اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّه وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآ أُوْلُوا الألبَابِ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ : "أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ : أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يعرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿ابْتِغَآءَ الفِتْنَةِ﴾ : أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم.. وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ﴾ : أي تحريفه على ما يريدون"٢.
стр. 492
وطريقة الراسخين في العلم في المتشابهات: رد اللفظ المتشابه إلى المعنى المحكم والعمل بهما جميعاً، "كما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث قالوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح اللَّه الراسخين وذم الزائغين"١.
د - التشابه بين شيئين في بعض الصفات.
والصفات المشتركة قد تكون مؤثرة فيتشابهان في الحكم، وقد تكون غير مؤثرة فيفترقان، وغالب ما يكون هذا في الأحكام والحلال والحرام.
وهذا النوع هو ميدان المجتهدين من العلماء في تحقيق مناط الحكم وتحديد الصفات والعلل المؤثرة، وتقرير الأحكام المناسبة.
وفي هذا ورد قول النبي ﷺ : "إِنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّه مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي
стр. 493
الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ"١.
قال ابن رجب ﵀: "ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يوافق قوله الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهاً عليه، ولا يكون عالماً بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجوراً غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال ﷺ في المتشابهات: "لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" فدل على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء"٢.
وقال أيضاً:
стр. 494
"ودل الكلام على أن غير هؤلاء يعلمها، ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند اللَّه في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند اللَّه ، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى أنه غير مصيب لحكم اللَّه فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقد فيها اعتقاداً يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلاً، ويكون مأجوراً على اجتهاده، ومغفوراً له خطؤه لعدم اعتماده"١.
وقد يكون الاشتباه في هذا النوع بسبب القياس الفاسد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل، حتى تشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل، والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه.
فمن عرف الفصل بين الشيئين: اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد، وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه، فلهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه، والقياس الفاسد"٢.
стр. 495
قوله ﷺ : "فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ": فيه دلالة على قاعدة شرعية هامة في التعامل مع المتشابهات، وهي: الابتعاد عنها حتى يتبين له حكمها، وأن ذلك من أسباب سلامة الدين، والبعد عن الفتن.
وقوله ﷺ : "لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ": دليل على أن بعض الناس يعلم حكمها وبيانها، وأولى الناس بذلك هم الراسخون في العلم أهل الذكر، ففيه الإشارة إلى تطلب علمها منهم.
وهاتان الفائدتان ينبغي أن تكونا نصب عين كل مسلم، ليتعامل بهما مع كل ما يسمعه ويشاهده من بوادر الفتن، من الإشاعات والشبهات، التي قد يكون فيها شبه من الحق من جهة، وتفارقه من جهة، أو يكون فيها جانب مصلحة وجانب مفسدة، فيتوقف ولا يسارع في قبولها حتى يصل إليه حكمها من الراسخين في العلم والإِيمان. وإن كانت من جنس الإشاعات فإِنه لا يصدّق بها إلا إذا تبين له صدقها، ولا يحدّث بها إلا إذا تبين له أيضاً أن في الإخبار بها مصلحة راجحة.
القسم الثاني: الشبهات التي من نوع لبس الحق بالباطل.
وفارق هذا النوع عن الذي قبله أن تلك مشتبهة في طبيعتها، ويخفى بيانها على كثير من الناس، أما هذا النوع فالأمر غالباً لا يخفى، وبيانها واضح، لو تُرِك الناس وفطرتهم وسليقتهم اللغوية، لكن بفعل المجرمين الذين يلبسون الحق بالباطل، ويزخرفون القول، يلتبس أمرها على من قل
стр. 496
حظه من العلم والبصيرة، فتكون من الحق الذي يراد به باطل.
ومن ذلك الإشاعات التي تطلق ضد رجال الإِسلام القائمين بنصره والذب عنه من العلماء والأمراء والدعاة والقادة ونحوهم.
