى. واختلف في تقدير المحذوف١. إلا أن الأقرب - والله أعلم - أن يقدر بأحد أمرين: الأول: أن يقال: وذلك النور أكمل ما يكون في قلوب أهله عندما يتعبدون لله ﴿فِي بُيُوتٍ ... ﴾ الآية. فيكون المراد بيان أهم أسباب كمال النور بعد العلم، وهو العمل به، وإقام الصلاة وذكر الله. الثاني: أن يقال: أن المقدر متعلق بقوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء﴾ ، ويكون التقدير: وأولئك الذين هداهم الله لنوره تجدهم ﴿فِي بُيُوتٍ ... ﴾ الآية، لأداء الصلوات وذكر الله تعالى مع القيام بمصالحهم. من فوائد التعقيب على المثل بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ..﴾ : أولاً: دل ذلك على أن نور العلم والإيمان أكمل ما يكون عند أهله حال كونهم يعبدون الله في المساجد. وذلك عند قيامهم بالأعمال التي تشرع في المساجد من الصلوات

стр. 357

وأنواع الذكر وطلب العلم. والصلاة خاصة لها أثر عظيم في قوة نور الإيمان والعلم، وذلك أنها تشتمل على كلا الأمرين المؤثرين في هذا النور، وهما الإيمان والعلم. فالعلم يتجلى بقراءة القرآن الذي أنزله الله بعلمه، والذي هو النور الذي يمد مصباح الإيمان في القلب. والصلاة إيمان لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُم﴾ ١ أي صلاتكم، حيث سمى الصلاة إيمانا.٢ ولذلك سمى النبي ﷺ الصلاة نورا، حيث قال: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو. فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"٣. ويتحقق ذلك أيضا - كمال النور - في كل عمل يشتمل على هذين الأمرين أن يكون من شعب الإيمان، ويشتمل على العلم، كحلق

стр. 358

الذكر والعلم. قال ﷺ : "ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه"١. ويدل على زيادة الإيمان والنور بهذه الأعمال حديث حنظلة٢ ﵁ وفيه قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك"؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي

стр. 359

طرقكم. ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات١. وهذا الحديث يدل على أن المؤمنين يكونون أكمل حالاً وإيماناً عندما يكونون مع النبي ﷺ يعلمهم العلم ويذكرهم بالله. ثمرة العلم بهذا الأمر: أن يدرك المسلمون وخاصة من يتصدى للدعوة والتربية والتعليم أن كمال المسلمين وصلاحهم إنما يكون بالعلم الشرعي من الكتاب والسنة ونهج سلف الأمة، وإقامة الدين وشعب الإيمان، ويركزون جهودهم على ذلك، ويجعلونه الخطوة المقدمة في عملهم، وبذلك تصلح حال المسلمين ويقوى نورهم وبصيرتهم، ويلهمون الرشد والسداد في أعمالهم ويستحقون ولاية الله . ثانيا: ومما يستفاد من التعقيب بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ..﴾ هي: اهتداء المؤمنين بهذا النور، وأنه كشف لهم مواطن الخير وأسباب السلامة، والربح الحقيقي والأعمال النافعة. دل على ذلك قوله : ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ

стр. 360

فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ فهؤلاء الرجال الذين - أثنى الله عليهم - لقوة بصائرهم لا ينشغلون بالبيع والتجارة- مع أهميتها لحياتهم وحبهم لها - عن مهمات دينهم وفرائض ربهم. رأى عبد الله بن مسعود١ ﵁ قوما من أهل السوق حيث نودي بالصلاة، وتركوا بياعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: "هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه﴾ "٢. فمن آثار نور العلم والإيمان القائم في قلوب المؤمنين أنه يكشف لهم محاسن الأعمال والأقوال والأخلاق ومساوئها، وفاضلها ومفضولها، وما هو من متطلبات الإيمان مما هو من حاجات الأبدان، كما يكشف لهم محاب الله ومكارهه، وما هو من أسباب رضوانه أو سخطه. ويكشف لهم ما يستقبلونه مما يكون عند الموت، وفي البرزخ، ويوم القيامة.

