← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

من التأثير على الأطفال بما يقصصن عليهم من القصص الباطلة الخرافية، وبما يشاهدونه من سلوكهن. وعموما فإنه كلما كان الإنسان أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسير الأنبياء والعلماء والصالحين كان أزكى لفطرته، وانفتح لها المجال للترقي في الهداية والصلاح، وفي المقابل فإن القرب من الجاهليين من الكفرة والمشركين والفاسقين، واستماع أخبارهم وقصصهم وسيرهم وآدابهم ومعاشرتهم له أثر فعال في تغيير الفطرة أو تشويهها، وإضعاف الإيمان. وخلاصة الفائدة السادسة: أنّ المثل دل على اعتبار الفطرة السليمة في قبول الحق والتجاوب معه، وأن ذلك شرط في حصول نُور الإيمان في القلب وانتفاعه بالعلم الواصل إليه والمستمد من الوحي النازل على الرسول ﷺ . وتبين من أدلة الكتاب والسنة أن الله فطر كل الناس على معرفته وتوحيده ومحبته، وجبل نفوسهم على استدعاء وقبول ما يناسب ذلك من الدين والإسلام والخير. كما تبين أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها هي الأصل في ثلاثة أمور هامة: (الأول) : حصول الإيمان في القلب مستلزم للفطرة السليمة والإنابة لداعيها.

стр. 387

(الثاني) : أن الإيمان بالقدر وفهمه فهما صحيحا يستلزم الإيمان بأن الناس ولدوا جميعا على فطرة سوية قويمة مرجحة للإيمان داعية إليه. (الثالث) أن العلم الحق الذي ينال بالنظر العقلي لابد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية. كما تبين أهمية العناية بالفطرة والمحافظة عليها بتزكيتها بالعلم المستمد من الكتاب والسنة، وتطهيرها من مكايد شياطين الإنس والجن الذين يجتهدون في إفسادها. والله أعلم.

стр. 388

الفائدة السابعة: أثر نُور العلم والإيمان في سلامة القلب وعلى وظيفة التعقل. تقدم١ عند الكلام على تحديد ما يقابل أجزاء الممثّل به، تقرير أن الزجاجة تقابل ما يقوم بالقلب من أعماله. بمعنى أن نُور الله في قلب المؤمن سرى وسطع على كل أعماله القلبية: من العقائد، والعواطف والإرادات، والانفعالات، وخاصة وظيفة التعقل، فاكتسب القلب لذلك البصيرة في تعقله وأعماله. فالقلب محل لأهم وظيفة أكرم الله بها الإنسان وهي التفكر والتعقل الذي هو طريق العلم والهداية بإذن الله. "ونُور الهداية الذي يقذفه الله في قلب المؤمن يحدث أثرا عظيما على وظائف القلب، أهمها توجيه وظيفة التعقل الوجهة الصحيحة، حيث يركن إلى الوحي وحده يستقي منه العقائد والشرائع، فلا يزال القلب يتعقل المعارف والحكم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فتبنى عقائده على أساس ثابت، وتغذى عواطفه بمعين الخير الصافي، ويخرج ما يضاد ذلك من ظلمات الجاهلية، ويزداد ذلك بازدياد العلم الوارد إلى القلب، فلا يزال الخير إليه واصل، والشر منه نازل حتى يصلح القلب ويستنير،

стр. 389

فتنبعث الجوارح بالعبودية لله عن علم به وبحقه سبحانه"١. فالله - سبحانه - أعطى الإنسان من الفطرة القويمة، والقدرة على التعقل ما يكفي لإدراك الحق ومصدره إذا عرض عليه عن طريق الأنبياء ومن يبلغ عنهم، فإذا ركن إلى ذلك كان منيباً يستحق هداية الله، كما قَال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إليْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ ٢. ويشرح صدره للإسلام، ويجعل في قلبه نُور الإيمان، وبذلك تبدأ الحياة في القلب والصلاح، وتزيد بزيادة العلم المستقى من الوحي المطهر، ويصبح القلب قادرا على التعقل السوي الصحيح بقدر ما عنده من الإيمان والعلم. وهذا المعنى المستفاد من المثل وهو: أن المؤمنين - الذين أنار الله قلوبهم بنُور الإيمان القائم على العلم بما نزل من الكتاب والسنة- هم أقدر الناس وأحقهم بالتعقل الصحيح وأن ذلك من ثمرات ذلك النُور القائم في قلوبهم، هذا المعنى ورد في كثير من الآيات نحو قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا

стр. 390

أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ... ﴾ ١ الآيات. وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٢. وقد اشتركت هاتان الآيتان في بيان أمور هامة منها: ١- المقايسة بين الذين يعلمون ما أنزل الله من الوحي على نبيه ﷺ وبين الجهال، وبيان عدم استوائهم. ٢- بيان أثر العلم على أعمال العالمين، واشتغالهم بالأعمال والصفات التي علموا فضلها وحسن عاقبتها. ٣- الإشارة إلى أن هؤلاء - أهل العلم والإيمان - هم أهل العقول الراجحة والنظر السديد والرأي الحصيف. ٤- بيان أن السبب المؤثر في كل ما تقدم: من عدم استوائهم مع الجهال، ومسارعتهم في الخيرات، وتميزهم بالعقول الراجحة، إنما هو علمهم بما نزل من الوحي. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوآ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ

