← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ١. وعنده شاب فقال: اللهم عليها أقفالها، ومفاتيحها بيدك، لا يفتحها سواك. فعرفها له عمر، وزادته عنده خيراً"٢. وخلاصة هذه الفقرة: إن الختم والطبع وغيرهما من الحجب التي يجعلها اللَّه على قلوب الكافرين، إنما هي طارئة عليها، حيث إنهم يولدون كغيرهم من المكلفين على الفطرة السوية، ثم إذا جاؤوا بسبب يقتضي الختم والطبع، على قلوبهم طبع اللَّه عليها. ثالثاً: أن ذلك هو مقتضى علمه - سبحانه - وحكمته وعدله. والمراد بذلك: أن اللَّه عليم بعباده وما هم فاعلون، فيهدي مَن يعلم أنه أهل للهداية، ويضل ويختم على قلب من يعلم أنه أهل للغواية. وتقتضي الحكمة والعدل: أن يجازي كلاً بما يستحق، فيهدي من اهتدى، ويضل من كذب وغوى، ويختم على قلبه وسمعه جزاءً وفاقاً. قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ

стр. 632

وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ١. قال ابن جرير ﵀ مبيناً المراد بقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ : "يقول تعالى ذكره: وخذله عن محجة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه، على علم منه بأنه لا يهتدي، ولو جاءته كل آية"٢. وهذا المعنى - وهو أن إضلال اللَّه له كان على علم منه (سبحانه) - الذي اختاره ابن جرير ولم يذكر غيره، اكتفى به أيضاً جمهور المفسرين٣. وذكر بعض المفسرين مع هذا القول قولاً آخر. قال ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ، يحتمل قولين: (أحدهما) : وأضله اللَّه بعلمه أنه يستحق ذلك. (والآخر) : وأضله اللَّه بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه".٤ وقال ابن القيم ﵀ ذاكراً هذين المعنيين، ومبيناً أهمية

стр. 633

المعنى الأول في فهم الحكمة في معاملة اللَّه للمكلفين، وأهميته لفهم القدر: "وعلى الأول: يكون ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ حالاً من الفاعل، فالمعنى: أضله اللَّه عالماً بأنه من أهل الضلال في سابق علمه. وعلى الثاني: حالاً من المفعول. أي أضله اللَّه حال علم الكافر بأنه ضال. قلت١: وعلى الوجه الأول فالمعنى: أضله اللَّه عالماً به وبأقواله وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره، قبل خلقه وبعده، وأنه أهل للضلال، وليس أهلاً للهدى، وأنه لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله، وعند من لا يستحقه. والرب تعالى حكيم، إِنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها. فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر، والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال، وذكر العلم إذ هو الكاشف المبين لحقائق الأمور، ووضع الشيء في مواضعه، وإعطاء الخير من يستحقه، ومنعه من لا يستحقه. إن هذا لا يحصل بدون العلم. فهو - سبحانه - أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه"٢.

стр. 634

وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ ، ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ﴾ ، تبين فعل اللَّه . وهذه الدلالة - وهي كون الآية في بيان فعل اللَّه - من مرجحات القول الأول، وهو أن قوله تعالى: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ حال من الفاعل وهو اللَّه . فيفيد أن فعله وقع عن علم وحكمة. وهذه الآية دلت على الفوائد التي تقدم تقريرها في هذه الفقرة والفقرتين السابقتين، وهي:

стр. 635

رابعاً: علاقة ذلك بالقدر. تبين مما تقدم: ثبوت فعل اللَّه في إضلال الضالين، وختمه على قلوب الكافرين وأسماعهم، ونحوها، وأن ذلك يكون من اللَّه عن علم بحال أولئك. وأنه يجريه عليهم لكونه مقتضى حكمته وعدله، حيث جاؤوا بسبب ذلك من أفعالهم التي استوجبت أن يعاقبهم عليها بتلك العقوبات. كما تبين أن ضلالهم والختم على قلوبهم. ونحوها، طارئ عليهم، ليس مضروباً عليهم في أصل الخلق، وأن أفعال العباد أسباب لها. وإذا كانت أفعال العباد أسباباً لما يجري عليهم من فعل اللَّه، ففعل اللَّه لا يتقدم على فعل العبد، وإنما يجازيه بما يستحق بعد أن يفعل العبد ذلك السبب. قال ابن القيم ﵀: "وقد جمع سبحانه بين الأمرين [فعل الرب وفعل العبد] ، في قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ .١ فالإزاغة فعله، والزيع فعلهم.. أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة التي زاغوا بها أولاً، عقوبة لهم على زيغهم، والرب تعالى يعاقب على السيئة

