← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عليها فتنفذ من خلالها إلى الخارج، فتضيء الطريق لصاحب المصباح، فيمشي بالنور في الناس مشيا سديداً رشيداً. ٤- أن هذا المثل بين الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة المتعلق بمنهج التلقي حيث دل على أن العلوم والمعارف المتعلقة بالمطالب الدينية إنما تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وذلك بتشبيه العلم بما نزل من الوحي بالزيت الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار. وقوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ حيث أجمع المفسرون على أن أحد النورين هو نُور القرآن والعلم، وحيث بدأ السياق بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وهذا كله يدل على أن نُور الله لا يكمل في القلب إلا إذا غذي بالعلم بالكتاب والسنة. ثانيا: دل المثل على فوائد أخرى هامة: ١- إثبات "النور" اسماً من أسماء الله وصفة من صفاته. ٢- دلالة المثل على أن للإيمان والعلم نُورا حقيقيا. ٣- دلالة المثل على إعداد الله الإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان. ٤- دل سياق المثل على أثر النور والبصيرة على أعمال المؤمنين حيث كشف لهم معالي الأمور، وصالح الأعمال ومحاسن الأخلاق

стр. 422

فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما هو دونها من أمور الدنيا، وذلك في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ ... ﴾ الآيات. ثالثا: أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة في بيان الطريق لتلقي الحق في المطالب اليقينية الدينية، كطريقة المتكلمين الذين زعموا أن الطريق لمعرفة ذلك إنما هي الدلائل العقلية، وليس أدلة الكتاب والسنة، وطريقة المتصوفة القائلين بأن الطريق لمعرفة الحق في كل المطالب إنما هو الكشف والفيض دون تعلم أو نظر عقلي، واعتبار المثل يبطل هذه المزاعم الضالة. والله أعلم.

стр. 423

الفصل الثاني: المثلان المضروبان لأعمال الكفار من سورة النور المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثلان ... المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثلان. ورد هذان المثلان في سورة النور في سياق المثل الذي ضربه اللَّه لنوره في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ....﴾ الآية. حيث بين سبحانه بهذا المثل نوره الذي يجعله في قلب عبده المؤمن وأثر ذلك النور في استنارة القلب وبصيرته في كل وظائفه وخاصة تعقله، مما يجعل المؤمن بسبب ذلك يمشي في الناس على بصيرة من أمره، كما قال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. ثم أتبع ذلك بذكر أثر النور على أعمالهم حيث رأوا به محاسن الأعمال فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما دونها، وكيف أن اللَّه قبل أعمالهم التي دلهم عليها نور العلم ودلهم على أسباب صلاحها وصحتها، وأثابهم عليها أحسن الثواب، حيث قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا

стр. 424

تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّه أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. وبعد ذلك بين ما يضاد ذلك ويقابله من حال الكفار الذين لم يجعل اللَّه لهم نوراً لأنهم لا يستحقونه لعدم مجيئهم بسببه - وهو الإنابة والاهتداء - وما نتج عن ذلك من ضلال أعمالهم وظلمتها وعدم انتفاعهم بها في الآخرة. وضرب لذلك مثلين: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٢. فذكر - سبحانه - في هذين المثلين ما يخص الكافرين في مقابل ما ذكر في المثل الأول مما يخص المؤمنين، "وبضدها تتبين الأشياء". وبعد ذلك بين اللَّه تعالى أنه هو المستحق للحمد والثناء وأن ذلك

стр. 425

متحقق في خلقه حيث ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١. إذ هو سبحانه الذي له ملك السموات والأرض وإليه مصير جميع الخلائق، فهو إذاً مستغنٍ عن هؤلاء المعرضين الكافرين المستكبرين، وهم المحتاجون إليه وهو الغني الحميد. ثم ذكر بعض الآيات الكونية الدالة على تفرده بالملك والتدبير، وعلى قدرته الشاملة والتي تستلزم - لمن تأملها وتفكر فيها - الإِيمان باللَّه وعبادته وحده، وهي كافية لهداية أولئك الكافرين الضاربين في الظلمات، وبمقدورهم الانتفاع والاعتبار بها إلا أن حالهم كما بينها ربنا بقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ٢. والواقع يبين أن الذين ينتفعون بهذه الآيات ويعتبرون، هم الذين أعطاهم اللَّه ذلك النور فأبصرت قلوبهم. أشار إلى ذلك بقوله في سياق المثلين: ﴿يُقَلِّبُ اللَّه اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ٣.

стр. 426

ثم ختم السياق بما بدأ به فقال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. وقد قال في بداية السياق: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢. وهذه الطريقة - وهي أن يبدأ السياق الذي يضم جملة من الآيات، ويختم بنفس المعنى مع التقارب في الألفاظ - له دلالة هامة، حيث يدل على أن ما بين الآيتين - المبدوء والمختوم بها - يتكلم عن قضية واحدة، أو أن ما يذكر في ذلك السياق له علاقة بالمعنى المشترك بين آيتي البدء والختام. وهذه الطريقة من روائع البيان القرآني، وقد تكررت في القرآن في مواضع لبيان قضايا هامة، من ذلك مثلاً: قوله اللَّه تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً﴾ ٣، ثم ذكر جملة من الشرائع والآداب والنهي عن المحرمات وسيئ الأخلاق،

стр. 427

ثم ختم السياق بقوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ١. وذكر بعض المفسرين أن الحكمة من البداية بهذه الآية والختم بها إنما هي ليشعر أن هذه الأعمال المذكورة بين الآيتين لا تكون عبادة مقبولة إلا إذا كانت خالصة لا يقصد بها غير اللَّه.٢ ومن ذلك قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّه وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّه مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ﴾ ٣. إلى أن قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ ... ﴾ ٤. ومن ذلك قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ

стр. 428

عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ... ﴾ ١ ثم قال بعد عدد من الآيات: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ٢. وهذا الأسلوب جدير بأن يُراعى في التفسير على أساس أن ما بين الآيتين المبدوء والمختوم بهما، يتكلم عن قضية واحدة، أو له علاقة بالمعنى الذي دلت عليه آيتَا البدء والختام. وعلى هذا يكون السياق - في سورة النور - الذي بُدِئَ بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الآية، وختم بقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، يقرر قضية واحدة وما يتصل بها، هذه القضية هي ما دلت عليه آيتا البدء والختام من نزول الآيات المبينات للعلم والحق في نصوص الكتاب والسنة، وأثر ذلك في الهداية والاتعاظ، وفي حصول النور في قلوب المؤمنين، وصحة أعمالهم وانتفاعهم بها، وما يضاد ذلك من حال الكفار الذين أعرضوا عن العلم وفقدوا نوره، وأثر ذلك في ظلمة قلوبهم

стр. 429

وضلال أعمالهم وعدم انتفاعهم بها، وغير ذلك من الأمور التي لها اتصال بالعلم والهداية. وقد جمع اللَّه بين العلم، وما رتب عليه من الهداية، في آية الختام، كالتلخيص لما تقدم، حيث قال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . والذي يتلخص لنا من دلالة السياق الذي وردت فيه الأمثال الثلاثة في سورة "النور" هو: أن اللَّه بين في سياق المثل الأول أمرين بارزين وذكر ما يقابلهما في المثلين الآخرين. فالأمران اللذان دل عليهما سياق مثل النور، هما: ١- وجود النور الحقيقي المركب من نور الإِيمان ونور العلم في قلوب المؤمنين، وأنه من اللَّه توفيقاً وإمداداً، وسببه من المؤمنين إنابة واستجابة لما نزل من العلم بالوحي المطهر، وأثر ذلك النور في استنارة قلوبهم وبصيرتها، وصلاح أعمالها ووظائفها، وصحة إراداتها. ٢- أثر نور العلم والإِيمان القائم في قلوب المؤمنين على أعمالهم وسلوكهم من جهتين: - من جهة كشف لهم الأعمال الحسنة العالية المقربة إلى اللَّه فتوجهوا إليها، وحافظوا عليها.

стр. 430

- ومن جهة كشف لهم كيف يؤدونها على الوجه المشروع مما جعلها مقبولة عند اللَّه يجزيهم عليها أحسن الجزاء. وبيّن ما يقابل هذين المعنييْن عند الكفار بمثلين هما: مثل السراب، ومثل الظلمات، حيث إن كل مثل بيّن أعمال فريق من الكفار التي عملوها في ظلمة الكفر، وصور الكيفية التي أعرض بها كل فريق عن العلم الذي تضمنه وحي اللَّه إلى رسوله ﷺ وأثر ذلك الإِعراض في ضلال أعمالهم. والمعنى الرئيسي المشترك بين المثلين، والذي يقابل المعنى المستفاد من مثل النور، هو: بيان أن سبب كفرهم، وضلال أعمالهم، وظلمة قلوبهم وأحوالهم هو: الإِعراض عن هدي اللَّه الذي هدى به عباده، وأنزله على رسله، والذي لا طريق للنور والهداية سواه. وبهذه الأمثال الثلاثة وما ورد في سياقها، يكتمل البيان لحقيقة هامة، هي: أن اللَّه أنزل وحيه إلى أنبيائه، وجعل ما تضمنه من العلم والحكمة، الطريق إلى الهداية، واستنارة القلوب، وصلاح الأعمال، وأنه لا سبيل إلى الهداية إلا به، وأن المؤمنين الذين هداهم اللَّه، وقذف في قلوبهم الإِيمان هم الذين استجابوا واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم. كما تبين أن طريق الضلال سببه الإِعراض عما نزل من الوحي،

стр. 431

بتلمس الهدى من غيره، أو بالإِعراض والتكذيب والكفران، وأن ذلك يحدث ظلمة في القلوب، وظلمة وضلالاً في الأعمال. وقد جمع اللَّه هذه المعاني في أول سورة "محمد" في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوآ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوآ اتَّبَعُوا البَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّه لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ ١. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّه لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ بعد أن بين تلك الحقائق الهامة، فيه إشارة إلى الأمثال المضروبة لهم، والتي تم تفصيلها في سورة "النور" وغيرها- واللَّه أعلم -.

стр. 432

المبحث الثاني: الغرض الذي من أجله ضرب المثلان وأهميتهما المطلب الأول: الغرض الذي ضرب له المثلان ... المطلب الأول: الغرض الذي ضرب له المثلان: يذكر أكثر المفسرين أن كلا المثلين ضربا لأعمال الكفار، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ ثم عطف عليه المثل الثاني بقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ..﴾ الآية. إلا أن أعمال الكفار المضروب لها المثلان ينظر إليها من عدة جهات، مرجعها إلى ما يلي: ١- من جهة أنهم عملوها على عمى وضلال، وظلمتها لكونها خالية من نور الإِيمان. ٢- من حيث جزاؤهم عليها يوم القيامة، وعدم قبولها وانتفاعهم بها. ٣- من حيث كونها ظاهرة أو باطنة، أو كونها من جنس الأعمال الطيبة أو من الشر والإِفساد في الأرض. ٤- وهل المقصود هو تحقق دلالة المثلين في أعمال كل كافر، أو أن كل مثل ضرب لبيان أعمال نوع من الكفار. فلأجل تنوع أعمال الكفار، وتنوع طوائفهم، وسعة دلالة المثلين حتى أنه لا يوجد كافر إلا وله منهما نصيب، اختلفت عبارات المفسرين في تحديد المعنى المضروب له المثلان: ويمكن حصر أقوال المفسرين في اتجاهين.

