إرادة العبد وفعله.
هذا ما يتعلق بأفعال العباد وعلاقتها بالقدر والكتابة.
وهذه الأفعال التي سيفعلها العباد لحينها، وعلمها اللَّه وكتبها، يستحقون عليها جزاءً مناسباً من اللَّه - سبحانه -.
وهذه الجزاءات من اللَّه للعباد على أفعالهم تجري وفق حكمته وعلمه بأحوالهم، حيث تقتضي الحكمة أن يجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالسوء والحرمان.
فكتب - سبحانه - أفعاله التي سيقابل بها أفعالهم التي علم أنهم سيفعلونها.
وقد دلت نصوص كثيرة على أن اللَّه يقابل أفعال عباده بأفعاله - سبحانه - المناسبة لها بمقتضى حكمته.
فمن ذلك قوله: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الكَفُورَ﴾ ٢.
стр. 667
وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ١.
فقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ فعل العباد.
وقوله: ﴿زَادَهُمْ﴾ : فعل الرب الذي يقابل به أفعالهم.
وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوآ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٢.
فقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ : فعل العبيد. وقوله: ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ : فعل اللَّه.
وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ٣.
وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٤.
قوله: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ فعل العباد، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ : فعل الرب ﵎.
стр. 668
وقال تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٢.
قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ هي أفعال اللَّه تعالى التي جازى بها هؤلاء على فعلهم المبين في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
وشواهد هذا المعنى في القرآن كثيرة جداً.
أما شواهده من الحديث، فمنها:
قوله ﷺ : "لينتهينّ أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم"٣.
ففعل اللَّه هو: الختم على القلوب.
стр. 669
وسببه من فعل العباد هو: ترك الجمعات.
وقال ﷺ فيما يرويه عن ربّه ﵎: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"١.
ففعل العبد: هو معاداة وليٍّ من أولياء اللَّه تعالى.
وفعل اللَّه هو: إعلان الحرب على من فعل ذلك.
ومن ذلك قوله ﷺ : "احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده أمامك، تَعَرَّفْ إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة".٢
قوله: "احفظ اللَّه" و "تعرف إلى اللَّه في الرخاء" هذا فعل العبد.
وقوله: "يحفظك" و "تجده أمامك" و "يعرفك في الشدة"، هي أفعال اللَّه، ومظاهر ولايته لعباده المتقين.
وشواهد ذلك في حديث النبي ﷺ كثيرة.
стр. 670
ودلالة هذه الشواهد من الكتاب والسنة، هي:
أن اللَّه اقتضت حكمته أن يقابل أفعال عباده بأفعاله المناسبة لها. فيجري عليهم من أفعاله سبحانه ما يستحقونه على أفعالهم التي يعملونها. وأفعالهم أسباب لما يجري عليهم من فعله - سبحانه -.
أما كتابة هذا النوع في كتاب المقادير السابق فبيانه فيما يلي:
أن اللَّه لم يزل عالماً بما سيفعله العباد.
وتقتضي حكمته أن يجازي كلاً بما يستحق على فعله الذي علم أنه سيفعله.
فكتب - سبحانه - أفعالهم التي علم أنهم سيفعلونها.
وكتب أفعاله التي تقتضي الحكمة أن يقابل بها تلك الأفعال.
ثم إذا جاء أجل الفعل أذن اللَّه كوناً بوقوعه ففعله العبد.
ثم أجرى عليه سبحانه فعله المناسب. وكل ذلك مكتوب مقدر عن علم اللَّه وحكمته.
وعلى هذا فالإضلال والختم والطبع على قلوب الضالين وأسماعهم وجعل الغشاوة على أبصارهم.. ونحوها، هي من هذا القسم. أي: من أفعال اللَّه التي يقابل ويجازي بها عباده على أفعالهم التي تستوجبها.
وذلك: أن اللَّه علم أن ذلك الكافر سوف يسلك أسباب الزيغ والضلال، وتقتضي الحكمة أن يؤذن له، لعلم اللَّه بحاله وكونه من الذين
стр. 671
لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون بها، أو لكونه لم يؤمن أول مرة مع تبين الحق له، أو لأي سبب سابق ترتب عليه في حكمة اللَّه أن يؤذن له بالزيغ.
وكتب - سبحانه - عليه ذلك الفعل.
وكتب عليه فعله - سبحانه - المناسب أن يقابل به زيغ ذلك الزائغ، من إزاغة قلبه، والختم والطبع عليه، أو غير ذلك من أفعاله الحكيمة التي يقابل بها أفعال عباده.