стр. 636

بمثلها، كما يثيب على الحسنة بمثلها. فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ الأول. فهم زاغوا أولاً فجازاهم اللَّه بإزاغة فوق زيغهم.."١. وإذا تقرر ذلك - وهو أن اللَّه يجازي عباده بما يستحقون من الهداية، أو الإضلال والختم على القلوب والأسماع، كما تقتضيه الحكمة، وعلم اللَّه بحالهم، وأن أفعالهم أسباب لفعل اللَّه بهم، وأن المُسَبَّب يأتي بعد السبب لا قبله - فيبقى بيان علاقة ذلك بالقدر السابق، وبيان كيف يستقيم هذا الفهم مع ما ورد من أن اللَّه كتب عليهم ذلك، وقدّره عليهم قبل أن يخلقهم، والقدر حكم لازم لا مخلص منه. وبيان ذلك يكون في المسألتين الآتيتين: المسألة الأولى: في بيان أهم معالم الإِيمان بالقدر.٢ إِن الإِيمان بالقدر كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة يشمل: الإيمان بأن اللَّه - تعالى - كتب ما اشتمل عليه علمه الأزلي من مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وأراد وقوعها لآجالها إرادة كونية٣، لاقتضاء الحكمة

стр. 637

لها، ويأذن بوقوعها ويخلقها - سبحانه - إذا حان الأجل. ومن النصوص المبينة لهذا المفهوم للقدر، قول اللَّه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .١ وقوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢.

стр. 638

وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلآ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١. فهذه الآيات ونحوها تربط بين علم اللَّه السابق بمقادير الخلائق وبين كتابتها في اللوح المحفوظ. فالمكتوب في اللوح المحفوظ هي مقادير الخلائق التي كانت في علم اللَّه لم يزل عالماً بها. ومن تلك المقادير - التي لم يزل اللَّه عالماً بها وكتبها في الكتاب المبين - ما يتعلق بأفعال العباد كما دلت على ذلك الآية الثالثة آية سورة "يونس". فهذه النصوص ونحوها تربط بين مرتبة علم اللَّه بمقادير الخلائق ومرتبة كتابتها. وتدل هذه النصوص على شمول العلم والكتابة لجميع مقادير الخلائق صغيرها وكبيرها، مجملها ومفصلها، وكل ما يتصل بها. وقد دل على شمول كتابة المقادير قول النبي ﷺ : "كتب اللَّه مقادير

стр. 639

الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال وعرشه على الماء"١. وهذا الحديث مع دلالته على شمول الكتابة لجميع مقادير الخلائق، دل أَيضا على وقت كتابتها. وأنه قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. مما يدل على أن كتابة المقادير حادثة، لكنه - سبحانه - لم يزل عالماً بها قبل وبعد الكتابة. كما جاءت نصوص أخرى تربط بين القدر السابق ومرتبة الخلق. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ ٢. وأمر اللَّه: يراد به كلامه هو صفة من صفاته. ويراد به المأمور وهو الشيء الحاصل بأمر اللَّه. قال ابن تيمية ﵀: "فالأمر يراد به نفس مسمَّى المصدر، كقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾

стр. 640

﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ١، ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ٢، ويراد به المأمور به، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ ، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ٣. فالأول: هو من كلام اللَّه وصفاته، والثاني: مفعول ذلك وموجبه ومقتضاه"٤. وأمر اللَّه الذي هو كلامه الذي يأمر به ينقسم إلى قسمين: الأول: أمره الكوني، وهو كلامه المتوجه إلى المخلوقات بالخلق والإيجاد وهو قوله للشيء "كن". قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٥. وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٦

стр. 641

الثاني: أمره الشرعي: وهو كلامه ووحيه الموجه للمكلفين بما شرعه لهم من الدين. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ١. وقال: ﴿يُنَزِّلُ المَلآئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوآ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٢. وقال - سبحانه -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣. وعلى هذا فإِن "أمر اللَّه" يراد به ثلاثة معان: الأول: كلامه الكوني، الذي يأمر به ويخلق به. كما قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٤.

стр. 642

الثاني: كلامه الشرعي، الذي يأمر به ويشرع به. وهو وحيه إلى أنبيائه. الثالث: المأمور به، الذي يوجد ويكون بأمر اللَّه. والمراد بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ : هو النوع الثالث. أي المأمور به المخلوق الكائن بأمر اللَّه الكوني كما تقدم ذلك في كلام ابن تيمية ﵀. فإذا أمر اللَّه الشيء، وقال له: "كن" فإِنه يوجَد ويكون موافقاً للقدر المقدور أي للقدر السابق. فهذه الآية ونحوها تجمع بين مرتبة الخلق، والقدر السابق، وتبين أن ما يخلقه اللَّه إنما يوجد كما قدر له في كتاب المقادير. وبين ذلك - أَيضا- بقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١ونحوها. كما وردت نصوص تربط بين مرتبة الخلق وإرادة اللَّه ومشيئته، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.