стр. 361

فأكسبهم ذلك رشداً وسداداً يحكم سيرهم في الحياة وبين الناس، حيث يقدمون الباقي على الفاني، ولا تشغلهم أمور دنياهم وحاجاتهم عن طاعة ربهم وما ينفعهم في أخراهم، وضمَّنوا سعيهم في الدنيا أعمالا يتقون بها ما يستقبلونه في الأخرى، فحالهم كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ١. قال ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية: "يقول: فهديناه للإسلام، فأنعشناه، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سخط الله وعقابه في معاده، فجعل إبصاره الحق- تعالى ذكره - بعد عماه عنه، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك، حياة وضياء يستضيء به فيمشي على قصد السبيل، ومنهج الطريق في الناس"٢. ومن هذا المعنى قول الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ

стр. 362

يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ١. فبين - سبحانه - أن أهل العلم الذين أنار العلم دربهم، وأعملوا عقولهم في مقتضياته تميزوا عن أهل الجهل الذين يتخبطون في الظلمات، إذ إنّ من ثمرات نور العلم على أهله سلامة نظرهم وتفكيرهم الذي أفادهم المسارعة في الخيرات، والباقيات الصالحات، والحذر من الأخطار والموبقات، فما هم بمتساوين مع أهل الجهل والظلمات: لا في القلوب وأعمالها، ولا في الفكرة وأحوالها، ولا في الأخلاق والأقوال، ولا في السلوك والأعمال، ولا في المنزلة عند الله، ولا في المصير يوم القيامة، فهم مفترقون في كل شيء: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ . وقال - سبحانه -: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَآء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢. ثالثاً: دل التعقيب على مثل النور بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ..﴾ الآية، على أن المحافظة على الصلاة مع الجماعة دليل على قوة الإيمان وصلاح القلب، وقوة نور العبد وبصيرته.

стр. 363

وإذا تهاون بصلاة الجماعة كان ذلك دليلاً على ضعف في إيمانه وفي نور قلبه، وإذا وصل التهاون إلى الصلاة نفسها دل على اختلال الإيمان وظلمة القلب، حتى يصل إلى الكفر وموت القلب وعماه إذا تركها. وكذلك الحال في أداء الزكاة وملازمة ذكر الله، وغيرها من شعب الإيمان، فإن العناية بها دليل قوة الإيمان والبصيرة؛ والغفلة عنها والتهاون بها دليل ضعف الإيمان ونور القلب. وخلاصة هذه الفائدة: إن التعقيب على "مثل النور" بقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ..﴾ الآية، له دلالة عظيمة في بيان أن النور أكمل ما يكون في قلوب أهله في المساجد حال كونهم يصلون أو يذكرون الله أو يطلبون العلم. وأن هذا النور أكسبهم البصيرة التي جعلتهم يميزون بين أجاود الأعمال وأحسنها عاقبة، فيسارعون إليها ولا يتشاغلون عنها بما دونها. كما كشف لهم ذلك النور عما يكون في اليوم الآخر من الأهوال، فأكسبهم اليقين به، والحذر والخوف منه، والتزود له. وأثر ذلك كله في قلوبهم وأعمالهم وفوزهم وحظوتهم عند ربهم. وإنّ تدبر المثل ومعرفة هذه الفائدة وغيرها من أقوى الدوافع للعناية بالعلم المستمد من الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح والعمل به،

стр. 364

ونشره، والتواصي على تقوية الإيمان بتعلم التوحيد وأركان الإيمان، وإقامة شعب الإيمان عامة، والصلاة والزكاة وذكر الله خاصة، وإعطاء ذلك الأولوية في منهاج الدعوة إلى الله، والتربية والتعليم والإعلام، وجميع نواحي العمل لإعلاء كلمة الله. كما يستفاد من التعقيب أن المحافظة على الصلاة مع الجماعة دليل على صلاح القلب، وقوة نوره، وزيادة الإيمان، وأن التخلف عن الجماعة دليل على ضعف الإيمان والبصيرة والنور. والله أعلم.