وخلاصة هذه الفائدة هي:
أن المثَل - مثل الظلمات في سورة "النور" - دل على إضلال اللَّه للكفار، وختمه على قلوبهم وأسماعهم، بحُجُب تحجب عنهم أنوار الهداية.
وأن ذلك لم يضرب عليهم في أصل الخلقة، حيث خُلقوا كغيرهم من المكلفين على الفطرة السوية، وإنما هو عقوبة لهم بسبب كفرهم وضلالهم.
وأن ذلك هو مقتضى حكمة اللَّه التي يعامل بها عباده حيث يكتب الخير والإحسان للمحسنين، ويقدر العقوبة والحرمان والأغلال على الضالين المكذبين.
وأن اللَّه قدر ذلك عليهم في اللوح المحفوظ، إذ كتب علمه بها.
وذلك أن اللَّه لم يزل عالماً ما سيفعلونه، فكتب أفعالهم التي علم أنهم سيفعلونها واقتضت الحكمة أن يؤذن لهم بفعلها، ومن ذلك ضلال
стр. 672
واستكبار الكافرين.
كما اقتضت الحكمة أن يجازيهم بما يستحقون على أفعالهم، ومن ذلك الطبع والختم ونحوهما على قلوب وأسماع الكافرين.
فكتب أفعاله التي تقتضي الحكمة أن يقابل بها أفعالهم التي علم أنهم سيفعلونها. ومن ذلك الختم والطبع والغشاوة لمن يستحقها من عباده، وقدّرها عليهم جزاء وفاقاً. واللَّه أعلم.
стр. 673
الفائدة الرابعة: دلالة المثَل على أن الكفار في حيرة وقلق وخوف دائم.
وهذه الفائدة مستفادة مما تقدم١ من حال الممثّل به الكائن في مكان ما في عمق بحر عظيم مظلم مضطرب الموج مخيف مفزع، وهو في حيرة من أمر خلاصه لا يستطيع التقدم في أي اتجاه لشدة الظلمة.
ومما يقابله من حال الكفار - المضروب لهم مثل الظلمات - المغمورين في بحر الكفر والضلال والفساد، قد أظلم عليهم الطريق، وأظلمت قلوبهم وأعمالهم، فهم في عمى تام، وضلال بعيد، وأنهم بسبب هذه الظلمات، وما يحيط بهم ويغشاهم من: أمواج العقائد الباطلة، والظنون السيئة وما يتولد عنها من الشك والريب، وتيارات الشهوات الفاسدة والإرادات الخبيثة، والنظريات المنحرفة، في خوف وفزع وقلق وحيرة.
وقد أشار ابن جرير - رحمة اللَّه - إلى إفادة المثَل حيرة الكفار بقوله: "ومثل أعمال هؤلاء الكفار، في أنها عملت على خطإ وفساد، وضلالة وحيرة من عمالها فيها، وعلى غير هدى، مثل ظلمات في بحر لجي"٢.
كما أشار بعض المفسرين إلى إفادة حال الممثّل به الخوف الشديد حيث قال:
стр. 674
"والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه زاد الخوف"١.
فالخوف والوحشة، والقلق والحيرة، مردّها إلى الكفر الذي يبعد النفس عن اللَّه فتستوحش وتخاف، وإلى الغفلة عن ذكر اللَّه الذي به طمأنينة النفس وسكونها، وإلى الجهل بنور الهداية الذي يكشف معالم الطريق.
وقد بين الإمام ابن القيم ﵀ أسباب الوحشة والخوف، وأن مردها إلى البعد عن اللَّه بالكفر والمعاصي، وأنه كلما زاد العبد بعداً زاد خوفه ووحشته، وقلقه وحيرته.
من ذلك قوله ﵀ في معرض بيانه لعقوبات المعاصي: "ومن عقوباتها ما يلقيه اللَّه - سبحانه - من الرعب والخوف في قلب العاصي فلا تراه إلا خائفاً مرعوباً، فإِن الطاعة حصن اللَّه الأعظم، مَنْ دَخَلَهُ كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج منه أحاطت به المخاوف من كل جانب"٢ وقال أَيضا: "ومن عقوباتها أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشاً قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة"٣.
стр. 675
وقال كاشفاً عن سر ذلك: "وسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الرب - سبحانه - وكلما اشتد القرب قوي الأنس. والمعصية توجب البعد من الرب وكلما زاد البعد قويت الوحشة"١.