стр. 643

وقوله: ﴿فَعَّالٌ لما يُرِيدُ﴾ ١. ومن ذلك أفعال العباد، كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَآءُونَ إِلآَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٢. فهذه الآية ونحوها تبين أنه لا يقع من العباد فعل إلا إذا شاءه اللَّه وأراده. فهي تقرر مشيئة اللَّه لأفعال العباد. كما تقرر أن ذلك يكون بعلم اللَّه وحكمته. من هذه النصوص ونحوها، ينتظم الإِيمان بالقدر الذي يتضمن الإِيمان بصفات اللَّه وأفعاله المتعلقة بمقادير الخلائق عامة، وأفعال المكلفين وما يجري منهم وعليهم خاصة. حيث تبين أن اللَّه خالق لكل شيء بأمره الكوني. وأن ما خلقه فقد أراده وأذن بوقوعه لاقتضاء الحكمة له. وأن كل ما يكون ويوجد فإِنه يخلق موافقاً للقدر السابق. وأن اللَّه قد كتب جميع مقادير الخلائق - ما علم أنه يكون منهم، وما يجري عليهم - في كتابه المبين اللوح المحفوظ، قبل أن يخلق السموات

стр. 644

والأرض بخمسين ألف سنة. وبذلك تتضح أهم معالم الإيمان بالقدر، وإجمالها فيما يلي: ١- إن اللَّه خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد. ٢- إن ما خلقه وأوجده فقد أراده إرادة كونية، وأذن بوقوعه. ٣- إن ما يخلقه – سبحانه – بأمره الكوني يُخلق موافقاً للقدر السابق. ٤-إن القدر هو كتابة علم اللَّه الأزلي بمقادير الخلائق في اللوح المحفوظ. ٥-إن كتابة المقادير وإرادة اللَّه لها وخلقه إياها تم بعلم اللَّه وحكمته - سبحانه - القائمة على العدل أو الفضل، وإعطاء كلٍ ما يستحقه ويتناسب مع حاله. وعلى هذا فإضلال اللَّه للضالين، وختمه على قلوبهم وأسماعهم، ونحو ذلك هي من مقاديرهم الجارية عليهم، والتي تتحقق فيها تلك الحقائق المبينة لمعالم الإِيمان بالقدر. وسيأتي زيادة بيان لهذا فيما يلي: المسألة الثانية: في المراد بكتابة أفعال العباد وما يقابلها من فعل اللَّه. إِن المراد بيانه هنا هو جزء من المقادير، التي تتعلق بالمكلفين، وهي قسمان: كتابة أفعالهم الجارية باختيارهم، وكتابة أفعال اللَّه التي يقابل بها

стр. 645

تلك الأفعال ومنها الإضلال والختم على القلوب. القسم الأول: أفعال العباد التي علم اللَّه أنهم سيفعلونها. وتقدير هذا النوع: تم بإثبات علم اللَّه بها وكتابته في اللوح المحفوظ. وإذنه بوقوعها، وخلقه لها بتهيئة الأسباب وإزالة الموانع. علاقة تقدير هذا النوع بعلم اللَّه: تقدم أن تقدير أفعال العباد تم بإثبات علم اللَّه بها وكتابته اللوح المحفوظ، حيث كتب ما علم أنه سيعملونه. وعلم اللَّه بأفعال العباد، وكتابته في اللوح المحفوظ، لا تأثير له في سيرها إيقاعاً أو منعاً. إذ أن مجرد العلم - سواء كان مكنوناً في النفس، أو مكتوباً في كتاب - لا تأثير له على المعلوم. لذلك لم يَعُدَّ أهلُ العلم عِلْمَ اللَّه تعالى في صفات الأفعال. قال الخطابي١ ﵀: "قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من اللَّه والقضاء منه معنى الإِجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدر.. وليس الأمر في ذلك على ما يتوهمونه.

