← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الفائدة الخامسة: دلالة المثل على اختلاف دوافع وحساب الضالين الذين شبهت أعمالهم بالسراب. ومأخذ هذه الفائدة من ختام المثل حيث قال سبحانه: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ فلم يقل سبحانه فعذبه، أو أدخله النار، أو نحو ذلك، وإنما جاء بختام يناسب جميع الكفار الذين شبهت أعمالهم بالسراب على اختلاف دوافعهم وأحوالهم، فكل سينال الجزاء الذي يستحقه، وسيجري حسابهم كل كما يتناسب مع حاله. ويمكن تلمس بعض الاحتمالات للدوافع التي تدفع أصحابها إلى تتبع الشبهات والعمل بالضلال، قياساً على ما يحتمل من حال اللاهث وراء السراب، ونستخلص من ذلك عدة صور: منها: أن يكون صاحب السراب معذوراً حيث لم يجد ماء ولا من يرشده إلى الماء، ودفعه شدة العطش، وحب الحياة إلى التمسك بأي شيء، فاندفع نحو السراب بمجرد أن لاح له. ومثل هذا: المتدينون من أهل الفترة الذين لم يجدوا من يدلهم على الطريق الصحيح، ومثلهم: من يكون في مجتمع ينتسب إلى الإِسلام لكن غلب على أهله الجهل، ولا يوجد فيه عالم مستبصر، فيمارس المتدينون أعمالاً من جنس البدع والمحدثات، يظنونها هدى، وهي ضلال ما أنزل اللَّه بها من سلطان، كبعض المجتمعات المنتسبة إلى الإسلام في الدول

стр. 527

الشيوعية كالصين، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي - سابقاً - ونحوها. ومنها: أن يكون مخدوعاً، شاهد أناساً كثيرين، بينهم من يحسن الظن به، منساقين نحو السراب، فانساق معهم. ومثل هذا: أتباع الفرق، والطوائف، والطرق الضالة، فإنهم ينساقون خلف أئمتهم وساداتهم ويحسنون الظن بهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَرَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ العَذَابِ وَالعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ١. وقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُوَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّه أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ ٢. ومنها: أن يكون صاحب السراب مغروراً معجباً برأيه وعقله وعلمه، مع احتقاره لمن يصادفهم في الصحراء، فيستكبر عن سؤالهم، ويرى نفسه أعلم وأقدر منهم على التمييز بين الأشياء، ومعرفة الحقائق،

стр. 528

فيحمله ذلك على أن ينساق وراء السراب الخادع مع وجود من يهديه إلى موارد الماء، ويعرفه بحقيقة السراب، وربما نصحوه وبينوا له فلم يلتفت إليهم. ومثل هذا النوع: الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام، وكل من اعتمد المنهج العقلي في معرفة حقائق الدين وخاصة في المطالب الإلهية والأمور الغيبية، فأعرض عن هدى الكتاب والسنة وازدرى علماء الشريعة. ومنها: أن يكون طالب السراب خادعاً غروراً، يعلم حقيقة السراب وأنه ليس بشيء، ولكنه يسير إليه ليغرر غيره بذلك لوجود مصلحة له في ذلك، أو عداوة لمن يغرر بهم ليهلكهم. ومثل هذا النوع: إبليس، ومردة الشياطين، وكثير من المفسدين من شياطين الإنس الذين يضلون الناس على علم. وقد وصف اللَّه هذا الصنف بقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ١. وكل هؤلاء على اختلاف دوافعهم سيصيرون إلى اللَّه، وسوف

стр. 529

يحاسبهم ويجازيهم بما يستحقون، كما دل على ذلك ختام المثل ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ . وإذا كان المثل جاء بختام صالح لبيان جزاء أولئك الضُلاَّل الذين شبهت حالهم بطالب السراب، على اختلاف دوافعهم وأحوالهم، إلا أنه ورد ببيان حاسم لبطلان تلك الأعمال وعدم انتفاعهم منها البتة، وذلك في قوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وقد تقدم بيان هذا المعنى. هل يحاسب الكفار؟ لقد دل ختام المثل على أن الكفار المشبهة أعمالهم بالسراب يحاسبون عليها يوم القيامة، حيث قال سبحانه ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ . وحساب الكفار دلت عليه نصوص كثيرة منها ما يدل بعمومه على حساب الكفار وغيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِسَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُلِيَجْزِيَ اللَّه كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ ١.

стр. 530

وقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَلاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُذَكِّرٌلَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍإِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَفَيُعَذِّبُهُ اللَّه العَذَابَ الأَكْبَرَإِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ٢. كما وردت آيات تدل على حساب الكفار والمشركين كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّه فَإِنَّ اللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ٤. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا

стр. 531

فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَادُ﴾ ١. والحساب والجزاء مرتبطان، حيث إن الجزاء هو نتيجة الحساب، والحساب إنما هو لتقدير الجزاء. قال الراغب الأصفهاني ﵀ في تعريف الحساب: "وإنما هو في الحقيقة ما يحاسب عليه فيجازَى بحسبه"٢. والحساب يكون يوم القيامة عندما يلقى العباد ربهم، ويوقفهم على أعمالهم التي عملوها، ويكشف لهم حقائقها، ويشمل ذلك: ما يقوله لهم من السؤال أو التقرير أو التوبيخ، وما يجيبونه من الاعتذار أو الإنكار ونحوه، كما يشمل: إقامة الحجج عليهم، وإحضار الشهود، وتقدير الأعمال ووزنها. والناس يختلفون يوم القيامة باعتبار الحساب، وليس حساب الكفار كحساب الظالمين أنفسهم من المسلمين. قال ابن تيمية في بيان طبيعة حساب الكفار: "وفصل الخطاب أن الحساب: يراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات، فإِن أريد