والكفر هو أصل المعاصي وأكبرها، وحظ صاحبه من هذه الآفات أوفر. وهم بذلك أبعد ما يكونون عن سبب الأمن والهداية الذي هو الإِيمان باللَّه وحده، كما دل عليه كتابه وهدي رسوله ﷺ قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوآ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.
وعلى هذا فقلوب الكفار، مظلمة حائرة، قلقه مضطربة، حتى أصبحت هذه الأمراض هي سمتها المميزة، ومشكلتها المسيطرة. ولا يتأثر ذلك بحضارة الكفار وتقدمهم المادي، إذ إن سببه الكفر، بل إنه يزيد كلما زادوا في كفرهم وإلحادهم، كما هو الحال في العصر الحديث.
وهذه شهادة من بعض الباحثين: "يوصف العصر الحديث - بصفة عامة - بأنه عصر القلق والتوتر الفردي والجماعي، لما يبدو على إنسان العصر الحديث - عصر العلم والتكنلوجيا٣ - أنه ليس أكثر سعادة اليوم من إِنسان الأمس القديم، لما
стр. 676
نراه من شواهد كثيرة حوله تدعو إلى الاهتمام بحاله، وتشير إلى أن العلاقات الإنسانية على مختلف مستوياتها مهددة بالاضطراب والخوف، ومتدهورة إلى مراحل الخطر، ومن مؤشرات الخطر إدمانه المخدرات ليسكن بها ما ينتابه من شعور الضياع والغربة، ثم يدع نفسه فريسة لأمراض الوهم التي تحبب إليه الميل إلى العزلة وعدم الاشتراك في العمل الاجتماعي أو الجماعي، أو يغيب بأوهامه عن ضبط سلوكه الفردي، فيفقد تفهم المغزى من معنى وجوده، ثم أخيراً يصبح في تيار العواصف من الشك، فاقداً نفسه وإِيمانه. ثم يتحول سلوكه إلى التخريب وحب الهوس١ الجدلي دون تحديد لهدف الجدل أو الالتزام بإطاره المعياري. وتصبح المذاهب الإلحادية والمادية بما تحويه من العبث العقلي واللاعقلي محل اطمئنان لذهنه المكدود والمشتت"٢.
стр. 677
وليس اللجوء إلى المسكرات والمخدرات هي الظاهرة الوحيدة لما ينتاب الكفار ومن في حكمهم من الخوف والقلق والوحشة واليأس والحيرة. فهناك مظاهر أخرى كثيرة، كالانتحار الذي يعتبر الخطوة الأخيرة التي يلجؤون إليها بعد المخدرات والمسكرات.
ومن مظاهره: شيوع مذاهب القلق، في الفلسفة والآداب والفنون، التي تعبر عن السخط على الحياة، والشعور بسخفها، والإحساس بالغربة والكآبة، وكذلك شيوع الفوضى الأخلاقية الناتجة عن التوتر، وعدم معرفة الهدف والغاية من الحياة، وما تولد عن ذلك من الإحباط وعدم الثقة بالنفس.١
ومن مظاهره: انتشار العيادات النفسية، التي تعالج الأمراض النفسية، ومن أبرزها: الخوف، والقلق، والكآبة، والإحباط.. ونحوها.
ومن ذلك: تعالي صيحات الأطباء، والمفكرين المحذرة من خطورة ما يعانيه الإنسان في ظل الحضارة المادية الملحدة المعاصرة من تلك الآفات.
ومن مظاهر الخوف والقلق والكآبة، اندفاع الكافر وتوسعه في وسائل اللهو واللعب والترفيه، ليتخلص مما في قلبه من ذلك.
عبر عن هذا بعض فلاسفتهم٢ بقوله: "إن الناس قد اخترعوا شتى ضروب اللهو أو التسلية حتى يتجنبوا
стр. 678
الخوف من الوحدة أو العزلة، وكأن الإِنسان هو الموجود الذي يخاف من ظله، فهو لا يملك سوى العمل على الهرب من نفسه، أو الفرار من ذاته، والحق أن حياة الموجود البشري تكاد تمثل سلسلة متصلة الحلقات من المخاوف المستمرة"١.
وإذا كان الخوف والقلق والحيرة، هي التحديات الكبرى في حياة الإنسان الكافر، فليس غريباً أن تتوجه كثير من جهود العلماء والمفكرين لهذه القضية.