стр. 646

وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم اللَّه - سبحانه - بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم١ وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها خيرها وشرها"٢. قال بعض العلماء معقباً على قول الخطابي هذا: "وعلم اللَّه - سبحانه - بما سيقع، ووقوعه حسب هذا العلم لا تأثير له في إرادة العبد، فإِن العلم صفة انكشاف٣ لا صفة

стр. 647

تأثير"١. وإذا تبين هذا فإِن أول فعل العبد هي إرادته وعزمه على الفعل. فاللَّه يعلم مشيئة العبد، وهل تقتضي الحكمة تمكينه من الفعل أم لا؟ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٢. - فهو يعلم - سبحانه - ما يريدون فعله! وكتب ما علم من إراداتهم. - ثم هل تقتضي الحكمة تمكينهم من الفعل أم لا؟ فكتب من سيؤذن له بالفعل ويمكن منه! ومن لا يمكن!

стр. 648

- والذي أذن له بالفعل كتب الكيفية التي سيتم بها فعله! - والذي لم يؤذن له بالفعل، كتب عليه ذلك، وكَتَب الأسباب التي سيُحَال بها بينه وبين الفعل. وكل ذلك يجري على مقتضى علم اللَّه بعباده، وحكمته في معاملتهم. أفعال العباد.. وإرادة اللَّه الكونية: إِن مشيئة اللَّه التي يعامل بها عباده معتبر فيها أمور هي من مقتضى صفاته وما أوجبه على نفسه - سبحانه -. ومجمل تلك الاعتبارات فيما يلي: ١- العلم والحكمة. فما شاءه اللَّه لعباده من الإذن لهم بإنفاذ ما شاؤوا من الأعمال، أو عدم الإذن، وما شاءه من أفعاله الجارية عليهم، إنما هو عن علم اللَّه وحكمته، فأرادها وقدرها عليهم لذلك. ومن ذلك فعلهم من الضلال وتعاطي أسباب الهلاك، وموجبات الختم على القلوب والأسماع، وفعل اللَّه المناسب لأفعالهم من الإضلال والختم على القلوب والأسماع ونحوها. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١.

стр. 649

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: مبيناً أن هداية المهتدي، وإضلال الضال إنما يكون عن علم اللَّه وحكمته: " ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فله الحكمة في هداية المهتدي، وإضلال الضال"١. وقال ابن جرير ﵀ مبيناً أن ما قدّره اللَّه على عباده مما أراده من أفعالهم الواقعة منهم، وأفعاله الجارية عليهم، إنما تم عن علم اللَّه وحكمته: "وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ : فلن يعدو منكم أحد ما سبق له في علمه بتدبيركم"٢. ومن الآيات التي تبين أن مشيئة اللَّه في معاملة عباده إنما هي عن حكمة تتضمن علمه بحالهم وما يستحقونه من الجزاء. قوله تعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَآءُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ

стр. 650

بِالمُهْتَدِينَ﴾ ١. وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ٢. وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ٣. والحكمة: تشمل ما علمه اللَّه من أعمالهم السابقة التي توجب التوفيق للخير والتمكين منه، أو الخذلان عنه، والتيسير للشر والتمكين منه أو العصمة منه. على حد قوله - سبحانه -: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٤ ونحوها. ٢ - العدل وعدم الظلم. والمراد أن اللَّه - سبحانه - قيد إرادته بعدم الظلم، فلا يظلم - سبحانه - أحداً من عبيده، حيث حرّم الظلم على نفسه.

стр. 651

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١. وقال: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٢. وقال ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٣. وقال النبي ﷺ فيما يروي عن اللَّه ﵎ أنه قال: "يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم مُحرّما فلا تظالموا"٤. ٣ - الفضل. والمراد أن اللَّه شاء أن يعامل أهل الفضل من عباده بالفضل. وهذا من حكمته - سبحانه - ورحمته وشكره وإحسانه.

стр. 652

قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ ١. فقد شاء اللَّه أن ييسر أهل الفضل من عباده لليسرى، ويوفقهم للخير، ويزيدهم هداية وثباتاً، فضلاً منه ورحمه، موافقاً لأفعالهم الحسنة. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢. قال ابن جرير ﵀: "وقوله: ﴿فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ يقول: ولكن اللَّه حبب إليكم الإِيمان، وأنعم عليكم هذه النعمة، التي عدّها فضلاً منه، وإحساناً ونعمة منه أنعمها عليكم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يقول: واللَّه ذو علمٍ بالمحسن منكم من المسيء، ومن هو لنعم اللَّه وفضله أهل، وحكمةٍ في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما شاء من قضائه"٣.