стр. 532

بالحساب المعنى الأول فلا ريب أنهم يحاسبون بهذا الاعتبار. وإن أريد المعنى الثاني: فإن قصد بذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة فهذا خطأ ظاهر. وإِن أريد أنهم يتفاوتون في العقاب، فعقاب من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلت سيئاته، ومن كان له حسنات خفف عنه العذاب، كما أن أبا طالب١ أخف عذاباً من أبي لهب٢ وقال تعالى:

стр. 533

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ﴾ ٢، والنار دركات، فإذا كان بعض الكفار عذابه أشد عذاباً من بعض - لكثره سيئاته وقلة حسناته - كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخولهم الجنة"٣. وعلى هذا فالحساب يراد به ثلاثة معان: الأول: العرض، وهو نوعان: عرض تقرير ثم صفح وستر، وهو الحساب اليسير، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِفَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ٤. وعرض توبيخ وتبكيت، تكشف به مخازي المجرمين، ويوقفون على معاصيهم ويلامون عليها، ويسألون سؤال تقريع. وهذا النوع حاصل للكافرين. الثاني: موازنة السيئات بالحسنات، وهذا يكون للظالمين أنفسهم من

стр. 534

المسلمين، حيث توزن أعمالهم بميزان له كفتان. الثالث: تقدير الأعمال لبيان مراتب المؤمنين، أو دركات الكافرين، وهذا النوع لا يكون فيه إلا نوع واحد من الأعمال، إما الحسنات فقط بالنسبة للمؤمنين الأبرار، أو السيئات فقط بالنسبة للكافرين ويكون تقديرها بالموازين المناسبة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ ١. فالجمع: ﴿مَوَازِينَ﴾ قد يكون باعتبار تعددها، وقد يكون باعتبار تنوعها. واللَّه أعلم. وخلاصة هذه الفائدة: أن المثل جاء في ختامه بقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ ببيان لحساب اللَّه لهذا الصنف من الكفار، وأنهم يختلفون باعتبار دوافعهم وأحوالهم، من حيث شدة الكفر أو ضعفه، أو وجود ما قد يعذرون به من عدمه، وأنه سبحانه سوف يحاسب الجميع، ويوقفهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها بما يستحقون، على حد قوله تعالى: ﴿لاَ

стр. 535

يُكَلِّفُ اللَّه نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ ١ وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَرَسُولاً﴾ ٢.واللَّه أعلم.

стр. 536

المطلب الرابع: الفوائد المستنبطة من المثل ... ﵀ في وجوب الاكتفاء بالرسالة، والاستغناء بما جاء به النبي ﷺ عما سواه حيث قال: " فصل: في الاكتفاء بالرسالة، والاستغناء بالنبي ﷺ عن اتباع ما سواه اتباعاً عاماً، وأقام اللَّه الحجة على خلقه". فقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١. فدلت هذه الآية على أنه لا حجة لهم بعد الرسل بحال، وأنه قد يكون لهم حجة قبل الرسل. فـ (الأول) : يبطل قول من أحوج الخلق إلى غير الرسل حاجة عامة كالأئمة. و (الثاني) : يبطل قول من أقام الحجة عليهم قبل الرسل من المتفلسفة والمتكلمة. وقال تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٢.

стр. 537

المطلب الخامس: خلاصة دراسة هذا المثل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ... ﴾ الآية. تبين من دراسة هذا المثل ما يلي: أولاً: نوع المثل: يقوم هذا المثل على القياس التمثيلي، وهو تمثيل مركب، شبّه فيه الممثّل له وهو: مصير أعمال الكفار، وما يتصل بها، وحال عملها، بمصير وحال اللاهث وراء السراب، وما يلابس هذه الحال، ويحيط بها، وما تستلزمه. ثانياً: الممثّل به: سراب لاح لشخص في صحراء منبسطة، في رائعة النهار، والشمس كأشد ما تكون إضاءة وحرارة، وقد اشتد عطشه وقويت حاجته إلى الماء، فظن ذلك السراب ماء، فجرى نحوه، فلما وصل المكان الذي تراءى له فيه لم يجد ماء ولا شيئاً، ولم يغن عنه سعيه، ولا ظنه في إنقاذه من الهلكة، وباء بالخيبة، ولم يسلم من المؤاخذة. ثالثاً: الممثّل له: بيان حال صنف من الكفار من حيث سبب ضلالهم، وحكم أعمالهم، وجزائهم عليها. هؤلاء الكفار تميزوا بأنهم من المنتسبين إلى الإِسلام، ويدَّعون الإِيمان باللَّه، ويطلبونه ... إلا أنهم ضلوا بإعراضهم عن الإِيمان الحق الذي دل عليه كتاب اللَّه المحفوظ وسنة نبيه ﷺ الصحيحة، وطلبوا ذلك من مستنقعات الضلال فهم يتعلمون ويعملون ولكن على غير هدى.

