الرؤية، ونفي مقاربتها.
والقائلون بأَن الأصل في الأسلوب يدل على وقوع الرؤية بعد جهد وشدة أكثرهم رجح تفسيره في الآية بعدم الرؤية لدلالة السياق.
وعبر عن هذا الاتجاه ابن جرير ﵀ بقوله:
"وقد علمت أن قول القائل: لم أكد أرى فلاناً، إنما هو إثبات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدة".
إلى أن قال: "وهذا القول الثالث [أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد] أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب "كاد" في كلامها. والقول الآخر الذي قلنا إِنه يتوجه إلى أنه بمعنى لم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه، وإنما حسن ذلك في هذا الموضع، أعني أن يقول: لم يكد يراها، مع شدة الظلمة التي ذكر"١.
وفريق آخر يرى أن أسلوب "لم يكد يفعل" يدل على مطلق نفي المقاربة، إِما نفي مقاربة الفعل - مقاربة تركه - مع الفعل، كما في قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . أو نفي الفعل مع نفي مقاربته، كما في قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . وكل المعنين مستفاد من الأسلوب، جارٍ على أصل معنى "كاد" وهو المقاربة.
стр. 562
وقد عبر عن هذا المعنى بعضهم بقوله:
" ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يقرب من رؤيتها، فإِذا لم يقارب رؤيتها فهو من أن يراها أبعد، فهذا جاء على أصل الكلمة، وإن كانت اللغة قد جاء فيها (لم أكد أفعل) معناه: فعلته بعد جهد أو تقاعد عنه، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ فهذا المعنى الذي دخل الكلمة لم يزل عنها الأصل الذي لها".١
وعلى هذا يكون الأصل في نحو قولنا: "لم يكد يفعل" نفي مقاربة الفعل، ونفي الفعل من باب أولى. لكن قد يأتي في السياق ما يدل على المعنى الآخر، وهو: وقوع الفعل بعد جهد أو ممانعة. وهذا المعنى فيه معنى نفي المقاربة، فلم يزل به أصل الوضع تماماً - وهو نفي المقاربة - وإن كان المعنى قد اختلف.
ففي قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ رجح معنى: وقوع الفعل مع مقاربة عدم الفعل، قوله في السياق ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ وليس مجرد قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ .
وفي قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ، جاءت على الأصل: نفي مقاربة الرؤية،
стр. 563
وأنه لم يرها ولم يكد.
ورد في "النحو الوافي":
" (كاد) كغيرها من الأفعال في أن معناها ومعنى خبرها منفي إذا سبقها نفي، خلافاً لبعض النحاة، فمثل: (كاد الصبي يقع) معناه: قارب الصبي الوقوع، فمقاربة الوقوع ثابتة.
ولكن الوقوع نفسه لم يتحقق. وإذا قلنا: (ما كاد الصبي يقع) فمعناه: لم يقارب الصبي الوقوع، فمقاربة الوقوع منتفية، والوقوع نفسه منفي من باب أولى"١.
وقال أيضاً: "وقد قالوا في بيت ذي الرمة٢:
إذا غير النأي المحبين لم يكد
رسيس الهوى٣ من حب مية يبرح
إِنه صحيح بليغ - لأن معناه: إذا تغير حب كل محب، لم يقترب
стр. 564
حبي من التغير، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه. فهذا أبلغ من أن يقول: (لم يبرح) ، لأنه قد يكون غير بارح مع أنه قريب من البراح. بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح.
وكذا قوله تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ هو أبلغ في نفي الرؤية من أن يقال: لم يرها، لأن من لم ير، قد يقارب الرؤية. بخلاف من لم يقارب.."١
وخلاصة القول في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ، أن الراجح في معناها: أنه لا يراها ولا يقرب من رؤيتها. وإذا لم يقارب رؤيتها فهو من أن يراها أبعد.
وأن هذا التفسير متفق مع معنى "كاد" الذي يفيد المقاربة. ومتفق مع دلالة الأسلوب ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ الدال - كما تقدم - على نفي مقاربة الرؤية. فهو مع صحته أبلغ في إِفادة المعنى المراد المتفق مع السياق الذي دل على استحكام الظلمة.
ودلت هذه الجملة بجانب تأكيد استحكام الظلمة على نتيجة ذلك، وهو عدم قدرة الكائن في هذا المكان على إِبصار يده، وإِذا عجز عن
стр. 565
إبصار يده فهو عن إبصار غيرها أعجز، فيكون عاجزاً عجزاً تاماً عن الاهتداء إلى طريق النجاة، والفكاك عن ذلك المكان المظلم الموحش المهلك.
قوله تعالى: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
هذا الختام خاص بالممثّل له. إلا أنه يدل على فائدة في صورة الممثّل به وهي التأكيد على أن الكائن في ذلك المكان لم يصله نور البتة، وأنه لا طريق له إلى النور مع وجود تلك الحجب، ما دام في هذا الوضع وذلك المكان.
خلاصة صورة الممثّل به:
لقد دل المثَل على تشبيه أعمال صنف من الكفار في ظلمتها وضلال عمالها وعدم قدرتهم على الانفكاك منها: بشخص كائن في مكان مظلم في قاع بحر عظيم مضطرب الموج، قد حجب الضوء عنه بحجب كثيرة: من السحاب، والموج المتلاطم على سطح البحر، والموج الداخلي، فلا ينفذ من هذه الحجب شيء من الضوء إلى قاع البحر. كما دل المثَل على أن هذه الحجب هي ظلمات تسهم مجتمعة في انعكاس الضوء وتكسره ثم ارتداده، مما يجعله عند حد معين لا ينفذ منه شيء إلى أسفل، ويكون ما تحته مظلماً ظلمة تامة. كما دل المثَل على أن ذلك المكان في قاع البحر مع ظلمته المطبقة مكان مفزع مخوف، بسبب الظلمة وتلاطم الأمواج وترددها من فوقه.