стр. 365

الفائدة السادسة: دلالة المثل على إعداد الله الإنسان بالفطرة السليمة واستدعائها لنُور الإيمان. تقدم١ عند الكلام على مطابقة المثل للمثّل له، أن هناك تشابها بين الفطرة والفتيلة، من حيث إن كلاً منهما في أصل خلقه وصنعه مهيأ لاستدعاء وتشرب ما يناسبه، فالفتيلة تتشرب الوقود المناسب وتمتصه، وتتبلل به وتصبح مهيأة به للاشتغال إذا أوقدت. وكذلك الفطرة على الدين الحنيف - التي فطر الله قلوب العباد عليها - مهيأة لاستدعاء ما يناسب ما فُطرت عليه من التوحيد والدين والحق؛ فإذا تشربت ما يرد إليها من ذلك من العلم بالكتاب والسنة، فإنها تكون مهيأة لإيقاد مصباح القلب، وقذف نُور الإيمان به. المراد بالفطرة: يطلق لفظ الفطرة ويراد به معان مختلفة، وهذه المعاني ترجع إلى معنيين: (الأول) : هو إعطاء المخلوق في أصل خلقه ما يستدعي فعل أو قبول شيء أو تركه. وهذا النوع هو الذي عبر عنه الراغب في المفردات بقوله: "وفطر الله الخلق: وهو إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من

стр. 366

الأفعال"١. وهذا المعنى - وهو كون النفوس مترشحة أو مترجحة لفعل من الأفعال أو لتركه - يزيد على كونها قابلة له أو لضده، فهي تتضمن هذا المعنى وزيادة ترجيح قبول ما فطرت على قبوله، أو ترك ما فطرت على تركه. (الثاني) : هو ما ركز في النفوس في أصل خلقها من الوظائف والقوى النفسية، والحاجات الضرورية ونحوها. والفرق بين النوعين: أن الأول هو إعطاء المخلوق الداعي لأمر من الأمور أو الداعي لتركه، والثاني هو إعطاؤه الأمر نفسه ليكون جزءاً من خلقه. ومثال النوع الأول: ما ركز في النفوس ذات الفطر السليمة من حب النظافة والتجمل وكره الأوساخ والشعث، وهذا يستدعي السواك، وقص الأظافر ... ونحوها. ومثال النوع الثاني: الإحساس بالجوع، والحاجة إلى الطعام، والتألم لفقده، والانفعال لطلبه، وصراخ الطفل إذا جاع، أمور فطرية ركزت فيه في أصل الخلقة، لا يكتسبها بتعلم ولا بمحاكاة ولا بتفكير. وعلى هذا فكل ما ذكر في النصوص الشرعية من أمور نسبت

стр. 367

للفطرة فهي لا تخرج عن هذين المعنيين: فإما أن يكون في النفس الداعي لفعله أو تركه، أو يكون ذلك الأمر مغروساً في النفس من أصل الخلقة. والله - سبحانه - خلق النفوس البشرية وفطرها على أمور: منها ما فطروا عليه وله علاقة بشؤونهم الدنيوية المعيشية. ومنها ما له علاقة بهدايتهم إلى الدين القويم. ومنها أمور ركز في النفوس الداعي إليها فهي فطرية شرعية عقلية. فهذه ثلاثة أنواع تنسب إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فالأمور الدنيوية المركوزة في الفطر، مثل: حب التملك، والميل إلى النافع، والفرار من الضار، والشعور بالجوع، ... ونحوها، وهي ما يسميه علماء النفس بالغرائز الفطرية، ويستوي فيها سائر البشر، وقد يشترك في بعضها مع الحيوان، وتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ١. وأما الأمور التي أُعطيَ الناس الداعي إليها: فمنها ما ذكر في الحديث٢ من قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة

стр. 368

والاستنشاق، وقص الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان ... ونحوها. فهذه الأمور تستحسنها النفوس ذوات الفطر السليمة، وتميل إليها وتنفر من ضدها، وهذا معنى كونها من الفطرة، إذ النفوس مجبولة على حب النافع الجميل، وترك الضار القبيح. وأما كونها عقلية فإن العقل يدرك حسنها وأهميتها لصحة الإنسان وجماله. وأما كونها شرعية فلأن الشارع جعل فعلها عبادة. والنوع الثالث مما فطر عليه الناس هو ما له علاقة بالهداية إلى الإيمان، وقد بينها الله بقوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تبديلَ لخلقِ اللهِ﴾ ١. حيث دلت هذه الآية على ثلاثة أمور هامة لها علاقة بالفطرة: (الأمر الأول) : أن الله فطر الناس على الدين الحنيف. وهذا مستفاد من قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّه﴾ . وتدور تفاسير السلف للفطرة التي فطر الله الناس عليها في هذه الآية على معنيين:

стр. 369

(الأول) أن الفطرة هي الإسلام. قال الإمام البخاري ﵀: "والفطرة: الإسلام"١. وقال به عكرمة٢ ومجاهد٣ - رحمهما الله - وغيرهما.٤ ويستند من قال بذلك إلى ورود لفظ "الدين" في الآية في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ ، والدين هو الإسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ٥.