وهذه الشبه والإشاعات هي التي يلقيها الشياطين إلى بعضهم ويتواصون بنشرها ليغروا بها الناس ويلبسوا عليهم دينهم ويفسدوا أمرهم. قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَوَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ١.
فشياطين الجن يوحون إلى أوليائهم من شياطين الإنس من الضلالات والشبهات والتلبيسات، ما يتعرضون به إلى المؤمنين لإضلالهم وإفساد دينهم. قال تعالى:
﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٢.
стр. 497
وكذلك شياطين الإنس يتلقى بعضهم الشر عن بعض، كما قال تعالى:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوآ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوآ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ١
وأخطر المروِّجين للشبهات والإِشاعات المنافقون وأهل الأهواء والمناهج المنحرفة، الذين يكونون بين المسلمين، وفي المسلمين من يستمع لهم وينخدع بزخرف قولهم، قال تعالى:
﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وترويج الشبهات والإشاعات أسلوب ينتهجه كل صاحب فكرة أو مبدإ أو منهج منحرف، وينخدع به من قل حظه من العلم والبصيرة بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة.
قال ابن القيم ﵀: "ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة
стр. 498
الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سَيّئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث اللَّه به رسوله، فهو من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُس﴾ ١ ...
وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال.
ولا يُنجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دق الدين وجله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإِيمان وشرائع الإِسلام ...
وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفساد في الإرادة"٢.
ولذا فإن من أسباب السلامة من الاغترار بالشبهات ملازمة أهل الذكر من العلماء الراسخين المتمسكين بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ونهج سلف الأمة، أهل العلم والدين والعقل والنصح لله ولعباده.
قال اللَّه تعالى:
стр. 499
﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ١.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "هذا تأديب من اللَّه لعباده، ... وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة، ما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر.
بل يردونه إلى الرسول، وإلى أولى الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح، والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها.
فإِن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين، وسروراً لهم، وتحرزا من أعدائهم، فعلوا ذلك.
وإِن رأوا ما فيه مصلحة، أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه.
ولهذا قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة، وعلومهم الرشيدة.
стр. 500
وهذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور، ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإِنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطإ.
وفيه النهي عن العجلة والتسرع، لنشر الأمور، من حين سماعها والأمر بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه، هل هو مصلحة؟ فيقدم عليه الإِنسان، أم لا؟ فيحجم عنه"١.
ولعل أشد مكر المفسدين الناشرين للشبهات والإشاعات هو استهداف العلماء والدعاة ورجال الأمة الناصحين بالشبهات والإِشاعات الجائرة، بغرض زعزعة ثقة الناس بهم، وصدهم عن الاستماع إليهم، والاسترشاد بعلمهم وتوجيهاتهم، وبذلك تخلو الساحة لهؤلاء المفسدين.
وقريباً من ذلك: إذا وقع هذا الداء بين العاملين للإِسلام من طلبة العلم والدعاة ونحوهم، فيتراشقون بالإِشاعات، ويثيرون حول بعضهم الشبهات، فتلك قاصمة الظهر، وبادرة من بوادر الخذلان، ومنفذ خطير للمفسدين لإِضرام نار الفتنة.
وأسوؤهم حالاً، وأعظمهم جرماً وشؤماً من يدعي العمل للإسلام ويتصدى للدعوة وإنكار المنكر، ثم يستهدف أهل العلم والتوحيد،
стр. 501
والدعوة إلى السنة، والذب عن الإِسلام والتحذير من البدع والمحدثات، والمناهج المنحرفة، يستهدفهم بنشر الشبهات والإشاعات عنهم، بقصد صرف الناس عنهم واستجلابهم إليه، أو بصدهم عن جهودهم، فيكونون بعيدين عن النور والبصيرة، فيسهل عليه توجيههم لما يريد من البدع المستحدثة والمناهج المنحرفة.
وإنما يلجأ إلى هذا الأسلوب من يرى نفسه في موقف ضعيف أمام من هو أرسخ منه، محاولة منه في تقوية جانبه، واستجلاب الناس إليه، ولا يمتطي هذا النهج إلا ضعيف الإِيمان والورع والتقوى.