стр. 391

الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ١. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَآ أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ٢. وقد دل هذان السياقان على أمور هامة منها: ١- الشهادة لأهل الإيمان - لا لغيرهم - الذين كفروا بالطاغوت، وأنابوا إلى الله بتوحيده، وإخلاص الدين له بأنهم أولو الألباب، ورد ذلك في الآية الأولى في قوله: ﴿أولئكَ الَّذِين هَدَى الله وأولئِكَ هُم أولُوا الألبَاب﴾ . وفي الآية الثانية بقوله: ﴿يَآ أُولي الألبَابَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . ٢- أن العقل قادر - عندما يعمل في تدبر آيات الله وما أنزله على رسوله ﷺ من الوحي الذي هو أحسن القول والحديث - على المقايسة

стр. 392

والتمييز بين الحق والباطل والحسن والقبيح، وأن هذه الخاصية تميز بها أهل الإيمان والعلم وبها اكتسبوا الوصف بأنهم أولو الألباب. ورد هذا المعنى في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي أنهم يعملون عقولهم في تدبر القول الحسن وهو الوحي المطهر فيتبيّن لهم الحسن من القبيح والحق من الباطل فيتبعون الحسن. وفي قوله في الآيات الأخرى: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ . وذلك أن خروجهم من الظلمات إلى النُور يكون بعد إعمالهم عقولهم في الآيات المبينات، فيتبين لهم النور من الظلمة فيسيرون في النور ويبتعدون عن الظلمات. فقدرة العقل على التمييز بين الحق والباطل في المطالب الدينية لا تكون بنظره المجرد، وإنما هي خاصية القلب المنور بنُور العلم والإيمان. وبذلك يتبين أثر نُور العلم والإيمان في زكاة القلب وسلامة تعقله وصحة استنتاجه. ٣- أن ثمرة تلك العقول الراجحة الناظرة في العلوم النازلة، أنها دلت أهلها على الأعمال الصالحة، والأقوال الخيرة، والأحوال المباركة، فسارعوا إليها فاستحقوا بذلك هداية الله ورضوانه وكرامته في الدنيا

стр. 393

والآخرة، دل على ذلك قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..﴾ الآية. وخلاصة هذه الفائدة: أن المثل دل على أثر نُور العلم والإيمان على العقل حيث أكسبه سلامة التعقل، وسداد النظر، وصحة الاستنتاج. وأن الطريق إلى الحق في كل المطالب الدينية إنما يكون بإعمال العقل المستنير في الوحي النازل على الرسول ﷺ لاستخلاص الحقائق والمعارف اليقينية وغيرها، وأن العقل المجرد عن العلم لا سبيل له إلى تلك الحقائق. كما دل المثل على أن النور سطع وأشرق على كل أعمال القلب ووظائفه الأخرى: من العقائد، والعواطف، والإرادات، والانفعالات فأخصبها بالخير والسلامة والصلاح.

стр. 394

الفائدة الثامنة: أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة في تعيين طريق تحصيل العلوم في المطالب الدينية. تقدم١ عند الكلام على أهمية ضرب الأمثال: أن الأمثال "موازين عقلية ضمنها الله كتابه، توزن بها القضايا التي قد يستشكلها بعض الناس، أو الحادثة التي يحصل الخلاف والنزاع والجدال حولها، فتأتي الأمثال القائمة على مقايسة تلك الأمور على ما يشابهها لإيضاح حكمها وإلحاقها بها، أو مقايستها على ما يخالفها لبيان بعدها عنها وإزالة الشُّبه التي أوهمت قربها منها". وقد دل المثل عن طريق تشبيه العلم بالزيت على أن العلم المستقى من الكتاب والسنة هو الطريق الأوحد لمعرفة القلب لحقائق الإيمان وأن بيان جميع عقائد الدين وشعائره وكل ما يتصل به ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وكذلك في قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ دل على أن نُور القرآن والسنة والعلم المستفاد منهما يغذي نور الإيمان ويزيده ويقويه. وفي قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ دليل على أن النوريْن من الله، نُور الإيمان الذي يقذف في القلب، ونُور العلم الذي

стр. 395

طريقه الوحي، فمن هُدي إلى الأول، واهتدى بالثاني فقد أعطاه الله نُوراً تاماً، ومن أخطأه نُور الله فليس له من نُور بل هو في طريق من طرق الضلال سائر في الظلمات. وهذا المعنى الذي دل عليه المثل - وهو أن العلم المستقى من الوحي هو طريق الهداية ومعرفة الحقائق الدينية الشرعية - أمر معلوم من الدين بالضرورة، لم يختلف فيه أحد من الأئمة المعروفين الذين يُقتدى بقولهم السائرين على نهج السلف الصالح قديماً وحديثاً. فالإيمان إنما يكون بتعلم ما جاء به النبي ﷺ به والاعتصام بالكتاب والسنة والاستمساك بهما ويطلب الحق في جميع المطالب الشرعية منهما، وهذا هو نهج السلف الصالح وهو مفتاح الخير وأساس الهداية. لذلك كان الأصل الأول في منهج أهل السنة والجماعة السائرين على نهج السلف الصالح هو: أنهم يتلقون علومهم ومعارفهم في جميع المطالب الدينية في العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب والمعاملات من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح وهدي الخلفاء الراشدين. وهذا المعنى تظافرت على تقريره نصوص الكتاب والسنة، من ذلك قول الله : ﴿إن هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي للتِي هِيَ أَقْوَم﴾ ١.