стр. 433

الاتجاه الأول: من يرى أن المثلين ضُربا لعمل كل كافر، وأنه يصْدق عليه كلا المثلين باعتبار، وكل منهما يبين جانباً من أعماله. فمن هؤلاء من يرى أن المثل الأول ضُرب لأعمال الكافر التي هي من جنس الأعمال الطيبة، ومثل لها بالسراب، والمثل الثاني لاعتقاده السيئ ومثل له بالظلمات. وقريب منه من يرى أن المثل الأول لأعماله الظاهرة، والثاني لأعماله الباطنة١. ومنهم من يرى أنه سبحانه شبه أعمال الكفار في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بالسراب، وشبهها في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الإِيمان بظلمات متراكمة.٢ ومنهم من يرى أن مثل السراب ضُرب لبيان مصير أعمالهم يوم القيامة عند الحساب، وأنهم لن ينتفعوا منها بشيء، ومثل الظلمات لبيان حالهم في الدنيا، وأن أعمالهم عملت على خطإ وفساد، وضلالة وحيرة من عمالها فيها وعلى غير هدى.٣

стр. 434

الاتجاه الثاني: من يرى أن المثلين ضُربا لبيان أعمال نوعَي الكفار، وأن الكفار في الجملة صنفان: أصحاب الجهل والضلال البسيط، وأصحاب الجهل والضلال المركب١، وكل مثل يصور حال فريق منهما: إلا أن هؤلاء اختلفوا في أمرين: الأول: تعيين أي المثلين لأصحاب الجهل البسيط، وأيهما لأصحاب الجهل المركب.

стр. 435

فمن هؤلاء: شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ نص في مواضع على أن مثل السراب: للجهل المركب، ومثل الظلمات: للجهل البسيط.١ إلا أنه في موضع آخر أشار إلى أن مثل السراب للجهل البسيط، ومثل الظلمات للجهل المركب٢. ومن هؤلاء: ابن القيم ﵀: وله في ذلك أكثر من قول. ففي قولٍ نصَّ على أن مثل السراب ضرب لأصحاب الجهل المركب، والآخر لأصحاب الجهل البسيط٣. وفي موضع آخر ألمح إلى أن مثل السراب للجهل البسيط، ومثل الظلمات للجهل المركب.٤ وفي موضع ذكر أن كل واحد من السراب والظلمات مثل لجموع علومهم وأعمالهم فهي سراب لا حاصل لها، وظلمات لا نور فيها.٥ وهذا القول يرجع إلى الاتجاه الأول في تفسير المثلين، الذي سبقت

стр. 436

الإِشارة إليه. ومن هؤلاء: الحافظ ابن كثير ﵀: حيث نص على أن مثل السراب لأصحاب الجهل المركب، ومثل الظلمات لأصحاب الجهل البسيط١. والحق أن كلا الاصطلاحين يصدق على كلا المثلين باعتبار، فالمثل الأول - مثل السراب- اتفقت آراء من ذكرنا رأيه على أنه من الجهل المركب، وهو كذلك إلا أن المثل الثاني - مثل الظلمات - أقرب إلى الجهل المركب لدلالة صورته وألفاظه على ذلك، في قوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ حيث دل على أن كفرهم مركب من ظلمات ناتجة عن جهالات وضلالات، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء اللَّه. وأيضاً فالجهل المركب متضمن للجهل البسيط٢، فكل من المثلين متضمن له. فهناك تداخل باعتبار انطباق الاصطلاحين على كلا المثلين. ولهذا الاعتبار مع ما تقدم من الاضطراب في أقوال أهل العلم والتحقيق في بيان أيهما الذي للجهل البسيط أو المركب، أرى عدم التركيز على هذين الاصطلاحين في بيان المراد بالمثلين. والأمر الثاني: الذي اختلف فيه هؤلاء: هو تعيين الذي يصدق عليه

стр. 437

كل مثل: فمنهم من يرى أن مثل السراب للدعاة إلى كفرهم الذي يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، ومثل الظلمات للمقلدين لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون.١ ومنهم من يرى أن مثل السراب لحال المغضوب عليهم، والظلمات لحال الضالين.٢ ومنهم من يرى أن مثل السراب لأهل البدع والأهواء الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومثل الظلمات: لأصحاب العلوم والنظر والأبحاث التي لا تنفع.٣ وليس الغرض استقصاء أقوال المفسرين والعلماء في بيان المعنى المضروب له المثلان، وإنما ذكر بعض النماذج التي تبين اختلاف عباراتهم في ذلك، مما يبرز الحاجة إلى تحرير المقصود بالمثلين ليتضح معناهما، وتتم الاستفادة والاعتبار بهما. تحرير الغرض الذي ضرب له المثلان: إن تحديد الغرض الذي ضرب له المثلان يحتاج إلى نظر في المعطيات

стр. 438

المستخلصة من السياق، ومن التأمل في ألفاظ كلا المثلين وصورتهما. ويمكن حصر تلك المعطيات المستفادة من ذلك فيما يلي: أولاً: تقدم في المبحث السابق١ أن السياق الذي تضمن هذين المثلين والذي بدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ... ﴾ الآية، وختم بقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ... ﴾ الآية. يقرر قضية واحدة وما يتصل بها، هذه القضية هي نزول الآيات المبينات للعلم والحق في نصوص الكتاب والسنة، وأثر ذلك في الهداية والاتعاظ، وفي حصول النور في قلوب المؤمنين، وصحة أعمالهم وانتفاعهم بها، وما يضاد ذلك من حال الكفار الذين أعرضوا عن العلم وفقدوا نوره، وأثر ذلك في ظلمة قلوبهم وضلال أعمالهم وعدم انتفاعهم بها. كما دل التأمل في السياق على أن هذين المثلين ضُربا في مقابل المثل الذي ضُرب لبيان نور العلم والإِيمان في قلوب المؤمنين وأعمالهم وسائر أحوالهم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ . وفائدة هذه الدلالة من السياق هي العلم بأن المثلين ضُربا لبيان حال الكفار مع العلم - المستمد من الوحي الإلهي بواسطة الرسل (صلوات اللَّه وسلامه عليهم) - وضلالهم عنه بسعيهم أو بإعراضهم، وأن إعراض

