ولتمام الاعتبار بها: ينبغي على أهل العلم والدعوة تتبع بعض ما وقع من ضلال الكفار وتخبطهم - وخاصة في عصر تقدمهم المادي في العصر الحديث - في كافة مجالات السلوك الإنساني، في النواحي السياسية والاقتصادية، وكرامة الإنسان ومكانته وحقوقه، وهدفه ومصيره، وسعادته وطمأنينته، والأخلاق، والمجتمع ونُظمه، وغير ذلك من القضايا التي تقوم عليها حضارة الإنسان، وتتوقف عليها سعادته أو شقاؤه، والاستفادة من شهادات مفكري الكفار وغيرهم في نقد تلك الحضارة وبيان نتائجها المدمرة على الإنسان.
وهذا المجال واسع جداً، وإنما ميدانه ما يعرف بالثقافة الإِسلامية حيث اجتهد بعض الكتاب والمفكرين في بيان بعض هذه الجوانب١.
стр. 597
ومما يزيد الحاجة إلى العناية بهذا الأمر انخداع كثير من المسلمين بحضارة الكفار المعاصرة، وقبولهم الأعمى لكل ما يمت إليها بصلة، دون تمييز بين الغث والسمين، والنافع والضار.
كما يوجد قصور في العلاج والحلول عند بعض من كتب في ذلك من الكُتاب والمفكرين، يستلزم من العلماء وطلبة العلم دخول هذا المضمار برؤية مستبصرة، تستقي حلولها وتصوراتها من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ وهدي السلف الصالح - رضوان اللَّه عليهم - وما يقتضيه النظر العقلي السليم المنسجم مع الوحي القويم.
وهذه الجهود لازمة لحماية عقائد المسلمين من التذبذب والريب، وسلوكهم من التحلل من شعائر الإِسلام، ونفسياتهم من الانفصام والحيرة، ولأجل سلامة قاعدة الولاء للإسلام وأهله، والبراءة من الطاغوت وأهله، والخلاص من الآفات الأخرى التي تتولد عن الانبهار والإعجاب، والاقتداء بأعداء اللَّه من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين الضالين.
وهذه المباحث مع أهميتها ووجود الداعي إليها في وقتنا الحاضر أشد من غيره، ينبغي عدم الإفراط في تناولها، والتوسع في دراستها، واستقصاء
стр. 598
دقائقها، لأن ذلك يشغل المسلم عن تعلم العلم، والدعوة إليه. لذا فالواجب أن تعطى ما يناسبها من الاهتمام بإزاء ما ينبغي على طالب العلم تحصيله والعناية به، وتعليمه والدعوة إليه.. من معرفة اللَّه، ومعرفة رسوله ﷺ ، وشرائع الدين.
فالنهج القويم في هذه المسألة وما شابهها من قضايا الثقافة - مثل معرفة كيد الأعداء للمسلمين، في صدهم عن دينهم، وبث الفرقة والشقاق بينهم، والتخطيط لإضعافهم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً - وسط بين طرفين:
أحدهما: الإِهمال التام، والإعراض عن ذلك، وربما التقليل من شأنه.
والآخر: التوسع في ذلك، واتخاذه القضية الأهم، وصرف الجهد الأكبر والوقت الأوفر لها، الذي قد ينتج عنه قلة العناية بتعلم مسائل الإِيمان، وأحكام الشريعة وتعليمها. وقد يُعَظِّم من لهم جهود في ذلك إلى حد تفضيلهم على أهل العلم والذكر، وربما قدح في العلماء وقلل من شأنهم بحجة عدم إسهامهم في ميدان الثقافة.
ويعين على العمل بهذا المنهج الوسط: أن تحدد الجوانب التي تقوم عليها حضارة الإنسان، وتتوقف عليها سعادته في الدنيا والآخرة، ثم تحدد أهم الانحرافات، والفساد الحاصل في كل منها في الحضارة الكافرة المعاصرة باعتبارها قمة حضاراتهم، والاستدلال على ذلك بما ظهر من أحوالهم، وما سطروه من شهاداتهم، وربطه بما أخبر اللَّه به من خطوات
стр. 599
الشيطان وكيده لبيان توافق أحوالهم معها.
مع التنبيه على ما بينه اللَّه من أحوالهم وضلالهم وظلماتهم، وحيرتهم وتخبطهم وفسادهم، لتكون تلك الدراسات شاهدة على ذلك، لافتة للفطر السوية، والعقول السليمة إلى ضلالهم وظلمة سعيهم؛ مما يوجب النفور منهم، وعدم الاغترار ببريق حضارتهم.
وفي المقابل يعتني ببيان محاسن الإِسلام، وسمو نظُمه وتعاليمه، وما حققه لأتباعه من الخير والهدى، بالمقارنة مع تلك الأوضاع الكافرة الضالة المترديه، وبيان توافقها مع مسلّمات العلم الصحيح والطب، والدراسات الجادة الموفقة في تلك الجوانب.
وبذلك يظهر سمو الإِسلام وعظمته، وأنواره الهادية إلى الرشاد في مختلف جوانب كدح العباد، مما يبعث على الاعتزاز والاستبشار والاستمساك به.