стр. 538

فدل المثل على حكم أعمالهم وأنها باطلة، والحكم عليهم بأن كلاً سوف يلاقي جزاءه المناسب لحاله وأعماله. رابعاً: دل المثل على جملة فوائد من أهمها: ١- دلالة المثل على سبب كفر هذا الصنف من الكفار. ٢- دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الظن. ٣- دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الشبهات. ٤- دلالة المثل على أن حسن القصد غير معتبر في تصحيح الأعمال إذا خالفت شروط الصحة. ٥- دلالة المثل على اختلاف دوافع وحساب الكفار الذين شبهت أعمالهم بالسراب.

стр. 539

المبحث الرابع: دراسة المثل في قولة تعالى: ﴿أو كظلمات في البحر لجي﴾ المطلب الأول: نوع المثَل ... المطلب الأول: نوع المثَل: أولاً: من حيث القياس هو قياس تمثيلي. حيث جعلت الصورة المنتزعة من حال الكائن في ظلمات بحر لجي حجب عنه النور بأكثر من حجاب وما يحيط به من أحوال البحر المضطرب كثير المخاوف، مثالاً تقاس به أعمال فريق من الكفار ويُعطَوْن حكمه، ويعتبر به في معرفة حقيقة حالهم. ثانياً: من حيث التشبيه: هو تشبيه مركب. وذلك أن كلاً من الممثّل به والممثّل له عبارة عن صورة مركبة من جملة أفراد تعطي في مجموعها الوصف المعتبر والحكم المشترك بين المشبه والمشبه به. حيث شبهت أعمال صنف من الكفار في ظلمتها وظلمة قلوب عمالها وحيرتهم، وما ينتابهم من اضطراب وخوف، بالظلمة الحاصلة حول شخص كائن في قاع بحار عميقة، تضطرب حوله الأمواج، وتنتابه المخاوف، بسبب استحكام الظلمة من حوله في ذلك المكان المفزع، حتى إنه إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، حيث حجب عنه الضوء بحجب ثلاثة.

стр. 540

المطلب الثاني: بيان الممثّل به (المثَل) : إِن معظم ألفاظ المثَل واردة لبيان الممثّل به، ولا يختص بالممثّل له إلا ما يستفاد من حرف العطف "أو" والكاف في قوله: ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾ في بدايته، وقوله: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ في ختامه. ولذا فإِن دراسة ألفاظ المثَل، وإِبراز ما تدل عليه باعتبار المعنى اللغوي، واستنتاج ما توحي به من أحوال المشبه به، أمر مهم لفهم صورة الممثّل له. وأبدأ بعون اللَّه في دراسة ألفاظ المثَل المتعلقة بالممثّل به: ﴿أَوْ﴾ : حرف عطف. عطف مثل الظلمات على مثل السراب، الذيِّن شبهت بهما أعمال الكفار. وهي ترد لعدة معان، من أهمها: التخيير، والإِبَاحَة، والشك، والإبهام، والتقسيم.. وغيرها.١ واختلف المفسرون في معنى "أو" المراد في الآية: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ ... ﴾ فأكثرهم على أن معناها الإِبَاحَة. منهم من نص على ذلك٢ ومنهم من

стр. 541

فسرها على هذا المعنى دون نص عليه١. ومن المفسرين من فسرها على معنى التقسيم٢. ومنهم من جوز تفسيرها بجميع معانيها على توجيه لكل منها٣. إلا أن هذا لا يستقيم إلا إذا رجعت المعاني الأخرى إلى معنى: الإِبَاحَة أو التقسيم. "والفرق بين الإِبَاحَة والتخيير: أن الإِبَاحَة لا تمنع الجمع، والتخيير يمنعه"٤. وعلى هذا فتفسير "أو" للإباحة معناه: أن كل مثل من المثَلين - مثل السراب، ومثل الظلمات - يصلح لبيان حال وحكم أعمال الكفار باعتبار. "على معنى أن المثالين سواء في استقلال كل واحد منهما بوجه

стр. 542

التمثيل، فبأيهما مثلتهم فأنت مصيب، وإن مثلتهم بهما جميعاً فكذلك"١. أما تفسير "أو" للتخيير فمعناه: أن تكون مخيراً فيهم، مَثِّلْهُمْ بأي المثالين شئت، كما لو قلت: خذ درهماً أو ديناراً.٢ والمراد أن تأخذ واحداً، لا أن تجمع بينهما. وهذا التفسير لا يتفق إلا إذا رجع معنى التخيير إلى معنى الإِبَاحَة، وكان كل مثل صالح لتصوير حالهم. ولذلك اختار أغلب المفسرين معنى الإِبَاحَة. إلا أن هناك ما يعكر تفسير "أو" بالإِبَاحَة أو التخيير، ألا وهو اشتراط أكثر النحويين أن تسبق "أو" بطلب. فقد ورد في تعريف هذين المعنيين ما يدل على ذلك. فـ "أو" للتخيير: "هي الواقعة بعد الطلب، وقبل ما يمتنع فيه الجمع"٣. و"أو" للإباحة: "هي الواقعة بعد الطلب، وقبل ما يجوز فيه

