← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ثم خيبته عند وصوله إليه، وحذف ما عدا ذلك لأن الخيال يتم رسمها. وفي الممثّل له لم يذكر إلا عمل الذين كفروا، وطوى ما عدا ذلك، لأن الفكر قادر على أن يستدعيه، وهذا من بلاغة القرآن"١. وإذا كان الأمر كذلك فيمكننا بالتأمل والقياس على الممثّل به استخلاص حقيقة الممثّل له. وقد تقدم الإِشارة إلى شيء من ذلك عند دراسة الغرض الذي ضرب له المثل في المبحث السابق.٢ وسوف أكتفي بإيراد خلاصة ما تم بحثه هناك، واستكمال ما لم يبحث. فأساس الممثّل له هو أعمال صنف من الكفار التي تشبه السراب بتلك الصورة التمثيلية المركبة. وذلك مستفاد من قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ . قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ﴾ : تقدم أن المراد صنف من الكفار، الذين انتسبوا إلى الشرائع السماوية، ويزعمون أنهم أتباع الأنبياء، إلا أنهم طلبوا العلم والإِيمان

стр. 457

والقربة إلى اللَّه في غير ما جاء به الأنبياء فاتبعوا الشبهات والمتشابهات، وركنوا إلى عقولهم وإلى ميراث الفلاسفة الضالين، ووقعوا في الشرك والبدع المهلكة. وقد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على أن مثل السراب إنما هو لهذا النوع من الكفار - من كفر ممن ينتسب إلى الشرائع السماوية - وذلك في حديث طويل، قال فيه ﷺ : " فَيُدْعَى اليَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّه. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّه مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلاَ تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ: لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّه فَيُقَالُ: لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّه مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ. فَيُقَالُ: لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ...."١. والذي يهمنا - لهذه المسألة - من دلالة هذا الحديث فائدتان:

стр. 458

الفائدة الأولى: أن اللَّه عامل اليهود والنصارى في الآخرة بجنس ما كانوا عليه في الدنيا، وذلك أنهم قد تعلقوا بالأوهام والباطل وعبدوا غير اللَّه، فعملهم في الدنيا كالسراب الذي لا حقيقة له. وأظهر اللَّه لهم جزاءهم الذي يستحقونه على شركهم مثل السراب، حيث تمثلت لهم النار كالسراب فظنوه ماءً فجروا نحوها ووقعوا فيها. وهذا يدل على أن حال الكفار وسعيهم وعملهم في الدنيا يشبه السراب، وحالهم في الآخرة وجزاءهم هو النار التي تشبه لهم بالسراب، والجزاء من جنس العمل. الفائدة الثانية: أن اليهود والنصارى ممن ينتسب إلى الأديان السماوية، ويدَّعِي الإِيمان باللَّه، ويتقرب إليه، لكن بدون إخلاص واتباع لما نزل من عنده من العلم، وكذبوا بالرسول ﷺ فكفروا بذلك. وهذا يؤيد أن المراد بالمثل هم الذين كفروا باللَّه - ممن ينتسب إلى الأديان السماوية - بسبب إعراضهم عن العلم بالوحي واتباعهم للشبهات الباطلة، والظنون السيئة، كما قال سبحانه عنهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدَى﴾ ١. وقد استدل بعض المفسرين٢ بهذا الحديث وأشباهه في سياق تفسير

стр. 459

المثل على اعتبار أن هؤلاء ممن يصدق عليهم المثل. والكفر الذي يشبه السراب الذي وقع فيه هذا الصنف من الكفار هو الذي يكون بسبب الإعراض عن تعلم الهدى الرباني والإعراض عنه إلى غيره بسبب الشبهات، فتعلموا علوماً واعتقدوا معتقدات، وعملوا أعمالاً من الجهالات والضلالات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فيصدق فيهم قول اللَّه : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ١. أما من كان من أهل الإِيمان الصحيح ووقع في المعاصي والذنوب التي لا يعتقد جوازها ولا القربة بها فإِنه غير داخل في حكم المثل. وذلك أن هذا الصنف لا يرى عمله قربة، ولا يظنه خيراً، والمثل دل على أن طالب السراب يحسبه ماء، بل أهل المعاصي الذين لا يستحلونها يعلمون حرمتها، ويخافون حوبها فلا تصدق عليهم دلالة المثل. وسوف يأتي - إن شاء اللَّه - مزيد بيان لهذا الصنف من الكفار عند دراسة الفوائد المستفادة من المثل. قوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ . المراد بأعمال الكفار هي: كل عمل يعملونه بقصد القربة إلى اللَّه،