стр. 439

أصحاب مثَل السراب يختلف عن إعراض أصحاب مثل الظلمات. ثانياً: أن التأمل في صورة المثلين يدل على اختلافهما صورة ومعنى مما يدل على اختلاف الذين ضُرب لهما المثلان، وأن كل مثل ضرب لطائفة معينة، بحسب الطريق الذي كان به ضلالها عن نور العلم والإِيمان. قال ابن تيمية ﵀: "فيكون التقسيم في المثلين لتنوع الأشخاص ولتنوع أحوالهم، وبكل حال فليس ما ضُرب له هذا المثل هو مماثل لما ضُرب له هذا المثل، لاختلاف المثلين صورة ومعنى، ولهذا لم يُضرب للإِيمان إلا مثل واحد، لأن الحق واحد فضُرب مثله بالنور، وأولئك ضُرب لهم المثل بضوء لا حقيقة له، كالسراب بالقيعة، أو بالظلمات المتراكمة"١. ويمكن بيان اختلاف المثلين فيما يلي: ١- حال الشخصين مع النور: إِن المثل الأول لا يتحقق إلا في رائعة النهار والشمس مشرقة، فاللاهث وراء السراب قد استنار ما حوله، ومع وجود النور حوله فإنه لم يهتد إلى موضع الماء الحقيقي، وإنما سار خلف السراب الخادع. أما في المثل الثاني فنور الشمس محجوب عنه بحجب غليظة، قد حجبها السحاب، وظلمة الأمواج، فالمحيط حوله ظلام دامس.

стр. 440

والنور الحسي يقابل نور العلم والوحي، وفي المثلين إشارة إلى نورين: الأول: نور المحيط خارج الشخص الممثّل به، وهو يقابل نور الوحي الذي أنزله اللَّه إلى الناس، فبلغه رسله، وحوته كتبه، وآمنت به بلاد فاستنارت به، وكفرت به أخرى فأظلمت. الثاني: قدرة الشخص على الإِبصار بعينه. والمثلان يصوران حال الشخصين مع هذين النورين. ففي المثل الأول دلالة على أن النور حول اللاهث إلى السراب أتم ما يكون، مما يدل على أن المضروب له المثل يعيش في وسط مستبصر يؤمن بالوحي. أما نور قلبه فمعدوم أو ضعيف حيث لم يميز السراب وانخدع به، وهذا يدل على أن المضروب له المثل أعمى القلب أو ضعيف البصيرة، بسبب عدم تعلمه من الوحي، وإعراضه عنه. أما في المثل الآخر - مثل الظلمات - فكلا النورين - نور المحيط حوله، ونور قلبه - معدوم، فالمثل يصور حال من يتقلب في الظلمات ليس بخارج منها. ٢- حال الشخصين الممثّل بهما مع البحث والطلب. يصور مثل السراب شخصاً عطشاً لهثاً يبحث عن الماء الذي يعرف أهميته، وهو بأشد الحاجة إليه، ففيه معنى شدة البحث والطلب لشيء ثمين

стр. 441

لكن في غير محله. أما المثل الآخر فهو يصور الشخص الحيران، الذي لا يهتدي إلى طريق، ولا يدري موقع رشده، ولا أين يتجه فهو في عمى تام من أمره. ٣- حالهما مع الماء: في مثل السراب تصوير لحال من يعرف قيمة الماء، ويحس بالحاجة إليه ويطلبه ويبحث عنه، لكنه ضل في معرفته واتبع شبهه الخادع. أما الآخر فهو مغمور بالماء، إلا أنه ماء مالح لا يناسبه، لا يروي عطشه بل يزيده، ويقتله. والمطر والماء العذب يُشَّبه بالعلم والإِيمان، وضده الماء المالح المتغير يشبه بالجهل والأوهام والعقائد الباطلة. فالأول إذاً يعرف قيمة العلم والإِيمان ويتعطش له، لكنه يطلبه من غير محله ويتبع الشبه الخادع. والثاني مغمور بالجهل والأوهام والعقائد الضالة لا يستطيع منها خلاصاً. ثالثاً: التعقيب على المثل الأول بقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ وعلى المثل الثاني بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ مناسب لكل منهما. فالأول عنده أصل التعبد للَّه، ويطلب الحق، ويعمل لما يتوصل إليه

стр. 442

بسعيه، لكن عمله ضال باطل إذ لم يأخذه من مصدره الصحيح من مشكاة النبوة، وإِنما صُرف عنه بشبهات لاحت له ظنَّها علماً ويقيناً، كما حسب الظمآن السراب ماء. وما دام أنه يتعلم ويعمل ويظن أنه يحسن صنعاً، ويرجو ثواباً، فناسب أن يذكر الحساب في ختام المثل. أما الآخر فليس عنده شيء من العلم باللَّه أو التعبد له، فهو في جاهلية وظلمة مطبقة، وهذا حال الكافر الخالص المستكبر عن عبادة اللَّه، المعرض عما جاء به المرسلون. وهذا النوع في جهل تام وظلمة مستحكمة، قد بعد جداً عن نور اللَّه، الذي يشبه - بالنسبة له - الشمس التي حال دونها السحاب وظلمة الأمواج، وقد يكون في تلك الظلمات يتطلع إلى نور يأتيه، إلا أنه لن يجده، إذ أن مصدر النور هو الشمس التي فوق السحاب، وقد حيل بينه وبينها، فلن يجد نوراً من غيره. وكذلك مصدر نور العلم والإِيمان - الذي هو الوحي وهداية اللَّه - قد أعرض وبعد عنه. فناسب أن يختم المثل بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ . خلاصة التأمل في السياق وألفاظ المثلين: مما تقدم يتبين أن المثلين يبينان حال فريقين من الكفار مع العلم والإِيمان.