ولعل من المناسب أن أورد بعض المقتطفات الهامة من كتاب "نقد أصول الشيوعية"١، فيما يتعلق بأهمية العناية بقضايا الفكر والثقافة الإسلامية، وأن يتصدى لذلك أهل العلم والبصيرة في الدين، وضرورة النقد المستمر لما صدر ويصدر في هذا الميدان، مع الإِشارة إلى أن بعض مَن كَتَبَ في هذه المواضع ليس من أهلها.
стр. 600
فمن أقواله في ذلك: "ولعل إِشكال المعرفة في الفكر الإِسلامي١ كله هو أن الذين
стр. 601
يكتبون عنه أناس ليس لهم معرفة كبيرة بأصول وفروع دين الإسلام.. إِن أكثر مفكري الإِسلام الذين برزوا إلى ساحة الفكر يحتاجون أنفسهم إلى عودة إلى كتب الأولين الأعلام، ومن ثم يهون عليهم المشكل ولا يحتاجون إلى زيادة بيان.. إن الخطر يكمن في أن الفكر الإِسلامي دخل
стр. 602
فيه من لا يحسنه أو يحسنه ولكنه أساء إليه"١.
وقال أيضاً: "ولست أنكر ما قدمه بعض المفكرين الإِسلاميين من دراسات طيبة ونقد رفيع، إلا أن هذا لا يغني في الرد على المذاهب المتأخرة.. بيد أني أريد أن نقوم لا بعمل مبتور بل بعمل متكامل، يوحي بقوة المعرفة، وإدراك أسباب انتشار المذاهب، ومن ثم دراسة ما يمكن دراسته للرد والنقد والنقاش، ونعلل بطلان غير ما جاء به الإِسلام في الحياة وبعد الممات"٢.
ثم بين أهمية النقد لمن يكتب في ميدان الفكر والثقافة الإسلامية، ليتمكن من نقد أحوال الكفار، والأفكار والمذاهب الهدامة، أو حتى نقد ما كتب ويكتب في الثقافة نفسها، فقال:
"وتوديع الكلام في هذا هو أنه لا بد من نقد يكون الناقد فيه على جانب كبير من سعة الصدر، وممارسة النقد الجزئي أولاً بأول، ولا بد من معرفة لقواعد النقد في الأدب الإِسلامي والتاريخ، وعليه أن يكون واسع الأفق، لديه حصيلة من الإدراك والذكاء وحسن التصور"٣.
стр. 603
فقال وهو يبين قواعد النقد: "وأول هذه القواعد التي نراها في هذا السبيل:.. معرفة العقيدة الإِسلامية المعرفة الكافية الحامية، وفهم الكتاب والسنة الفهم الصادق الواعي، والتغذي بكتب السلف من علماء هذا الدين الذين كتبوا في العقيدة، ومعاني القرآن وأسراره، وفهموا الحديث فهماً تاماً، وقصروا أنفسهم على ذلك. وهذه قاعدة مهمة لمن أراد الخوض في مجال النقد والمناقشة والردود"١.
وقال مبيناً الطريق إلى نشر ثمرات الدراسات الطيبة المفيدة في هذا المجال:
"وخطوة أخرى في هذا الطريق نسجلها لعلها تكون مأخذ التنفيذ من العاملين على التعليم، وهي أن تدرس الأنظمة والمذاهب البشرية الحديثة، ويكون الدارس لها على جانب عظيم من علم بالإسلام أصوله وفروعه، ويكون على درجة علمية رفيعة بالنقد وبيان الموضوع.. ولا يعني هذا إهمال المذاهب والفرق التي ظهرت قديماً بل يجعل كل هذا بجانب أو جوانب وتدرس للطلاب خاصة في المرحلة الثانوية والجامعية والدراسات العليا. ويحسن بجانب أن تدرس حال المسلمين في العالم٢،
стр. 604
وهذا فيه ما فيه من النفع والخير العميم.. ونحن بحاجة إلى أن يكون أبناؤنا على علم بما حولهم من شر كبير"١.
ويضاف إلى ذلك: أن تبسط وتختار بعض شهادات وشواهد ضلال الكفار في مختلف جوانب الحياة، وتُلقى على العامة في بعض خطب الجمعة، ووسائل الإعلام العامة، ليعم الوعي بذلك.
بعد هذه الإشارات إلى أهمية هذا الجانب من الثقافة الإِسلامية والمنهج الأقوم في تناولها، وحاجة ذلك إلى كاتب عالم بالكتاب والسنة ونهج وفهم السلف الصالح، ناقد منصف، بعد هذا، أرى أنه لا بد من تحديد الجوانب الضالة عند الكفار التي لن يصلوا فيها إلى الهدى، كما دل على ذلك هذا المثَل وغيره من الآيات.
تحرير جوانب ضلال الكفار وظلماتهم.
قد يرى المرء ما فيه كثير من الكفار من التقدم المادي في جوانب كثيرة من الحياة، فتأخذه الحيرة في فهم المراد بضلال الكفار وظلماتهم التي دل عليها مثل الظلمات، وما في معناه من الآيات.
ولتجلية هذا الأمر ينبغي التعرف على المجالات التي بمقدورهم
стр. 605
تعلمها وإتقانها، والاستفادة منها في نواحي الحياة، والمجالات التي ليس بمقدورهم الاهتداء إلى الصواب فيها، والتي هم في عمى وضلال تام عن معرفتها والعمل بها.