стр. 460

مع ظنهم أنهم على شيء، وأن عملهم مقبول عند اللَّه ويرجون ثوابه. ويشمل ذلك العلوم التي يتعلمونها من غير الكتاب والسنة وينسبونها إلى دين اللَّه وتوحيده أو شريعته. كما يشمل العبادات التي يتقربون بها إلى اللَّه، وهي خالية من التوحيد، متلبسة بالشرك، أو جارية على خلاف الشريعة. وفي العموم كل الأعمال والأقوال والمعتقدات التي يدينون بها وهي باطلة لم يأذن بها اللَّه فيما أنزل من وحيه على عباده فهي داخلة في حكم هذا المثل، فهي كالسراب لا حقيقة لها، ولن يجدوا لها ثواباً مهما كانت دوافعهم، وسوف يؤاخذون ويحاسبون على ذلك. والسراب كما دل عليه تعريفه هو اللمعان الذي لا حقيقة له، ويقابله في الممثّل له أعمال الكفار فإنها تعجب عامليها في الدنيا ويؤملون عليها الخير والنجاة، إلا أنه لا يحصل لهم شيء من ذلك يوم القيامة عندما تشتد حاجتهم إليها. ويستنبط من التشبيه بالسراب ضرورة كون الشمس مشرقة كما تقدم. وهذا يقابله في الممثّل له أن هذا النوع من الكفار بَلَغَتْهُم الرسالة وهم في وسط يدين أهله بالدين الحق، وقد يكونون ممن أسلم وآمن باللَّه والرسول ﷺ إلا أنهم طلبوا الهدى في غير ما جاء به، وتقربوا إلى اللَّه بغير شريعته، فشمس النبوة ساطعة حولهم وعليهم، ومع ذلك تبعوا الشبهات

стр. 461

وجروا خلف السراب. قوله: ﴿بِقِيعَةٍ﴾ . تقدم أن القيعة: جمع قاع، وهي الأرض المنبسطة، في الصحراء والمفاوز. ويستفاد من ذلك أنه في أرض مهلكة، شديد الحاجة إلى الماء الذي به نجاته. ويقابلها في الممثّل له: شدة حاجة الذي شبهت حاله بالسراب إلى العلم والإِيمان في الدنيا، وإلى جزاء أعماله في الآخرة، وسوف لن يجد ثمرة عمله في وقت هو أحوج ما يكون إليه يوم القيامة عند الحساب. قوله: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً﴾ . ﴿يَحْسَبُه﴾ : أي يظنه، كما تقدم. ويقابله في الممثّل له أن هؤلاء الكفار الذين شبهت أعمالهم بالسراب إنما اتبعوا الظن، وأعرضوا عن مصدر الحق واليقين، وهو العلم الذي جاء به المرسلون. وقد بين اللَّه تعالى أن اتباع الظن من أسباب الضلال والإعراض عن الهدى، وسوف أذكر الآيات الدالة على ذلك عند الكلام على الفوائد المستفادة من المثل - إِن شاء اللَّه -. قوله: ﴿الظَّمْآن﴾ : هو شديد العطش كما تقدم.

стр. 462

ويقابله في الممثّل له: حاجة المضروب لهم المثل للعلم والإِيمان وإدراكهم لأهميته لهم، وأنه لازم لنجاتهم، فعندهم أصل الرغبة في الخير، وحسن القصد، لكن ذلك لا تصح به الأعمال ما لم تكن موافقة لما هدى اللَّه به العباد في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . قوله: ﴿مَآءً﴾ : الماء هو السائل المعروف، الذي يروي من العطش، وجعله اللَّه سبباً في بقاء الحياة، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ المَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١. ويقابله في الممثّل له: الإِيمان والعلم، فهما اللذان يرويان عطش القلوب، وبهما تكون حياتها، ويستحق بهما العبد الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة. ويتحصل من ذلك: أن هذا الصنف من الكفار لديهم نهمة في العبادة، ورغبة في التدين، أو في تحصيل العلوم الإلهية، إلا أنهم ضلوا السبيل في معرفتها، أو أُضِلُّوا عنه، فوقعوا في الكفر بسبب ذلك. وفي هذا دليل على أنه لا تنفع الرغبة في الخير، أو حسن القصد ما لم يسلك الطريق الصحيح. وسوف يأتي مزيد بيان لهذا المعنى عند ذكر فوائد هذا المثل - إِن