عبر عن ذلك بعضهم بقوله: "وقد لا نخرج عن الصواب إذا قلنا أن جانباً كبيراً من جهود الإنسان المعاصر نفسه قد أصبح يستهدف القضاء على العديد من مصادر الخوف في حياة الموجود البشري"٢.
أما الحيرة فمردها إلى قناعة الكافر بعدم وجود طريق للحق يهتدي به.
وذلك أن الكافر بين طريقين:
إِما أن يتمسك بدين باطل مليء بالخرافات، والأباطيل، يتدين به
стр. 679
تقليداً، أو اقتناعاً عارياً عن الفكر والبرهان، ويبقى حائراً يتهرب من تساؤلات العقل أو مما يوجه إليه من نقد.
وإما أن يتوجه إلى الفلسفة التي تشبع نهمته في النظر والاستدلال، وتحقق مطلبه في الاستقلال، إلا أنها لا تضعه على يقين في أي مطلب كان.
وكل من جرب الفلسفة خرج بهذا الاقتناع من عدم جدوى الفلسفة لطالب الحقيقة. فهي لا تعدو أن تكون مضماراً للفكر، والتساؤل، والنقد الهادم١. يمارسها الفيلسوف كرياضة يزجي بها وقته،
стр. 680
ويروي بها نهمته، دون أي طائل يذكر في الوقوف على اليقين.
والحقيقة أن تلاشي الأمل في الفلسفة عند مفكري العالم الكافر في العصر الحديث، والذي سبقه فقدان الثقة بالديانة النصرانية واليهودية التي حُرِّفت، وتسريتهم ذلك الحكم على كل دين حتى الدين الخاتم المحفوظ، كل ذلك أوجب لهم حيرة، ويأسا قاتلاً جعلهم يتمسكون بالتافه من القول، كما يفعل الغريق الذي يتمسك بالقشة، طلباً للنجاة.
وقد ذكرت١ في الفائدة الأولى بعض شهادات علماء الفلسفة على إِفلاسها، وفقدان الأمل بها. وأذكر هنا زيادة تبين نتيجة ذلك من الحيرة والقلق.
فمن ذلك قول بعضهم:"وهكذا بعد ذلك نجد أنفسنا في حيرة ...
ولكن الإِنسان الأوربي ما تردد في التضحية في سبيل نظرية مشكوك فيها، خير من أن ينقلب مرة أخرى إلى رجال الدين ويتلقى عقائده منهم.
إذن أي مأزق نواجهه حين ينكر بعضنا المادة، وينكر بعضنا الآخر الشعور.
стр. 681
وتستطيع أن تتصور الابتسامة الحزينة التي قد ترسم على وجوهنا عند رؤية هذا الجنون الفكري في عصرنا"١.
إلى أن قال: "فهل يمكن أن يكون للفلسفة معنى صحيحاً؟
حقيقة أن الفلسفة ما تعلقت بقضية من القضايا لأجل أن تلتمس لها حلاً أو تصطفي لنفسها حلاً من الحلول المطروحة، وإذا وقفنا بها أمام شيء من ذلك فلسوف نجدها في صورة سؤال جديد: لماذا؟
إن الفلسفة تثير في الإنسان دائماً شعوراً بالعجز والنقص عندما تعرض للإنسان جوانب الغموض في الكون والنفس، وشعور الكبرياء والغرور عندما ينكر ويرفض.
فالفلسفة دائماً تصوغ حيرة الإنسان وقلقه، وليس لها غير هذا الجانب"٢.
وهذا فيلسوف آخر يصرخ معلناً يأسه من الفلسفة، وتطلعه إلى مصدر آخر يبين له الأسس المتيقنة التي يبني عليها سعيه، وتبلغه السعادة الأبدية بعد الموت، فيقول: "وإذا أردنا حل المشكلة الفلسفية، وجب الخروج من الفلسفة! ... فهذا هو السؤال الذي على الفلسفة وضعه وحله:
- ما أساس يقيننا أو ما أساس العالم؟
стр. 682
السؤال هو بعبارة أخرى:
-كيف نحقق غايتنا؟
كيف نستطيع بلوغ الحياة الأبدية؟ "١.
وهذا التساؤل من هذا الفيلسوف متعلق بثلاثة مطالب مهمة، يتشوق إلى معرفتها - كما تتشوق إليها كل نفس واعية - ويرى أن السعادة والخروج من الحيرة تكون بالإجابة عليها، وأن الفلسفة لا تملك الجواب عن أي منها. وهذه المطالب هي:
معرفة الحكمة والغاية من خلق العالم والإِنسان.