وهذه الفتنة ليس لها إلا الفرار إلى اللَّه، وإحسان الظن به، والتجرد للحق، والبعد عن الهوى والظنون، وملازمة الراسخين في العلم والإِيمان يُستنار بعلومهم وفتاويهم وتوجيهاتهم.
ثم اجتهاد أهل العلم والغيرة على دين اللَّه وعباده، في مقاومة كيد المفسدين، ومصابرتهم، وكشف عوارهم، وإبطال زيغهم.
وقد قلت في هذا المعنى: [ملف الجداول]
وخص منها من بدينه افتتن
ونحتمي باللَّه من عصر الفتن
فاطلب لها يا صاح أهل الأثر
فإن تراءت شبهات أو كدر
بنص وحي واضح مسددا
تجد لديهم كشفها المؤيدا
بعد الكتاب ذاك نهج يقتفى
إذ دأبهم في العلم قال المصطفى
стр. 502
أهل التقى والنور والفعال
أكرم بهم من عصبة المعالي
نصحاً وإرشاداً وقمعاً للفتن
في نصرة الدين وإحياء السنن
واتبع الحق إذا استبان
واللَّه مولى من به استعان
وأحسن الظن بما قضاه
وأسلم الأمر إلى مولاه
أو أمن مكر من شديد الغضب
من غير تفريط بفعل السبب
الراسخين في التقى والفهم
مسترشداً برأي أهل العلم
ونهج أهل السنة التليد
يقدمون دعوة التوحيد
قبل ظهور البدع المستنكرة
في عصر أصحاب الرسول البررة
السادة الأخيار أصحاب المتون
والتابعين دربهم خير القرون
ولا يبعد عن هذا ما يحصل من إثارة الشبهات والشكوك من أصحاب الأهواء والمناهج الثورية، حول ولاة أمور المسلمين من الحكام والأمراء الذين يقيمون الصلاة ومعالم الدين. ويصدر منهم أخطاء ومخالفات.
فإن ما يحصل من الفساد بسبب إِطلاق الألسن في ولاة الأمر وتناقل الإِشاعات التي تستهدفهم، لا يقل عن الفساد الذي يحصل من التعرض للعلماء حماة الدين. إذ ينتج عن الأول فساد الدنيا، وعن الآخر فساد الدين.
стр. 503
قال سهل١ بن عبد اللَّه التستري ﵀: "لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح اللَّه دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين، أفسد دنياهم وأخراهم"٢.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه اللَّه - مبيناً هذا المعنى: "فاللَّه اللَّه في منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإِثارة الناس، وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها.
فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر، ضاع الشرع والأمن، لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم، وإن تكلم
стр. 504
الأمراء تمردوا على كلامهم، وحصل الشر والفساد.
فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان، وأن يضبط الإِنسان نفسه، وأن يعرف العواقب.
وليعلم أن من يثور إِنما يخدم أعداء الإِسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة"١.
وخلاصة هذه الفائدة:
أن المثل دل على أن اتباع الشبهات من أسباب الضلال، ودلت النصوص والواقع على ضلال كثير من الناس بها، وأنها من أخطر أساليب أهل الزيغ والإِفساد في إضلال الناس وصدهم عن الحق، وينخدع بها ضعاف العلم والإِيمان والبصيرة، وأن المخرج من ذلك يكون بالاعتصام بكتاب اللَّه، وسنة رسوله ﷺ والاسترشاد برأي الراسخين في الإِيمان والعلم، أهل السنة، السائرين على نهج سلف الأمة. واللَّه أعلم.
стр. 505
الفائدة الرابعة: دلالة المثل على أن حسن القصد غير معتبر في تصحيح الأعمال إذا خالفت شروط الصحة.
وهذه الفائدة مأخوذة من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ بعد قوله: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً﴾ ، فإِن طالب السراب لم ينفعه ظنه بأن السراب ماء، ولا اجتهاده في طلبه، ولا شدة حاجته إليه، في تغيير حقيقة السراب.