стр. 396

وقوله: ﴿قَدْ جَآءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ١. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَآء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَآ عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.

стр. 397

والآيات الدالة على أن الهدى والنور والبيان إنما هو بكتاب الله وتعليم الرسول ﷺ أكثر من أن تحصى. وقد جاءت بمختلف تصاريف القول لتأكيد هذا المعنى وترسيخه لكونه مفتاح العلم والإيمان وأساس الهداية. وأما الأحاديث فمن ذلك قول النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع يوم عرفة: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله"١. ويشهد له الحديث الآخر، وفيه قال: "وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به"٢. وفي رواية: "ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما: كتاب الله ، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة"٣. وقَال ﷺ : "إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها

стр. 398

بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"١. فحث ﷺ على تعلم كتاب الله والعمل به، ثم حث على سنته وسنة الخلفاء الراشدين وحث على التمسك بها مبيناً أن ذلك هو أساس الدين وقوامه، والمخرج من الفتن، والمنقذ من الضلالات. وحذر من البدع في الدين والمحدثات مبيناً أنها طريق الضلال. ومن أعظم البدع التي حدثت بعده ﷺ هي التي صرفت الناس عن تلقي العلوم من الوحي المحفوظ، وأوهمتهم بأن هناك طرقا لتحصيل المعارف اليقينية في المطالب الإلهية وغيرها من غير الكتاب والسنة، بل زعموا - وبئس ما زعموا - أن الاقتصار في تحصيلها على الكتاب والسنة قصور لا يوجب لصاحبه معرفة الحقائق. وأهم هذه الطرق الزائغة طريقان: ١- طريق النظر العقلي الذي اعتمد عليه أهل الكلام، وزعموا أنه هو طريق معرفة الله، بل وأسموه"التوحيد" زورا وبهتانا، وهو قائم على المنطق الفلسفي الأرسطي. وبالغ المتأخرون من أهل الكلام حتى جعلوا جميع العلوم من فروع

стр. 399

علم الكلام، وزعموا أن النظر العقلي وما ينتج عنه، هي الميزان الذي توزن به الحجج والبراهين، ويميز به بين الصدق والكذب في الأقوال، والخير والشر في الأفعال، والحق والباطل في الاعتقادات!! ١. ٢- طريق الكشف والفيض الذي اعتمد عليه أهل التصوف الغالي، وزعموا أنه هو الطريق لمعرفة كل الحقائق الدينية، وزعموا أنه نوع من الوحي الذي يحصل للقلوب الزكية. قال ابن تيمية ﵀: " ... هم إذا أعرضوا عن الأدلة الشرعية لم يبق معهم إلا طريقان: إما طريق النظار: وهي الأدلة القياسية العقلية، وإما طريق الصوفية العبادية الكشفية، وكل من جرب هاتين الطريقين عَلِمَ أن ما لا يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولهذا كان مَنْ سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك، إن كان له نوع عقل وتمييز، وإن كان جاهلا دخل في الشطح والطامات

стр. 400

التي لا يصدّق بها إلا أجهل الخلق. فغاية هؤلاء الشك، وهو عدم التصديق بالحق، وغاية هؤلاء الشطح، وهو التصديق بالباطل، والأول يشبه حال اليهود، والثاني يشبه حال النصارى"١. ولا شك أن هذين الطريقين من أعظم البدع المضلة، إذ هما صد عن سبيل الله وصرف للناس عن العلم الذي جاء به النبي ﷺ الذي هو أصل الهدى والنور ومنبع المعارف والعلوم المصلحة للقلوب والأعمال الموجبة لزيادة الإيمان وتحصيل رضى الرحمن، قال الله : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَآهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُوآ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ ٢. قال ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر الطريقين:

стр. 401

"وهذان أصلان للإلحاد"١. وذلك أن كل ميل وانحراف وضلال حصل في الأمة فمرده إلى أحد هذين الطريقين فهما أصلان للضلال والإلحاد. ثم قال ﵀: " وحقيقة الأمر أنه لا بد من الأمرين، فلا بد من العلم والقصد. ولا بد من العلم والعمل به. ومن عمل بما يعلم ورَّثه الله علم ما لم يعلم. والعبد عليه واجبات في هذا وهذا، فلا بدّ من أداء الوجبات. ولا بد أن يكون كل منهما موافقاً لما جاء به الرسول، فمن أقبل على طريقة النظر والعلم، من غير متابعة للسنة، ولا عمل بالعلم، كان ضالاً في علمه، غاويا في عمله. ومن سلك طريق الإرادة والعبادة، والزهد والرياضة، من غير متابعة للسنة، ولا علم ينبني العمل عليه، كان ضالاً غاويا، ... فمن خرج عن موجب الكتاب والسنة من هؤلاء وهؤلاء كان ضالاً، وإذا لم يعمل بعلمه، أو عمل بغير علم، كان ذاك فساداً ثانياً. والذين لم يعتصموا بالكتاب والسنة من أهل الأحوال والعبادات، والرياضات والمجاهدات، ضلالهم أعظم من ضلال من لم يعتصم بالكتاب والسنة من أهل الأقوال والعلم، وإن كان قد يكون في هؤلاء من الغيَّ ما