стр. 653

وهاتان الآيتان من سورة "الحجرات" بينتا أموراً هامة من أهمها: - إثبات فعل اللَّه من تحبيب الإِيمان وتزيينه في قلوب المؤمنين، وتكريههم الكفر والفسوق والعصيان. - بيان أن فعل اللَّه ذلك إنما هو من فضله ونعمته عليهم. - بيان أن ذلك عن علم اللَّه بهم، وحكمته التي تقتضي معاملة المحسن بالإحسان، وأهل الفضل بالفضل. - أن هذه الآية جمعت ثلاثة من الأمور التي تتم بموجبها مشيئة اللَّه في معاملة عباده - والتي يجري تقريرها - وهي: الفضل، والعلم، والحكمة. ٤- أن رحمته - سبحانه - تسبق غضبه. والمراد أن مشيئة اللَّه التي يعامل بها عباده، ويأذن بها لما يقع منهم وعليهم، يراعي فيها - سبحانه - تقديم مقتضى رحمته على مقتضى سخطه، إذا قام بالعبد موجب للرحمة وموجب للغضب. قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه أن رحمتي تغلب غضبي" ١.

стр. 654

وفي رواية: "رحمتي سبقت غضبي"١. قوله: "رحمتي تغلب غضبي". دليل على علم اللَّه أنه سيكون من عباده المؤمنين ما يوجب الرحمة، وما يوجب الغضب. وستكون المغالبة بإزاء ذلك بين مقتضى رحمة اللَّه، ومقتضى غضبه، الذين استحقهما العبد أو العبيد، وسَيُنفِذ مقتضى رحمته ويقدمه على مقتضى الغضب، وذلك من فضل اللَّه ولطفه بعباده. وهذا يكون إذا فعل العبد أو الجماعة المؤمنة، فعلاً يستحقون عليه الرحمة والثواب، وفعلاً آخر يستحقون عليه الغضب والعقاب، فتتعارض الحكم، فعندها يقدم - سبحانه - مقتضى رحمته. ولعل من أمثلة ذلك: ما حصل من الصحابة من اتخاذ الأسرى يوم بدر، وأخذ الفدية منهم قبل أن تحل لهم. فقد جاؤوا بعمل صالح عظيم وهو شهود بدر. وهو من موجبات الرحمة وجاؤوا بمعصية خطيرة، هي أخذ الفدية من الأسرى قبل أن تُحَل لهم، وهي من موجبات الغضب والعذاب، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.

стр. 655

فسبقت رحمته غضبه، فغفر لهم، ورحمهم، وأباح لهم الغنائم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. فالذي يُقدَّر على العبد في مثل هذه الحالة مقتضى الرحمة، ويتخلف مقتضى الغضب. والمغالبة بينهما والمسابقة إنما هي في تقدير الحكمة، وليس في المقادير المكتوبة، وإنما المكتوب هو مقتضى الرحمة. ومن أمثلة ذلك: علم اللَّه بقيام عبد من عبيده بعقوق أمه وضربها. وهذا العمل من موجبات الغضب، وحقه في حكمة اللَّه أن تعجل له العقوبة. لكن علم اللَّه - أَيضا - أنه لا يلبث أن يندم ويتوب ويستغفر وينكسر بين يدي اللَّه. أو أن والدته المضروبة تدركها الشفقة عليه لمقتضى علمها باللَّه وسنته، وتشفع له في تلك الحالة وتسأل اللَّه أن يقيله ولا يعاجله بالعقوبة. فيكون قد قام بذلك العبد موجب عذاب وغضب، وقام به أو له موجب رحمة، وكل ذلك في علم اللَّه - سبحانه -. فإِن اللَّه من رحمته يعامله بمقتضى رحمته. حيث إن رحمته تسبق

стр. 656

غضبه، ويكتب عليه ما يناسب ذلك. واللَّه أعلم. وخلاصة ما دلت عليه تلك الأمور المعتبرة في مشيئة اللَّه التي يعامل بها عباده: أن اللَّه قدَّر الهداية والضلال على عباده، وأذن لهم بأفعالهم، وأجرى عليهم من أفعاله، بهذه الاعتبارات المتقدمة من علمه بهم وبأفعالهم وحكمته التي تقتضي أن يجازي كلاً بما يستحق، بأن يهدي من اهتدى، ويضل من زاغ وغوى، وعدم ظلمه، وفضله لأهل الفضل، وأن رحمته تسبق غضبه. فهو - سبحانه - يدبر أمر عباده، وقدر عليهم مقاديرهم، وهو بصير بهم، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ﴾ ١. قال ابن كثير ﵀: "واللَّه عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء له الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ﴾ أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة

стр. 657

وهو الذي ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١ وما ذلك إلا لحكمته ورحمته"٢. وبهذه الاعتبارات يقيد كل لفظ للمشيئة مطلق في النصوص فيما يتعلق بمعاملة اللَّه لخلقه المكلفين. نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣. فالقدر ليس معناه: أن اللَّه اختار لعباده، بمحض المشيئة المطلقة، ومحض التحكم، أفعالهم وأفعاله الجارية عليهم، وقدرها عليهم وأجبرهم عليها، فهم سائرون على ما اختاره لهم. وإنما معنى القدر: أن اللَّه قدَّر عليهم ما اقتضته حكمته من أعمالهم التي علم أنهم سيعملونها وأذن لهم بها، ومن أفعاله التي تقتضي الحكمة أن يقابل بها تلك الأعمال التي علم أنهم سيعملونها. فالمشيئة التي قدر بها تلك المقادير من أفعال العباد، وتلك التي يخلقها

стр. 658

ويمكن من وقوعها بها، معتبر فيها علمه سبحانه وحكمته وعدله، وأن رحمته تسبق غضبه، وغيرها من مقتضى أسمائه وصفاته، وسننه الجارية التي يعامل بها عباده. أفعال العباد.. وإذن اللَّه الكوني١:

стр. 659

أن إرادة اللَّه لأفعال العباد تستلزم إذنه الكوني بوقوعها إذا حان أجلها. فالإِذن الكوني للعباد بإيقاع أفعالهم يكون عن مشيئة اللَّه، ومشيئة اللَّه مستلزمة لفعله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لما يُرِيدُ﴾ ١. وعليه فإِن الأذن الكوني يستلزم فعلاً للَّه يتحقق به فعل العبد.

стр. 660

وذلك يكون: بإزالة الموانع، وتهيئة الأسباب، وإقداره على الفعل. وبدون ذلك لا يستطيع العباد أداء أفعالهم. ولذلك سُمّي إذناً كونياً لتضمنه فعل اللَّه تعالى. ونُسِب الفعل إلى اللَّه، لكون العبد لا يستطيع الفعل بدونه، إذ هو الذي أذن بالفعل، وأزال موانعه، وهيأ أسبابه، ويسر الفعل، وأقدره عليه. ولا ينسب الفعل إلى اللَّه مزاولة ومباشرة، وإنما ينسب إليه إرادةً وإذناً وتمكيناً. مثال ذلك: لو أن ولداً طلب الإذن من والده في الزواج من امرأة بعينها، فوافق الوالد وأذن له بالزواج منها. وكان الولد قادراً على نفقات الزواج ولا يحتاج من والده إلا إذنه وموافقته. فهذا إذن مجرد من الفعل، لا يتطلب من الآذن إلا الموافقة، ولا يقال فيه إن الوالد زوج ولده لمجرد إذنه له بالزواج. أما إذا كان الولد لا يستطيع الزواج من تلك المرأة، لغلاء مهرها الذي لا يملك منه شيئاً، أو لممانعة والدها، أو لغير ذلك من الموانع التي لا يستطيع تجاوزها إلا بمساعدة والده، فإِنه إذا قال لوالده زوجني من فلانة، نما يريد منه ما هو أبعد من الموافقة! يريد إذناً يستلزم فعلاً. والوالد قد يقول لا أريد تزويجك منها، فلا يأذن بزواجه منها ولا يُمكنُه. فينتهي الأمر، إذ أن الولد لا يستطيع، والوالد لم يأذن.

стр. 661

أما إذا وافق الوالد على الزواج، فإِنه عند ذلك يسعى في إزالة الموانع والصعوبات، ويُقدم المهر ويُهيِّئ الأسباب، ويقنع والد المرأة حتى يتم الزواج. وعندها يقال الوالد زوج ولده. ولا يعني لك أن الوالد هو الذي تزوج وباشر الفعل! وإنما ينسب الفعل إلى الوالد إذناً يتضمن التمكين بإزالة الموانع وتهيئة الأسباب. قال ابن القيم ﵀: "ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ١. فهو سبحانه المزوِّج ورسوله المتزوج. وكذلك قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ٢، فهو المزوِّج وهم المتزوجون. وقد جمع - سبحانه - بين الأمرين في قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوآأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٣، فالإزاغة فعله، والزيغ فعلهم"٤. فإذن اللَّه الكوني يستلزم تيسير حصول الفعل، كما أن عدم الإذن