ومعرفة الطريق لتحقيق تلك الغاية.
ومعرفة المصدر اليقيني الذي يدل عليهما.
وحول هذا المعنى يقول صاحب كتاب "الإِيمان والحياة":
"فالجاحدون للَّه، أو المرتابون فيه، وفي لقائه يوم الحساب، يحيون حياة لا طعم لها ولا معنى. حياة كلها قلق وحيرة، كلها علامات استفهام. كلها أسئلة لا تجد لها عندهم جواباً.
إِنهم لا يوقنون بشيء يطمئنون إليه، ويستريحون له في قضية وجودهم أنفسهم، ووجود الكون كله من حولهم. من أين جاؤوا؟ ومن جاء بهم؟ ولماذا جاء بهم؟ وإلى أين يذهبون بعد هذه المرحلة القصيرة، التي لم يفهموا لها سراً، ولم يعرفوا لها غاية؟ وما هذا الكون؟ وما مبدؤه؟ وما
стр. 683
غايته؟ وما علاقتهم به؟
إن عقولهم المحدودة لا تستطيع أن تجيبهم إِجابة تشفي الصدور،.... وتمحو بنورها ظلمات الشك والحيرة والاضطراب".١ [ملف الجداول]
وهذه شهادة شاعر منهم تبين هذه الحقيقة - وهي حيرة الكافر بسبب جهلة بتلك القضايا الهامة - وتصورها أبلغ تصوير حيث قال:
جئت لا أعلم من أين - ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إِن شئتُ هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرتُ طريقي؟
لستُ أدري
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود؟
هل أنا حرُّ طليقٌ، أم أسير في قيود؟
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود؟
أتمنى أنني أدري، ولكن ...
стр. 684
لستُ أدري _
وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟
هل أنا أصعد. أم أهبط فيه وأغور؟
أأنا السائر في الدرب، أم الدرب يسير؟
أم كلانا واقف، والدهر يجري؟
لستُ أدري
أتُراني قبلما أصبحتُ إِنساناً سوياً
كنت محواً ومحالاً، أم تراني كنتُ شيئاً؟
ألهذا اللغز حلّ، أم سيبقى أبدياً؟
لستُ أدري.. ولماذا لستُ أدري؟؟
لستُ أدري _١
إن تصوير هذا الشاعر التائه الحائر لحيرته وجهله المطبق بربه،
стр. 685
والحكمة من خلقه، ومصيرهُ بعد الموت، إذا قورن مع تصوير المثَل لحيرة الكفار، تبين انطباق المثَل ودقة تصويره لذلك. فالمثَل يصور الكائن في أعماق المحيط في ظلمة تامة إذا أخرج يده لم يكد يراها، والظلمة التامة تتضمن الجهل التام، وعدم القدرة على تبين أي معلم من معالم الطريق. فما أقرب هذا التصوير لحال هذا الشاعر الحيران التائه الذي لا يدري ولا يدري لماذا لا يدري في هذه المطالب العزيزة، التي تتوقف عليها طمأنينة القلوب، وسعادتها، والفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة.
أما أهل البصائر وأولو الألباب فإنهم يعرفون لماذا لا يدري؟
إِنه لا يدري لأنه أعرض عن وحي اللَّه إلى رسوله ﷺ ، وحشد في دواوين شعره معارضته، والتقول على اللَّه، ومعارضة حكمته وقدره - سبحانه -، فأنى له أن يدري؟ وكيف يدري وهو معرض عن نور اللَّه؟ ونور اللَّه محجوب عنه؟
﴿وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ .
نسأل اللَّه السلامة من حال أهل الظلمات.
ويشترك مع هذا الشاعر غيره من الكفار في هذا الإحساس.
إلا أنه استطاع بما أُعطي من موهبة شعرية أن يعبر عن ذلك.
ولذلك تجد كثيراً من الكفار يُسَرَّوْن بمثل هذه الأشعار لأنها تصف
стр. 686
ما يختلج في نفوسهم من الحيرة والقلق مما لا يستطيع الكثير منهم التعبير عنه. وسرورهم بذلك جار على طبائع النفوس وانجذابها إلى ما يشاكلها.
وهذا الموضوع مضماره الفكر والثقافة الإسلامية، وإِنما أكتفى بما تقدم في بيان دلالة المثَل على هذا الأمر من حال الكفار، وبعض شواهده من أقوالهم وأحوالهم.