стр. 402

ليس فيهم، فإنهم يدخلون في أنواع من الخيالات الفاسدة، والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم. كما قال تعالى: ﴿هلْ أُنَبئُكُمْ عَلى مَن تَنَّزلُ الشَّيَاطينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثيمٍ﴾ ١. والإنسان همام حارث، فمن لم يكن همه وعمله ما يحبه الله ورسوله ﷺ كان همه وعمله مما لا يحبه الله ورسوله ﷺ . والأحوال نتائج الأعمال، فيكون ما يحصل لهم بحسب ذلك العمل، وكثيرا ما تتخيل له أمور يظنها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه، فيسمع خطابا يكون من الشيطان أو من نفسه، يظنه من الله تعالى، حتى أن أحدهم يظن أنه يرى الله بعينه، وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج، كما سمعه موسى بن عمران. ومنهم من يكون ما يراه شياطين وما يسمعه كلامهم، وهو يظنه من كرامات الأولياء، وهذا باب واسع لبسطه موضع آخر"٢. الرازي ومنهج المتكلمين: وقد تولى كبر زخرفة المنهج العقلاني محمد بن عمر الرازي٣

стр. 403

الملقب بفخر الدين١! حيث حشد الشبهات، ولبس الحق بالباطل ليقنع

стр. 404

من يطلع على أقواله بأن القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين ﷺ لا يدلان على الحق في المطالب اليقينية المتصلة بالعقائد وخاصة معرفة أسماء الله وصفاته والقدر، وأن الطريق إلى معرفة ذلك إنما يكون بالدلائل العقلية. ويزعم أن التمسك بالدلائل اللفظية - نصوص الكتاب والسنة - في المطالب اليقينية - معرفة أسماء الله وصفاته والقدر ونحوها - باطل قطعاً.١ ويقول في مسألة الإيمان بالقدر: "إن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين، وهذه المسألة يقينية، فوجب أن لا يجوز التمسك فيها بالدلائل السمعية"٢.٣ وعنده أن نصوص الكتاب والسنة لا تفيد اليقين لأن الصحابة الذين بلغوها مطعون فيهم، وقد حشد الشبهات والتلبيسات التي يسميها أدلة لتلفيق القدح والطعن في خيار الصحابة وأمهات المؤمنين الذين بلّغوا الدين، ليتوصل بذلك إلى التشكيك في رواياتهم للقرآن والأحاديث.٤

стр. 405

ويزعم أن القرآن مشتمل على التناقض، وآياته يعارض بعضها بعضا.١ ويزعم أن الميزان الذي يجب الرد إليه عند الاختلاف والنزاع هي الدلائل العقلية، ويقول بعد أن ذكر الآيات التي تمسك بها المعتزلة على مذهبهم في القدر: "والمعتمد لنا في الجواب عن الكل: أن الأخبار التي تمسكنا بها على صحة قولنا معارضة لهذه الأخبار، ولما تعارضت الأخبار وجب الرجوع إلى دلائل العقل"٢.٣

стр. 406

الغزالي وطريق الكشف الصوفي: لقد تولى أبو حامد الغزالي كبر زخرفة طريق الكشف والفيض، القائم على أن السبيل إلى الحقائق إنما يكون برياضة النفوس فتنكشف لها الحقائق انكشافاً. فهو يزعم أن النفوس إذا قطعت علائقها بالدنيا بالزهد والرياضة فإنها تنكشف لها أسرار الملكوت فتعلم الغيب وتنكشف لها الحقائق.١ ويزعم أن معرفة الحق لا تكون بالسمع - نصوص الكتاب والسنة - ولا بالتعليم، وأن من يقتصر في طلبه للحق على الكتاب والسنة دون طريق الكشف فإنه لا يستقر له قدم في معرفة الحق.٢ بل ويزعم أن الأنبياء وأئمة الدين لم يتلقوا العلم بالتعليم، وإنما بالرياضة والزهد والتصفية التي هي الوسيلة للكشف والفيض.٣