стр. 566
المطلب الثالث: بيان الممثّل له .
لم يرد في ألفاظ المثَل مما يتعلق بالممثّل له إلا ما دل عليه حرف العطف "أو" من أن الممثّل له هو أعمال صنف من الكفار، وقوله تعالى في ختام المثَل: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
وبقية حال الممثّل له يمكن الاستدلال عليها من الممثّل به. وذلك أن صورة الممثّل به كلها عبارة عن وجه شبه مشترك بين الممثّل به والممثّل له، يمكن من خلال التأمل والقياس عليها استخلاص حقيقة الممثّل له.
كما أن لدلالة الأسلوب، وما تقدم بحثه١ في تحديد الغرض الذي ضرب له المثَلان أثر في تجلية حقيقة الممثّل له. وسوف أكتفي بإيراد خلاصة ما تم بحثه هناك واستكمال ما لم يبحث.
وصورة الممثّل له إجمالاً تتحدد بمعرفة ما تدل عليه الأمور الآتية:
١- ما يفيده حرف العطف "أو".
٢- ما تفيده كلمة "ظلمات" وكلمة "لجي".
٣- ما يقابل الحجب الثلاثة. (السحاب، والموج الأول، والموج الثاني) .
٤- ما يدل عليه قوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض﴾ .
стр. 567
٥- ما يدل عليه ختام المثَل بقوله: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
وهذا أوان تفصيل هذه الأمور.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ .
أو: تقدم١ أنها حرف عطف، عطفتْ مثَل الظلمات على مثَل السراب، وأن الراجح في معناها أنها للتقسيم. وأن دلالتها على هذا المعنى هي: أن الكفار باعتبار أعمالهم ينقسمون إلى قسمين:
قسم ضرب لهم مثل السراب. وقسم ضرب لهم مثل الظلمات.
وتقدير الكلام: والذين كفروا أعمالهم كسراب.... أو هي كظلمات....
ويستفاد من هذا في بيان الممثّل له: أن الممثّل له في الأصل هو أعمال الكفار، مع شموله لبيان حال عُمَّالها، وأثرها عليهم.
﴿كَظُلُمَاتٍ﴾ : تقدم أن هذه الكلمة مجملة، وأتبعت بتفصيلها إلى ثلاث ظلمات.
والمراد بالظلمات في الممثّل له الظلمات المعنوية التي تقابل الظلمات الحسية في الممثّل به.
стр. 568
وقبل محاولة معرفة المراد بالظلمات الثلاث وما يقابلها في الممثّل له، لا بد من معرفة المراد بلفظ الظلمات المجمل كما وردت في آيات القرآن الكريم.
ومن تلك الآيات التي ذكر فيها الظلمات، قوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ﴾ ١.
"أجمع المفسرون على أن المراد ههنا من الظلمات والنور: الكفر والإِيمان"٢.
"والظلمة عدم النور، وجمعها ظلمات،.. ويعبر بها عن الجهل والشرك والفسق. كما يعبر بالنور عن أضدادها"٣.
وأضدادها هي: العلم والإِيمان الخالص، والطاعة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ﴾ : "فأخبر تعالى أن الذين آمنوا باللَّه، وصدقوا إِيمانهم، بالقيام بواجبات الإِيمان، وترك كل ما ينافيه، أنه وليهم، يتولاهم بولايته الخاصة، ويتولى
стр. 569
تربيتهم، فيخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والمعاصي والغفلة والإعراض، إلى نور العلم واليقين والإِيمان والطاعة والإقبال الكامل على ربهم"١
من هذه النقول يتبين أن الظلمات التي يتلبس بها الكفار، والتي يخرج اللَّه المؤمنين منها تشمل: ظلمة الجهل، وظلمة الكفر وظلمة الشرك والمعاصي. وهي تقابل ما ينعم اللَّه به على المؤمنين من النور الذي يشمل: نور العلم، ونور الإِيمان والطاعة.
ويمكن حصر المراد بالظلمات في أمرين:
الأول: ظلمة الكفر المتضمن للجحود والضلال العملي.
الثاني: ظلمة الجهل المتضمن للضلال العلمي.
وما دام المقام في تحديد المراد بالظلمات في قوله: ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾ التي أشارت إجمالاً إلى الظلمات، فإِن من المناسب أن أقدم الكلام على الجملة الأخرى التي أجملت - أيضاً - ذكر الظلمات بعد تفصيلها، وهي قوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ليتيسر - إِن شاء اللَّه - تحديد ما يقابل الظلمات الحسية الثلاث.
قوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ .
стр. 570
هاتان جملتان١ الأولى تقديرها: هي ظلمات أو هذه ظلمات.
والضمير أو الإشارة تعود إلى الظلمات الثلاث التي سبق تفصيلها.
وهي تفيد تأكيد ما تقدم من أن الحجب ظلمات، أي أنها تسببت في حصول الظلمة وحجب الضوء.
وهكذا الحال في الممثّل له - كما يدل عليه الاعتبار والقياس - هو في ظلمة شديدة حالكة، بسبب حُجُب حَجَبت عنه نور الهداية.
والجملة الثانية: ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ : صفة لظلمات. أفادت أن الحجب مترتبة متعاقبة، بعضها أقرب إلى الشخص الكائن في ذلك المكان المظلم وبعضها أقرب إلى مصدر النور.