وأحيل على ما ذكر في الفائدة الأولى١ من أهمية العناية بمواضيع الثقافة الإِسلامية، وأهم ضوابطها، وضرورة النقد لما يكتب فيها، وإبرازها للشباب وغيرهم ليحصل لهم التحصن - بإذن اللَّه - من الانخداع بحضارة الكفار المادية الظاهرة، وبريقها الخادع.
وخلاصة هذه الفائدة:
أن مثل الظلمات دل على أن الكفار في خوف وقلق، واضطراب وتوتر وحيرة دائمة.
وتبين أن سبب ذلك هو بُعدهم عن اللَّه، بكفرهم وعصيانهم. والبعد عن اللَّه يورث الوحشة والخوف.
ومن أسبابه جهلهم التام بالحكمة مِنْ خلْقهم، وبطريق هدايتهم، وماذا ينتظرهم بعد الموت.. وغيرها من المطالب الهامة.
وأما الحيرة فسببها الرئيس هو يأسهم من الاهتداء إلى طريق علمي
стр. 687
يدلهم على اليقين في تلك المطالب. ذلك أنهم استكبروا عن وحي اللَّه إلى رسله، واعتمدوا على الفلسفة التي وصلت إلى طريق مسدود. وأثمر لهم ذلك الحيرة والضياع والشتات في الحياة.
فانصرفوا - لأجل ذلك - إلى وسائل اللهو واللعب، واخترعوا شتى صنوف الملهيات، وأطلقوا لأنفسهم العنان في المتع والشهوات، كما وصف اللَّه حالهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ ١.
وإذ لم يُجْدِ ذلك، جنح الكثير منهم إلى تعاطي المسكرات والمخدرات، للهرب من الخوف والقلق والحيرة، التي تلهب قلوبهم، وتوحش نفوسهم. ومنهم من أصابه الجنون وانتهت حياته في المصحات العقلية. ومنهم من غلبت عليه شِقوته فانتحر، أو نزع إلى الإجرام والفساد.
стр. 688
الفائدة الخامسة: إفادة المثَل حقائق علمية ومعجزة نبوية.
بين يدي هذه الفائدة: المراد بالحقائق العلمية هنا ما يتصل بالعلوم الدنيوية كالطب، والفلك والضوء، وعلم النبات، والحيوان والبحار، وما إلى ذلك من العلوم المادية التطبيقية أو النظرية.
ولقد كثرت البحوث في العصر الحديث عن الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وشط بعضها، وتجاوز الحد إلى تحميل آيات القرآن الكريم ما لا تحتمل، وخرج بها إلى التأويل البعيد عن المدلولات اللغوية والشرعية للنصوص، لموافقة النظريات العلمية.
وقد حاول صاحب كتاب "المعجزة القرآنية، الإعجاز العلمي والغيبي" ١ أن يحدد مفهوماً للمعجزات العلمية، ومنهجاً وسطاً لتناولها تجنباً للمحْذورات التي وقع فيها بعض من كتب في هذا الموضوع. ولعل من المناسب أن أورد بعض المقتطفات من هذا الكتاب لتكون توطئة لهذه الفائدة:
فمن ذلك قوله: "لقد نزلت آيات القرآن الكريم على نبينا محمد ﷺ قبل أربعة عشر قرناً من الزمان.. وفي عصر لم يكن الإِنسان يعرف فيه عن الطبيعة
стр. 689
والكون والحياة إلا القليل النادر، وكان يعتقد الكثير من العقائد الباطلة عن الكون والحياة.
فجاء القرآن في خضم تلك المعتقدات... وكان من المفترض أن يتكلم القرآن بنفس الأساليب والمعتقدات التي يعتقدها الناس في ذلك الوقت، فيما لو كان القرآن من صنع البشر وكلامهم، كما هو المتوقَّع والمعروف.
إلا أن القرآن لم يخض أبداً في مثل تلك الخرافات، بل جاء على خلافها، فأثبت أن الأرض كوكب سابح في الفضاء، فليست على قرن ثور، وأن الأمطار تنزل من السحاب، وأن السحاب يجتمع بفعل الرياح، وأنه بفعل اجتماعه يخرج البرق.
إلى آخر ما هنالك من الآيات التي نزلت مخالفة لما كان سائداً في ذلك العصر، ولعصور طويلة بعده، والتي جاء العلم الحديث، فأثبت بالبراهين اليقينية ما أخبر به القرآن قبل قرون طويلة.