وكذلك أعمال الذين كفروا الممثّل لها التي عملوها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وربما اجتهدوا في عملها، وأحسنوا القصد بالتوجه بها إلى اللَّه، إلا أن ذلك لا يغير من شريعة اللَّه شيئاً، ولا يعتبر في تصحيح الأعمال المبتدعة، والعقائد المستحدثة، والمناهج الضالة، التي لم يأذن اللَّه بها، ولم ينزل بها سلطاناً، وذلك أن اللَّه لا يقبل من العمل إلا ما كان موافقاً لهديه الذي أنزله على رسله.
فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ يدل على حكم أعمال الذين كفروا - الممثّل لها - وأنها باطلة حابطة.
وهذا المعنى مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورًا﴾ ١.
стр. 506
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "هذا يوم القيامة حين يحاسب اللَّه العباد على ما عملوه من الخير والشر فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم، شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع اللَّه، فكل عمل لا يكون خالصاً، وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معاً فتكون أبعد من القبول حينئذ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورًا﴾ ... وذلك أنهم عملوا أعمالاً اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحكم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحداً إذا بها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوآ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّه وَاليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ
стр. 507
فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّه لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُمَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ "٢.
كما بين اللَّه تعالى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٣.
قال ابن كثير ﵀ مرجحاً عموم هذه الآية في كل عامل على غير هدى: "وإنما هي عامة في كل من عبد اللَّه على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال
стр. 508
تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌعَامِلَةٌ نَاصِبَةٌتَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُمَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ ٣ وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أي نخبركم ﴿بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ ثم فسرهم فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي عملوا أعمالاً باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون"٤.
ويلاحظ أن ابن كثير ربط بين هاتين الآيتين، وهما: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورًا﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ
стр. 509
أَعْمَالاً ... ﴾ الآية، وبين المثل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ... ﴾ .
كما نبه ﵀ على أن سبب حبوط أعمال المذكورينفي الآيات الثلاث هو فقدها لشروط الصحة، ويؤيد هذه النتيجة أناللَّه تعالى في سورة الكهف في سياق قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ... ﴾ الآية، ذكر شروط صحة العمل وختم بها السورة في قوله سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١.
وهذا المقام يقودنا إلى التطرق إلى شروط صحة العمل.
شروط صحة العمل:
إن العمل لا يكون صحيحاً مقبولاً عند اللَّه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط على وجه الإِجمال، دل عليها الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وهذه الشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون العامل مؤمناً موحّداً.
стр. 510
الشرط الثاني: الإخلاص وهو أن يقصد بعمله وجه اللَّه .
الشرط الثالث: المتابعة للنبي ﷺ وهو أن يعمل مهتدياً بشريعة النبي ﷺ من دون غلو أو ابتداع.
وقد جمع اللَّه هذه الشروط الثلاثة في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًاوَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ ١
بيّن ابن كثير ﵀ أن اللَّه سبحانه في هاتين الآيتين: "شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإِيمان ...
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي أخلص العمل لربه فعمل إيماناً واحتساباً، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي اتبع في عمله ما شرعه اللَّه، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما أي يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعاً للشريعة، فيصح ظاهره بالمتابعة وباطنه
стр. 511
بالإخلاص. فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقاً، وهم الذين يراؤون الناس. ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً. ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم.."١.
كما جمع اللَّه بين هذه الشروط الثلاثة في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ٢.
قوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ﴾ : هذا شرط الإخلاص، إذ المراد أنه أخلص في عبادة اللَّه ليفوز وينال كرامته في الدار الآخرة.
ويدل على ذلك مقابلة إرادة الآخرة: بعدم الإخلاص، وإرادة الدنيا. كما قال قبل ذلك: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ٣.