وهكذا الحال في الممثّل لهم - هذا القسم من الكفار - قام بهم حجب حجبت قلوبهم عن نور الهداية، وضُربت عليهم حجب منعت أنوار الهداية أن تصل إليهم جزاءً وفاقاً.
وقوله: ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ تقابل قوله: ﴿نّورٌ عَلَىَ نُورٍ﴾ في مثل النور المتقدم في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ الآية.
وقد تقدم٢ بيان أن النورين يراد بهما:
стр. 571
١- نور الإِيمان الذي يقذِفه اللَّه في قلب عبده المؤمن.
٢- نور العلم الواصل للقلب من تعلم الكتاب والسنة.
تحرير ما يقابل الظلمات الثلاث:
وهي الواردة في قوله سبحانه: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ .
قال ابن جرير ﵀ "يقول: عمل بنية قلب قد غمره الجهل، وتغشته الضلالة والحيرة، كما يغشى هذا البحر اللجي موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، قال: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهو قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ١ ... "٢.
ويتحصل من كلام ابن جرير هذا الإشارة إلى ثلاث ظلمات هي:
الأولى: ظلمة الجهل، من قوله: "قد غمره الجهل".
الثانية: ظلمة الكفر والضلال، من قوله: "وتغشته الضلالة والحيرة".
الثالثة: ظلمة الختم على قلبه وسمعه وبصره، من قوله: "يعني بذلك
стр. 572
فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في مقابلة قوله: ﴿نّورٌ عَلَىَ نُورٍ﴾ في مثل النور. وأشرت - قريباً - إلى أن النورين هما: نور الإِيمان، ونور العلم المستفاد من الوحي المنزل على النبي ﷺ .
والقياس والاعتبار يقتضي مقابلة الشيء بضده، فيكون من الظلمات التي بعضها فوق بعض ما يقابل هذين النورين، وهما ظلمة الكفر، وظلمة الجهل والإعراض عما جاء من عند اللَّه من العلم والهدى.
ومما يقوي هذا أن ابن جرير ﵀ نص على أن الكفر إنما سُمّي ظلمة لأنه يحجب القلب عن إدراك حقائق الإِيمان، حيث قال:
"وإنما جعل الظلمات للكفر مثلاً لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك حقائق الإِيمان، والعلم بصحته، وصحة أسبابه.
فأخبر تعالى ذكره أنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإِيمان، وسبله وشرائعه وحججه وهاديهم فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك بكشفه عنهم دواعي الكفر وظُلَم سواتر أبصار القلوب"١.
ويستخلص من هذا النقل - مما يتعلق بهذا المبحث - ثلاث فوائد هامة:
الأولى: أنه نص على أن الظلمات جعلت مثلاً للكفر.
الثانية: نصه على أن الكفر حجاب، يحجب رؤية القلب.
стр. 573
الثالثة: بيانه أن هذه الحُجُب والظُّلَم إنما هي سواتر وحجب تحجب أبصار القلوب، كما أن الظُّلَم الحسيه تحجب أبصار العيون.
كما أنه يتفق مع دلالة السياق من جهة أخرى، حيث تقدم١ أن هذه الأمثال في سورة النور تشترك في تقرير حقيقة هامة، هي:
"بيان أن سبب الهداية الأهم وطريقها الأوحد، هو تعلم ما أنزل اللَّه من الهدى والنور في كتابه المبين وسنة رسوله الكريم ﷺ .
وأن سبب الضلال الأهم هو الإعراض عن ذلك والجهل به".
فتفسير أحد الظلمات الحاجبة لأنوار الهداية بسبب الضلال هذا، يتفق مع هذه النتيجة التي تتظافر هذه الأمثال في بيانها.
٣- ومن الاعتبارات المفيدة في تحديد المراد بالظُّلَم ما يستفاد من كون ظلمة الموجين من جنس واحد، وقريبة من الممثّل به، وفي محيطه، وكون الظلمة الثالثة خارجة عن محيطه، وبعيدة عنه وأقرب إلى مصدر الضوء.
وكذلك ظلمة الجهل والإعراض عن العلم بالكتاب والسنة، وظلمة الكفر - اللتان يُقابَل بهما الموجان - هما من جنس واحد باعتبار أنهما من فعل العبد، وكل منهما ضلال وعمى.
أما ظلمة الختم والطبع والغشاوة - التي تقابل السحاب - فهي من
стр. 574
فعل اللَّه المحض، فهي بعيدة عن استطاعة العبد وفعله.
وهي مناسبة لمقابلة السحاب من جهة أخرى، حيث إن أثرها في حجب الهداية، ونور العلم عن الكفار عظيم، كما أن أثر السحاب في حجب الضوء عن الممثّل به هو الأقوى والأشد. لذلك قال اللَّه تعالى في ختام المثَل: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ ، حيث إن هذا الختام يتكلم عن فعل اللَّه سبحانه.
ومما تقدم من أقوال أهل العلم، وهذه الاعتبارات يمكننا تحديد المراد بالظُّلَم الثلاث القائمة بهذا الصنف من الكفار، والتي تقابل الظُّلَم الحسية في البحر اللجي، وهي:
١- ظلمة الجهل: المتمثل في الإعراض عن وحي اللَّه المطهر - الكتاب والسنة - والجحود والتكذيب له، وغير ذلك من الضلالات العلمية والعملية الباطنة. وهي تقابل الموج الأول الباطني.
٢- ظلمة الكفر: المتضمن للضلالات العلمية والعملية الظاهرة، وهي تقابل الموج السطحي الظاهر على سطح البحر.
٣- الحجاب الناتج عن ختم اللَّه على قلوبهم وأسماعهم، وجعله الغشاوة على أبصارهم. وهو يقابل السحاب في الممثّل به.