стр. 370

ومن ذلك ورود الفطرة في مقابلة اليهودية والنصرانية والمجوسية مما يدل على أن المراد بها الإسلام، في حديث: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول: " ﴿فطرَة اللهِ الَّتِي فَطرَ الناسَ عَليها لا تبديلَ لخلقِ اللهِ﴾ ". ١ (والمعنى الثاني) في المراد بالفطرة في الآية أنها:"معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره"٢. ومستند هذا المعنى هو ذكر لفظ ﴿حَنِيفاً﴾ في الآية، والحنيف هو الذي استقام على التوحيد والإخلاص، وجانَب الشرك، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. ومما يستدل به على هذا المعنى ما ورد في الحديث القدسي وفيه:

стр. 371

"وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"١. وأورد ابن جرير ﵀ ما يؤيد هذا المعنى من قول معاذ بن جبل ﵁ عندما سأله عمر بن الخطاب ﵁ "ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة ﴿فطرَة اللهِ الَّتِي فَطرَ الناسَ عَلَيْهَا﴾ والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، قال عمر: صدقت"٢. والفرق بين المعنيين: أن المعنى الثاني وهو معرفة الله وتوحيده أخص من الإسلام، فهو أصله وأساسه، والكلام في الفطرة التي فُطر الناس عليها من حيث: هل فطروا على معرفة الله وتوحيده؟ أم على الإسلام كله؟ أم عليهما معا ولكن كل منهما باعتبار؟ والاختيار الأخير هو المتعين، ويكون كلا المعنيين صحيحاً، وذلك أنه تقدم أن الفطرة لها معنيان: (أحدهما) : ما ركز في النفوس وأعطيت إياه في أصل الخلق.

стр. 372

(والثاني) : ما ركز فيها من الداعي إلى الشيء أو إلى تركه. فالقول بأن الفطرة هي معرفة الله وتوحيده يراد به المعنى الأول، وأنه رُكز في النفوس ذلك وفُطرت عليه. والقول بأن الفطرة هي الإسلام يراد به المعنى الثاني بالنظر إلى ما أوجد الله في النفوس وفطرها عليه من الاستعداد والترجح لقبول الحق ومعرفته إذا عرض عليها، وأنها خلقت سوية تتعرف على الخير وتنشرح له وتقبله، وتنفر من الشر وتشمئز منه، وتستدعي ما يناسب ما أودع فيها من معرفة الله وتوحيده ومحبته - الذي هو أصل الإسلام- فهي بذلك مهيأة لقبول الإسلام إذا عرض عليها بواسطة الرسل أو أتباعهم والذي يوافق ما جبلوا عليه. فالذي قال: الفطرة هي معرفة الله وتوحيده ومحبته، نظر إلى ما ركز في النفوس وجبلت عليه. والذي قال: هي الإسلام أراد أنهم قد جبلوا على أصل الإسلام وهو التوحيد ومعرفة الله ومحبته، وأن ذلك يستدعي ويستلزم تمامه وقبول سائر شعائره. وعلى هذا فأصل الإسلام الذي هو معرفة الله وتوحيده ومحبته والخضوع له من موجب الفطرة، لا يتوقف أصله على غيرها. أما الإسلام الذي هو كمال الاستقامة على التوحيد والعبادة فهو يتوقف على غيرها - مما جاء به الرسل - وهي تستدعيه، ويجب حصوله فيها إذا عرض

стр. 373

عليها ولم يوجد ما يعارضه ويقتضي حصول ضده. قال ابن القيم ﵀: "فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أن الخلق مفطورون على دين الله الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته والخضوع له، وأن ذلك موجب فطرهم ومقتضاها، يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضي حصول ضده ... وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير الفطرة، وإن توقف كماله وتفصيله على غيرها. وبالله التوفيق"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينا الأمور التي ركزت في النفوس وجبلت عليها في تعقيبه على حديث "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم": "فأخبر أنه خلقهم حنفاء، وذلك يتضمن معرفة الرب، ومحبته، وتوحيده، فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية، وهي معنى قول "لا إله إلا الله ""٢. وهذه الأمور التي تضمنتها الفطرة هي أصل التوحيد الذي هو أصل الإسلام، فالفطرة تتضمن أصل التوحيد وتستلزم مقتضاه وهو الدين