стр. 463

شاء اللَّه -. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ . يدل على أن الممثّل به قصد السراب وطلبه. كما يدل على أنه لم يجد حقيقة لما رآه، وظنه ماء. وأنه لم يزد على أن يكون بريقاً كاذباً خادعاً. وهذا يقابله في الممثّل له أمران: ١- البحث والطلب عند أولئك الكفار الذين ضرب لهم المثل لما ظنوه حقاً في باب العلم والإِيمان، والعمل فيما ظنوه قربة من الأعمال. ٢- أنهم لن يجدوا لسعيهم جزاءً عند لقاء اللَّه في موقف الحساب، الذي يعمل له العاملون، وذلك أنه عمل وسعي باطل لا حقيقة له. قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ . تقدم أن هذه الجملة متعلقة بالممثّل له، حيث ينتقل الكلام من المثل إلى الممثّل له ويرتب الحكم المقصود على المثل وكأنه عين الممثّل له. وهذا من خصائص أمثال القرآن الكريم التي تكررت في أكثر من مثل، وهذه الخاصية هي: "البناء على المثل، والحكم عليه كأنه عين الممثّل له، على اعتبار أن المثل كان وسيلة لإِحضار صورة الممثّل له في ذهن المخاطب ونفسه، وإذا

стр. 464

حضرت صورة الممثّل له ولو تقديراً، فالبيان البليغ يستدعي تجاوز المثل، ومتابعة الكلام عن الممثّل له، وتسقط صورة المثل لتبرز القضايا المقصودة"١. وهذه الجملة من الآية وهي قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ . والتي قبلها وهي قوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ تتضمنان حكم اللَّه في هذا النوع من الكفار وأعمالهم. فحكم اللَّه على أعمالهم في قوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ أنها باطلة لا ثواب لها مهما كانت دوافعها ما دامت غير موافقة لما شرع، واستمدت من غير ما أنزل من الوحي على رسل اللَّه. وحكمه سبحانه عليهم بقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ فيه بيان بأن اللَّه سوف يؤاخذهم على إعراضهم عن الإِيمان والعلم الحق الذي جاء به الكتاب المبين والرسول الكريم ﷺ . ونظراً لاختلاف هذا الصنف في دوافعهم وأسباب كفرهم، إذ منهم الأئمة الداعون إلى الضلال، ومنهم المقلدون، ونحو ذلك لم يحدد سبحانه عقاباً بعينه يعم هذا الصنف، بل بين ذلك بلفظ عام يوحي بأن كل نوع

стр. 465

سيأخذ ما يستحقه من الحساب والجزاء الموافق لحاله وأسباب ضلاله. خلاصة وصف الممثّل له: من ألفاظ المثل المتعلقة بالممثّل له، ومن مقايسته على الممثّل به، تبين أن هذا المثل ضرب لبيان حكم أعمال صنف من الكفار، وجزائهم عليها. هذا الصنف من الكفار تميزوا بأنهم من المنتسبين إلى الإِسلام، ويدَّعون الإِيمان باللَّه ويطلبونه، دل على ذلك كون السراب لا يكون إلا والشمس مشرقة، فالنور قد غمرهم، وهم قد ضلوا بإعراضهم عن الإِيمان الحق الذي دل عليه كتاب اللَّه المحفوظ، وسنة نبيه ﷺ الصحيحة، وطلبوا ذلك من مستنقعات الضلال. فهم يتعلمون ويعملون لكن على غير هدى. فدل المثل على حكم أعمالهم وأنها باطلة، كما أن صاحب السراب لم يجده شيئاً، والحكم عليهم بأن كلاً سوف يلاقي جزاءه المناسب لحاله وأعماله.

стр. 466

المطلب الرابع: الفوائد المستنبطة من المثل: تضمن المثل العديد من الفوائد، من أهمها: الفائدة الأولى: دلالة المثل على سبب كفر هذا الصنف من الكفار. الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الظن. الفائدة الثالثة: دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الشبهات. الفائدة الرابعة: دلالة المثل على أن حسن القصد غير معتبر في تصحيح الأعمال إذا خالفت شروط الصحة. الفائدة الخامسة: دلالة المثل على اختلاف دوافع، وحساب الضالين الذين شبهت أعمالهم بالسراب.

стр. 467

الفائدة الأولى: دلالة المثل على سبب كفر هذا الصنف من الكفار. تقدم١ أن هذا المثل فقرة في مضمار تأكيد أن العلم النازل من اللَّه المدلول عليه بالوحي إلى الرسول ﷺ هو الطريق للهداية. وأن الإعراض عنه بأي شكل من الأشكال، ولأي دافع من الدوافع هو السبب في الضلال. وهذا المثل يدل بوضوح على أن سبب ضلال الممثّل به - صاحب السراب - وخيبة مسعاه هو تطلب الماء من الشبه الكاذب الخادع وضلاله عن مصدره الصحيح. وكذلك الممثّل له - كما يقتضيه الاعتبار والقياس - سبب كفره وضلال عمله هو تطلبه العلم والإِيمان من مصادر ضالة خادعة لاحت له فظنها حقاً، وأعرض عن مصدر الهدى الصحيح وهو العلم بالكتاب والسنة. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "ومن تمام ذلك أن يعرف أن للضلال تشابهاً في شيئين: أحدهما: الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ والثاني: معارضته بما يناقضه، فمن الثاني الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة.