стр. 407

ويزعم - وبئس ما زعم - أن ما يقذف في القلوب عن طريق الكشف والفيض في النفوس الخالية من العلم بالكتاب والسنة، هو الميزان الذي توزن به نصوص الكتاب والسنة. فما وافق ما فيها قُبل ويؤمن به على ظاهره، وما خالفها فإن ظاهره باطل يجب تأويله حيث قال: "وحد الاقتصاد ... دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنُور إلهي لا بالسماع١، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنُور اليقين قرروه وما خالف أولوه، فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين له موقف"٢. ومع زعمه أن تعلم القرآن الكريم ليس طريقا للمعرفة وتحصيل العلوم فإنه يرى أنه ليس من الأذكار التي تفيد في تزكية النفوس وصقلها. وقد أورد في كتابه: [ميزان العمل] نصيحة مُقَدَّم فيهم مَنَعَه من قراءة القرآن ودله على ملازمة الأذكار المبتدعة. كما يزعم أن القرآن يشغل المريد بذكر الجنة، والمريد الذاهب

стр. 408

إلى الله - بزعمه - لا ينبغي أن يلتفت إلى الجنة ورياضها.١ فهو بهذه الأقوال يحاد الله ورسوله ﷺ من عدة جهات: فمن جهة أنكر أن يكون الكتاب والسنة أصلاً لتلقي العلوم ابتداء، ومن جهة أخرى أنكر أن يكونا ميزاناً يرجع إليه عند الاختلاف. ومن جهة ثالثة أنكر أن تكون قراءة القرآن ذكرا نافعا في تزكية النفوس. ومن مزاعمه الشنيعة: أن تزكية النفوس وتصفيتها وصقلها تمهيداً لانطباع الحقائق فيها، وانكشاف سر الملكوت لها - هو نوع من الوحي الذي يحصل للأنبياء. فالوحي عنده مكتسب وليس اصطفاء واختياراً من الله، كما أنه يرى أنه لم ينقطع بل هو متاح لكل من جاهد نفسه وراضها وصفّاها. وقد وصل به التخبط والضلال إلى أن زعم أن سماع الغناء - الأشعار الغزلية الملحنة، التي يناجي فيها الحبيب حبيبه بالأصوات المطربة والدفوف المصلصلة - أنفع لمن يريد وجه الله من قراءة القرآن وتعلمه، وزخرف ذلك بسبعة أوجه ذكرها في كتابه [إحياء علوم

стр. 409

الدين] ١! ﴿بئس للظالمين بدلاً﴾ . بدأ ذلك بقوله: "فاعلم أن الغناء أشد تهييجاً للوجد من القرآن من سبعة أوجه" ثم ذكرها. ومن ذلك قوله في الوجه الأول: "إن جميع آيات القرآن لا تناسب حال المستمع ولا تصلح لفهمه، وتنزيله على ما هو ملابس له، فمن استولى عليه حزن أو شوق أو ندم فمن أين يناسب حاله قوله تعالى ﴿يُوصِيِكُمُ اللهُ فِي أوْلادِكُم للذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِين يَرْمونَ المحْصَنات﴾ ٣، وكذلك جميع الآيات التي فيها بيان أحكام الميراث والطلاق والحدود وغيرها، وإنما المحرك لما في القلب ما يناسبه، والأبيات إنما يضعها الشعراء إعرابا بها عن أحوال القلب، فلا يحتاج في فهم الحال منها إلى تكلف". "الألحان الطيبة مناسبة للطباع ... فإذا علقت الألحان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف شاكل بعضها بعضا كان أقرب

стр. 410

إلى الحظوظ، وأخف على القلوب لمشاكلة المخلوق للمخلوق ... فانبساطنا لمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى القصائد أولى من انبساطنا إلى كلام الله"١. ولم يزل به هذا المنهج الذي تحمس له، وذلك الظن السّيّئ الذي ظنه بالله وبكتابه حتى أوقعه في الطامة الكبرى الشرك. قال أبو بكر بن العربي: قال لي [يعني أبا حامد الغزالي] بلفظه، وكتبه لي بخطه: "إن القلب إذا تطهر من علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول، انكشفت له الحقائق ... وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن للنفس قوة تأثير موجدة ... وقد تزيد قوتها بصفائها واستعدادها، فتعتقد إنزال الغيث، وإنبات النبات، ونحو ذلك من معجزات خارقات للعادات، فإذا نطقت به كان على نحوه.."٢. ولا يسعنا أمام هذا الكلام إلا أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم!! ﴿كبرَتْ كَلِمَة تخْرُجُ من أَفْوَاهِهم إن يَقُولونَ إلا كَذِبا﴾ ٣. سبحان الله ما ظن هذا المفتري برب العالمين حين جعل له شركاء

стр. 411

في ملكه وتدبيره! ونسب إلى المخلوقين أمورا من الشرك لم تصل إليها جاهلية العرب الذين حاربهم الرسول ﷺ ، فقد كانوا يثبتون أن الله هو المتصرف بأحوال العالم وفي إنزال الغيث وإنبات النبات، لا يشركون معه غيره في ذلك، لذلك ألزمهم بتوحيدهم له في ربوبيته بوجوب توحيدهم له في ألوهيته وعبادته، فكما أنه لا شريك له في ملكه وتدبيره فكذلك لا شريك له في العبودية. قال الله تعالى مبينا إقرار كفار العرب بتصرفه في العوالم: ﴿وَلَئن سَألتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموَات وَالأَرْض وَسَخَّر الشَّمسَ وَالقمَرَ ليَقُولُن الله فَأَنى يُؤْفَكُون﴾ ١. وقال في بيان إقرارهم له في إنزال المطر وإنبات النبات: ﴿وَلَئن سَألتَهُمْ مَنْ نزل مِنَ السَّماء مَاء فَأحيا بِه الأَرضَ من بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولن الله قل الحَمدُ لله بَلْ أكثرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ٢. فإذا كانوا مع شركهم لم يبلغ بهم أن ينسبوا هذه الأمور لغير الله، فما بالك بمن زاد عليهم في ذلك وبلغ ما لم يبلغوه! وأثبت لله شريكا في ربوبيته وتدبيره! تعالى الله عن ذلك.