стр. 443

فالمثل الأول: يصور حال من يعرف أهمية العلم والإِيمان، ويبحث عنه، إلا أنه أعرض عن مصدره وهو الوحي الذي جاء به النبي ﷺ وطلب المعرفة والإِيمان من غير محله، مع أنه في وسط مستبصر لدلالة كون الشمس مشرقة في المثل. ويدخل في ذلك من طلب القربة إلى اللَّه بوسيلة غير مشروعة لم يدل عليها العلم الذي جاء به النبي ﷺ فهو لاهث خلف السراب. وهذا النوع من الكفار الذين يكونون بين المسلمين، وقد يؤمنون باللَّه، وينطقون بالشهادتين، ويصدّقون بالرسول ﷺ ، كفروا بسبب إعراضهم عن تلقي العلم من الوحي، واستمدادهم علومهم من مستنقعات الجاهلية، وممارستهم أعمالاً يظنونها قربة أو وسيلة صحيحة، وهي تؤدي بهم إلى الشرك والكفر. وهذا وصف مجمل يدخل تحته أفراد كثيرون. فمن أفراده من انتسب إلى المسلمين ثم أعرض عن كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ وطلب معرفة ربه ومسائل الإِيمان بميراث الفلاسفة، فكذّب بصريح الكتاب والسنة، ولهث خلف الشبهات التي يظنها بينات ودلائل قاطعات، فأوقعه ذلك في الكفر والضلال. ومن أفراده من دخل في الإِسلام إلا أنه طلب العلم واليقين من طريق الكشف والفيض وأعرض عن الوحي، فوقع في الكفر والضلال، ولهث خلف الأوهام والظنون ووحي الشياطين، فهو يشبه من طلب

стр. 444

السراب يحسبه ماء. ومن أفراده من طلب القربة بأسباب كفرية أو شركية، فتقرب إلى اللَّه بما لم يأذن به، بسبب جهله، وطلبه العلم من غير ما جاء به النبي ﷺ ، ومثله من لجأ إلى غير اللَّه، وتوكل عليه، وطلب منه جلب النفع أو كشف الضر، وصرف له العبادة، وهو يظن أن ذلك مشروع، وأنه يحسن صنعاً، وهو في الحقيقة لاهث خلف السراب، قد بطل عمله، ووهن سببه. وأفراد هذا النوع كثيرون، يجمعهم كونهم في وسط مستبصر، توفرت لهم أسباب العلم الصحيح، ومعرفة الدين القويم، قد أشرقت الشمس من حولهم، ولديهم نهمة وطلب لما ينفعهم من العلم والعمل، إلا أنهم تنكبوا الصراط، وساروا خلف الأوهام والشبهات والسراب، فكفروا باللَّه بإعراضهم عن دينه الحق، وعملهم على غير هدى، وحبطت أعمالهم فلا ينتفعون منها بشيء، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ويصدق ذلك على كل من وقع في أمور مكفرة ممن ينتسب إلى الإِسلام بسبب إعراضه عن الوحي وتتبعه للشبهات. والمثل الثاني: يصور حال الكافر الخالص الذي أعرض عن الوحي وكذب المرسلين، فحجب تكذيبُه عنه نورَ العلم الإلهي، كما حجب السحاب وظلمة الأمواج ضوء الشمس، فهو في ظلمات مستحكمة، قد بَعُد عن العلم الصحيح بُعْد الممثّل به عن ضوء الشمس، وبَعُد عن الإِيمان

стр. 445

بُعْدَه عن الماء العذب. وأفراد هذا المثل متعددون بتعدد أنواع الكفار المكذبين الجاحدين. فحال الفريق الأول مع العلم والإِيمان أنهم طلبوه في غير محله وضلوا عنه، وعملوا على غير هدى، ولم يجنوا من سعيهم نفعاً. أما الفريق الثاني، فإنهم أعرضوا عن العلم والإِيمان، ولم يرفعوا به رأساً، وردوه من البداية، ولم يروا للَّه حقاً، فهم غارقون فيما هم فيه من الكفر والضلال والظلمات.

стр. 446

المطلب الثاني: أهمية المثلين . تبرز أهمية المثلين في التعقيب بهما على المثل السابق لهما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ الآية، حيث إنهما سيقا لزيادة تأكيد المعنى والغرض الذي قرر في سياق المثل، وهو: بيان أن العلم النازل بالوحي إلى النبي ﷺ هو الطريق الوحيد لحصول الإِيمان، ومعرفة الحقائق، وأن المؤمنين إِنما استنارت قلوبهم، وصلحت أعمالهم وأحوالهم به، وأنه لا طريق لحصول ذلك سواه. وهذان المثلان يؤكدان هذا المعنى ببيان حال الضد، حيث يقرران أن من ضل من الكفار أياً كان نوع كفره فمرد كفرهم إلى الإعراض أو مخالفة العلم الذي جاء به النبي ﷺ وأنهم في الجملة ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: من طلب العلم والإِيمان عارفاً بأهميته، إلا أنه طلبه من غير محله، فضلّ ولم ينتفع من سعيه بشيء. القسم الثاني: من كذّب الرسول ﷺ وأعرض عما جاء به، ولم ير للَّه حقاً، وبقي غارقاً في كفره وضلاله. فهذه الأمثال متظافرة على تقرير حقيقة هامة، هي: بيان أن سبب الهداية الأهم، وطريقها الأوحد، هو تعلم ما أنزل اللَّه من الهدى والنور في كتابه المبين، وسنة رسوله الكريم ﷺ والعمل به. وأن سبب الضلال الأهم هو والإِعراض عن ذلك والجهل به.