стр. 468

فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإِيمان باللَّه واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه، سواء اعتقد ذلك بقلبه، أو قاله بلسانه. وهذا حال كل بدعة تخالف الكتاب والسنة، وهؤلاء من أهل الجهل المركب، الذين أعمالهم كسراب بقيعة"١. وقال ابن القيم ﵀: " ... القسم الثاني: أهل الجهل والظلم، الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به والظلم باتباع أهوائهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدَى﴾ ٢. وهؤلاء قسمان: أحدهما: الذين يحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل الجهل والضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه، ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالون أهله وهم يحسبون أنهم على شيء إلا أنهم هم الكاذبون، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ... . فشبه علوم من لم يأخذ علومه من الوحي وأعماله بسراب يراه

стр. 469

المسافر في شدة الحر فيؤمه فيخيب ظنه ويجده ناراً تلظى، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حشر الناس واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب.."١. وقال أيضاً - في حال من لم يأخذ علومه من الوحي -: ".. ولصاحبها نصيب وافر من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٢، وهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير اللَّه ، أو على غير سنة رسول اللَّه ﷺ ، وحال أرباب العلوم والأنظار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة، ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال، وكناسة أفكارهم، فأتعبوا قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال والانتصار لهم، وفهم ما قالوه وبثه في المجالس والمحاضر، وأعرضوا عم به الرسول ﵌ صفحاً، ومن به رمق منهم، يعيره أدنى التفات طلباً اجاءللفضيلة. وأما تجريد اتباعه وتحكيمه وتفريغ قوى النفس في طلبه وفهمه وعرض آراء الرجال عليه ورد ما يخالفه منها وقبول ما وافقه ... فهذا أمر لا تكاد ترى أحداً منهم يحدث به نفسه

стр. 470

فضلاً عن أن يكون (بغيته) ومطلوبه"١. قوله: "ومَنْ به رمق منهم يعيره أدنى التفات طلباً للفضيلة": يدل على أن هؤلاء الذين وصفهم منتسبون للإِسلام معظمون للقرآن والسنة، ويقرؤونها طلباً للأجر والبركة تارة، وتارة يزخرفون بها باطلهم، ويلبسون الحق بالباطل. كما يدل على إن إعراضهم هو إعراض عن تعلمه والاهتداء به، وليس إعراض التكذيب. وهذا الإِعراض سببه الخوض في علوم الأمم الجاهلية المتقدمة، ومسايرتهم في الحيرة وتتبع الشهبات، وهذا من أصول ضلال من ضل من المنتسبين إلى الإِسلام، والتي بينها اللَّه بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّه المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّه وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوآ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوآ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الخَاسِرُونَ﴾ ٢.

стр. 471

قوله سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الآية، دليل على أنه نتجعن استمتاعهم بخلاقهم وخوضهم كفرهم وحبوط أعمالهم. كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ ١. فهذه الآيات تبين أن سبب الكفر والضلال بعد الهدى أمران: أحدهما: الخوض في الشبهات، والثاني: الاسترسال مع الشهوات المحرمة والذي قد يؤدي إلى الكفر كما قيل: المعاصي بريد الكفر. قال الإمام ابن تيمية ﵀: "وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق، وبين الخوض، لأن فساد الدين: إمّا أن يقع بالاعتقاد الباطل، والتكلم به، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق. والأول: هو البدع ونحوها. والثاني: فسق الأعمال ونحوها. والأول: من جهة الشبهات. والثاني: من جهة الشهوات"٢. وقال ابن عباس ﵄ في هذه الآية -: "ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، هؤلاء بنو إسرائيل،

стр. 472

شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده، لتتبعنّهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه"١. وكلام ابن عباس ﵄ يدل على معنى دقيق وهو الربط بين الآية وما ورد من النهي عن التشبه بالأمم السابقة في إعراضهم عما نزل عليهم من ربهم من الهدى واتباعهم للأمم الجاهلية، وخاصة الفلاسفة، وقد نهوا عن ذلك وحذروا أشد التحذير، قال تعالى: ﴿قُلْ يَآ أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوآ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. وقد ورد التحذير الشديد لهذه الأمة من التشبه بأهل الكتاب وغيرهم، سواء كان ذلك باتباعهم وتقليدهم في باطلهم، أو كان باتباعهم بالتشبه بالأمم الضالة الأخرى. قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لتأخذن كما أخذ الأمم من قبلكم: ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أن أحداً من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه! ، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم القرآن: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوآ أَشَدَّ مِنْكُمْ