стр. 412

وليس المراد استقصاء أخطائه، ولكن بيان أن كل من أعرض عن الكتاب والسنة وقع في التخبط والضلال. قال ابن تيمية ﵀: " ... إن هؤلاء مع إلحادهم، وإعراضهم عن الرسول وتلقي الهدى من طريقه، وعزله في المعنى، هم متناقضون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك، فكل من أعرض عن الطريقة السلفية النبوية الشرعية الإلهية، فإنه لا بد أن يضل ويتناقض، ويبقى في الجهل المركب أو البسيط"١. وزن هذه المناهج المحدثة بميزان المثَل: والمقصود هنا هو بيان أن هذا المثل ﴿مَثَلُ نُوره كمشْكَاة﴾ يبطل هذه المناهج المحدثة - منهج العقلانيين المتكلمين، ومنهج الصوفيين القائلين بالكشف والفيض - من وجوه عديدة أهمها: أولاً: أن المثل دل على أن نُور المصباح يشعل ويوقد في الفتيلة الصالحة التي يسري فيها الوقود الجيد. وكذلك نُور الإيمان يقذفه الله في القلوب المؤمنة. وغير المؤمنة لا يكون فيها نُور. وهذا يبطل زعم القائلين بالكشف والفيض، فإنهم يزعمون أن النور يتجلى في كل قلب بمجرد التصفية، وأن ذلك سنة جارية ممكنة لكل أحد

стр. 413

دون اختيار واصطفاء من الله لمن يُعطى النور أو يحرم. وواضح من المشبه به وهو المصباح أن نُوره طارئ بفعل غيره، لا يتقد ويضيء إلا إذا أوقد وأشعل وقد توفرت الفتيلة الصالحة والوقود الجيد. فالله سبحانه شبه نُوره: بمشكاة فيها مصباح، وهم شبهوه: بانعكاس في مرآة١، وفرق كبير بين التشبيهين. والحق بلا شك هو ما ورد عن رب العالمين خالق الإنسان ومعطي النور، وما خالفه فهو الباطل قطعا. وهذا الاعتبار - والله أعلم - هو الذي جعل أبا حامد الغزالي يلجأ إلى تزييف آخر أقرب بزعمه إلى صورة المثل إلا أنه أبعد في الضلال. "نعوذ بالله من الخذلان". ورد ذلك في كتابه الذي خصصه للكلام على هذا المثل من سورة " النور " ﴿مثلُ نُُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ وأسماه: [مشكاة الأنوار] .٢ وزعم فيه أن في قلوب الناس نُورا هو جزء من نُور الله.٣

стр. 414

وأن هذا النور قد يحجب بالغفلة والمعاصي والتعلق بالدنيا، والتصفية - على مذهبه - تصقل القلب فيتجلى هذا النور، وهذا القول هو الذي قربه إلى قول أصحاب وحدة الوجود١، حيث زعم أن النور الذي في قلوب الناس هو جزء إلهي من نُور ذات الله تعالى عما يقوله المبطلون. وهذا الزعم الأخير باطل بدلالة المثل أيضاً، حيث أن الله شبه نُوره بنُور مصباح يقبل الإيقاد، ويطفأ إذا قطع عنه الزيت أو تعرض لما يوجب انطفاءه، ويوجد عند من اصطفاهم الله للإيمان ولا يوجد عند الكفار. أما على قوله فالنور يستوي فيه البشر وهو لا يتقد أو ينطفئ وإنما يحجب بحجاب كما أن نُور ذات الله محجوب بالحجاب. وهذا التخبط والضلال يصدق عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَو كَانَ مِن عِنْد غَيْر الله لَوَجَدوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ٢. ثانياً: دل المثل على أن النور مركب من نُور المصباح الموقد في الفتيلة، ونُور الوقود الجيد الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، وهذا يقابل نُور الإيمان الذي يقذفه الله في القلب، ونُور العلم الذي يمده ﴿نُّورٌ