стр. 447

فالمثل الوارد في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يبين أصول الهداية وأسبابها والمثلان الآخران يبينان أصول الضلال وأسبابه كما سيأتي بيانها عند دراسة المثلين. ولهذا المعنى أهمية عظيمة حيث تضع هذه الأمثال أمام الإِنسان الطريق واضحاً، وذلك أنها تبين فضل من اهتدى، ونعمة اللَّه عليه في ذلك، وأن سبب ذلك من نفسه وهو سلوكه الصراط المستقيم، وتصديقه بما نزل من الوحي والاهتداء به. وتبين حال من ضل، وما ينتظره من عذاب اللَّه، وأن اللَّه أضله بسبب من نفسه حيث انحرف أو أعرض عن مصدر النور والهداية وهو العلم بالوحي. فلهذه الأمثال إسهام هام في بيان مسألة الهداية والضلال، التي تبحث عادة في موضوع القدر. خلاصة هذا المبحث: تبين مما تقدم أن المثلين ضُربا لبيان حال فريقين من الكفار مع العلم والإِيمان، وأن حال الكفار بالجملة تعود إلى أحد هذين الفريقين: الفريق الأول: من يعيش بين المسلمين، وينتسب إلى الإِسلام ويعرف أهمية العلم والإيمان، ويبحث عنه، إلا أنه أعرض عن مصدره وهو الوحي الذي جاء به النبي ﷺ وطلب العلم من غيره، بشبهة خادعة كاذبة، فأوقعه سعيه الضال في الكفر أو الشرك، وطلب القربة إلى اللَّه

стр. 448

بأسباب لم تشرع من جنس البدع الشركية أو الكفرية. الفريق الثاني: الكفار الخالصون، المستكبرون المعرضون عما جاء به المرسلون، ليس عندهم شيء من العلم باللَّه، أو التعبد له، فهم في جاهلية عمياء وظلمة مطبقة. كما تبين أهمية هذين المثلين، وأنهما يسهمان في تقرير الحقيقة التي تقدم بيانها في المثل الأول: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ وهي: أن طريق الهداية وسببها الأوحد هو تصديق الرسول ﷺ وقبول ما جاء به من العلم والاهتداء به والاستغناء به عن غيره. كما يدلان على أن الهداية والضلال إِنما هما من اللَّه بأسباب تكون من العباد.. واللَّه أعلم.

стр. 449

المبحث الثالث: _٢٥d٨_٢٥af_٢٥d٨_٢٥b١_٢٥d٨_٢٥a٧_٢٥d٨_٢٥b٣_٢٥d٨_٢٥a٩ _٢٥d٨_٢٥a٧_٢٥d٩_٢٥٨٤_٢٥d٩_٢٥٨٥_٢٥d٨_٢٥ab_٢٥d٩_٢٥٠٥١٨٧١٨d٤٥ المطلب الأول: نوع المثَل ... المطلب الأول: نوع المثَل. نوع المثَل من جهة القياس: هو قياس تمثيلي، يقوم على تشبيه حال أعمال الكفار، بحال الساعي نحو السراب، ومقايسة هذا بهذا، وإلحاق أحكام الممثّل به بالممثّل له. ونوعه من جهة الممثّل به: هو تمثيل مركّب حيث شبّه الممثّل له، وهو مصير أعمال الكفار، وما يتصل بها، وحال عمالها، بصورة واقعية مكونة من الهيئة الحاصلة من حال اللاهث وراء السراب وما يلابس هذه الحال، ويحيط بها وما تستلزمه.

стр. 450

المطلب الثاني: تعيين الممثّل به . إن الصورة التمثيلية المبرزة للتأسي بها والقياس عليها لا تقتصر على الألفاظ الواردة في المثل، بل إنها تشمل المعاني المستنبطة من الحال المصورة لكونها لازمة لها. ولتجلية صورة الممثّل به أستعرض أولاً ألفاظه مع الإِشارة إلى المعاني المستنبطة من كل منها: السراب: " ما تراه نصف النهار كأنه ماء".١ أو: " ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار على صورة ماء"٢. والتفسير العلمي لظاهرة السراب هو: ما يُرى في الصحراء من لمعان يشبه الماء نتيجة لأشعة الشمس المنعكسة انعكاساً كلياً، عند مرورها وانكسارها في طبقات الهواء المختلفة الكثافة بسبب اختلاف درجات حرارتها وذلك في الصيف عند اشتداد الحرارة.٣

стр. 451

ويستنبط من التشبيه بالسراب: إشراق الشمس، وذلك أن السراب لا يكون إلا والشمس مشرقة قد اشتد حرها، كما دل على ذلك حدّه العلمي واللغوي. فالصورة التمثيلية الممثّل بها تكون في وضح النهار، عند اكتمال بزوغ الشمس، واشتداد حرها. القيعة: "جمع قاع كجار وجيرة، والقاع أيضاً واحد القيعان وهي الأرض المستوية المنبسطة "١. "والقاع أرض واسعة سهلة مطمئنة، قد انفرجت عنها الجبال والآكام"٢. ويؤخذ من دلالة هذا اللفظ شدة حاجته إلى الماء، وأن حياته متوقفة عليه، لأنه بأرض هلكة، فإذا لم يجد الماء فهو هالك. يحسبه: أي يظنه. حَسِبَ، يَحْسَبُ (كرغِب، يرْغَب) : أي ظن يظن. "حَسِبْت الشيء: ظننته. أحسِبُه، وأحسَبُه، والكسر أجود