فقد أثبت اللَّه للكفار علماً، ونفى عنهم علماً. وبين مجال ما أثبت ومجال ما نفى. حيث قال سبحانه: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ١.
فأثبت لهم سبحانه العلم بظاهر من الحياة الدنيا، ونفى عنهم العلم بما ينفعهم يوم القيامة.
وقد أورد ابن جرير٢ ﵀ أقوال علماء السلف في المراد بظاهر الحياة الدنيا - الذي أثبت لهم علمه -، وخلاصة أقوالهم تدور حول ما يلي:
стр. 606
"الخرازون، والسراجون".
٣- معرفة أساليب العمران وما يتصل بها، عبر عن ذلك بعضهم بقوله: "يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال".
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
"وهؤلاء الذين لا يعملون، أي: لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها. وإنما ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فينظرون إلى أساليب، ويجزمون بوقوع الأمر، الذي في رأيهم انعقدت أسبابه، ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئاً.
فهم واقفون مع الأسباب، غير ناظرين إلى مسببها، المتصرف فيها. ﴿وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ قد توجهت قلوبهم، وأهواؤهم، وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها، وحطامها، فعملت لها وسعت، وأقبلت بها وأدبرت، وغفلت عن الآخرة.
فلا الجنة تشتاق إليها، ولا النار تخافها وتخشاها، ولا المقام بين يدي اللَّه ولقائه يروعها ويزعجها، وهذا علامة الشقاء وعنوان الغفلة عن الآخرة.
ومن العجب أن هذا القسم من الناس، قد بلغت بكثير منهم، الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا، إلى أمر يحير العقول، ويدهش الألباب.
وأظهروا من العجائب الذرية، والكهربائية، والمراكب البرية
стр. 607
والبحرية، والهوائية، ما فاقوا به وبرزوا، وأُعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزاً عما أقدرهم اللَّه عليه.
فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء، وهم مع ذلك، أبلد الناس في أمر دينهم، وأشدهم غفلة عن آخرتهم، وأقلهم معرفة بالعواقب.
قد رآهم أهل البصائر النافذة في جهلهم يتخبطون، وفي ضلالهم يعمهون، وفي باطلهم يترددون.
﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الفَاسِقُونَ﴾ ١"٢.
كما دلت آيات كثيرة على أمور أخرى من جوانب الحياة الدنيا، يعتني بها الناس علماً وتطبيقاً، ويقصر الكافر همه عليها، فمن تلك الآيات، قول اللَّه تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَآءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ ٣.
فللكفار علم وعناية وسعي حثيث لهذه الشهوات المزينة للناس، من
стр. 608
شهوة النساء، وتجاوزها إلى سائر الفواحش، والتكاثر بالبنين، والعناية بالتجارة، وأمور الاقتصاد، وتربية الحيوانات، والزراعة، وما يتصل بها من متاع الحياة الدنيا.
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوآ أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ ٢.
ومعلوم أن الإنسان مكون من روح وبدن، وأن عمله قسمان: عمل للدنيا، وعمل للآخرة.
فالمسلم مع سعيه في إصلاح بدنه، وعمله لدنياه، فإِنه يعمل في تزكية نفسه بإِقامة الدين للَّه. ويرجو بذلك النجاة يوم القيامة.
стр. 609
أما الكافر فإِن همه هو إِصلاح بدنه، والعمل لدنياه، وهو مُعرض عما فيه زكاة نفسه، من إِقامة الدين لله، وما دل عليه من العلم، غافلاً عن الآخرة.
وقد تبين مما تقدم من الآيات، وأقوال أهل العلم أن سعي الكافر في هذين المطلبين - إِصلاح البدن، والعمل للدنيا - يكاد يتلخص في الأمور الآتية:
١- تدبير أمور معيشتهم، وما يتصل بها من الزراعة والصناعة والتجارة.
٢- الاهتمام بأبدانهم وما يتصل بذلك من الطب ووسائل التجمل.
٣- التمتع بالشهوات والاسترسال معها بدون ضابط.
٤- العناية بوسائل الزينة، والتكاثر والتفاخر بالأموال والأولاد، ومتع الحياة، والمساكن، ونحوها.
٥- العناية باللعب واللهو، والتفنن في إِيجاد وسائلها، ككثير من أنواع الرياضة والفنون والآداب.
٦- تعلم ما يظهر لهم ويدركونه بعقولهم من أحوال المخلوقات، وتجارب الإنسان في سائر العلوم المادية والنظرية.
ففي هذه الوسائل وما شابهها مما يظهر للإنسان من أمور الحياة الدنيا، يكون علم الكفار ونجاحهم، وعليها تقوم حضارتهم.
أما ما يتصل بتزكية النفوس، وإقامة الدين والعبودية التي خلقوا من
стр. 610
أجلها، والاستعداد لليوم الآخر، فهم في ظلمات وعمى وضلال عنه.
مع أن لهم في ذلك كلاماً كثيراً ونظراً في جانب الفلسفة وعلم النفس والاجتماع، ونحوها. إلا أنها تدور في الضلال والظلمات، لا يهتدون من ذلك إلا إلى معرفة أنهم على ضلال. وبعضهم زين له سوء عمله فرآه حسناً.