وهذا المعنى كثير في القرآن، وهو التعبير عن الإخلاص بإرادة
стр. 512
الآخرة ومقابلته بإرادة الدنيا، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِمِنْهَا﴾ ٢.
قوله: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ : فيه تقرير شرط المتابعة، حيث إن سعي الآخرة هو الأعمال الصالحة وتحقيق العبودية كما ورد بيانها في الكتاب والسنة.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ : "أي طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول ﷺ .."٣.
قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ : نص على شرط الإِيمان.
قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ دليل على أن من حقق
стр. 513
الشروط الثلاثة كان عمله مشكوراً أي مقبولاً.١
الشرط الأول: شرط الإِيمان.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملة حالية، أي حال كونه متلبساً بالإِيمان، وهو شرط في صحة الأعمال كما تقدم قريباً في كلام ابن كثير ﵀.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "وهذا شرط لجميع الأعمال لا تكون صالحة، ولا تقبل، ولا يترتب عليها الثواب، ولا يندفع بها العقاب، إلا بالإِيمان.
فالأعمال بدون الإِيمان، كأغصان شجرة، قطع أصلها وكبناء بنى على موج الماء.
فالإِيمان هو الأصل والأساس، والقاعدة، التي يبنى عليها كل شيء.
وهذا القيد، ينبغي التفطن له، في كل عمل مطلق، فإِنه مقيد به"٢.
وقد ورد التنبيه إلى هذا الشرط في آيات أخر منها: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ
стр. 514
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣.
ونحو ذلك من الآيات.
تحقق هذا الشرط:
هذا الشرط - اللازم لصحة العمل وقبوله وانتفاع العبد به في الدنيا والآخرة - يتحقق بأمرين:
الأمر الأول: صحة العقد، وذلك بأن يأتي بأصل الإِيمان صحيحاً.
وقد تقدم الكلام عليه في بيان أصل الإِيمان في "مقدمات في تعريف الإِيمان" في الباب الأول٤.
الأمر الثاني: الذي يتحقق به شرط الإِيمان: هو استدامة صحة الإِيمان، وذلك بأن لا يتلبس بعمل يوجب له الكفر والخروج من الإِسلام.
стр. 515
وقد جمع بعض أهل العلم أهم نواقض الإِيمان، وحصرها فيما يلي١:
١- الشرك في عبادة اللَّه.
٢- من جعل بينه وبين اللَّه وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعاً.
٣- من لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كَفَر.
٤- من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.
٥- من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر.
٦- من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثواب اللَّه أو عقابه كفَر.
٧- السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفَر.
٨- مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.
٩- من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة النبي محمد
стр. 516
صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر١ الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر.
١٠- الإعراض عن دين اللَّه تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به.٢
стр. 517
الشرطان الآخران:
جمع اللَّه بين شرط الإخلاص في العبادة، وشرط المتابعة للرسول ﷺ فيها في أكثر من آية، من ذلك الآيات المتقدمة، وهي:
﴿ومن أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١.
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ في بيان لزوم هذين الشرطين لصحة العبادة وقبولها:
"والعبادة والطاعة، والاستقامة، ولزوم الصراط المستقيم، ونحو ذلك من الأسماء، مقصودها واحد ولها أصلان:
أحدهما: أن لا يُعبد إلا اللَّه.
والثاني: أن يُعبد بما أمر وشرع لا بغير ذلك من الأهواء والبدع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ
стр. 518
أَحَدًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ .
فالعمل الصالح هو الإحسان، وهو فعل الحسنات، والحسنات هي ما أحبه اللَّه ورسوله، وهو ما أمر به من إيجاب واستحباب.
فما كان من البدع التي في الدين ليست مشروعة، فإِن اللَّه لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح، كما أن ما يعلم أنه فجور كالفواحش، والظلم، ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح.
أما قوله: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ، وقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ : فهو إخلاص الدين لله وحده.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "اللَّهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً".
وقال الفضيل٢ بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
стр. 519
عَمَلاً﴾ ١ قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟، قال: العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة".٢
وقد وردت نصوص كثيرة تبين أهمية الإخلاص، وأنه أساس قبول العمل من ذلك: قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ٣.