стр. 452

اللغتين"١. وقد يستنبط من هذا أنه اتبع ظنه ولم يتأمل في السراب الذي رآه ويتثبت منه، بل جرى نحوه بمجرد أنه لاح له. الظمآن: العطشان٢. وتخصيص الظمآن بحسبان السراب ماءً - مع أن الريان يتراءى له السراب كأنه ماء- فيه إشارة إلى أمرين: الأمر الأول: أن الممثّل به محتاج إلى الماء حاجة شديدة لشدة عطشه، لدلالة لفظ صيغة المبالغة (ظمآن) على ذلك. الثاني: وجود الدافع لطلب السراب عند الظمآن، وهو الحاجة إلى الماء، وذلك أن الريان، لا يوجد لديه دافع لطلبه، والعالم بحقيقة السراب يمنعه اليأس منه وإنما يندفع إليه من هو محتاج إلى الماء وهو جاهل قليل المعرفة والبصيرة. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ . الهاء في قوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ يعود على السراب. والمعنى: حتى إذا جاء الظمآن الموضع الذي رأى السراب فيه، لم يجد السراب شيئاً.٣

стр. 453

وهذا يدل على خيبة المسعى، وعدم الانتفاع منه بشيء في وقت هو بأشد الحاجة إليه، ووقوعه في الهلكة، وانكشاف الحق بخلاف ما كان يظن ويؤمل. قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ . هذا البيان يتعلق بالممثّل له، وسوف يأتي بيانه في المطلب القادم. إلا أنه يشير إلى أمر في الممثّل به، وهو هل يتوجه إليه اللوم في ما حصل له كاملاً أو أنه معذور، أو أنه ملوم باعتبار معذور باعتبار، فلأجل اختلاف أحوال اللاهثين خلف السراب جاء بيان المحاسبة بألفاظ تصلح لكل الأحوال، ومؤاخذة كل بما يستحق، فقال: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ . خلاصة حال الممثّل به: تبين من دراسة ألفاظ الممثّل به أن اللَّه ضرب مثلاً لأعمال نوع من الكفار بسراب لاح لشخص في صحراء منبسطة قاحلة، في رائعة النهار، والشمس كأشد ما تكون إضاءة وحرارة، وقد اشتد عطشه وقويت حاجته إلى الماء، فظن ذلك السراب ماء، فجرى نحوه، فلما وصل المكان الذي تراءى له فيه لم يجد ماء ولا شيئاً، ولم يغن عنه سعيه، ولا ظنه في إنقاذه من الهلكة، وباء بالخيبة، ولم يسلم من المؤاخذة. والممثّل به يشتمل على أمرين: الأول: بيان بطلان نتيجة السعي، وأنه لا حقيقة له نافعة، ولا

стр. 454

حاصل منه، لكونه لم يقع في محله. الثاني: بيان السبب الذي أدى إلى هذه النتيجة المؤلمة، وهو جهل هذا المقتحم للصحراء بحالها، وما ينبغي لمن دخلها أن يستعد به من الماء ومعرفة مصادره، وكيفية استخلاصه منها، ومعرفة ما يحصل فيها من المخاطر والأمور الخادعة كالسراب، ونحو ذلك. فجهله وضعف بصيرته هو الذي جعله ينساق بسرعة وراء الشبه الخادع، فلم يغن عنه حسن ظنه، ولا شدة سعيه شيئاً، وأوقعه جهله في المهالك.

стр. 455

المطلب الثالث: تعيين الممثّل له . لم يرد في ألفاظ المثل مما يتعلق بالممثّل له إلا قوله في بداية المثل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقوله في ختام المثل: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أما بقية حال الممثّل له فلم تُذكر اكتفاء بدلالة الممثّل به عليها، وترك الأمر للسامع للاستدلال عليها. "وفي هذا المثل الرائع يظهر لنا من خصائص الأمثال القرآنية صدق المماثلة بين المثل والممثّل له، ويظهر لنا أيضاً عنصر البناء على المثل والحكم عليه كأنه عين الممثّل، على اعتبار أن المثل كان وسيلة لإحضار صورة الممثّل له في ذهن المخاطب ونفسه. وإذا حضرت صورة الممثّل له حسن طي المثل، وهذا ما يلاحظه في قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ بعد قوله: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ . فالنص ينتقل بشكل مفاجئ من المثل إلى الممثّل له، ويأتي ترتيب النتيجة المقصودة على المثل كأنه عين الممثّل له. ويظهر لنا أيضاً من الخصائص حذف مقاطع من الصورة التمثيلية اعتماداً على ذكاء أهل الاستنباط، وكذلك حذف مقاطع من الممثّل له. ففي المثل أبرزت صورة السراب، ثم صورة الظامئ الذي ظنه ماءً

стр. 456

ثم خيبته عند وصوله إليه، وحذف ما عدا ذلك لأن الخيال يتم رسمها. وفي الممثّل له لم يذكر إلا عمل الذين كفروا، وطوى ما عدا ذلك، لأن الفكر قادر على أن يستدعيه، وهذا من بلاغة القرآن"١. وإذا كان الأمر كذلك فيمكننا بالتأمل والقياس على الممثّل به استخلاص حقيقة الممثّل له. وقد تقدم الإِشارة إلى شيء من ذلك عند دراسة الغرض الذي ضرب له المثل في المبحث السابق.٢ وسوف أكتفي بإيراد خلاصة ما تم بحثه هناك، واستكمال ما لم يبحث. فأساس الممثّل له هو أعمال صنف من الكفار التي تشبه السراب بتلك الصورة التمثيلية المركبة. وذلك مستفاد من قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ . قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ﴾ : تقدم أن المراد صنف من الكفار، الذين انتسبوا إلى الشرائع السماوية، ويزعمون أنهم أتباع الأنبياء، إلا أنهم طلبوا العلم والإِيمان