стр. 473

قُوَّةً ... ﴾ الآية، قالوا يا رسول اللَّه، كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم؟ "١. ومن هذا يتبين أن الضلال الناتج عن التشبه بالأمم الضالة اليهودية أو النصرانية أو الفارسية أو غيرها نوعان: الأول: ضلال علمي اعتقادي ينتج عن الإِعراض عما دل عليه الكتاب والسنة، وتطلب العلم واليقين بالخوض فيما عند الأمم الجاهلية من قديم وجديد من علوم الديانات، والفلسفة، والآداب، والنظريات الضالة في علم النفس والاجتماع والسياسة ونحوها. ومن هذا النوع تظهر البدع والفرق الضالة والمدارس المنحرفة. وهذا النوع ضُرب له مثَل السراب الذي تجري دراسته في هذا المبحث. الثاني: الضلال العملي الناتج عن الإعراض عن العمل بما يدل عليه العلم الذي جاء به النبي ﷺ والاستمتاع بالخلاق المتمثل بالإخلاد إلى

стр. 474

الأرض واتباع الهوى والشهوات المحرمة. وهذا النوع ضُربت له أمثال منها مثل الكلب في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الغَاوِينَوَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١. ومما تقدم يتبين لنا أن من الأسباب الرئيسة في ضلال من ضل من المنتسبين للإسلام الإعجاب والجنوح إلى تعلم علوم الجاهلين والضُلاَّل عموماً، من كان منهم منتسباً للأديان السماوية، أو الاتجاهات الفلسفية، أو الأديان الوثنية، أو المدارس الأدبية الفكرية. كذلك من أعرض عن الكتاب المحفوظ وصحيح السنة وزعم أن طريقه إلى العلم هو القياس العقلي أو الكشف والفيض القلبي الصوفي، أو الأئمة المعصومون أو نحو ذلك، فقد فتح لنفسه باباً للضلال. وكل هؤلاء يصدق عليهم حكم المثل، وهو أنهم اتبعوا شبهات حسبوها علماً وإِيماناً، وهي سراب خادع، نتج عنها حبوط أعمالهم وإفلاسهم يوم القيامة. نعوذ باللَّه من الخذلان.

стр. 475

سبب الضلال من الإِنسان: إِن من المتقرر في القواعد الإِيمانية المستفادة من الكتاب والسنة أن الهداية والضلال يكونان بسبب من الإِنسان وفعل من اللَّه العزيز الحكيم، وقد وردت نصوص كثيرة تبين هذه القاعدة. ففي مجال الهداية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ٢. وفي مجال الضلال، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوآ أَزَاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ﴾ ٣. وقال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ٤. وقال: ﴿وَيُضِلُّ اللَّه الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّه مَا يَشَآءُ﴾ ٥. وهذا المثل - مثل السراب - بيّن فِعل هؤلاء الكفار الذي فعلوه

стр. 476

فاستحقوا ما يناسبه من فعل اللَّه ، حيث زاغوا عن طريق الهداية، فأزاغ اللَّه قلوبهم. واللَّه عليم بما العباد عاملون، واقتضت حكمته أن يعامل كلاً بما يستحق، فقدّر عليهم - سبحانه - من أفعاله ما يناسب أفعالهم التي علم أنهم يعملونها، فمشيئة العباد محكومة بمشيئة اللَّه ومشيئة اللَّه مقيدة بمقتضى أسمائه الحسنى من العلم والحكمة، وعدم الظلم، وأن رحمته سبحانه تسبق غضبه. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاًوَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّه إِنَّ اللَّه كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١. وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة - إِن شاء اللَّه - في الفوائد المستفادة من المثل في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ..﴾ . والمراد هنا هو إبراز أن المثل دل على أن ضلال هؤلاء كان بسبب من أنفسهم حيث أعرضوا عن الكتاب والسنة، وساروا خلف الشبهات، وموارد العلوم الضالة فأضلهم اللَّه. ولعل من تمام الفائدة أن أختم بكلام لشيخ الإِسلام أحمد بن تيمية

стр. 477

فأمر بطاعة أولي الأمر من العلماء والأمراء إذا لم يتنازعوا، وهو يقتضي أن اتفاقهم حجة، وأمرهم بالرد عند التنازع إلى اللَّه والرسول، فأبطل الرد إلى إمام مقلد أو قياس عقلي فاسد. وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّه النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ١. فبين أنه بالكتاب يحكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه ذَلِكُمُ اللَّه رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَاتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. ففرض اتباع ما أنزله من الكتاب والحكمة، وحظر اتباع أحد

стр. 478

من دونه. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنْزَلْنَآ عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١ فزجر من لم يكتف بالكتاب المنزل. وقال تعالى: ﴿يَآ مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوآ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ ٤.