وقوله: ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ٤.
وقال ﷺ في حديث معاذ ﵁:
"فَإِنَّ حَقَّ اللَّه عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"٥.
стр. 520
كما حذر - سبحانه - من الشرك والرياء، مبيناً أنها محبطة للعمل كما في قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الخَاسِرِينَ﴾ ١
وقوله: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّه وَاليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّه لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ﴾ ٢.
والشرك نوعان أكبر وأصغر، كما أن الإخلاص يطلق ويراد به أمران:
الأول: عقد التوحيد في القلب، وهو العزم على أن لا يعبد إلا اللَّه، وهذا النوع داخل في الشرط الأول، وهو شرط الإِيمان، ويضاده الشرك الأكبر المخرج من الإِسلام، والمحبط للعمل جميعاً.
стр. 521
الثاني: الإخلاص، وهو ابتغاء وجه اللَّه في العبادة المعينة ويضاد ذلك الرياء اليسير أو الطارئ على العبادة.
وهو المقصود بهذا الشرط، حيث يقال: إن العبادة لا تقبل إلا إذا توفر فيها شرطا الإِخلاص، والمتابعة.
وإذا فقدت العبادة شرط الإخلاص فهي حابطة.١
قال ﷺ : "قَالَ اللَّه ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"٢.
أما شرط المتابعة فقد وردت نصوص كثيرة في بيان أهميته لصلاح الأعمال، وأن التفريط به من أسباب الضلال.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣.
стр. 522
وقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
فبين - سبحانه - أن ضلال من ضل إنما كان بسبب إعراضهم عن دينه القويم، وعدم اتباع نبيه الكريم، واتباعهم لأهوائهم، أو أوليائهم، أو لما وجدوا عليه آباءهم، وسلوكهم للسبل المنحرفة المخالفة لصراط اللَّه المستقيم.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ ٣.
قال ابن كثير ﵀: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللَّه ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله"٤.
стр. 523
وقد حذر النبي ﷺ من الابتداع في الدين، كما في قوله: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّه وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ"١.
وقال ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ"٢.
وفي رواية: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"٣.
قال ابن رجب ﵀: "فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة": من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : "من
стр. 524
أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقاد، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة"١.
وقال: "والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة"٢.
وكما حذر ﷺ من البدع والمحدثات، حذر من التشدد والتنطع في الدين، حيث قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً.٣
وقال: "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"٤.
قوله: "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي": يشمل الانصراف عن هديه وسنته إلى الغلو والتنطع، كما تدل على ذلك مناسبة الحديث، كما يشمل العمل
стр. 525
بالبدع والمحدثات.
وخلاصة هذه الفائدة:
أن المثل دل على بطلان أعمال الكفار التي عملوها على غير هدى من اللَّه، والتي فقدت شروط الصحة، وأن ظنهم بأنها حق، أو حسن قصدهم لا يعتبر في تصحيحها.
كما جرى الكلام على شروط صحة العمل، وأنها ثلاثة:
الأول: كون العامل مؤمناً موحداً، قد جاء بأصل الإِيمان على الوجه الصحيح، ولم يبطل إِيمانه بأي عمل مكفر مخرج من الإِسلام.
الثاني: الإخلاص: وهو أن يبتغي بأعماله وجه اللَّه.
الثالث: المتابعة، وذلك بأداء العمل وفق شريعة النبي ﷺ .
стр. 526
الفائدة الخامسة: دلالة المثل على اختلاف دوافع وحساب الضالين الذين شبهت أعمالهم بالسراب.
ومأخذ هذه الفائدة من ختام المثل حيث قال سبحانه: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ فلم يقل سبحانه فعذبه، أو أدخله النار، أو نحو ذلك، وإنما جاء بختام يناسب جميع الكفار الذين شبهت أعمالهم بالسراب على اختلاف دوافعهم وأحوالهم، فكل سينال الجزاء الذي يستحقه، وسيجري حسابهم كل كما يتناسب مع حاله.