ومعلوم أن ما يعرف بقضايا الفلسفة ومسائلها، هي القضايا التي جاء الدين لبيانها، في جانب العقيدة، والشريعة، والمعاملات والأخلاق، وقاعدة الخير والشر، والحسن والقبيح ونحوها.
وقد أعلن رواد الفلسفة في هذا الزمان - الذي بلغت فيه حضارتهم المادية أوجها - إفلاسهم وعجزهم عن الوصول إلى الحق والهدى في تلك القضايا.
وسأورد هنا شاهدين من أقوالهم، ليعلم أنهم لم يخرجوا ولن يخرجوا من ظلماتهم، ولن يصلوا إلى هدى في هذه المطالب الهامة.
ورد في كتاب "مدخل إلى الفلسفة":
"من الطبيعي أن يصبح الباحث حين يواجه هذه الحالة مرتبكاً، مشدوهاً، فاتر الهمة. فبينما كان يرجو أن يجد الحقيقة الواحدة وجد نفسه بدلاً من ذلك مسوقاً إلى أن يسأل: ما هو الحق؟ لقد رجا أن يمسح على شكوكه بيد اليقين، لكنه بدلاً من ذلك وجد أن التفلسف يثير شكوكاً وارتباكاً أكثر مما يطمئن، وإِنه يثير أسئلة هي أعسر بكثير من أن يقدر
стр. 611
على الإِجابة عنها، والحاصل غالباً هو انتفاء الرجاء في الفلسفة..
فما الفائدة؟ إن الفلسفة لا تقدر أن تبرهن على شيء ... والفلاسفة لا يتفقون أبداً. كلها استراق وتحايل على كل حال. وهكذا يقع المتشكك فريسة سائغة لمعتقد يبشر به أهله تبشيراً تعسفياً"١.
وورد في "الموسوعة الفلسفية المختصرة" كلمة المحرر ما يلي:
"ومن هنا كانت أي مجموعة من الإجابات التي توضع لمشكلات الفلسفة الرئيسية ... إِما أن تمثل وجهة نظر واحدة من بين ما لا يحصى من وجهات النظر، وأن تكون بمثابة بيان حزبي، وإما أن يظل يناقض بعضها بعضاً. ويترتب على هذا أن لا يمكن لأي موسوعة فلسفية أن تضطلع بتقديم إِجابات قاطعة لمشكلات الفلسفة دون أحد أمرين: فإما أن تخدع قراءها بأن تصور لهم ما هو في حقيقة الأمر أحد الآراء المتخاصمة على أنه الإجابة المتفق عليها.
وإِما أن تربكهم بسلسلة من الإجابات المتعارضة. ولما كان الأمر كذلك آثرنا ألا نجيب عن هذه الأسئلة إطلاقاً"٢.
стр. 612
وإذا كان الفلاسفة الذين تعتبر جهودهم الركيزة الفكرية التي قامت عليها حضارات الأمم الكافرة المعاصرة - وخاصة الحضارة الغربية - قد وصلوا إلى طريق مسدود، وأعلنوا إفلاسهم - كما تقدم في كلام الذين يشرحون الفلسفة ويبسطونها للقراء - ويئسوا من الاتفاق على نهج واحد يقطعون بأنه الحق، في مختلف المسائل، وأن كل نظر جديد يسهم في زيادة الآراء المتخاصمة المختلفة، ويعقد الطريق، فإِن ذلك أكبر شاهد على أنهم في ضلالهم يعمهون، وفي ظلماتهم سادرون، وأنهم لن يخرجوا من تلك الظلمات إلا برجوعهم إلى نور اللَّه الذي لا طريق للهدى سواه.
خلاصة هذه الفائدة:
دل المثَل - مثل الظلمات من سورة "النور" - على أن الكفار الجاحدين المكذبين للرسل، المعرضين عن هدى اللَّه ووحيه، في ظلمات شديدة حالكة، لا يهتدون معها إلى طريق نجاتهم في الآخرة، وفلاحهم وسعادتهم وأمنهم وطمأنينتهم في الدنيا.
وذلك أن الطريق إلى الهداية، وزكاة النفوس، وصلاح الأعمال، إنما يكون بتعلم ما أنزل اللَّه من الوحي والاستجابة له. وهم قد أعرضوا عن ذلك وكذبوا به، وعاقبهم اللَّه على ذلك بأن حجب قلوبهم عن الهداية وأنوارها، وختم عليها. فبعدوا عن طريق الخير وسبيل الهداية بعداً شديداً.
وأن الكافر في سعيه النظري العلمي، والتطبيقي العملي، في جهل وضلال، وإلى جهل وضلال، فيما يتعلق بهداية الإنسان وسعادته ونجاته
стр. 613
في الآخرة.
وأن على المسلمين أفراداً وجماعات أن يحذروا من الاغترار بزخرف قولهم، وبريق حضارتهم، وما عندهم من الممارسات السلوكية، والمعاملات الاجتماعية والمالية، والنظريات السياسية والاقتصادية، والتوجهات الأدبية، وسائر العلوم الإنسانية الضالة المخالفة للشرع القويم.