فلو كان القرآن من صنع محمد ﷺ لكان من المستحيل أن يصدر عنه مثل هذا الكلام الذي كان يجهله أهل عصره، بل كانوا يعتقدون خلافه، والذي يعتبر تصحيحاً لمعتقداتهم وعلومهم، مطابقاً للواقع الحقيقي الذي كشف عنه العلم الحديث بالبراهين اليقينية، بعد أن بذل الإِنسان في سبيل الوصول إليه النفس والنفيس، وأمضى في الطريق إليه الأيام والدهور والأعوام.
стр. 690
ولم يقتصر القرآن في العلوم التي تكلم عنها على جانب ما كان يعرفه الناس في ذلك العصر، مصححاً لمعتقدات الناس فيه، أو مفصلاً لما كان مجملاً منه، بل تعدى هذا فتكلم في آيات كثيرة على أنواع أخرى من العلوم التي لم يكن يعرف الإنسان عنها شيئاً البتة، مما أثار دهشته، وجعله يؤمن بها إيماناً غيبياً، دون أن يعرف الحقيقة التي تنبني عليها، كاشتعال الماء١ مثلاً، إلى أن جاء العلم الحديث، فأثبت هذه الحقيقة العلمية على نحو ما أخبر به القرآن، مما لفت نظر الإِنسان ثانية، وجعله يؤمن أنه من المستحيل أن يكون هذا الكلام من كلام البشر، لأنه لم يكن
стр. 691
يعرف عن هذه الحقيقة العلمية إبان نزول القرآن شيئاً، ولم يكن له سبيل أبداً إلى إدراكها.
إذاً فلا بد أن يكون هذا الكلام من قبل عالم السر والعلن، وخالق الإِنسان والمادة، والكون والحياة، ولذلك أخبر بما علم مما خلق"١.
وقال أيضاً: "لم ينزل القرآن كتاب علوم يقرر في المدارس والجامعات، يتلقى الناس من خلاله معارفهم الكونية.
وإِنما نزل القرآن الكريم كتاب هداية وإِرشاد للبشرية الحائرة، ودستوراً ونظام حياة للإِنسانية.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
وقال: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣.
стр. 692
وقال جلّ شأنه: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
إلا أنه رغم هذا تعرّض لكثير من حقائق الكون والحياة التي كانت مجهولة، إما إِجمالاً، وإِما تفصيلاً عند نزول القرآن، للفت نظر الإِنسان إلى الكون والحياة، والاهتمام بالعلم والمعرفة، وفي نفس الوقت ليكون يوماً ما معجزة دالة على أن هذا الكلام ليس من كلام البشر، وإِنما هو من كلام اللَّه، وذلك عندما يضع الإِنسان يده على كثير من أسرار الكون والحياة والعلم والمعرفة.
وبناء على ذلك، يجب علينا حينما نعرض للإِعجاز العلمي في القرآن، أن لا ننسى الوظيفة الأساسية التي جاء من أجلها، ألا وهي هداية البشر، ورسم المنهاج القويم، والسبيل المستقيم، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى.
فلا يجوز لنا بعد هذا أن ننحرف عن الوظيفة الأساسية لكتاب اللَّه، ونُحمّلَ الآيات ما لا تطيق من المعاني العلمية التي لم تُسق الآية من أجلها، ولا نزلت لبيانها، وإِنما هي من أوهام القارئ، وربما انقلبت إلى ضرب من التأويل الباطني الباطل.
стр. 693
كما لا يجوز لنا في نفس الوقت أن نجمد على معارفنا القديمة الضيقة، وتفسيراتنا الجزئية المحدودة، المبنية على تلك المعلومات القديمة، والتي ربما كانت قاصرة، أو خاطئة في تفسير ظواهر بعض أو أكثر الجوانب العلمية التي كشف عنها العلم الحديث، مما يؤدي في النتيجة إلى فهم القرآن فهماً غير سليم في ضوء المعارف الحديثة، وفي الآيات التي لها مساس بالعلوم"١.
ثم أشار إلى طرفين خاطئين في تناول هذه القضايا.