قال ابن جرير ﵀ مبيناً هذا الحجاب في قوله تعالى:
стр. 575
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١..، قال: "فأخبر٢ ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل اللَّه والطبع، فلا يكون للإِِيمان إليها مسلك، ولا للكفر منه مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره اللَّه ﵎ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإِيمان إلى قلوب من وصف اللَّه أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضه خاتمه وحله رباطه عنها"٣.
стр. 576
وخلاصة الظلمات الثلاث التي حالت بين ذلك الكافر وأنوار الإِيمان والهداية الإلهيه هي:
١ - تكذيبه وإعراضه عما أنزل اللَّه من العلم والهدى وجهله به.
٢ - كفره وضلالاته العلمية والعملية.
٣ - طبع اللَّه على قلبه وسمعه وبصره.
وكل واحد من هذه الظلمات عبارة عن حجاب يسهم في إبعاده عن مصدر النور والهدى، فهو إذاً بعيد جداً، وفي ظلمة وحيرة شديدة. نسأل اللَّه السلامة والعافية.
بيان دلالة قوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ ، وقوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ على الممثّل له.
لقد أخرت الكلام على قوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ إلى حين الكلام على قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لكون هاتين الجملتين تسهمان في تحديد مكان الظلمة في الممثّل له، وأثرها عليه.
ويستفاد من هاتين الجملتين أمور منها:
أولاً: تحديد ما يقابل المكان الممثّل به.
ثانياً: ما يقابل الشخص المقدر وجوده في ذلك المكان، في قوله تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ .
стр. 577
وعليه فالأنسب - واللَّه أعلم - تفسير البحر اللجي بما يتناسب مع ما فسرت به الأمواج، حيث إنها من جنس واحد فالكل ماء. والبحر كلٌ والأمواج أفراده، فيكون تفسير "البحر اللجي": بما يفيد عمق كفر وضلال ذلك الكافر وسعته. وأنه مغمور ببحر من الظلمات تتلاطم فيه أمواج الضلال والفساد والجهالات والشرور.
وإن كان المراد أن قلب الكافر يقابل ذلك المكان الكائن في عمق البحر اللجي تحت الموج الباطني - الذي يدور السياق حول بيان شدة ظلمته، والمقدر فيه الذي إذا أخرج يده لم يكد يراها - فهو تفسير مناسب تماماً لتطابق الممثّل به والممثّل له.
وذلك أن ذلك المكان في قعر المحيط يغمره الماء - ماء البحر المالح - من داخله ومن خارجه. وكذلك قلب الكافر تغمره الضلالات والكفر والجهالات من داخله وخارجه. فاعتقاده وعمل قلبه كفر وضلال، وعمله الظاهر وأقواله كفر وضلال، وتغشاه أمواج الفتن والفساد، وتيارات الكفر والإِلحاد من كل مكان.
الأمر الثاني: تحديد ما يقابل الشخص المقدر وجوده في ذلك المكان في قوله تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ .
مما تقدم تبين أن البحر اللجي يقابله: بحر الكفر والضلال والجهالة التي يتقلب فيها الكافر.
وأن المكان الكائن في قعر البحر تحت الأمواج يقابله: قلب الكافر،
стр. 578
المغمور في ظلم الكفر والجهل والضلال.
ويكون ما يقابل الشخص المقدر وجود في ذلك المكان هو: بصر القلب وعينه. فالمراد بيان عدم قدرة قلب الكافر على الإِبصار، في مقابل عدم قدرة عين ذلك الشخص على الإِبصار.
وقد أشار ابن جرير ﵀ إلى هذه المقابلة بقوله المتقدم، ومنه:
"فأخبر تعالى ذكره أنه ولي المؤمنين، ومبصّرهم حقيقة الإِيمان، وسبله، وشرائعه، وحججه، وهاديهم فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتره عن أبصار القلوب"١.
فقوله: "بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظُلَم سواتره عن أبصار القلوب": يدل على أن تلك الحجب والظلم إنما هي سواتر وحجب تحجب أبصار القلوب، كما أن الظُلَم الحسية تحجب أبصار العيون".
وقال أيضاً: "ويعني بالظلمات: ظلمات الكفر وشكوكه الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإِيمان وحقائق أدلته وسبله"٢.
وهذا التشبيه مداره على أن عدم الإبصار سببه انعدام النور، وليس
стр. 579
علة في الآلة المبصرة. وهذا المعنى ظاهر في الممثّل به، والممثّل له.
فالممثّل به - الشخص المقدر وجوده في قعر البحر - لا يبصر يده ولا يبصر غيرها من باب أولى بسبب انعدام الضوء لوجود تلك الحجب المذكورة في المثَل.
والممثّل له - قلب الكافر، المقابل للذي إذا أخرج يده لم يكد يراها - لا يبصر سبل الهدى، وأسباب النجاة، لسبب الحجب التي حالت بينه، وبين أنوار الهداية.
كما أن هذا المعنى يبين حسن المقابلة بين هذا المثَل - مثل الظلمات - ومثل النور. وذلك أن مثل النور بَيَّن استنارة قلب المؤمن، والعوامل التي ساعدت على اكتمال ذلك النور وتوهجه، وأثره الطيب على صاحبه.
وهذا المثَل - مثل الظلمات - بين ظلمة قلب الكافر، والعوامل التي ساعدت على استحكامها، وشدتها، وأثرها السيئ على صاحبها.