стр. 479

وقال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلقِْيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌقَالُوا بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍوَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِفَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١. فدلت هذه الآيات على أن من أتاه الرسول فخالفه فقد وجب عليه العذاب، وإِن لم يأته إمام ولا قياس، وأنه لا يُعذَّب أحد حتى يأتيه الرسول وإِن أتاه إمام أو قياس. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ٢. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّه وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُوَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣.

стр. 480

وقد ذكر سبحانه هذا المعنى في غير موضع، فبين أن طاعة اللَّه ورسوله موجبة للسعادة، وأن معصية اللَّه موجبة للشقاوة، وهذا يبين أن مع طاعة اللَّه ورسوله لا يحتاج إلى طاعة إمام أو قياس، ومع معصية اللَّه ورسوله لا ينفع طاعة إمام أو قياس. ودليل هذا الأصل كثير في الكتاب والسنة، وهو أصل الإِسلام (شهادة أن لا إِله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه) وهو متفق عليه بين الذين أوتوا العلم والإِيمان قولاً واعتقاداً.."١. وهذا الأصل - الذي بينه شيخ الإِسلام - أصل عظيم من أصول السلامة والسعادة لمن استمسك به، ويضاف إليه معرفة طرق العلوم الضالة ومصادرها ليحذرها ويحذر منها، ومعرفة نواقض الإِسلام٢ وخصائص الجاهلية ليكون في مأمن من الانزلاق فيها.٣

стр. 481

وخلاصة هذه الفائدة: أن المثل دل على أن السبب الأساس في ضلال من ضل ممن ينتسب إلى الشرائع السماوية هو إعراضهم عما أنزله اللَّه إليهم من الهدى والنور وتطلب العلم والإِيمان من غيره، وهذه الفائدة هي الدلالة الأهم التي يبينها المثل بمجموع ألفاظه وصورته المركبة. وعكس هذا الفائدة هو: أن السبب الرئيسي للهداية هو الاستمساك بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ونهج السلف الصالح، والحذر الشديد من البدع والمحدثات ومصادر العلوم الضالة، وذلك هو الاعتصام بحبل اللَّه المتين وصراطه المستقيم.

стр. 482

الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الظن. ومأخذ هذه الفائدة من قوله سبحانه: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً﴾ . فالممثّل به جرى نحو السراب حيث ظن أنه ماءٌ نافعٌ يروي عطشه وينقذ نفسه من الهلكة بسبب شبه السراب الخادع بالماء. وكذلك الممثّل لهم - الذين كفروا - ساروا في تطلب العلوم الضالة والأعمال المبتدعة ظانين أنها علومٌ نافعةٌ وأعمالٌ صالحة، تسد حاجتهم من العلم وتقربهم إلى اللَّه، بسبب الشبهات وزخرف القول، فصدق عليهم قول اللَّه : ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الخَاسِرِينَ﴾ ١. وهذا الصنف من الكفار داخل فيمن وصفهم اللَّه بقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٢. قال ابن جرير ﵀:

стр. 483

"والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال: إن اللَّه عنى بقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ كل عامل عملاً يحسبه فيه مصيباً ... وعن طريق أهل الإِيمان به جائر ... وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم باللَّه كفرة، من أهل أي دين كانوا. وقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . يقول: هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم اللَّه به بل على كفر منهم به، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك للَّه مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون.."١. وهذا المعنى - وهو بيان أن اتباع الظن من أسباب الضلال - كثير في القرآن الكريم. فمن ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ٢.

стр. 484

قال ابن جرير ﵀: "فأخبر جل ثناؤه أنهم على ظن عند أنفسهم وحسبان على صحة عزم عليه، وإن كان خطأ في الحقيقة، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ يقول: ما هم إلا متخرصون، يظنون ويوقعون حزراً، لا يقيناً"١. فأخبر - سبحانه - أن أكثر الناس واقعون في الضلال، وأن مستند ضلالهم هو الظن والتخرص، وأن طاعتهم من أسباب ضلال أهل الإِسلام. ففي الآية تحذير من الجنوح إلى ما عندهم من العلوم، ومن الاغترار بزخرف قولهم، كما أن فيها إرشاداً إلى إعمال العقول في معرفة أصول الأشياء ومستنداتها ليتبين من يقيم أمره على نور وبرهان ممن يقيمه على ظن وتخرص. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٢ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الحَقِّ شَيْئاً﴾ أي أنه: "لا يقوم في