стр. 374

وأعمال الإسلام. قال ابن تيمية ﵀ في هذا المعنى: " ... فلا بد أن يكون في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به. وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها، وهو فطرة الله التي أمر الله بها ... فعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضاياتها، والحب لله والخضوع له والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية"١. وقال أيضاً: "وإذا قيل: إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفاً ونحو ذلك، فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ٢، ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته. فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له. وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت عن المعارض. وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل

стр. 375

مولود يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه"١. ثم قال: "والنبي ﷺ شبه اللبن بالفطرة ... والطفل مفطور على أنه يختار شرب اللبن بنفسه، فإذا تمكن من الثدي لزم أن يرتضع لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرتضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف ربه، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض. ....فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله. والذل له، وإخلاص الدين له، وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه"٢. وإذا كان الأمر كذلك فإن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - بعثوا ليذكروا الناس بما فطروا عليه من معرفة الله وتوحيده، ويدعوهم إلى موجبه ومقتضاهُ من الإسلام. قال ابن القيم ﵀: "والله سبحانه قد أنعم على عباده من جملة إحسانه ونعمه بأمرين

стр. 376

هما أصل السعادة: أحدهما: أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها ... فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئاً، ولم تشرك به، ولم تجحد كمال ربوبيته، وكان أحب شيء إليها وأطوع شيء عندها.... والأمر الثاني: أنه سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة ومكنهم من أسبابها، وبما أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل وعلمهم ما لم يكونوا يعلمونه"١. وما رسخ في الفطرة هو الأساس الذي يستند إليه كل نظر صحيح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "البرهان الذي يُنال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية، فإن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضاً نظرية لتوقفت على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله، للزم أن لا يحصل في قلبه علم

стр. 377

ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدئها الله في قلبه، وغاية البرهان أن ينتهي إليها"١. والمتأمل لهذا الكلام من شيخ الإسلام ﵀ يجد أنه دقيق المعنى عظيم الفائدة، إذ بين أن الفطرة أصل لكل نتيجة من الحق يتوصل إليها بنظر العقول. وعلى هذا تكون الفطرة مشابهة للبذرة الصغيرة، التي تحمل في طياتها كل عوامل الوراثة للنبات من شكل الجذع والأغصان والأزهار ولونها، وشكل الثمرة ولونها وطعمها وما إلى ذلك. وكل ما يحدث في الشجرة من خلقها فأصله كائن في بذرتها. فتبارك الله أحسن الخالقين الذي جعل في نفوس الناس بذور الخير والحق والصلاح الذي يتضمن أو يستلزم ما تكتمل به سعادتهم في الدين والدنيا، إذا سُقي بمعين الوحي الصافي، واستخرج بالنظر الصحيح، كما جعل في بذور النبات أسرار خلقها ومقومات اكتمالها وثمرها إذا سقيت بالماء الصالح وهيئت لها الظروف المناسبة. ومما تقدم يتبين أن الله أعان عباده بثلاثة أمور هامة تسهم إذا استجابوا لموجبها في هدايتهم:

стр. 378

(الأول) : إعدادهم بالفطرة المتضمنة لأصل الهداية، والمستلزمة لتفاصيلها. (الثاني) : إمدادهم بالرسل والكتب المنزلة التي تذكرهم بالفطرة وتدعوهم إلى مقتضاها، وتبين لهم مراد الله . (الثالث) : إمدادهم بالعقل الذي يتفكرون به، والذي يستند في نظره إلى ما أودع في الفطرة من المعطيات الضرورية، وفيما أظهر الله من الآيات الكونية، ويتدبرون به ما أنزل من البينات والهدى. فالفطرة السليمة، والنظر الصحيح، يقبلان ما جاء به الأنبياء ويشهدان له، ويسكنان إليه ويطمئنان به، فهذه الثلاثة متكاملة في قبول الحق والترقي فيه. والله أعلم. الأمر الثاني: الذي دلت عليه الآية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ هو أن خلق الناس على الفطرة عام لجميعهم، وذلك سنة جارية لا تتخلف عن أحد من المكلفين. وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ويشهد لهذا المعنى قول النبي ﷺ : "كل إنسان تلده أمه على الفطرة"١.