كما ينبغي على أهل العلم، والجامعات الإِسلامية، ومراكز البحوث والدعوة، الاهتمام بجانب الثقافة الإِسلامية الذي يكشف جوانب ضلال الكفار، وحيرتهم، ويبين شواهد ذلك من أحوالهم، وشهادات مفكريهم التي تبين مدى الانحدار الذي يسيرون فيه، والأضرار التي أصابت الإنسان في المجتمعات الكافرة.
وأن المجالات التي سيبقى سعيهم فيها ضالاً مظلماً، وسيبقون فيها عمياناً حيارى هي: ما يتصل بتزكية النفوس، وإقامة الدين والعبودية للَّه، التي خلقوا لها، والاستعداد لليوم الآخر، وما يتفرع عن ذلك من سلوك النفس البشرية وأحوالها، والنشاط والعلاقات الاجتماعية.
стр. 614
الفائدة الثانية: دلالة المثَل على سبب ضلال هذا النوع من الكفار:
تقدم١ أن هذا المثَل - مثل الظلمات، الوارد في سياق مثل النور من سورة "النور" - فقرة في تأكيد ما دل عليه مثل النور من أن العلم النازل من اللَّه، المدلول عليه بنصوص الكتاب والسنة، الموحى بها إلى رسول اللَّه ﷺ هو الطريق إلى الهداية.
وأن الإعراض عنه بأي شكل من الأشكال، ولأي دافع من الدوافع هو السبب في الضلال.
فقد دل مثل النور على أن سبب هداية المؤمنين هو استجابة فطرهم، وتشرب قلوبهم للعلم بالكتاب والسنة - المشبه بالزيت الذي تشربته فتيلة السراج - وجزاهم اللَّه على ذلك بأن شرح صدورهم، وقذف فيها نور الإِيمان، فقام بها ﴿نّورٌ عَلَىَ نُورٍ﴾ . ويزيدهم - سبحانه - من هداه كلما زادوا من العلم والاهتداء.
ودل مثل السراب على أن سبب ضلال أولئك الكفار الذين شبهت حالهم وأعمالهم به، هو: تطلبهم العلم والإِيمان من مصادر خادعة لاحت لهم فظنوها حقاً - وأعرضوا بذلك عن المصدر الحق، الكتاب والسنة، فقام ضلالهم على: اتباع الظن، والسير وراء الشبهات، والإعراض عن
стр. 615
الآيات البينات.
وهذا المثَل - مثل الظلمات - دل على أن سبب ضلال هذا النوع من الكفار، هو: الإعراض التام عن هدى اللَّه ووحيه، وما جاء به رسوله ﷺ والتكذيب به، والجحود لألوهية اللَّه واستحقاقه للعبادة، وربما جحدوا ربوبيته، والإنكار التام للبعث واليوم الآخر. فهم أهل الكفر التام الخالص، والضلال والظلمة التامة الحالكة.
وقد تبين من دراسة مثل الظلمات أن الذي يقابل الموج الباطني - الحجاب الأول القريب من الكائن في ذلك المكان المظلم - هو: الجهل والإعراض عن وحي اللَّه المطهر - الكتاب والسنة - الناتجة عن التكذيب والجحود١.
والمثَل يدل بوضوح على أن ضلال هؤلاء الكفار حاصل بسبب بعدهم وانحجاب قلوبهم عن النور الإلهي - الكتاب والسنة - وأن النور موجود لكن دونه الحجب المانعة عنه.
وهذه الحجب منها ما هو من فعلهم، كالحجاب الأول: الذي هو التكذيب والإعراض. والحجاب الثاني: الذي هو ضلالهم وكفرهم العملي والعلمي. ومنها ما هو من فعل اللَّه جازاهم به على فعلهم، وهو الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار.
стр. 616
فهم إذاً تسببوا فيما هم فيه من الكفر والختم على قلوبهم، بقذفهم أنفسهم في بحر عميق من الجهل والكفر والضلال. وحيث أوقعوا أنفسهم في بحر الظلمات، زادهم اللَّه ظلمة وبعداً.
وقد كثر التقرير في القرآن الكريم لهذه الحقيقة، وهي: أن كفرهم إنما هو بسبب تكذيبهم وإعراضهم عما نزل من الآيات البينات، وعدم استعمال ما أعطاهم اللَّه من العقول في استكشاف ما فيها من دلائل الحق.
ومن ذلك قوله تعالى في بيان مَن حق عليه وصف الكفر، وكلمة العذاب، وأنه إنما استحق ذلك بتكذيبه: ﴿بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الكَافِرِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ٢، فذكر اتصافهم بالكفر، وعقابهم عليه يوم القيامة. ثم ذكر - على لسانهم - سبب كفرهم، واستحقاقهم ذلك العذاب، وأنه التكذيب، بقوله: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ
стр. 617
جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ١.
ثم بين أن سبب التكذيب والإعراض، إنما هو عدم استعمالهم لما أعطاهم اللَّه من العقول والأسماع: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢.
والآيات المبينة لهذا المعنى كثيرة جداً.٣
وقال ﷺ : "إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى إلى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني. وإني النذير العُريان٤ فالنجاء،٥ فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا٦ فانطلقوا على
стр. 618
مهلتهم١ وكذّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق".٢
فبين ﷺ أن الناس بإزاء دعوته فريقان. مؤمن وكافر. وبين سبب ذلك وأنه الطاعة والاتباع لما جاء به من الحق من المؤمن. والعصيان والتكذيب لما جاء به من الحق من الكافر.