стр. 662

كوناً يستلزم منع الفعل. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ١. وقال: ﴿وَلَوْ شَآء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٢. ومعلوم أن قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ، ليس المراد منه أن اللَّه هو الذي باشر الاقتتال. وإنما أراده وأذن به كوناً وهيأ أسبابه التي لو لم تكن لما حصل اقتتال. وهذا هو فعله الذي تحققت به إرادته لاقتتالهم. فالاقتتال منسوب إلى اللَّه إرادة وإذناً وتمكيناً، ولولا ذلك ما حصل، ومنسوب إليهم مباشرة ومزاولة. قال ابن القيم ﵀: "إحداث اللَّه - سبحانه - لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه قائمة بمحلها وهو العبد، فجعل فاعلاً بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة. وإحداث العبد لها بمعنى أنها قامت به وحدثت بإراداته وقدرته. وكل من الإحداثين مستلزم للآخر، ولكن جهة الإضافة مختلفة، فما أحدثه الرب - سبحانه - من ذلك فهو مباين له، قائم بالمخلوق، مفعول له لا فعل. وما أحدثه العبد فهو فعل له قائم به، يعود إليه حكمه، ويشتق له منه اسمه..

стр. 663

فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه إذ هي واقعة بخلقه ومشيئته وقضائه. وأضافها إلى أسبابها إذ هو الذي جعلها أسباباً لحصولها. [ولا تعارض] بين الإضافتين، ولا تناقض بين السببين. وإذا كان كذلك: تبين أن إضافة الفعل الاختياري إلى الحيوان بطريق التسبب، وقيامه به، ووقوعه بإرادته لا ينافي إضافته إلى الرب - سبحانه - خلقاً ومشيئة وقدراً. ونظيره، قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَآ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ١. وقال لنوح: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ٢. فالرب - سبحانه - هو الذي حملهم فيها بإذنه وأمره ومشيئته، ونوح حملهم بفعله ومباشرته"٣ وخلاصة القول في تقدير أفعال العباد: أن اللَّه لم يزل عالماً بأفعال العباد التي سيفعلونها، وأنه كتب علمه بأفعالهم في اللوح المحفوظ، حيث اقتضت الحكمة أن يأذن لهم بفعلها، وتعلقت بها إرادته الكونية. وإذا جاء الأجل هيأ لهم أسباب الفعل، وصرف عنهم الموانع، ومكنهم منه، فباشروه وفعلوه.

стр. 664

ومن ذلك إضلاله للكافرين، فإِن اللَّه عالم بأنهم سيقصدون طريق الزيغ والضلال، فكتب عزمهم ذلك، ثم إن الحكمة تقتضي أن يمكنوا من ذلك الضلال، فأراده منهم وأذن لهم به، لعلمه بحالهم وأنهم أهل لذلك. فكتب ذلك الفعل الذي أذن لهم بفعله كوناً. وكتب ما يتعلق بوقوعه من التفاصيل. وكل ذلك عن علم بأفعالهم، وحكمة في إرادتها وتقديرها. فاللَّه - سبحانه - أضلهم بمعنى أنه أراد منهم ذلك كوناً، وأذن لهم به، ومكنهم منه، وقدره عليهم، إذ أن الحكمة تقتضي ذلك. وهم ضلوا حيث قصدوا طريق الضلال، ومارسوه وباشروه بما أعطاهم اللَّه من قدرات، وهيأ لهم من أسباب. وعِلْمُ الله وكتابته لا تأثير لها في مقاصدهم وأعمالهم، وإنما هم قصدوها بطوعهم واختيارهم، وفعلوها بقدراتهم وأسبابهم، واللَّه لم يزل عالماً بتلك الأفعال فكتبها عليهم، وإذا جاء الأجل أذن لهم بفعلها ومكنهم منها. فإذا فعلوها جازاهم عليها بما يستحقون من الختم والطبع والعقوبات التي تقتضيها حكمته. والله أعلم.

стр. 665

القسم الثاني١ من المقادير المتعلقة بأفعال المكلفين: كتابة أفعال اللَّه التي يقابل بها أفعال العباد. إن أفعال اللَّه المقصودة هنا هي: أفعاله التي يقدرها جزاء على أفعال عباده التي علم أنهم سيفعلونها، وأذن لهم بفعلها، ومكنهم منها، وقدرها وكتبها عليهم. وهذا النوع من أفعال اللَّه غير أفعاله التي سبقت الإشارة إليها في القسم الأول. إذ إن المراد في النوع الأول فعل اللَّه المتضمن لإِذنه لعباده بمزاولة أعمالهم، وتمكينهم منها، أو عدم الإذن والحيلولة بينهم وبينها. وقد تقدم في بيان القسم الأول من المقادير المكتوبة على المكلفين - الذي هو عبارة عن أفعالهم التي يمارسونها ويتلبسون بها - ما يلي: ١- أن العباد يقصدون تلك الأفعال بما أعطاهم اللَّه من إرادة واختيار، ويفعلونها بما أعطاهم من قدرة، وهيأ لهم من أسباب. ٢- أن اللَّه - سبحانه - لم يزل عالماً بمشيئة عباده لأفعالهم، وتقتضي حكمته أن يأذن لبعضها ويمنع بعضاً. ٣- أن اللَّه - سبحانه - كتب من سيأذن له، وكتب ما علم من فعله، وكيف سيكون، وكل ما يتصل به. ٤- أن علم اللَّه بأفعال العباد، وكتابته وتقديره لها، لا تأثير له في