стр. 379

وما ورد في الحديث من قول الله : "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم"١. فلفظ " كل " و " كلهم " يدلان على العموم. ويؤكد هذا المعنى ما ورد في السياق من قول الله : ﴿لا تَبْديلَ لخَلْقِ اللهِ﴾ . على أحد القولين في تفسيرها. ففي هذه الجملة تفسيران مشهوران: الأول: قيل معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون الأسلوب خبرا أريد به الطلب والنهي كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَه كَان آمِنا﴾ ٢. الثاني: قيل إن معناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة لا يولد أحد إلا على ذلك ولا تفاوت بين الناس في ذلك.٣ "أي هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لها من جهة الخالق سبحانه"٤.

стр. 380

ومن شواهد هذا المعنى أيضا قول الله : ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ ١ قال ابن كثير ﵀: "أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ... ﴾ "٢. وهذه الفائدة هي الركيزة الأولى والأساس المهم في أمرين عظيمين: (الأول) : حصول الإيمان في القلب مستلزم للفطرة السليمة والاستجابة لداعيها، فالقلب ذو الفطرة السليمة هو المؤهل لاتقاد نُور الإيمان فيه، كما أن المصباح لا يتقد بدون فتيلة صالحة، فالله سبحانه جعل فرصة جميع المكلفين إزاء الإيمان به متكافئة باعتبار أصل الخلق حيث سوى بينهم في الخلق على الفطرة. (الثاني) أن الإيمان بالقدر وفهمه فهما صحيحا يستلزم معرفة أن كل الناس ولدوا على فطرة سليمة قويمة مرجحة للإيمان داعية إليه، وذلك من عون الله لهم على الإيمان، ومن مقتضى عدله وفضله. فعدله سبحانه: في التسوية بينهم في الخلق على الفطرة، وفضله: في جعل الفطرة متضمنة لمعرفة الباري، وداعية إلى الإيمان مترجحة له.

стр. 381

الأمر الثالث: الذي دلت عليه الآية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا..﴾ هو بيان أن الفطرة قابلة للتغيير والحرف عن الأصل الذي خلقوا عليه بأسباب تكون من الناس. وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿لا تَبْديلَ لخَلْقِ اللهِ﴾ على القول بأن المراد بها هو: لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، والنهي يدل على الإمكان. وقد ورد تأكيد هذا المعنى في نصوص أخر. من ذلك قوله ﷺ : " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"١. فدل على أن للتربية التي تكون غالبا بين الأبوين أثراً في تغيير حال الولد عن الفطرة التي فطر عليها. ودل الحديث من جهة أخرى على هذا المعنى - وهو قابلية الفطرة للتغيير بفعل الناس - في المثل المضروب لبيان ذلك في قوله: "كما تُنْتج البهيمة بهيمة جمعاء٢، هل تحسون منها من جدعاء٣"، وفي بعض

стр. 382

رواياته: "حتى تكونوا أنتم تجدعونها"١. قَال ابن تيمية ﵀: "المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا تَبدل، فلا يخلقون على غير الفطرة، لا يقع هذا قط، والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق، بل نفس الحديث يبين أنها تتغير، ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع، ولا تولد بهيمة قط مخصية ولا مجدوعة"٢. ومن ذلك ما تقدم في الحديث من قول الله تعالى: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً". فدل الحديث على أثر جهود الشياطين من الجن والإنس في تغيير وحرف ما فطر الناس عليه وصرفهم عن التوحيد إلى ضده من الشرك، وتأمرهم بتغيير الدين بتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله، وتزين لهم الشر والفساد. فالشياطين من الإنس والجن أثرهم مضاد لأثر دعوة الأنبياء الذين

стр. 383

يدعون الناس إلى مقتضى ما فطرهم الله عليه، ويدعونهم إلى دين الله والخير والفضيلة. العبرة من معرفة هذه الفائدة: إذا أدرك المسلم ما دل عليه المثل من أن الإيمان نُور يؤسس على الفطرة السليمة، وما دلت عليه هذه الآية العظيمة ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ، من أن الله فطر الناس جميعا على معرفته سبحانه وما تستلزمه من الإسلام والخير والفضيلة، وأن الفطرة قابلة للتغيير بفعل أسباب تكون من الناس، وأدرك أهمية التربية في تنمية الفطرة وخطر شياطين الإنس في تدسيتها وحرفها إلى الضلال والشرك. فإن العبرة من ذلك كله تكون بأن يعمل المسلمون أفرادا وجماعات وفي كل المجالات المختصة بالتعليم والتربية والتوجيه في المحافظة على الفطرة القويمة التي حباهم الله بها، وخاصة لدى الناشئة، ويكون ذلك بخطوتين هامتين: الخطوة الأولى: التزكية قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ ١.