خلاصة هذه الفائدة:
دل المثَل - وما في معناه من النصوص - على أن سبب كفر هذا النوع من الكفار - المضروب لهم مثل الظلمات - وما ترتب عليه من استحقاقهم للعذاب، والختم على قلوبهم وأسماعهم والغشاوة على أبصارهم، إنما هو من أنفسهم، وتمثل في إعراضهم عن تعقل ما نزل من الآيات البينات، المتضمنة لدلائل الحق وبراهينه، وتكذيبهم به، ومعارضته بضده من الباطل والضلال.
стр. 619
فهذا فعلهم الذي تسبب في فعل اللَّه الجاري عليهم من الختم والطبع وغيره.
وسيأتي مزيد إيضاح - إِن شاء اللَّه - لهذه المسألة المتعلقة بفعل اللَّه في الهداية والإضلال، في الفائدة القادمة.
стр. 620
الفائدة الثالثة: دلالة المثَل على فعل اللَّه في إضلال الكفار وختمه على القلوب والأسماع.
ومأخذ هذه الفائدة من المثَل - مثل الظلمات - من وجهين:
الأول: تبين من دراسة الممثّل له١ أن الحجاب الثالث - المقابل للسحاب - هو الختم والطبع من اللَّه على قلوب وأسماع الكافرين. وتقدم٢ بيان مناسبة المقابلة بينهما - كما تقدم٣ من كلام ابن عباس ﵄ وابن جرير ﵀ في الربط بين هذه الآية وآية سورة "البقرة": ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤.
الثاني: ختام المثَل بقوله سبحانه - ﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ ، فيه دلالة على فعل اللَّه . وأنه لم يجعل لهم نوراً حيث منع
стр. 621
عنهم النور بالحجاب الذي ضربه على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم.
وهذا المعنى الذي دل عليه المثَل - وهو ختم اللَّه وطبعه على قلوب وأسماع الكافرين - دلت عليه نصوص كثيرة، منها قوله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُون﴾ َ١.
وتقدم أن ابن عباس ﵄ ربط في المعنى بين هذه الآية ومثل الظلمات، كما ربط بينه وبين آية سورة "البقرة"٢.
وقوله - سبحانه -: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ ، دليل شامل لهذه الفائدة التي بينها المثَل.
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ
стр. 622
عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الغَافِلُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢.
ونحوها كثير.
ومن الأحاديث قول النبي ﷺ : "لينتهين أقوام عن وَدْعِهم٣ الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين".٤
ومن ذلك أن النبي ﷺ كثيراً ما كان يحلف: "لا. ومقلب
стр. 623
القلوب"١.
وقد فسر الإمام البخاري ﵀ بهذا الحديث، قوله اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ٢.
قال الراغب الأصفهاني ﵀ في المراد بقوله: "مقلب القلوب".
"وتقليب اللَّه القلوب والبصائر: صرفها من رأي إلى رأي"٣.
وقال في المراد بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ "إشارة إلى ما قيل في وصفه يقلب القلوب، وهو أن يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك"٤.
وقال ابن بطال٥ ﵀ في مناسبة الحديث للآية:
стр. 624
"أن الآية نص في أن اللَّه خلق الكفر والإِيمان، وأنه يحول بين قلب الكافر وبين الإيمان الذي أمره به، فلا يكسبه إن لم يُقدره عليه، بل أقدره على ضده وهو الكفر، وكذا في المؤمن بعكسه، فتضمنت الآية أنه خالق جميع أفعال العباد خيرها وشرها، وهو معنى قوله: "مقلب القلوب"، لأن معناه: تقليب قلب عبده عن إيثار الإِيمان إلى إيثار الكفر وعكسه، ... وكل فعل اللَّه عدل فيمن أضله وخذله، لأنه لم يمنعهم حقاً وجب لهم عليه"١.
أما الإجماع فقد قال القرطبي٢ ﵀: "ولأن الأمة مجمعة على أن اللَّه تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين، مجازاة لكفرهم، كما قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ٣"٤.
стр. 625
إِشكال.. وبيانه:
كثيراً ما يثار حول هذا المعنى إشكال، فيقال: إذا كان اللَّه قد أَضلهم، وكتب عليهم الضلال، وختم وطبع على قلوبهم، فإِن في ذلك إبطالاً لحجة اللَّه عليهم، بل تكون الحجة لهم على اللَّه - سبحانه -، ويقولون: "كيف يأمرنا بأمر ثم يحول بيننا وبينه، ويعاقبنا عليه وقد منعنا من فعله، وكيف يكلفنا بأمر لا قدرة لنا عليه، وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب ثم سد عليه الباب سداً محكماً لا يمكنه الدخول معه البتة، ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم الدخول"١.
كما رتب بعض الضالين على هذه الشبهة إنكار فعل اللَّه في الهداية والإضلال، والختم والطبع على القلوب والأسماع، وتأولوا النصوص الواردة في ذلك على غير تأويلها٢.
والإجابة عن هذا الإِشكال تكون في الفقرات الآتية:
أولاً: إثبات فعل اللَّه - سبحانه - في هداية المهتدين، وإضلال الضالين، وختمه وطبعه على قلوب وأسماع الكافرين.. ونحو ذلك. كما
стр. 626
دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة.