стр. 415

عَلَى نُورٍ﴾ . وهذا الاعتبار يرد على كلتا الطائفتين - المتكلمين العقلانيين، والمتصوفة القائلين بالكشف - حيث عطلوا أثر العلم بالكتاب والسنة في تحصيل المطالب اليقينية، فهم بمثابة من قطع الزيت عن المصباح، فأنطفأ وأظلم، وقد يحرق الفتيلة. وكذلك القلب إذا قطع عنه العلم فإنه يظلم ويعمى، وقد تفسد فطرته، وكل ما يقوم به بعد ذلك فهو ضلالات وأوهام. ثالثاً: دل المثل على أن صحة التعقل وسلامته مستفادة من النور الذي أشرق في القلب من الإيمان والعلم، وذلك أن الزجاجة في المصباح تقابل الوظائف القائمة بالقلب كما دل عليه الاعتبار بالمثل المتقدم١. والنور ينبعث من المصباح وينير الزجاجة، ثم ينفذ من خلالها إلى الخارج فيبصر صاحب المصباح بقلبه المستنير مواطن الخير والشر والهدى والضلال. والذي لم يتعلم العلم الشرعي فإن نُور قلبه ضعيف - إن كان مسلماً - أو قلبه مظلم إن لم يكن مسلماً، فالعلم بالوحي مؤثر في العقل ينير له الطريق.

стр. 416

وقد تقدم١ ذكر النصوص الدالة على أن العقول المؤهلة للتذكر والاعتبار هي عقول أهل الإيمان المستنيرة بنُور العلم المستفاد من الوحي، والعمل به، كما في قوله سبحانه: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ٢. وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَآ أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٣. حيث دلت هاتان الآيتان على أن المؤمنين العالمين بما أنزل الله من الذكر هم أولو الألباب الذين استنارت قلوبهم بنُور الإيمان والعلم فنفعهم ذلك في إعمال عقولهم في تدبر آيات الله المتلوة والتفكر في آيات الله المشاهدة والانتفاع من ذلك.

стр. 417

وهذا الاعتبار يرد قول المتكلمين الذين زعموا أن النظر العقلي المجرد عن نُور العلم والإيمان تعرف به الحقائق والخير والهدى من ضدها، وعلى قولهم يكون العقل ينير القلب، وهذا قلب وعكْس لمدلول المثل والبيان الإلهي فيكون باطلاً قطعا. والحق أن العقل يستنير بالعلم، وذلك أن العلم النازل من الله في نصوص الوحي يبين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، بأحكام معلقة بأوصاف ومعالم وأمثال، والعقل يتعرف عليها ويتحقق من وجودها في الأعيان والمعاني ويلحق بها الأحكام. ومثال ذلك: قائد السيارة في الظلماء فإنه يحتاج إلى إنارة المصابيح، والمصابيح مثال نُور العلم، وقائد السيارة مثال العقل، فالمصباح ينير للقائد والقائد يتعرف به على مواقع الطريق ويتقي أخطاره. وقد قلت في ذلك: [ملف الجداول] علمُ الفتى بالله أَصْلُ حَياته وَربيعُ قلبِ العَبد حُبُ الأوحدِ والعلمُ نُور للفتى في دَرْبه والعقلُ يحكم سَيره ويسدد رابعاً: ورد في سياق المثل ما يدل على أن الطريق لحصول نُور الله واحد هو ما دل عليه المثل، وذلك في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .

стр. 418

وفائدة هذا الاعتبار: أن يُعلم أن من زعم أن لديه نُورا من غير هذا الطريق فهو ليس بنُور إلهي بل سراب خادع مُلْهٍ. وكل نتيجة لم يستنر صاحبها بنُور العلم الواصل من طريق الأنبياء فهي أوهام وضلالات وظلمات. وحالهم في حيرتهم وظلمة قلوبهم كما صورها الله بقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١. خلاصة هذه الفائدة: أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة المبتدعة في منهج تلقي الحقائق اليقينية في المطالب الدينية، وقد تبين أنه يبطل ويرد ما أحدث من ذلك من طريقة المتكلمين الزاعمين أن الحق في المطالب اليقينية طريقة الدلائل العقلية المستفادة من النظر العقلي، وطريق القائلين بالكشف والفيض الزاعمين أن اليقين يفيض على القلوب فيضاً دون تعلم أو نظر.

стр. 419

كما تبين خلال هذا العرض ما وقع فيه البارزون من هؤلاء من الضلال والاختلاف والتناقض بسبب إعراضهم عن نُور العلم الإلهي وهدي النبي ﷺ واقتحامهم لتلك المناهج المتخبطة المظلمة.

стр. 420

المبحث الخامس: خلاصة دراسة مثل النور . بعد هذه المسايرة الطويلة لهذا المثل الهام الوارد في سورة " النور " في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية، والذي استغرق هذا الفصل كاملا، أخلص إلى النتائج الآتية: أولا: أن هذا المثل بين أصولا هامة تتعلق بحصول الإيمان في القلب وزيادته، وعلاقتها ببعضها، وهي: ١- فعل الله بالتوفيق للإيمان وقذفه في قلوب عباده الذي شاء هدايتهم، وعلاقة ذلك بالفطرة السليمة حيث شبه فعله سبحانه الذي يشرح به صدر من أراد هدايته للإسلام بإيقاد المصباح، والنور الحاصل من ذلك بنُور المصباح، والفتيلة الصالحة تقابلها الفطرة السوية. ٢- أثر العلم الواصل للقلب في بناء العقائد الإيمانية في القلب وفي زيادتها، وزيادة نُور القلب وبصيرته، حيث شبه العلم بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود، وكيف أن زيادته وجودته تؤثر في قوة الإضاءة وصفائها، وكذلك نُور القلب يزيد بزيادة العلم المستقى من الوحي المطهر ويصفو بخلوصه من العلوم الدخيلة. ٣- أثر هذا النور المركب من نُور العلم والإيمان في سلامة القلب وبصيرته وسلامة تعقله، وصلاح جميع أعماله حيث شبهت أعمال القلب واستنارتها بنُوره بالزجاجة التي تنعكس عليها الأشعة من المصباح فتتلألأ