وقد ورد ما يشير إلى المقابلة بين المثَلين في ألفاظهما، من قوله سبحانه في مثل النور: ﴿نّورٌ عَلَىَ نُورٍ﴾ ، ويقابلها في مثل الظلمات قوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ، وقوله في مثل النور: ﴿يَهْدِي اللَّه لِنُورِهِ مَن يَشَآء﴾ ويقابلها في مثل الظلمات: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
الأمر الثالث: ما تدل عليه جملة: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ وجملة: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ
стр. 580
يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ، من الظلمة والخوف، والاضطراب والتردد والحيرة.
تقدم عند دراسة الممثّل به١، أن لفظ "لجي" الذي وصف به البحر يدل على أمرين:
الأول: التردد والاضطراب الناتج عن هيجان الأمواج.
الثاني: العمق، حيث إن البحر اللجي: هو العميق كثير الماء.
وتقدم - أيضاً - أن خلاصة المستفاد من هذين المعنيين: أن المشبه به كائن في مكان ما في عمق بحر عظيم مظلم مضطرب الموج، مخيف مفزع.
ويقابل هذه المعاني في الممثّل له:
أن هذا الصنف من الكفار - المضروب لهم مثل الظلمات - مغمورون في بحار الكفر والضلال والفساد، قد أظلم عليهم طريق الهداية، وأظلمت قلوبهم وأعمالهم، فهم في عمى تام، وضلال بعيد، وأنهم بسبب هذه الظلمة، وما يحيط بهم ويغشاهم من العقائد الباطلة والظنون السيئة، وأمواج الشكوك والريب، وتيارات الشهوات الفاسدة، والإرادات الخبيثة، والأفكار والنظريات المنحرفة، في خوف وفزع وقلق وحيرة.
قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره: ومثل أعمال هؤلاء الكفار، في أنها عملت على
стр. 581
خطإ وفساد، وضلالة وحيرة من عمالها منها، وعلى غير هدى، مثل ظلمات في بحر لجي"١.
قوله تعالى: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
هذه الجملة تلخيص وتأكيد للمعنى الذي دل عليه المثَل، والمعنى الذي دل عليه السياق.
فالمثَل دل على وجود حجب حجبت هؤلاء الكفار عن أنوار الهداية فهم بعيدون عنها، وأن أهم هذه الحجب هو فعل اللَّه بالختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، والحيلولة بينها وبين النور والهداية، فليس بمقدورهم - والحالة هذه - الحصول على نور يهتدون به، إذ إن ذلك بيد اللَّه وحده، وقد حال بينهم وبينه.
ودل السياق٢ على أن طريق الهداية الوحيد هو تعلم ما نزل من الوحي والهدى على الرسول ﷺ وأن سبب الضلال هو الإعراض عن ذلك ومعارضته بضده. وهؤلاء قد أعرضوا عن مصدر النور والهداية، وكذبوا به، وجازاهم اللَّه على ذلك بأن حرمهم منه، وحال بينهم وبينه، فلن يقعوا في سعيهم على مصدر آخر يهتدون به، ولن يجدوا لهم من
стр. 582
الظلمات مخرجاً. فهم كما وصفهم اللَّه بقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
ونجد في هذه الآية مقابلة مجملة بين المؤمن صاحب النور، والكافر صاحب الظلمات، التي ورد تفصيلها في سورة النور بمثَل النور ومثَل الظلمات.
قال ابن جرير ﵀: "فجعل إِبصاره الحق تعالى ذكره، بعد عماه عنه، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك، حياة وضياءً يستضيء به فيمشي على قصد السبيل، ومنهج الطريق في الناس، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ، لا يدري كيف يتوجه، وأي طريق يأخذ، لشدة ظلمة الليل، وإِضلالة الطريق. فكذلك هذا الكافر الضال في ظلمات الكفر، لا يبصر رشداً، ولا يعرف حقاً، يعني في ظلمات الكفر، يقول: أفطاعة هذا الذي هديناه للحق، وبصرناه الرشاد، كطاعة من مثله مثل من هو في الظلمات متردد، لا يعرف المخرج منها"٢.
стр. 583
وفي هذه الجملة ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ إثبات لفعل اللَّه سبحانه في إضلالهم، ومنعه النور عنهم، بما ضُرِب عليهم من الختم والطبع والغشاوة.
وسيأتي بيان ذلك في فوائد المثَل إِن شاء اللَّه تعالى.
خلاصة صورة الممثّل له:
دل المثَل على تصوير حال قسم من الكفار، أحاطت بهم الظلمات من كل جانب، فقلوبهم مغمورة في بحر عميق واسع من الجهالة والكفر والضلالة والفساد، مظلمة ظلمة تامة. بعيدة جداً عن مصدر الهدى والنور الإِلهي. بسبب حُجُب حجبتها عنه، من أهمها: ظلمة الجهل الناتج عن التكذيب والإعراض عما أنزل اللَّه من الآيات البينات، وظلمة أعمالهم الكفرية الضالة القولية والفعلية، وظلمة ضربت عليها من اللَّه، حيث ختم على قلوبهم وأسماعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، جزاءً موافقاً لما تلبسوا به من الإعراض والكفر والضلال.
وأنهم في ظلمات بعضها فوق بعض، ومتوقف بعضها على بعض. وذلك أن ظلمة القلوب وعماها انعكس على أعمالهم فأظلمها. وظلمة الأعمال حجبت عن قلوبهم أنوار الهداية. والختم والطبع الذي حصل لهم إنما هو بسبب إِعراضهم وتماديهم في الغي والكفر.
وأنهم مع ما هم فيه من الظلمات والضلال والغي والعمى، في
стр. 584
خوف وفزع واضطراب وحيرة.