стр. 543

الجمع"١. وبيّن صاحب "النحو الوافي" هذا المعنى، والفرق بين "أو" للتخيير والإِبَاحَة بقوله: "ومما تقدم يتبين أن الإِبَاحَة والتخيير لا يكونان إلا بعد صيغة دالة على الأمر دون غيره. كما يتبين وجه الشبه والتخالف بين الإِباحة والتخيير، فهما يتشابهان في أن كلاً منهما يجيز للمخاطب أن يختار أحد المتعاطفين. ويختلفان في أن التخيير يمنع الجمع بين المتعاطفين، أما الإِبَاحَة فلا تمنع"٢. وهذا الشرط وإن كان ليس مجمعاً عليه عند النحاة٣، إلا أن أكثرهم يرى ذلك، وهو الأشهر. والمثَل لم يسبق بأمر ولا طلب، بل هو خبر محض. فأقل أحوال هذا الشرط أنه يضعف تفسير "أو" في المثَل بمعنى الإِباحة، خصوصاً عند وجود معنى سالماً من الاعتراض كما سيأتي. ومن معاني "أو" الشك والإبهام، وهما وإن كان يشترط لهما أن يسبقا بجملة خبرية٤، إلا أنهما أبعد في كونهما مرادَيْن في المثَل من المعنيين المتقدمين، إذ أن المثَل ورد للإيضاح والبيان وليس للإبهام والشك والحيرة.

стр. 544

وكل محاولة لتفسير "أو" في المثَل بهذين المعنيين لا تستقيم إلا إذا أرجعت إلى معنى الإِبَاحَة أو التقسيم. ومن معاني "أو" التقسيم وبيان الأنواع. نحو: الكلمة: اسم، أو فعل، أو حرف.١ وتكون دلالة "أو" في المثَل على هذا المعنى: أن الذين كفروا باعتبار أعمالهم ينقسمون إلى قسمين في الجملة: قسم بُيِّن حالهم وحال أعمالهم بمثل السراب، والآخرون بُيِّن حالهم وحال أعمالهم بمثل الظلمات. وهذا المعنى هو الأقرب لتفسير "أو" في المثَل به، للاعتبارات الآتية: ١- وجود ما يمنع أو يضعف تفسيرها بالمعاني الأخرى، وخاصة معنى الإِبَاحَة الذي عليه أكثر المفسرين، والذي يشترط له أكثر النحاة أن تسبق "أو" بطلب. ٢- أن هذا المعنى قد قال به بعض المفسرين والعلماء المحققين، حيث نصوا على أن أحد المثَلين لأصحاب الجهل المركب، والآخر للجهل البسيط، ففسروها على معنى التقسيم.٢ وقال ابن تيمية ﵀: "فيكون التقسيم في المثَلين لتنوع الأشخاص، ولتنوع أحوالهم،

стр. 545

وبكل حال فليس ما ضرب له هذا المثَل هو مماثل لما ضرب له هذا المثَل، لاختلاف المثَلين صورة ومعنى، ولهذا لم يضرب للإِيمان إلا مثل واحد، لأن الحق واحد، فضرب مثله بالنور، وأولئك ضرب لهم المثَل بضوء لا حقيقة له، كالسراب بالقيعة، أو بالظلمات المتراكمة"١. ٣- أن هذا المعنى يتفق مع ما تقدم٢ من دلالة السياق، وألفاظ المثَلين، والنتيجة المستخلصة من ذلك، من أن كل مثل ضرب لبيان أعمال فريق من الكفار. وعلى هذا تتظافر الدلائل المستفادة من: السياق، ومن التأمل في ألفاظ المثَلين، ومن المعطيات اللغوية على إفادة أن كل مثل ضرب لبيان أعمال فريق من الكفار وما يتصل بها من أحوالهم. قوله: ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾ . الكاف: أداة تشبيه، ومحلها في الإعراب: الرفع لكونها معطوفة على الكاف في ﴿كَسَرَاب﴾ وهذه الأخيرة خبر المبتدأ الذي هو أعمالهم.٣ وتقدير الكلام: والذين كفروا أعمالهم كسراب ... أو هي كظلمات ...

стр. 546

الظلمات: المراد الظلمة الحسية الكائنة في هذا المكان الموصوف. والظلمات: هي أساس التمثيل، إلا أن مدى التمثيل يشمل حال الكائن في هذه الظلمة وأثرها عليه. وسيأتي في تدبر ألفاظ المثَل ما يدل على أنها ظلمة حالكة مفزعة. قوله: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ . في: حرف جر، وهي هنا للظرفية المكانية، ومتعلقة بالظلمات. فهي تدل على أن الظلمات كائنة في مكان ما من البحر اللجي. وسيأتي مزيد بيان لطبيعة هذا المكان في تحليل ألفاظ المثَل القادمة. بحر: "أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير"١ وهو يطلق على البحر الصغير والكبير، كما دل عليه قوله سبحانه: ﴿وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ ٢، ومعلوم أن الفلك تجري في البحار الصغيرة وفي المحيطات الكبيرة. وقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِيَ إِسْرَآئِيلَ البَحْرَ﴾ ٣ ومعلوم أن البحر الذي فرقه اللَّه لبني إسرائيل من البحار الصغيرة.