стр. 384

فأخبر سبحانه أنه خلق النفوس سوية على الفطرة كما تقدم١ هذا المعنى في كلام ابن كثير ﵀. وأخبر أن الفلاح يكون بتزكيتها. وتكون تزكية الفطرة بالتركيز على العلم المستمد من الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح ليكون المصدر الأساس للتربية والتعليم، فتستمد جميع العلوم والمعارف المتعلقة بالدين من العقائد والشرائع والمناهج والآداب والأخلاق والمعاملات مما جاء به النبي ﷺ من الكتاب والحكمة. وذلك مستفاد من تشبيه العلم بالزيت الذي يمد المصباح بالزيت الذي هو وقوده ومادة حياته، وكذلك العلم يمد الفطرة وما قام بها من نُور الإيمان بالعلم الذي هو أصل حياة القلب وصلاحه، والإخلال بهذا الأمر يؤدي إلى حرف الفطرة. ويكون الإخلال إما بإهمال العلم فينشأ الناشِئُ جاهلا، فتبقى فطرته معطلة لا تترقى في معارج الخير، ويكون إمعة متأثراً بما حوله بلا بصيرة، أو يكون الإخلال بتعلمه من غير الكتاب والسنة فيتغذى قلبه من مستنقعات الأمم الجاهلية فتتغير فطرته. ومما يتصل بالتزكية العناية بالتعليم العام ووسائل الإعلام وجعل مادتها موافقة لما جاء به النبي ﷺ ، والاهتمام بإيجاد توافق وانسجام في مواد

стр. 385

التربية والتعليم والتوجيه في البيت والمدرسة والمسجد والإعلام، بقصد النهوض بالفطرة إلى كمالها الموافق لهدي الدين القويم، والمحافظة عليها وتجنبها البلبلة والحيرة والشتات. الخطوة الثانية: التطهير وتكون بالابتعاد عن وساوس الشياطين الذين يجتهدون في صد المسلمين عن موجب فطرهم من الدين والخير والفضيلة. أما شياطين الجن فإن العناية بالعلم والتربية عليه وعلى التعلق بالله كفيلة في إحباط مكرهم حيث إن جهدهم منصب على الوسوسة التي تفتك بالجهال وبمن أعرض عن الله فقلَّت حماية الله له. أما شياطين الإنس فيكون الابتعاد عنهم بقطع قنوات الاتصال بهم، كالاختلاط بهم، أو السفر إلى بلادهم ومعاشرتهم. ومن ذلك منع المسلم من الاستماع أو المشاهدة لما ينقل من رجسهم في وسائل الإعلام من تمثيليات أو أفلام أو غناء أو مجون وغير ذلك من آدابهم وفسقهم وباطلهم. فإن للعكوف على هذه المواد أثراً بالغاً في حرف الفطر وتشويهها، وخاصة ما يبث للأطفال مما يسمى بأفلام الكرتون فإن لها أثرا في تشويه ما فطروا عليه، والإيحاء إليهم بخيالات عن الذات الإلهية وغيرها من المطالب الغيبية تجعلهم يعتقدون الشرك أو التشبيه أو غير ذلك من الباطل. كما يحذر من المربيات الكافرات والمشركات والفاسقات، لما لهن

стр. 386

من التأثير على الأطفال بما يقصصن عليهم من القصص الباطلة الخرافية، وبما يشاهدونه من سلوكهن. وعموما فإنه كلما كان الإنسان أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسير الأنبياء والعلماء والصالحين كان أزكى لفطرته، وانفتح لها المجال للترقي في الهداية والصلاح، وفي المقابل فإن القرب من الجاهليين من الكفرة والمشركين والفاسقين، واستماع أخبارهم وقصصهم وسيرهم وآدابهم ومعاشرتهم له أثر فعال في تغيير الفطرة أو تشويهها، وإضعاف الإيمان. وخلاصة الفائدة السادسة: أنّ المثل دل على اعتبار الفطرة السليمة في قبول الحق والتجاوب معه، وأن ذلك شرط في حصول نُور الإيمان في القلب وانتفاعه بالعلم الواصل إليه والمستمد من الوحي النازل على الرسول ﷺ . وتبين من أدلة الكتاب والسنة أن الله فطر كل الناس على معرفته وتوحيده ومحبته، وجبل نفوسهم على استدعاء وقبول ما يناسب ذلك من الدين والإسلام والخير. كما تبين أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها هي الأصل في ثلاثة أمور هامة: (الأول) : حصول الإيمان في القلب مستلزم للفطرة السليمة والإنابة لداعيها.