ثانياً: أن الطبع والختم ليس موضوعاً عليهم ابتداءً في أصل الخلقة، وإِنما هو طارئ عليهم، وعقاب لهم من اللَّه بسبب منهم اقتضى ذلك.
فاللَّه سبحانه خلق الخلق أسوياء على الفطرة، ولا تتبدل هذه السنة. قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقد تقدم٢ أن هذه الآية تدل على ثلاثة أمور تتعلق بالفطرة، هي:
١- أن اللَّه فطر الناس على الدين الحنيف.
٢- أن خلق الناس على الفطرة عام لجميعهم، وأنه سنة جارية، لا تتخلف عن أحد من المكلفين.
٣- أن الفطرة قابلة للتغيير، والحرف عن الأصل الذي خلقوا عليه، بأسباب تكون من الناس.
وقال ابن القيم ﵀ ملخصاً المراد بِفَطْر الناس على الدين الحنيف:
"فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار، واتفاق السلف على أن
стр. 627
الخلق مفطورون على دين اللَّه الذي هو معرفته، والإقرار به، ومحبته، والخضوع له. وأن ذلك موجب فطرهم ومقتضاها، يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضي حصول ضده.. وحصول الحنيفية والإخلاص، ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير الفطرة، وإِن توقف كماله وتفصيله على غيرها.. وباللَّه التوفيق"١.
ومما يؤكد هذا المعنى إبطال اللَّه دعوى اليهود الذين زعموا أنه لا يتوجه إليهم اللوم على كفرهم لأنهم خلقوا وقلوبهم مغلفة. حيث بين - سبحانه - أن الغلاف الذي عليها إنما هو طبع من اللَّه طارئ بسبب كفرهم، وليس من أصل الخلقة.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٣.
قال ابن جرير ﵀:
стр. 628
"في قوله تعالى ذكره ﴿بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ، تكذيب منه للقائلين من اليهود: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ، لأن قوله: ﴿بَلْ﴾ دلالة على جحده جل ذكره وإنكاره ما ادعوا من ذلك.. فبين أن معنى الآية: وقالت اليهود: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد. فقال اللَّه تعالى ذكره: ما ذلك كما زعموا، ولكن اللَّه أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته، وطردهم عنها، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله، فقليلاً ما يؤمنون.١
وتدور أقوال السلف في تفسير ﴿غُلْفٌ﴾ على معنى: الطبع، والتغطية، وأن قلوبهم في أكنة لا يفقهون.٢
وعلى هذا يكون ما ادعوه من وجود الأغلفة، والطبع على قلوبهم، نظير ما أثبته اللَّه لهم في قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ .
إلا أن ما أبطله اللَّه من دعواهم أمر زائد على ذلك، هو زعمهم أن قلوبهم مغلفة مطبوع عليها في أصل الخلقة، ولذلك فليس باستطاعتها الفقه، والاهتداء، والاستجابة لما يدعوهم إليه الرسول ﷺ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبيناً أنهم إنما أرادوا أنها مغلفة في أصل الخلقة:
стр. 629
" (والغُلف) : جمع أَغْلَف، وهو ذو الغلاف، الذي في غلاف ... كأنهم جعلوا المانع خلقة، أي خلقت القلوب وعليها أغطية"١.
وهم إنما قالوا ذلك واحتجوا به، ومرادهم أنهم معذورون لا يتوجه إليهم لوم على عدم استجابتهم.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ مبيناً هذا المعنى: "أي: اعتذروا عن الإِيمان لما دعوتهم إليه، يا أيها الرسول، بأن قلوبهم غلف، أي: عليها غلاف وأغطية، فلا تفقه ما تقول، يعني: فيكون لهم - بزعمهم - عذر لعدم العلم، وهذا كذب منهم"٢.
فأقرهم اللَّه على بعض دعواهم، وأبطل بعضاً.
أقرهم على أن قلوبهم مغلفة مطبوع عليها، حيث قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ .
وأبطل زعمهم أنها هكذا بأصل الخلقة، وبين أن هذه الأغلفة والأقفال التي عليها، طارئة، قد جعلها اللَّه عليهم بسبب كفرهم، وقبل أن يكفروا لم تكن عليهم.
ويحتمل أن يكون احتجاجهم بفعل اللَّه المطلق. فيكون المعنى إِنهم قالوا: إن قلوبهم مغلفة بأغلفة ضربها اللَّه عليها، وما دام أن ذلك من فعل
стр. 630
اللَّه - سواءً كان عند خلقهم أم طارئ بعد ذلك - وليس من فعلهم فلا لوم عليهم.
فأبطل اللَّه ذلك الزعم، وبين أنهم إنما تسببوا فيما فعله اللَّه بهم، من الطبع على قلوبهم، فهم يلامون على ما جاؤوا به من السبب الذي أوجب الطبع على قلوبهم، لذلك قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ .
وعلى كلا المعنيين فإِن المقصود حاصل، وهو دلالة الآية على أن الطبع والختم على القلوب.. ونحوهما، طارئ عليها، وليس في أصل خلقتها. وأنه فعل الله الذي يجريه على من يستحقه من عباده إذا جاء بسببه.