وأنهم لن يهتدوا أبداً ما دام حجاب اللَّه مضروباً عليهم، وطبعه وختمه مستمراً على قلوبهم، حيث حجب به عنهم نوره وهداه. وليس عندهم إلا الظلمات والعمى. فأنى لهم الفكاك مما هم فيه؟ ومن أين لهم نور يهتدون به؟ ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
стр. 585
المطلب الرابع: الفوائد المستفادة من المثَل:
يدل مثل الظلمات في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ ... ﴾ الآية، على فوائد هامة في بيان ضلال الكفار وظلمة قلوبهم وأعمالهم، وفي سبب إضلال اللَّه لهم، وختمه على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم.
وعلى فوائد علمية تدل على الإعجاز وعلى نبوة النبي ﷺ وغير ذلك من الفوائد.
وأهم الفوائد المستفادة من المثل:
١- دلالة المثل على أن الكفار يتقلبون في الظلمات الحالكة لا ينفكون منها.
٢- دلالة المثل على سبب ضلال هذا النوع من الكفار.
٣- دلالة المثل على فعل الله في إضلال الكفار وختمه على القلوب والأسماع.
٤- دلالة المثل على أن الكفار في حيرة وقلق وخوف دائم.
٥- إفادة المثل حقائق علمية، ومعجزة نبوية.
وإلى تفاصيل هذه الفوائد. والله المستعان.
стр. 586
الفائدة الأولى: دل المثَل على أن الكفار يتقلبون في الظلمات الحالكة لا ينفكون منها.
ومأخذ هذه الفائدة من مجموع ألفاظ المثَل، حيث بدأ بقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ ، ثم بين أنها مركبة وناتجة عن حجب متعددة، بقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ، ثم أفاد أنهم لن ينفكوا من ضلالهم وكفرهم وظلماتهم - بسبب عدم قدرتهم على تحصيل نور يهتدون به، لأن اللَّه حجب عنهم نوره، وليس عندهم، ولا بمقدورهم تحصيل نور بديل - حيث قال: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
وهذا المعنى - وهو أن الكفار حائرون في ظلماتهم لا ينفكون عنها - ورد في بعض الآيات، نحو قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
стр. 587
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وهذه الظلمات ناتجة عن وجود الحجب، ومن أشدها وأعظمها الختم على قلوبهم وأسماعهم، وقد ربط ابن جرير ﵀ بين الظلمات وبين الختم والطبع، بقوله: "فكذلك قلب هذا الكافر الذي مثل عمله مثل هذه الظلمات، يغشاه الجهل باللَّه، بأن اللَّه ختم عليه، فلا يعقل عن اللَّه، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ اللَّه، وجعل على بصره غشاوة، فلا يبصر به حجج اللَّه، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض"٢.
واستدل ابن جرير بقول ابن عباس ﵄ في تفسير قول الله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ، حيث قال: "يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهو كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ..﴾ الآية٣.
وكقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ
стр. 588
تَذَكَّرُونَ﴾ ١" ٢.
وكلام ابن عباس ﵄ هذا فيه فائدة أخرى ألا وهي الربط بين الكفار المعنيين في مثل الظلمات، والكفار الذين ورد ذكرهم في أوائل سورة "البقرة" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
وأن الفريقين من جنس واحد يجمع بينهما وجود الحجب المانعة من الإِيمان والختم والطبع من اللَّه على قلوبهم وأسماعهم، والغشاوة على قلوبهم، وتلبسهم بموجب ذلك.
وفي المراد بالكفار في آية سورة "البقرة" المتقدمة أقوال، أهمها قولان مشهوران، رجح كل منهما طائفة من أهل العلم.
القول الأول: أن هذه الآية خاصة بصنف من الكفار، الذين كتب اللَّه عليهم الشقاوة، وسبق عليهم الكتاب بأن يموتوا كفاراً، الذين هم أهل النار المخلدون فيها.
стр. 589
فيكون قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ نفي لوقوع الإِيمان منهم مستقبلاً.
ويكون المراد بتلبسهم في الظلمات في المثَل، وبقوله: ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ ، أن ذلك كائن منهم وعليهم دائماً لا ينفكون منه أبداً.
ويكون حال الكفار المعنيين في آية سورة "البقرة"، وفي مثل الظلمات، كحال من ذكرهم اللَّه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ١
وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ٢.
قال ابن جرير ﵀ موجهاً هذا القول:
стр. 590
"أن اللَّه تعالى ذكره لما أخبر عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون، وأن الإنذار غير نافعهم، ثم كان من الكفار من قد نفعه اللَّه بإِنذار النبي ﷺ إِياه، لإِيمانه باللَّه وبالنبي ﷺ وما جاء به من عند اللَّه بعد نزول هذه السورة - لم يجز أن تكون الآية نزلت إلا في خاص من الكفار"١.
وقد رجح ابن كثير٢ ﵀ هذا المعنى، في تفسير آية سورة "البقرة" وما شاكلها. كما رجحه بعض المفسرين٣.
وفائدة الإخبار بأن هناك صنفاً من الكفار لا ينفكون عن ظلماتهم وضلالهم، ولن يستجيبوا لدعاة الهدى، ولن يذعنوا لأدلة الحق وآياته البينات، هي تسلية النبي ﷺ ومن يقتفي أثره بالدعوة إلى اللَّه. فقد كان النبي ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللَّه تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من اللَّه السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من اللَّه الشقاوة في الذكر الأول. ففي هذه الآيات - الدالة على أن صنفاً من الكفار لا يهتدون ولو جاءتهم كل آية - إرشاد للنبي ﷺ بأن لا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن
تولى فلا تحزن
стр. 591
عليه ولا يهمنك ذلك١.
القول الثاني: أن الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ - التي ربط ابن عباس ﵄ بينها وبين مثل الظلمات - عامة تشمل جميع الكفار.