стр. 387

(الثاني) : أن الإيمان بالقدر وفهمه فهما صحيحا يستلزم الإيمان بأن الناس ولدوا جميعا على فطرة سوية قويمة مرجحة للإيمان داعية إليه. (الثالث) أن العلم الحق الذي ينال بالنظر العقلي لابد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية. كما تبين أهمية العناية بالفطرة والمحافظة عليها بتزكيتها بالعلم المستمد من الكتاب والسنة، وتطهيرها من مكايد شياطين الإنس والجن الذين يجتهدون في إفسادها. والله أعلم.

стр. 388

الفائدة السابعة: أثر نُور العلم والإيمان في سلامة القلب وعلى وظيفة التعقل. تقدم١ عند الكلام على تحديد ما يقابل أجزاء الممثّل به، تقرير أن الزجاجة تقابل ما يقوم بالقلب من أعماله. بمعنى أن نُور الله في قلب المؤمن سرى وسطع على كل أعماله القلبية: من العقائد، والعواطف والإرادات، والانفعالات، وخاصة وظيفة التعقل، فاكتسب القلب لذلك البصيرة في تعقله وأعماله. فالقلب محل لأهم وظيفة أكرم الله بها الإنسان وهي التفكر والتعقل الذي هو طريق العلم والهداية بإذن الله. "ونُور الهداية الذي يقذفه الله في قلب المؤمن يحدث أثرا عظيما على وظائف القلب، أهمها توجيه وظيفة التعقل الوجهة الصحيحة، حيث يركن إلى الوحي وحده يستقي منه العقائد والشرائع، فلا يزال القلب يتعقل المعارف والحكم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فتبنى عقائده على أساس ثابت، وتغذى عواطفه بمعين الخير الصافي، ويخرج ما يضاد ذلك من ظلمات الجاهلية، ويزداد ذلك بازدياد العلم الوارد إلى القلب، فلا يزال الخير إليه واصل، والشر منه نازل حتى يصلح القلب ويستنير،

стр. 389

فتنبعث الجوارح بالعبودية لله عن علم به وبحقه سبحانه"١. فالله - سبحانه - أعطى الإنسان من الفطرة القويمة، والقدرة على التعقل ما يكفي لإدراك الحق ومصدره إذا عرض عليه عن طريق الأنبياء ومن يبلغ عنهم، فإذا ركن إلى ذلك كان منيباً يستحق هداية الله، كما قَال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إليْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ ٢. ويشرح صدره للإسلام، ويجعل في قلبه نُور الإيمان، وبذلك تبدأ الحياة في القلب والصلاح، وتزيد بزيادة العلم المستقى من الوحي المطهر، ويصبح القلب قادرا على التعقل السوي الصحيح بقدر ما عنده من الإيمان والعلم. وهذا المعنى المستفاد من المثل وهو: أن المؤمنين - الذين أنار الله قلوبهم بنُور الإيمان القائم على العلم بما نزل من الكتاب والسنة- هم أقدر الناس وأحقهم بالتعقل الصحيح وأن ذلك من ثمرات ذلك النُور القائم في قلوبهم، هذا المعنى ورد في كثير من الآيات نحو قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا

стр. 390

أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ... ﴾ ١ الآيات. وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٢. وقد اشتركت هاتان الآيتان في بيان أمور هامة منها: ١- المقايسة بين الذين يعلمون ما أنزل الله من الوحي على نبيه ﷺ وبين الجهال، وبيان عدم استوائهم. ٢- بيان أثر العلم على أعمال العالمين، واشتغالهم بالأعمال والصفات التي علموا فضلها وحسن عاقبتها. ٣- الإشارة إلى أن هؤلاء - أهل العلم والإيمان - هم أهل العقول الراجحة والنظر السديد والرأي الحصيف. ٤- بيان أن السبب المؤثر في كل ما تقدم: من عدم استوائهم مع الجهال، ومسارعتهم في الخيرات، وتميزهم بالعقول الراجحة، إنما هو علمهم بما نزل من الوحي. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوآ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ
следующие страницы →