стр. 485

شيء مقامه، ولا ينتفع به حيث يحتاج إلى اليقين"١. فالظن وإن صدقه أصحابه واعتقدوه فلن ينفع في تصويب أعمالهم التي لم يستندوا فيها إلى الهدى الذي بينه اللَّه بواسطة رسله. ولن ينفعهم تصديقهم بهذه الظنون وعملهم بها عند اللَّه، كما لم ينتفع صاحب السراب منه بشيء، وسوف يجازيهم عليها بما يستحقون. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الهُدَى﴾ ٢. وهذه الآية تضيف معنى آخر إلى ما دلت عليه الآيات السابقة، وهو كون الضالين قبلوا تلك الظنون لموافقتها لهوى نفوسهم دون أن يعرضوها على عقولهم ويُنْعِمُوا فيها النظر ليتبين لهم زيغها. كما دلت الآية على أن الهدى جاءهم من ربهم بواسطة رسله وكتبه، وأنهم أعرضوا عنه إلى الظنون وما تهوى الأنفس، فأوقعهم ذلك في الضلال. وأخطر الظنون السيئة المردية الظن السّيّئ باللَّه تعالى، والذي مردّه إلى الجهل أو الضلال في باب التوحيد. فالخلل في معرفة الخالق ﵎، أو حكمته وقدره، أو حقه

стр. 486

على عباده، يوجد سوء ظن باللَّه يتناسب مع هذا الخلل، سواء كان بجهل أسماء اللَّه وما تدل عليه من الصفات، أو جهل بعض تفاصيل القدر وتوحيد الألوهية، أو كان بفهمها فهماً يخالف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. والظن السيئ دافع إلى الضلال، ومولد لإرادات الشر وخواطره في القلب، وهو منفذ للشيطان لإضلال الإِنسان. وقد بيّن اللَّه تعالى أن الظن السّيّئ باللَّه - عند طائفة من الكفار - كان سبباً في ضلالهم وهلاكهم، حيث قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلآ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّه لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَوذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الخَاسِرِينَ﴾ ١. فانظر إلى هذا الظن السّيّئ - الناتج عن جهلهم بصفات اللَّه وعلمه المحيط، وهو اعتقادهم أن اللَّه لا يعلم كثيراً مما يعملون - وما نتج عنه من الأعمال الضالة الشريرة التي أركستهم في الضلال والخسران. وهذا البيان المتكامل في آيات القرآن يؤكد على أن سبيل

стр. 487

الهدى الأوحد هو اتباع كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ والتعلم منهما والاكتفاء بهما. وأن طريق الزيغ والضلال هو الإعراض عنهما، واتباع الظنون وما تهوى الأنفس، والأقيسة الفاسدة، والموارد الضالة. وقال النبي ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا"١. ففي هذا الحديث نهي عن العمل بالظن، وإبطال له، حيث قال: "فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ". والمراد الظن الذي لا يستند إلى دليل أو بينة حسية أو شرعية. وهذا الحديث ورد في المعاملات الجارية بين المسلمين، وإفادته للنهى عن العمل بالظن في العقائد والعبادات من باب أولى. وخلاصة هذه الفائدة: أن المثل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ دل على أن الظن وما تهوى الأنفس من أسباب الضلال والإعراض عن كتاب اللَّه وسنة

стр. 488

رسوله ﷺ وأنه السبب في ضلال كثير من الناس، ومن أجل ذلك نهى اللَّه عنه في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله ﷺ رحمة بعباده وتحذيراً لهم من هذا السبيل المردي.

стр. 489

الفائدة الثالثة: دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الشبهات. وهذه الفائدة مستفادة من قوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً﴾ . وذلك أن الممثّل به - صاحب السراب - لاح له لمعان يشبه الماء وليس بماء، فجرى نحوه، ولم يجده شيئاً. وكذلك الممثّل لهم - الذين كفروا - لاحت لهم شبهات ظنوها بينات، فانساقوا نحوها، فأوقعتهم في الضلال والخسران. والشبهات اصطلاح، من معانيه: ما يكون بينه وبين الحق تشابه من وجه من الوجوه غير مؤثر في إلحاقه به حكماً. والشبهات أنواع كثيرة، وهي تنقسم في الجملة إلى قسمين. القسم الأول: ما بينه وبين الحق تشابه في أصل الخلقة أو الوضع. وهذا القسم اعتبر من المتشابه في أصل الخلق أو الوضع باعتبار أن اللَّه سبحانه خلقها كذلك، أو جعل المتشابه من آيات كتابه، فتنة واختباراً، "ابتلى اللَّه فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يُصْرفن إلى الباطل ولا يُحْرفن عن الحق"١.