"والمراد بها أن الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إلى الكافر ما دام كافراً، لا ينفعه الإنذار ولا يؤثر فيه"٢.
وقد رجح هذا المعنى شيخ الإِسلام ابن تيمية٣ ﵀ وذكر أنه على هذا القول أكثر تفاسير السلف٤.
وقال ﵀: "وآية البقرة مطلقة عامة. فإِنه ذكر في أول السورة أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في المنافقين، فبين حال الكافر المصر على كفره أن الإنذار لا ينفعه للحُجُب التي على قلبه وسمعه وبصره.
стр. 592
وليس قال: إن اللَّه لا يهدي أحداً من هؤلاء، فيسمع ويقبل ...
فالكفار ما داموا كفاراً هم بهذه المثابة. من الإِيمان كما أن للمنافقين موانع تمنعهم ما داموا كذلك، وإن أُنذروا ... فهذا مثل كل كافر ما دام كافراً"١.
ويفرق ﵀ بين النصوص التي يذكر فيها الكتاب السابق عليهم بالكفر، وينص فيها على أنهم حقت عليهم كلمة العذاب، وبين النصوص التي ذكر فيها مجرد الختم والطبع.
قال ﵀ موضحاً هذا المعنى: "وما ذكر من الموانع هي موجودة في كل من لم يقبل الإنذار.. فيمتنع قبول الإنذار بسبب تلك الموانع، ولكن هذه الموانع قد تزول، فإِنها ليست لازمة لكل كافر.
وإذا كان المانع ما سبق من القول الذي حق عليهم فقد لا يزول أبدا، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٢.
وأما إذا اقتصر على ذكر الموانع التي فيهم، ولم يذكر ما سبق من
стр. 593
القول، فهذه الموانع يرجى زوالها ويمكن، ما لم يذكر معها ما يقتضي امتناع تغير حالهم وحصول الهدى.."١.
ويؤيد ما ذهب إليه شيخ الإِسلام أن اللَّه سمى هذه الحجُب المانعة للكفار من الإِيمان أقفالاً، في قوله سبحانه: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢ والأقفال تفتح وتقفل.
كما يؤيده في صورة المثَل - مثل الظلمات - أن الذي يقابل حجاب الختم والطبع هو السحاب. والسحاب يتراكم وينقشع بأمر اللَّه تعالى.
وفائدة الإخبار بأن الكافر لا ينفك عن كفره، وأنه يتقلب في ظلماته، ما دام كافراً مضروبة عليه الحجب، أمور من أهمها:
١- ما تقدم من تسلية النبي ﷺ ومن سار على نهجه في الدعوة إلى اللَّه، وإرشادهم إلى عدم الإفراط في الحزن والشفقة على الكفار إذا لم يستجيبوا.
٢- أن يعلم الداعي إلى اللَّه أنه ليس بدعائه وإنذاره وبيانه يحصل الهدى، ولو كان أكمل الناس٣ - فلا يداخله العجب، حيث يعلم أن
стр. 594
اللَّه هو الذي يسر انتفاع من انتفع بالموعظة، وكشف عنه الحجاب.
٣-أن لا ييأس الداعي عندما لا يرى لدعوته وبيانه قبولاً، حيث يعلم أن القلوب بيد اللَّه، فقد لا ييسر اللَّه هداية المدعو فلا يستجيب، لا لنقص في الدعوة والبيان ولكن لفساد المدعو١.
إلا أن هناك فائدة هامة دل عليها المثَل من خلال إفادته أن الكفار في ظلمات شديدة، وأنهم لن يجدوا نوراً يهتدون به.
وهذه الفائدة معتبرة من المثَل على كلا المعنيين، سواء كان في الكفار الذين حقت عليهم كلمة العذاب، ولازمهم الحجاب، أم كان عاماً في سائر الكفار ما داموا على كفرهم.
هذه الفائدة هي: أن الكافر في سعيه النظري العلمي، والتطبيقي العملي، في جهل وضلال، وإلى جهل وضلال - ما دام أن جهده تم في ظلمة الكفر - فيما يتعلق بهداية الإنسان وسعادته ونجاته في الآخرة.
وثمرة هذه الفائدة: أن يحذر المسلمون أفراداً وجماعات من الاغترار بزخرف قولهم، وبريق نظرياتهم، وما عندهم من التطبيقات السلوكية، والمعاملات الاجتماعية والمالية، والأطروحات السياسية والاقتصادية، والآداب، وسائر العلوم الإنسانية الضالة.
فإِن تلك العلوم والمفاهيم والقناعات تمت في ظلمة الكفر وضلاله،
стр. 595
وحيرته وشتاته، لن يصلوا بها إلى خير وهدى، ذلك أنه ليس عندهم شيء من نور الهداية.
﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
قال ابن جرير ﵀: "فكذلك هذا الكافر الضال في ظلمات الكفر، لا يبصر رشداً، ولا يعرف حقاً، يعني في ظلمات الكفر، يقول: أفطاعة هذا الذي هديناه للحق، وبصرناه الرشاد، كطاعة من مثله من هو في الظلمات متردّ، لا يعرف المخرج منها"١.
ومما ورد من الآيات في هذا المعنى، قول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ﴾ ٢.
قال ابن جرير ﵀: "يقول: لا يسددهم لإِصابة الحق في نفقاتهم وغيرها، فيوفقهم لها، وهم للباطل عليها مؤثرون، ولكنه يتركهم في ضلالتهم يعمهون"٣.
وهذه القضية جد هامة.