стр. 666

إرادة العبد وفعله. هذا ما يتعلق بأفعال العباد وعلاقتها بالقدر والكتابة. وهذه الأفعال التي سيفعلها العباد لحينها، وعلمها اللَّه وكتبها، يستحقون عليها جزاءً مناسباً من اللَّه - سبحانه -. وهذه الجزاءات من اللَّه للعباد على أفعالهم تجري وفق حكمته وعلمه بأحوالهم، حيث تقتضي الحكمة أن يجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالسوء والحرمان. فكتب - سبحانه - أفعاله التي سيقابل بها أفعالهم التي علم أنهم سيفعلونها. وقد دلت نصوص كثيرة على أن اللَّه يقابل أفعال عباده بأفعاله - سبحانه - المناسبة لها بمقتضى حكمته. فمن ذلك قوله: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ ١. وقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الكَفُورَ﴾ ٢.

стр. 667

وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ١. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ فعل العباد. وقوله: ﴿زَادَهُمْ﴾ : فعل الرب الذي يقابل به أفعالهم. وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوآ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٢. فقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ : فعل العبيد. وقوله: ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ : فعل اللَّه. وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ٣. وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٤. قوله: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ فعل العباد، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ : فعل الرب ﵎.

стр. 668

وقال تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٢. قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ هي أفعال اللَّه تعالى التي جازى بها هؤلاء على فعلهم المبين في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . وشواهد هذا المعنى في القرآن كثيرة جداً. أما شواهده من الحديث، فمنها: قوله ﷺ : "لينتهينّ أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم"٣. ففعل اللَّه هو: الختم على القلوب.

стр. 669

وسببه من فعل العباد هو: ترك الجمعات. وقال ﷺ فيما يرويه عن ربّه ﵎: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"١. ففعل العبد: هو معاداة وليٍّ من أولياء اللَّه تعالى. وفعل اللَّه هو: إعلان الحرب على من فعل ذلك. ومن ذلك قوله ﷺ : "احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده أمامك، تَعَرَّفْ إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة".٢ قوله: "احفظ اللَّه" و "تعرف إلى اللَّه في الرخاء" هذا فعل العبد. وقوله: "يحفظك" و "تجده أمامك" و "يعرفك في الشدة"، هي أفعال اللَّه، ومظاهر ولايته لعباده المتقين. وشواهد ذلك في حديث النبي ﷺ كثيرة.

стр. 670

ودلالة هذه الشواهد من الكتاب والسنة، هي: أن اللَّه اقتضت حكمته أن يقابل أفعال عباده بأفعاله المناسبة لها. فيجري عليهم من أفعاله سبحانه ما يستحقونه على أفعالهم التي يعملونها. وأفعالهم أسباب لما يجري عليهم من فعله - سبحانه -. أما كتابة هذا النوع في كتاب المقادير السابق فبيانه فيما يلي: أن اللَّه لم يزل عالماً بما سيفعله العباد. وتقتضي حكمته أن يجازي كلاً بما يستحق على فعله الذي علم أنه سيفعله. فكتب - سبحانه - أفعالهم التي علم أنهم سيفعلونها. وكتب أفعاله التي تقتضي الحكمة أن يقابل بها تلك الأفعال. ثم إذا جاء أجل الفعل أذن اللَّه كوناً بوقوعه ففعله العبد. ثم أجرى عليه سبحانه فعله المناسب. وكل ذلك مكتوب مقدر عن علم اللَّه وحكمته. وعلى هذا فالإضلال والختم والطبع على قلوب الضالين وأسماعهم وجعل الغشاوة على أبصارهم.. ونحوها، هي من هذا القسم. أي: من أفعال اللَّه التي يقابل ويجازي بها عباده على أفعالهم التي تستوجبها. وذلك: أن اللَّه علم أن ذلك الكافر سوف يسلك أسباب الزيغ والضلال، وتقتضي الحكمة أن يؤذن له، لعلم اللَّه بحاله وكونه من الذين
следующие страницы →