стр. 547

ويطلق أيضاً على الماء المالح والعذب. لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ١ ونحوها. وعلى هذا فلفظ "البحر" يطلق على المحيطات العظيمة، والبحار الصغيرة، والأنهار الجارية، والبحيرات الكبيرة، المالحة منها والعذبة. وبهذا يعلم ضعف قول من حصر تعريف البحر في البحار الكبيرة المتصل بعضها ببعض٢، أو في البحار مالحة الماء٣، فإِن ظاهر نصوص القرآن تعارضه. ولعموم وسعة دلالة لفظ البحر ناسب وصفه بأنه لجي ليكتسب معنى وبعداً هاماً في إبراز الصورة المرسومة في المثَل. لجي: صفة لبحر٤. وتدور تفاسير أهل العلم لهذا اللفظ على معنين: الأول: التردد والاضطراب، الناتج عن اختلاط الأمواج وهيجانها.

стр. 548

ومنه قولهم: "التجّ البحر: اضطرب وهاج وغمر"١. ويؤيد هذا المعنى ما بعده، من قوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ . قال الراغب مبيناً هذا المعنى: "ومنه لَجة الصوت - بفتح اللام - أي تردده، ولُجة البحر - بالضم - أي تردد أمواجه.. قال: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ منسوب إلى لجة البحر.."٢. ويستفاد من هذا المعنى أن المكان المصور للمشبه به مكان مخوف مفزع موحش: "والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإِذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه زاد الخوف"٣. الثاني: لجي: "العميق كثير الماء، منسوب إلى اللج، وهو معظم ماء البحر. يقال: لج الماء ولجُته: أي معظمه"٤.

стр. 549

"اللجة معظم الماء، ... وهو الذي لا يدرك لعمقه"١. ويؤيد هذا المعنى - وهو دلالة وصف البحر بأنه لجي على عمقه - ما ثبت في علم البحار من أن الأمواج الباطنية - التي تكون تحت سطح الماء المعبر عنها بقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ - لا تكون إلا في البحار العميقة.٢ وسيأتي مزيد إيضاح لهذه الدلالة العلمية. ويستفاد من هذا المعنى أن مكان التشبيه مكان مظلم. إذ هذه طبيعة قاع البحار العميقة وذلك أن الأمواج الباطنية لا تكون إلا في عمق البحار العظيمة، ومكان التشبيه كائن تحتها. ويكون مجموع المستفاد من قوله: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ . أن المشبه به كائن في مكانٍ ما في قاع بحر عظيم عميق مظلم مضطرب الأمواج مخيف مفزع. قوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ . يغشاه: أي يغطيه. قال في المفردات: "غشى: غشيه غشاوة وغشاءً: أتاه إِتيان ما قد

стр. 550

غشيه، أي ستره. والغشاوه ما يغطي به الشيء"١. والضمير في ﴿يَغْشَاهُ﴾ : " لصاحب الظلمات أو للبحر"٢. ويحتمل أن يكون: للمكان الذي فيه المشبه به. المدلول عليه بقوله: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ : أي في مكان ما من البحر اللجي، كما تقدم. والقول أن الضمير يعود على البحر فيه نظر، وذلك أن الموج داخل البحر، وجزء منه، والغشيان هو التغطية، والموج لا يغطي البحر وإنما يتردد فيه. والقول أن الضمير لصاحب الظلمات، جيد إلا أنه لم يتقدم ما يشير إليه في السياق، وإن كان سيأتي بعد في قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . لذلك فالأقوى أن الضمير يعود على المكان الذي حدد في قاع البحر العميق والذي هو مسرح المثَل. وهو يتضمن صاحب الظلمات إذ هو فيه. فتكون جملة: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ صفة للمكان الواقع فيه المشبه به صاحب الظلمات في قاع البحر. فالسياق يبين المكان الذي يقع فيه المشبه به وما يعتريه من أسفل إلى أعلى.

стр. 551

فالمكان في قاع البحر المظلم، ويغطيه ويغمره موج من فوقه، وفوق ذلك الموج موج آخر، وفوق البحر سحاب. كما يدل السياق على أن هذه العوامل تسهم في حجب النور عن الكائن في ذلك المكان، وتصور شدة الظلمة المحيطة بالمشبه به. كما سيأتي في قوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . وهذه الصورة المرسومة للممثل به تدل على وجود موج داخل البحر واقع بين قاعه والموج الذي يكون على سطحه. ففي هذا تقرير لحقيقة علمية. قال محمد حسن هيتو: "فقوله تعالى: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ : فيه إشارة لا لبس فيها ولا غموض إلى هذه الأمواج الداخلية التي تكلم عنها العلم الحديث وأثبتها، كما يشير إلى الأمواج السطحية التي نراها ونعرفها، وهذا المعنى واضح من قوله تعالى: ﴿مّن فَوْقِهِ﴾ ، أي أن الموج الأول من الأسفل، والموج الثاني يأتي من فوقه، ولم نعد بحاجة إلى ارتكاب المجاز في قولنا١: من فوقه: أي من

стр. 552

بعده، وأن تتابع الموج يظهره كأن بعضه يركب بعضه الآخر. إن الآية واضحة كل الوضوح، وصريحة في دلالتها على هذا الذي اكتشفه العلم الحديث من الأمواج الباطنة التي تعلوها الأمواج السطحية، ولا سيما أن الآية قالت: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ أي عميق،..، وهذا إِنما يكون في المحيطات، لا على الشواطئ والخلجان١. ويأتي الكلام - إِن شاء اللَّه - على دلالة هذه الفائدة العلمية، عند الكلام على فوائد المثَل. قوله: ﴿مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ .

стр. 553

الضمير في قوله: ﴿مّن فَوْقِهِ﴾ يعود على الموج المتقدم ذكره في قوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ ، فقوله: ﴿مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ صفة للموج المتقدم ذكره.١ وهذا الموج هو الكائن على سطح البحر، المشاهد بالعيان، وذلك إِن هذا المعنى هو المتبادر إلى الذهن إزاء لفظ "الموج" ولم يصرف عن ذلك بصارف. كما أنه هو الموج الذي يكون السحاب من فوقه. قوله: ﴿مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ . الضمير في قوله ﴿مّن فَوْقِهِ﴾ يعود على الموج المذكور في قوله تعالى: ﴿مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ فتكون هذه الجملة ﴿مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ صفة له.٢ وهذا الحجاب خارج عن البحر منفصل عنه، وأثره في حجب النور أعظم حيث حجب مصدر النور الحسي الذي هو الشمس في النهار، ومعالم الاهتداء التي هي النجوم في الليل. والسياق لم يذكر هل الزمان ليل أو نهار. ومن ذكر من المفسرين٣ أن الزمان ليل اعتبر أنه هو الأنسب

стр. 554

لسياق المثَل المصوِّر لشدة الظلمة. إلا أن اعتبار الزمان نهاراً له وجه معتبر في المثَل، حيث يدل على أن مصدر النور الذي هو الشمس موجود إلا أن صاحب الظلمات أوقع نفسه في مكان محجوب عن النور، وفي حال أوجبت أن يحال بينه وبينه. قوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ هذه الجملة فيها إجمال بعد تفصيل، وقد تضمن أسلوب المثَل إجمالاً ثم تفصيلاً ثم إجمالاً. وذلك أنه قال في أول المثَل: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ثم فصلها وبين أنها مكونة من ظلمة قاع البحر الناتجة عن موج فوقه، وموج فوق الموج الأول، وسحاب فوق الجميع، ثم أجمل بقوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . وقد تضمن قوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فائدة علمية في علم الضوء. وذلك أنه - سبحانه - عَدَّ في الظلمات الموج الأول والموج الثاني. والموج هو حركة ماء البحر، وماء البحر شفاف. فكيف يسمى ظلمة؟ إن تسمية هذه الحجب ظلمة إنما هو باعتبار أنها مسببة لها. والسياق يدل على أن الظلمة لم تحدث من شيء واحد، وإنما ساهمت هذه العوامل مجتمعة في تكوينها واستحكامها.

стр. 555

فالسحاب، والموج الأول، والموج الثاني، كل منها عزل شيئاً من الضوء فأحدث ظلمة فيما تحته. وهذا المعنى تماماً هو ما يقرره قانون انعكاس وانكسار الضوء عند مروره في الأوساط المختلفة وخلاصته: أنه إذا سقطت حزمة من الأشعة الضوئية على سطح فصل بين وسطين شفافين فإنها تنقسم إلى حزمتين، حزمة تنعكس، وأخرى تنفذ إلى الوسط الثاني وتنكسر داخله.١ والأشعة المنعكسة: هي أشعة مرتدة إلى الوسط الأول. والأشعة المنكسرة: هي أشعة تنفذ إلى الوسط الثاني، إلا أنها تنكسر فيه، ونظراً لتعدد الأوساط المائية داخل البحر، بسبب اختلاف كثافتها، فإِن عملية الانعكاس والانكسار تتكرر، وكمية الضوء النافذ تقل. "ذلك لأن المياه في البحار والمحيطات سرعان ما ترتب نفسها رأسياً وأفقياً تبعاً لاختلاف كثافتها، وتتركز طبقات المياه الأثقل وزناً والأعلى كثافة في الأسفل، وتعلوها طبقات المياه الأقل وزناً والأقل كثافة"٢. وإِذا تعدد الانكسار - بسبب تعدد الأوساط المائية المختلفة

стр. 556

الكثافة - فإِن ذلك "يؤدي.. إلى ازدياد زاوية سقوط الشعاع الضوئي بانتقاله من الطبقات العليا للطبقات السفلي. وإذا زادت زاوية سقوط الشعاع بحيث أصبحت أكبر من الزاوية الحرجة، فإِن الشعاع ينعكس انعكاساً كلياً"١. وهذا يعني أن الضوء في هذا الوضع يرتد إلى أعلى ولا ينفذ منه شيء. ويوجد عوامل في طبيعة المشبه به تساعد على انعكاس الضوء، وزيادة انكساره، وعدم نفوذه إلى أسفل، منها: ١- عدم استقامة الوسط الفاصل على سطح البحر نتيجة للتموج، فيتخذ الماء أشكالاً مختلفة تساعد على زيادة انعكاس الضوء٢. ٢- سماكة الوسط وكثافته، تزيد من انكسار الأشعة الضوئية وتقلل من نفوذها إلى أسفل. ومعلوم أن ماء البحر كثافته كبيرة لوجود الأملاح الذائبة فيه.