стр. 596
ولتمام الاعتبار بها: ينبغي على أهل العلم والدعوة تتبع بعض ما وقع من ضلال الكفار وتخبطهم - وخاصة في عصر تقدمهم المادي في العصر الحديث - في كافة مجالات السلوك الإنساني، في النواحي السياسية والاقتصادية، وكرامة الإنسان ومكانته وحقوقه، وهدفه ومصيره، وسعادته وطمأنينته، والأخلاق، والمجتمع ونُظمه، وغير ذلك من القضايا التي تقوم عليها حضارة الإنسان، وتتوقف عليها سعادته أو شقاؤه، والاستفادة من شهادات مفكري الكفار وغيرهم في نقد تلك الحضارة وبيان نتائجها المدمرة على الإنسان.
وهذا المجال واسع جداً، وإنما ميدانه ما يعرف بالثقافة الإِسلامية حيث اجتهد بعض الكتاب والمفكرين في بيان بعض هذه الجوانب١.
стр. 597
ومما يزيد الحاجة إلى العناية بهذا الأمر انخداع كثير من المسلمين بحضارة الكفار المعاصرة، وقبولهم الأعمى لكل ما يمت إليها بصلة، دون تمييز بين الغث والسمين، والنافع والضار.
كما يوجد قصور في العلاج والحلول عند بعض من كتب في ذلك من الكُتاب والمفكرين، يستلزم من العلماء وطلبة العلم دخول هذا المضمار برؤية مستبصرة، تستقي حلولها وتصوراتها من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ وهدي السلف الصالح - رضوان اللَّه عليهم - وما يقتضيه النظر العقلي السليم المنسجم مع الوحي القويم.
وهذه الجهود لازمة لحماية عقائد المسلمين من التذبذب والريب، وسلوكهم من التحلل من شعائر الإِسلام، ونفسياتهم من الانفصام والحيرة، ولأجل سلامة قاعدة الولاء للإسلام وأهله، والبراءة من الطاغوت وأهله، والخلاص من الآفات الأخرى التي تتولد عن الانبهار والإعجاب، والاقتداء بأعداء اللَّه من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين الضالين.
وهذه المباحث مع أهميتها ووجود الداعي إليها في وقتنا الحاضر أشد من غيره، ينبغي عدم الإفراط في تناولها، والتوسع في دراستها، واستقصاء
стр. 598
دقائقها، لأن ذلك يشغل المسلم عن تعلم العلم، والدعوة إليه. لذا فالواجب أن تعطى ما يناسبها من الاهتمام بإزاء ما ينبغي على طالب العلم تحصيله والعناية به، وتعليمه والدعوة إليه.. من معرفة اللَّه، ومعرفة رسوله ﷺ ، وشرائع الدين.
فالنهج القويم في هذه المسألة وما شابهها من قضايا الثقافة - مثل معرفة كيد الأعداء للمسلمين، في صدهم عن دينهم، وبث الفرقة والشقاق بينهم، والتخطيط لإضعافهم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً - وسط بين طرفين:
أحدهما: الإِهمال التام، والإعراض عن ذلك، وربما التقليل من شأنه.
والآخر: التوسع في ذلك، واتخاذه القضية الأهم، وصرف الجهد الأكبر والوقت الأوفر لها، الذي قد ينتج عنه قلة العناية بتعلم مسائل الإِيمان، وأحكام الشريعة وتعليمها. وقد يُعَظِّم من لهم جهود في ذلك إلى حد تفضيلهم على أهل العلم والذكر، وربما قدح في العلماء وقلل من شأنهم بحجة عدم إسهامهم في ميدان الثقافة.
ويعين على العمل بهذا المنهج الوسط: أن تحدد الجوانب التي تقوم عليها حضارة الإنسان، وتتوقف عليها سعادته في الدنيا والآخرة، ثم تحدد أهم الانحرافات، والفساد الحاصل في كل منها في الحضارة الكافرة المعاصرة باعتبارها قمة حضاراتهم، والاستدلال على ذلك بما ظهر من أحوالهم، وما سطروه من شهاداتهم، وربطه بما أخبر اللَّه به من خطوات
стр. 599
الشيطان وكيده لبيان توافق أحوالهم معها.
مع التنبيه على ما بينه اللَّه من أحوالهم وضلالهم وظلماتهم، وحيرتهم وتخبطهم وفسادهم، لتكون تلك الدراسات شاهدة على ذلك، لافتة للفطر السوية، والعقول السليمة إلى ضلالهم وظلمة سعيهم؛ مما يوجب النفور منهم، وعدم الاغترار ببريق حضارتهم.
وفي المقابل يعتني ببيان محاسن الإِسلام، وسمو نظُمه وتعاليمه، وما حققه لأتباعه من الخير والهدى، بالمقارنة مع تلك الأوضاع الكافرة الضالة المترديه، وبيان توافقها مع مسلّمات العلم الصحيح والطب، والدراسات الجادة الموفقة في تلك الجوانب.
وبذلك يظهر سمو الإِسلام وعظمته، وأنواره الهادية إلى الرشاد في مختلف جوانب كدح العباد، مما يبعث على الاعتزاز والاستبشار والاستمساك به.
ولعل من المناسب أن أورد بعض المقتطفات الهامة من كتاب "نقد أصول الشيوعية"١، فيما يتعلق بأهمية العناية بقضايا الفكر والثقافة الإسلامية، وأن يتصدى لذلك أهل العلم والبصيرة في الدين، وضرورة النقد المستمر لما صدر ويصدر في هذا الميدان، مع الإِشارة إلى أن بعض مَن كَتَبَ في هذه المواضع ليس من أهلها.
стр. 600
فمن أقواله في ذلك: "ولعل إِشكال المعرفة في الفكر الإِسلامي١ كله هو أن الذين