ويمكن تلمس بعض الاحتمالات للدوافع التي تدفع أصحابها إلى تتبع الشبهات والعمل بالضلال، قياساً على ما يحتمل من حال اللاهث وراء السراب، ونستخلص من ذلك عدة صور:
منها: أن يكون صاحب السراب معذوراً حيث لم يجد ماء ولا من يرشده إلى الماء، ودفعه شدة العطش، وحب الحياة إلى التمسك بأي شيء، فاندفع نحو السراب بمجرد أن لاح له.
ومثل هذا: المتدينون من أهل الفترة الذين لم يجدوا من يدلهم على الطريق الصحيح، ومثلهم: من يكون في مجتمع ينتسب إلى الإِسلام لكن غلب على أهله الجهل، ولا يوجد فيه عالم مستبصر، فيمارس المتدينون أعمالاً من جنس البدع والمحدثات، يظنونها هدى، وهي ضلال ما أنزل اللَّه بها من سلطان، كبعض المجتمعات المنتسبة إلى الإسلام في الدول
стр. 527
الشيوعية كالصين، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي - سابقاً - ونحوها.
ومنها: أن يكون مخدوعاً، شاهد أناساً كثيرين، بينهم من يحسن الظن به، منساقين نحو السراب، فانساق معهم.
ومثل هذا: أتباع الفرق، والطوائف، والطرق الضالة، فإنهم ينساقون خلف أئمتهم وساداتهم ويحسنون الظن بهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَرَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ العَذَابِ وَالعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ١.
وقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُوَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّه أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ ٢.
ومنها: أن يكون صاحب السراب مغروراً معجباً برأيه وعقله وعلمه، مع احتقاره لمن يصادفهم في الصحراء، فيستكبر عن سؤالهم، ويرى نفسه أعلم وأقدر منهم على التمييز بين الأشياء، ومعرفة الحقائق،
стр. 528
فيحمله ذلك على أن ينساق وراء السراب الخادع مع وجود من يهديه إلى موارد الماء، ويعرفه بحقيقة السراب، وربما نصحوه وبينوا له فلم يلتفت إليهم.
ومثل هذا النوع: الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام، وكل من اعتمد المنهج العقلي في معرفة حقائق الدين وخاصة في المطالب الإلهية والأمور الغيبية، فأعرض عن هدى الكتاب والسنة وازدرى علماء الشريعة.
ومنها: أن يكون طالب السراب خادعاً غروراً، يعلم حقيقة السراب وأنه ليس بشيء، ولكنه يسير إليه ليغرر غيره بذلك لوجود مصلحة له في ذلك، أو عداوة لمن يغرر بهم ليهلكهم.
ومثل هذا النوع: إبليس، ومردة الشياطين، وكثير من المفسدين من شياطين الإنس الذين يضلون الناس على علم.
وقد وصف اللَّه هذا الصنف بقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ١.
وكل هؤلاء على اختلاف دوافعهم سيصيرون إلى اللَّه، وسوف
стр. 529
يحاسبهم ويجازيهم بما يستحقون، كما دل على ذلك ختام المثل ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ .
وإذا كان المثل جاء بختام صالح لبيان جزاء أولئك الضُلاَّل الذين شبهت حالهم بطالب السراب، على اختلاف دوافعهم وأحوالهم، إلا أنه ورد ببيان حاسم لبطلان تلك الأعمال وعدم انتفاعهم منها البتة، وذلك في قوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وقد تقدم بيان هذا المعنى.
هل يحاسب الكفار؟
لقد دل ختام المثل على أن الكفار المشبهة أعمالهم بالسراب يحاسبون عليها يوم القيامة، حيث قال سبحانه ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ .
وحساب الكفار دلت عليه نصوص كثيرة منها ما يدل بعمومه على حساب الكفار وغيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِسَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُلِيَجْزِيَ اللَّه كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ ١.