стр. 557

كما أن سماكة الأمواج - في البحار العظيمة - كبيرة، فقد تصل سماكة كل من الموج السطحي، والموج الباطني إلى (٣٠) متراً.١ ٣- حركة الماء وتموجه وتفاوت درجة حرارته تحدث وضعاً مختلف الأوساط تشبه ألواح الزجاج الموضوعة بعضها على بعض، وينتج عن هذا تكرر عملية الانعكاس والانكسار مما يقلل كمية الضوء الذي ينفذ إلى أسفل٢. وعلى هذا فالأشعة الضوئية التي تنفذ من الحجاب الأول - السحاب - ينعكس جزء كبير منها عند سطح البحر عند سقوطه على الموج السطحي - الحجاب الثاني - ويتوالى انعكاس وتكسر الضوء النافذ إلى الماء حتى لا يكاد يصل إلى الموج الباطني - الحجاب الثالث - شيء، وما قد يصل إليه يحصل له ما حصل للضوء عند مروره في الموج الأول، فيتلاشى الضوء تماماً داخل الموج الثاني ولا ينفذ منه شيء إلى أسفل. وإذا علم أن أعماق البحار الكبيرة سحيقة - فالمحيط الهادي مثلاً متوسط عمقه (٤٢٨٢) متراً، وأقصى عمق له هو (١١٠٢٢) متراً٣ -

стр. 558

عُلِم بُعد مكان الممثّل به عن مصدر الضوء، وشدة ظلمته لوجود الحجب الكثيرة بينه وبينه. وهذه الظلمة ملازمة لا تتأثر بإشراق الشمس نهاراً فوق السحاب، أو غيابها ليلاً. فسببها الحجب الكثيفة المانعة للضوء والبعد السحيق. وعلى هذا فالأنسب - واللَّه أعلم - في اعتبار المثَل افتراض أن الشمس مشرقة فوق السحاب، وذلك للاعتبارات الآتية: ١- أن ذلك أبلغ في إفادة شدة الظلمة، إذ إن الظلمة اللازمة التي لا تتأثر بليل ولا بنهار أشد وأعظم من الظلمة الطارئة المتأثرة بالشمس. ٢- أن افتراض أن الشمس مشرقة، يفيد في الدلالة على بُعد الواقع في ذلك المكان المظلم عن مصدر النور - الشمس - والذي يقابل في الممثّل له بنور العلم. مما يفيد في بيان أن ضلاله إنما هو بسبب بعده عن مصدر النور، ووجود تلك الحجب، وليس انعدام مصدر النور. ٣- أن التفصيل في ذكر الحجب، وتسميتها ظلمات يدل على أن لها أثراً في إحداث الظلمة، وذلك لا يتحقق إلا بافتراض أن الشمس مشرقة، حيث يخترق بعض أشعتها السحاب. أما في الليل فإِن السحاب كاف في إحداث الظلمة، حيث يحجب النجوم، وعندها تستوي الظلمة فوق البحر وداخله، ولا حاجة لذكر الحجب الأخرى. ولكن يناسب ذلك مع وجود بعض الضوء الذي تسرب من السحاب - والشمس مشرقة - إذ يبرز أثر تلك الحجب في

стр. 559

حجب ذلك الضوء النافذ عن قاع البحر. ودلالة هذه الجملة من المثَل ﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾ : هي التأكيد على شدة الظلمة المحيطة بالممثّل به، وبعده عن مصدر النور. قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . تتضمن فائدتين: الأولى: ما دل عليه فاعل أخرج في قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ من تقدير وجود شخص كائن في المكان الذي تقدم وصفه في قاع البحر. حيث إن "فاعل أخرج ضمير يعود على مقدر دل عليه المقام: أي إذا أخرج الحاضر في هذه الظلمات أو من ابتُلِيَ بها.."١. الثانية: بيان المراد من وصف الظلمة المتقدم، وهو إِفادة عدم قدرة من كان فيها على الإبصار والاهتداء إلى طريق النجاة. وقد اختلف المفسرون واللغويون في المراد بقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ، ومرد أقوالهم إلى ثلاثة أقوال هي٢: الأول: لم يرها ولم يكد، أي لم يقرب من رؤيتها. فإِذا لم يقارب

стр. 560

رؤيتها فهو من أن يراها أبعد. الثاني: أن يكون يراها ولكن بعد بطء وجهد ومشقة. أي أنه يراها بعد أن يقارب ألا يراها. الثالث: بمعنى: لا يراها. والقول الأول والثاني - مع تضادهما في الدلالة - متفقان مع أصل معنى "كاد"، وذلك أنها تدل على المقاربة، إذ هي من أفعال المقاربة. "فهذه الأفعال جاءت لتفيد قرب زمن وقوع الخبر من الاسم قرباً كبيراً، وقد يقع الخبر أو لا يقع، بل قد يستحيل وقوعه، نحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ.﴾ .١. أما القول الثالث فهو غير متفق مع معنى "كاد" لعدم اشتماله على معنى المقاربة. وإِن كان صحيحاً في المعنى، متفقاً مع دلالة السياق. والقول الأول والثاني مع اتفاقهما مع معنى (كاد) ، إلا أن سبب الاختلاف بينهما إنما هو في دلالة الأسلوب في قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . هل معناه: وقوع الرؤية مع الصعوبة والمشقة والتردد، ومقاربة عدم الفعل، نظير قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَاوَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ ٢ أو المراد: نفي

стр. 561

الرؤية، ونفي مقاربتها. والقائلون بأَن الأصل في الأسلوب يدل على وقوع الرؤية بعد جهد وشدة أكثرهم رجح تفسيره في الآية بعدم الرؤية لدلالة السياق. وعبر عن هذا الاتجاه ابن جرير ﵀ بقوله: "وقد علمت أن قول القائل: لم أكد أرى فلاناً، إنما هو إثبات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدة". إلى أن قال: "وهذا القول الثالث [أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد] أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب "كاد" في كلامها. والقول الآخر الذي قلنا إِنه يتوجه إلى أنه بمعنى لم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه، وإنما حسن ذلك في هذا الموضع، أعني أن يقول: لم يكد يراها، مع شدة الظلمة التي ذكر"١. وفريق آخر يرى أن أسلوب "لم يكد يفعل" يدل على مطلق نفي المقاربة، إِما نفي مقاربة الفعل - مقاربة تركه - مع الفعل، كما في قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . أو نفي الفعل مع نفي مقاربته، كما في قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . وكل المعنين مستفاد من الأسلوب، جارٍ على أصل معنى "كاد" وهو المقاربة.