стр. 490

وهذا القسم أنواع: أ - ما يكون التشابه فيه ظاهرياً مع الاختلاف التام في الحقيقة. ومن هذا النوع التشابه في الشكل والصورة بين الحيوان مثلاً وصورته وتمثاله. ومنه التشابه الحاصل بين صورة الماء وصورة السراب في عين الرائي. ب - التشابه في الألفاظ والمعاني العامة المشتركة دون الحقائق والكيفيات. ومن هذا النوع التشابه في اللفظ والمعنى المشترك بين أسماء اللَّه والأسماء التي تطلق على بعض خلقه.١ ومن ذلك: التشابه في المسميات بين ثمرات الدنيا وثمرات الجنة ونحو ذلك.٢ جـ - المتشابه من الألفاظ التي يخفى علمها على كثير من الناس، ويعلمها الراسخون في العلم، وكثيراً ما يقع في المراد بها خلاف بين الناس بسبب أنها: "تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد"٣. وهذه الأنواع المتشابهة في الألفاظ والمعاني داخلة في مدلول قول

стр. 491

اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّه وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآ أُوْلُوا الألبَابِ﴾ ١. قال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ : "أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ : أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يعرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿ابْتِغَآءَ الفِتْنَةِ﴾ : أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم.. وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ﴾ : أي تحريفه على ما يريدون"٢.

стр. 492

وطريقة الراسخين في العلم في المتشابهات: رد اللفظ المتشابه إلى المعنى المحكم والعمل بهما جميعاً، "كما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث قالوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح اللَّه الراسخين وذم الزائغين"١. د - التشابه بين شيئين في بعض الصفات. والصفات المشتركة قد تكون مؤثرة فيتشابهان في الحكم، وقد تكون غير مؤثرة فيفترقان، وغالب ما يكون هذا في الأحكام والحلال والحرام. وهذا النوع هو ميدان المجتهدين من العلماء في تحقيق مناط الحكم وتحديد الصفات والعلل المؤثرة، وتقرير الأحكام المناسبة. وفي هذا ورد قول النبي ﷺ : "إِنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّه مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي

стр. 493

الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ"١. قال ابن رجب ﵀: "ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يوافق قوله الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهاً عليه، ولا يكون عالماً بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجوراً غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال ﷺ في المتشابهات: "لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" فدل على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء"٢. وقال أيضاً:

стр. 494

"ودل الكلام على أن غير هؤلاء يعلمها، ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند اللَّه في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند اللَّه ، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى أنه غير مصيب لحكم اللَّه فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقد فيها اعتقاداً يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلاً، ويكون مأجوراً على اجتهاده، ومغفوراً له خطؤه لعدم اعتماده"١. وقد يكون الاشتباه في هذا النوع بسبب القياس الفاسد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل، حتى تشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل، والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه. فمن عرف الفصل بين الشيئين: اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد، وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه، فلهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه، والقياس الفاسد"٢.

стр. 495

قوله ﷺ : "فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ": فيه دلالة على قاعدة شرعية هامة في التعامل مع المتشابهات، وهي: الابتعاد عنها حتى يتبين له حكمها، وأن ذلك من أسباب سلامة الدين، والبعد عن الفتن. وقوله ﷺ : "لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ": دليل على أن بعض الناس يعلم حكمها وبيانها، وأولى الناس بذلك هم الراسخون في العلم أهل الذكر، ففيه الإشارة إلى تطلب علمها منهم. وهاتان الفائدتان ينبغي أن تكونا نصب عين كل مسلم، ليتعامل بهما مع كل ما يسمعه ويشاهده من بوادر الفتن، من الإشاعات والشبهات، التي قد يكون فيها شبه من الحق من جهة، وتفارقه من جهة، أو يكون فيها جانب مصلحة وجانب مفسدة، فيتوقف ولا يسارع في قبولها حتى يصل إليه حكمها من الراسخين في العلم والإِيمان. وإن كانت من جنس الإشاعات فإِنه لا يصدّق بها إلا إذا تبين له صدقها، ولا يحدّث بها إلا إذا تبين له أيضاً أن في الإخبار بها مصلحة راجحة. القسم الثاني: الشبهات التي من نوع لبس الحق بالباطل. وفارق هذا النوع عن الذي قبله أن تلك مشتبهة في طبيعتها، ويخفى بيانها على كثير من الناس، أما هذا النوع فالأمر غالباً لا يخفى، وبيانها واضح، لو تُرِك الناس وفطرتهم وسليقتهم اللغوية، لكن بفعل المجرمين الذين يلبسون الحق بالباطل، ويزخرفون القول، يلتبس أمرها على من قل
следующие страницы →