стр. 421

عليها فتنفذ من خلالها إلى الخارج، فتضيء الطريق لصاحب المصباح، فيمشي بالنور في الناس مشيا سديداً رشيداً. ٤- أن هذا المثل بين الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة المتعلق بمنهج التلقي حيث دل على أن العلوم والمعارف المتعلقة بالمطالب الدينية إنما تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وذلك بتشبيه العلم بما نزل من الوحي بالزيت الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار. وقوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ حيث أجمع المفسرون على أن أحد النورين هو نُور القرآن والعلم، وحيث بدأ السياق بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وهذا كله يدل على أن نُور الله لا يكمل في القلب إلا إذا غذي بالعلم بالكتاب والسنة. ثانيا: دل المثل على فوائد أخرى هامة: ١- إثبات "النور" اسماً من أسماء الله وصفة من صفاته. ٢- دلالة المثل على أن للإيمان والعلم نُورا حقيقيا. ٣- دلالة المثل على إعداد الله الإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان. ٤- دل سياق المثل على أثر النور والبصيرة على أعمال المؤمنين حيث كشف لهم معالي الأمور، وصالح الأعمال ومحاسن الأخلاق

стр. 422

فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما هو دونها من أمور الدنيا، وذلك في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ الآيات. ثالثا: أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة في بيان الطريق لتلقي الحق في المطالب اليقينية الدينية، كطريقة المتكلمين الذين زعموا أن الطريق لمعرفة ذلك إنما هي الدلائل العقلية، وليس أدلة الكتاب والسنة، وطريقة المتصوفة القائلين بأن الطريق لمعرفة الحق في كل المطالب إنما هو الكشف والفيض دون تعلم أو نظر عقلي، واعتبار المثل يبطل هذه المزاعم الضالة. والله أعلم.

стр. 423

الفصل الثاني: المثلان المضروبان لأعمال الكفار من سورة النور المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثلان ... المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثلان. ورد هذان المثلان في سورة النور في سياق المثل الذي ضربه اللَّه لنوره في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ....﴾ الآية. حيث بين سبحانه بهذا المثل نوره الذي يجعله في قلب عبده المؤمن وأثر ذلك النور في استنارة القلب وبصيرته في كل وظائفه وخاصة تعقله، مما يجعل المؤمن بسبب ذلك يمشي في الناس على بصيرة من أمره، كما قال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. ثم أتبع ذلك بذكر أثر النور على أعمالهم حيث رأوا به محاسن الأعمال فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما دونها، وكيف أن اللَّه قبل أعمالهم التي دلهم عليها نور العلم ودلهم على أسباب صلاحها وصحتها، وأثابهم عليها أحسن الثواب، حيث قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا

стр. 424

تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّه أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. وبعد ذلك بين ما يضاد ذلك ويقابله من حال الكفار الذين لم يجعل اللَّه لهم نوراً لأنهم لا يستحقونه لعدم مجيئهم بسببه - وهو الإنابة والاهتداء - وما نتج عن ذلك من ضلال أعمالهم وظلمتها وعدم انتفاعهم بها في الآخرة. وضرب لذلك مثلين: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٢. فذكر - سبحانه - في هذين المثلين ما يخص الكافرين في مقابل ما ذكر في المثل الأول مما يخص المؤمنين، "وبضدها تتبين الأشياء". وبعد ذلك بين اللَّه تعالى أنه هو المستحق للحمد والثناء وأن ذلك

стр. 425

متحقق في خلقه حيث ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١. إذ هو سبحانه الذي له ملك السموات والأرض وإليه مصير جميع الخلائق، فهو إذاً مستغنٍ عن هؤلاء المعرضين الكافرين المستكبرين، وهم المحتاجون إليه وهو الغني الحميد. ثم ذكر بعض الآيات الكونية الدالة على تفرده بالملك والتدبير، وعلى قدرته الشاملة والتي تستلزم - لمن تأملها وتفكر فيها - الإِيمان باللَّه وعبادته وحده، وهي كافية لهداية أولئك الكافرين الضاربين في الظلمات، وبمقدورهم الانتفاع والاعتبار بها إلا أن حالهم كما بينها ربنا بقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ٢. والواقع يبين أن الذين ينتفعون بهذه الآيات ويعتبرون، هم الذين أعطاهم اللَّه ذلك النور فأبصرت قلوبهم. أشار إلى ذلك بقوله في سياق المثلين: ﴿يُقَلِّبُ اللَّه اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ٣.
следующие страницы →