стр. 562

وقد عبر عن هذا المعنى بعضهم بقوله: " ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يقرب من رؤيتها، فإِذا لم يقارب رؤيتها فهو من أن يراها أبعد، فهذا جاء على أصل الكلمة، وإن كانت اللغة قد جاء فيها (لم أكد أفعل) معناه: فعلته بعد جهد أو تقاعد عنه، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ فهذا المعنى الذي دخل الكلمة لم يزل عنها الأصل الذي لها".١ وعلى هذا يكون الأصل في نحو قولنا: "لم يكد يفعل" نفي مقاربة الفعل، ونفي الفعل من باب أولى. لكن قد يأتي في السياق ما يدل على المعنى الآخر، وهو: وقوع الفعل بعد جهد أو ممانعة. وهذا المعنى فيه معنى نفي المقاربة، فلم يزل به أصل الوضع تماماً - وهو نفي المقاربة - وإن كان المعنى قد اختلف. ففي قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ رجح معنى: وقوع الفعل مع مقاربة عدم الفعل، قوله في السياق ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ وليس مجرد قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . وفي قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ، جاءت على الأصل: نفي مقاربة الرؤية،

стр. 563

وأنه لم يرها ولم يكد. ورد في "النحو الوافي": " (كاد) كغيرها من الأفعال في أن معناها ومعنى خبرها منفي إذا سبقها نفي، خلافاً لبعض النحاة، فمثل: (كاد الصبي يقع) معناه: قارب الصبي الوقوع، فمقاربة الوقوع ثابتة. ولكن الوقوع نفسه لم يتحقق. وإذا قلنا: (ما كاد الصبي يقع) فمعناه: لم يقارب الصبي الوقوع، فمقاربة الوقوع منتفية، والوقوع نفسه منفي من باب أولى"١. وقال أيضاً: "وقد قالوا في بيت ذي الرمة٢: إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى٣ من حب مية يبرح إِنه صحيح بليغ - لأن معناه: إذا تغير حب كل محب، لم يقترب

стр. 564

حبي من التغير، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه. فهذا أبلغ من أن يقول: (لم يبرح) ، لأنه قد يكون غير بارح مع أنه قريب من البراح. بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح. وكذا قوله تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ هو أبلغ في نفي الرؤية من أن يقال: لم يرها، لأن من لم ير، قد يقارب الرؤية. بخلاف من لم يقارب.."١ وخلاصة القول في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ، أن الراجح في معناها: أنه لا يراها ولا يقرب من رؤيتها. وإذا لم يقارب رؤيتها فهو من أن يراها أبعد. وأن هذا التفسير متفق مع معنى "كاد" الذي يفيد المقاربة. ومتفق مع دلالة الأسلوب ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ الدال - كما تقدم - على نفي مقاربة الرؤية. فهو مع صحته أبلغ في إِفادة المعنى المراد المتفق مع السياق الذي دل على استحكام الظلمة. ودلت هذه الجملة بجانب تأكيد استحكام الظلمة على نتيجة ذلك، وهو عدم قدرة الكائن في هذا المكان على إِبصار يده، وإِذا عجز عن

стр. 565

إبصار يده فهو عن إبصار غيرها أعجز، فيكون عاجزاً عجزاً تاماً عن الاهتداء إلى طريق النجاة، والفكاك عن ذلك المكان المظلم الموحش المهلك. قوله تعالى: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . هذا الختام خاص بالممثّل له. إلا أنه يدل على فائدة في صورة الممثّل به وهي التأكيد على أن الكائن في ذلك المكان لم يصله نور البتة، وأنه لا طريق له إلى النور مع وجود تلك الحجب، ما دام في هذا الوضع وذلك المكان. خلاصة صورة الممثّل به: لقد دل المثَل على تشبيه أعمال صنف من الكفار في ظلمتها وضلال عمالها وعدم قدرتهم على الانفكاك منها: بشخص كائن في مكان مظلم في قاع بحر عظيم مضطرب الموج، قد حجب الضوء عنه بحجب كثيرة: من السحاب، والموج المتلاطم على سطح البحر، والموج الداخلي، فلا ينفذ من هذه الحجب شيء من الضوء إلى قاع البحر. كما دل المثَل على أن هذه الحجب هي ظلمات تسهم مجتمعة في انعكاس الضوء وتكسره ثم ارتداده، مما يجعله عند حد معين لا ينفذ منه شيء إلى أسفل، ويكون ما تحته مظلماً ظلمة تامة. كما دل المثَل على أن ذلك المكان في قاع البحر مع ظلمته المطبقة مكان مفزع مخوف، بسبب الظلمة وتلاطم الأمواج وترددها من فوقه.
следующие страницы →