وما دام أن الطبع ونحوه، هو فعل اللَّه سبحانه، وسببه فعل الإنسان من الكفر والنفاق.. ونحوهما، فإِن رفع الطبع وإزالته هو فعل اللَّه أيضاً، وسببه يكون من الإنسان.
قال ابن القيم ﵀: "ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإِيمان، بأن يفك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفل، ذلك الختم والطابع والقفل، ويهديه بعد ضلاله، ويعلّمه بعد جهله، ويرشده بعد غيه، ويفتح قفل قلبه، بمفاتيح توفيقه التي هي بيده.. وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب:
стр. 631
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ١.
وعنده شاب فقال: اللهم عليها أقفالها، ومفاتيحها بيدك، لا يفتحها سواك.
فعرفها له عمر، وزادته عنده خيراً"٢.
وخلاصة هذه الفقرة:
إن الختم والطبع وغيرهما من الحجب التي يجعلها اللَّه على قلوب الكافرين، إنما هي طارئة عليها، حيث إنهم يولدون كغيرهم من المكلفين على الفطرة السوية، ثم إذا جاؤوا بسبب يقتضي الختم والطبع، على قلوبهم طبع اللَّه عليها.
ثالثاً: أن ذلك هو مقتضى علمه - سبحانه - وحكمته وعدله.
والمراد بذلك: أن اللَّه عليم بعباده وما هم فاعلون، فيهدي مَن يعلم أنه أهل للهداية، ويضل ويختم على قلب من يعلم أنه أهل للغواية. وتقتضي الحكمة والعدل: أن يجازي كلاً بما يستحق، فيهدي من اهتدى، ويضل من كذب وغوى، ويختم على قلبه وسمعه جزاءً وفاقاً.
قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ
стр. 632
وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
قال ابن جرير ﵀ مبيناً المراد بقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ : "يقول تعالى ذكره: وخذله عن محجة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه، على علم منه بأنه لا يهتدي، ولو جاءته كل آية"٢.
وهذا المعنى - وهو أن إضلال اللَّه له كان على علم منه (سبحانه) - الذي اختاره ابن جرير ولم يذكر غيره، اكتفى به أيضاً جمهور المفسرين٣.
وذكر بعض المفسرين مع هذا القول قولاً آخر.
قال ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ، يحتمل قولين:
(أحدهما) : وأضله اللَّه بعلمه أنه يستحق ذلك.
(والآخر) : وأضله اللَّه بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه".٤
وقال ابن القيم ﵀ ذاكراً هذين المعنيين، ومبيناً أهمية
стр. 633
المعنى الأول في فهم الحكمة في معاملة اللَّه للمكلفين، وأهميته لفهم القدر:
"وعلى الأول: يكون ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ حالاً من الفاعل، فالمعنى: أضله اللَّه عالماً بأنه من أهل الضلال في سابق علمه.
وعلى الثاني: حالاً من المفعول. أي أضله اللَّه حال علم الكافر بأنه ضال.
قلت١: وعلى الوجه الأول فالمعنى: أضله اللَّه عالماً به وبأقواله وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره، قبل خلقه وبعده، وأنه أهل للضلال، وليس أهلاً للهدى، وأنه لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله، وعند من لا يستحقه. والرب تعالى حكيم، إِنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها.
فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر، والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال، وذكر العلم إذ هو الكاشف المبين لحقائق الأمور، ووضع الشيء في مواضعه، وإعطاء الخير من يستحقه، ومنعه من لا يستحقه. إن هذا لا يحصل بدون العلم.
فهو - سبحانه - أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه"٢.
стр. 634
وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ ، ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ﴾ ، تبين فعل اللَّه .
وهذه الدلالة - وهي كون الآية في بيان فعل اللَّه - من مرجحات القول الأول، وهو أن قوله تعالى: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ حال من الفاعل وهو اللَّه . فيفيد أن فعله وقع عن علم وحكمة.
وهذه الآية دلت على الفوائد التي تقدم تقريرها في هذه الفقرة والفقرتين السابقتين، وهي:
стр. 635
رابعاً: علاقة ذلك بالقدر.
تبين مما تقدم: ثبوت فعل اللَّه في إضلال الضالين، وختمه على قلوب الكافرين وأسماعهم، ونحوها، وأن ذلك يكون من اللَّه عن علم بحال أولئك. وأنه يجريه عليهم لكونه مقتضى حكمته وعدله، حيث جاؤوا بسبب ذلك من أفعالهم التي استوجبت أن يعاقبهم عليها بتلك العقوبات.
كما تبين أن ضلالهم والختم على قلوبهم. ونحوها، طارئ عليهم، ليس مضروباً عليهم في أصل الخلق، وأن أفعال العباد أسباب لها.
وإذا كانت أفعال العباد أسباباً لما يجري عليهم من فعل اللَّه، ففعل اللَّه لا يتقدم على فعل العبد، وإنما يجازيه بما يستحق بعد أن يفعل العبد ذلك السبب.
قال ابن القيم ﵀: "وقد جمع سبحانه بين الأمرين [فعل الرب وفعل العبد] ، في قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ .١
فالإزاغة فعله، والزيع فعلهم..
أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة التي زاغوا بها أولاً، عقوبة لهم على زيغهم، والرب تعالى يعاقب على السيئة