стр. 457

والقربة إلى اللَّه في غير ما جاء به الأنبياء فاتبعوا الشبهات والمتشابهات، وركنوا إلى عقولهم وإلى ميراث الفلاسفة الضالين، ووقعوا في الشرك والبدع المهلكة. وقد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على أن مثل السراب إنما هو لهذا النوع من الكفار - من كفر ممن ينتسب إلى الشرائع السماوية - وذلك في حديث طويل، قال فيه ﷺ : " فَيُدْعَى اليَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّه. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّه مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلاَ تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ: لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّه فَيُقَالُ: لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّه مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ. فَيُقَالُ: لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ...."١. والذي يهمنا - لهذه المسألة - من دلالة هذا الحديث فائدتان:

стр. 458

الفائدة الأولى: أن اللَّه عامل اليهود والنصارى في الآخرة بجنس ما كانوا عليه في الدنيا، وذلك أنهم قد تعلقوا بالأوهام والباطل وعبدوا غير اللَّه، فعملهم في الدنيا كالسراب الذي لا حقيقة له. وأظهر اللَّه لهم جزاءهم الذي يستحقونه على شركهم مثل السراب، حيث تمثلت لهم النار كالسراب فظنوه ماءً فجروا نحوها ووقعوا فيها. وهذا يدل على أن حال الكفار وسعيهم وعملهم في الدنيا يشبه السراب، وحالهم في الآخرة وجزاءهم هو النار التي تشبه لهم بالسراب، والجزاء من جنس العمل. الفائدة الثانية: أن اليهود والنصارى ممن ينتسب إلى الأديان السماوية، ويدَّعِي الإِيمان باللَّه، ويتقرب إليه، لكن بدون إخلاص واتباع لما نزل من عنده من العلم، وكذبوا بالرسول ﷺ فكفروا بذلك. وهذا يؤيد أن المراد بالمثل هم الذين كفروا باللَّه - ممن ينتسب إلى الأديان السماوية - بسبب إعراضهم عن العلم بالوحي واتباعهم للشبهات الباطلة، والظنون السيئة، كما قال سبحانه عنهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدَى﴾ ١. وقد استدل بعض المفسرين٢ بهذا الحديث وأشباهه في سياق تفسير

стр. 459

المثل على اعتبار أن هؤلاء ممن يصدق عليهم المثل. والكفر الذي يشبه السراب الذي وقع فيه هذا الصنف من الكفار هو الذي يكون بسبب الإعراض عن تعلم الهدى الرباني والإعراض عنه إلى غيره بسبب الشبهات، فتعلموا علوماً واعتقدوا معتقدات، وعملوا أعمالاً من الجهالات والضلالات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فيصدق فيهم قول اللَّه : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ١. أما من كان من أهل الإِيمان الصحيح ووقع في المعاصي والذنوب التي لا يعتقد جوازها ولا القربة بها فإِنه غير داخل في حكم المثل. وذلك أن هذا الصنف لا يرى عمله قربة، ولا يظنه خيراً، والمثل دل على أن طالب السراب يحسبه ماء، بل أهل المعاصي الذين لا يستحلونها يعلمون حرمتها، ويخافون حوبها فلا تصدق عليهم دلالة المثل. وسوف يأتي - إن شاء اللَّه - مزيد بيان لهذا الصنف من الكفار عند دراسة الفوائد المستفادة من المثل. قوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ . المراد بأعمال الكفار هي: كل عمل يعملونه بقصد القربة إلى اللَّه،

стр. 460

مع ظنهم أنهم على شيء، وأن عملهم مقبول عند اللَّه ويرجون ثوابه. ويشمل ذلك العلوم التي يتعلمونها من غير الكتاب والسنة وينسبونها إلى دين اللَّه وتوحيده أو شريعته. كما يشمل العبادات التي يتقربون بها إلى اللَّه، وهي خالية من التوحيد، متلبسة بالشرك، أو جارية على خلاف الشريعة. وفي العموم كل الأعمال والأقوال والمعتقدات التي يدينون بها وهي باطلة لم يأذن بها اللَّه فيما أنزل من وحيه على عباده فهي داخلة في حكم هذا المثل، فهي كالسراب لا حقيقة لها، ولن يجدوا لها ثواباً مهما كانت دوافعهم، وسوف يؤاخذون ويحاسبون على ذلك. والسراب كما دل عليه تعريفه هو اللمعان الذي لا حقيقة له، ويقابله في الممثّل له أعمال الكفار فإنها تعجب عامليها في الدنيا ويؤملون عليها الخير والنجاة، إلا أنه لا يحصل لهم شيء من ذلك يوم القيامة عندما تشتد حاجتهم إليها. ويستنبط من التشبيه بالسراب ضرورة كون الشمس مشرقة كما تقدم. وهذا يقابله في الممثّل له أن هذا النوع من الكفار بَلَغَتْهُم الرسالة وهم في وسط يدين أهله بالدين الحق، وقد يكونون ممن أسلم وآمن باللَّه والرسول ﷺ إلا أنهم طلبوا الهدى في غير ما جاء به، وتقربوا إلى اللَّه بغير شريعته، فشمس النبوة ساطعة حولهم وعليهم، ومع ذلك تبعوا الشبهات
следующие страницы →