الأول: المنهج الذي يرفض الانفتاح للعلوم الحديثة المعاصرة، في تفسير القرآن الكريم، حتى تلك التي أصبحت يقينية لا يجوز الإعراض عنها بحال. مما قد يؤدي إلى إِيجاد ثغرات بين التفسير الذي أرادوه وتلك الحقائق الثابتة.٢
الثاني: منهج الذين فتنوا بالنهضة العلمية الحديثة، وأرادوا أن يبرزوا سمو الدين والقرآن في عصر المادة، فصاروا يحملون - بمناسبة أو غير مناسبة - آيات القرآن على المكتشفات أو القوانين العلمية الحديثة، مما جعلهم يخرجون بالآيات القرآنية عن معانيها اللغوية، ومدلولاتها الشرعية، وينحرفون بها عن الغاية والهدف الساميين، اللذين جاءت من أجلهما،
стр. 694
ومما جعلهم - أَيضا - يقعون في كثير من المتناقضات.١
ثم بين ما يرى أنه المنهج الوسط في تناول هذه القضايا. فقال: "وأما الفئة الثالثة، وهي فئة جماهير علماء المسلمين، فهي فئة التوسط بين جانبي الإِفراط والتفريط.
فلم تجمد هذه الفئة جمود الفئة الأولى، ولم تتهور تهور الفئة الثانية.
ولكنها عمدت إلى الآيات التي لها مساس بالعلوم، وفهمتها بناء على ضوء المعارف الحديثة اليقينية، لا الظنية، وفي نطاق قوانين الشرع العامة، وقواعد اللغة الثابتة، فرأت فيها ما يدل كل ذي عقل على أن هذا القرآن ليس من عند البشر، وإِنما هو من عند اللَّه، وإلا لما كان من الممكن قول مثل تلك الآيات في تلك القرون الخالية، التي لم يكن الإِنسان عارفاً فيها شيئاً عن الحقائق العلمية الحديثة.
ولم يضرها أبداً أن تقف عند ظاهر النص القرآني إذا كانت دلالته قطعية، وإِن كان يتعارض مع بعض النظريات العلمية الرائجة، جازمة بأن الخطأ في النظرية العلمية، وأن على أصحابها أن يبحثوا عن وجه الصواب في موضوعها.
وإلا فمن المحال أن يتعارض الدين مع العلم، أو القرآن مع القوانين اليقينية الثابتة.
стр. 695
وهذا هو الحق الذي لا يجوز لأحد أن يتعداه، والذي يجب المصير إليه، والتعويل عليه، ولا يوجد بعد الحق إلا الضلال.
فنحن ما دام الأمر العلمي لم يصل إلى درجة القانون اليقيني الثابت، وإِنما هو في طور التجربة والبحث والنظر، لا يمكننا أبداً أن نجعل القرآن تبعاً لشهوات البشر وأهوائهم، ولا يمكننا أبداً أن نعبث بآيات القرآن ونتلاعب بها.
فإذا ما وصل الأمر العلمي إلى درجة القانون اليقيني، فمن المحال عند ذلك أن يتعارض مع القرآن، بل سنجده عند ذلك راكعاً على أعتاب الدين، كاشفاً لنا عن سر الآية، معترفاً بأن قائلها وصانعه ومبدعه واحد، ألا وهو اللَّه الذي لا إله إلاَّ هو، وداعياً كل عاقل إلى الإِيمان بهذه الحقيقة.
وعند ذلك يجب علينا أن نستفيد من هذه المعارف الحديثة اليقينية، وأن نستغلها من أجل إِظهار الحقيقة، وبيان الإِعجاز القرآني الذي يخفى على كثير من الناس، من مسلمين وغيرهم.
فالحكمة ضالة المؤمن، وأنَّى وجدها التقطها ... والقرآن أُنزل معجزة لكل زمان وجيل ومكان، ولم يكن إعجازه قاصراً على الجيل الأول، ولذلك كان لا بد لهذا الجيل المعاصر أن يجد في القرآن المعجزة، ولئن فاته الوقوف عليها عن طريق اللغة، فلن يفوته الوقوف عليها عن
стр. 696
طريق العلوم المعاصرة١.
وبعد هذه التوطئة أعود إلى المقصود، وهو بيان ما دل عليه المثَل - مثل الظلمات من سورة النور - من الحقائق العلمية الثابتة في العلوم الحديثة المادية الدنيوية.
فقد اشتمل المثَل على العديد من تلك الحقائق، يصل بعضها إلى الإِعجاز العلمي، والآخر وردت الإشارة إليه بما يتفق مع الحقائق التي توصل إليها المتخصصون في تلك العلوم. ويمكن تقسيم ما أفاده المثَل من ذلك إلى ثلاثة أقسام:
стр. 697
القسم الأول: الإِعجاز العلمي.
وذلك يتمثل في دلالة المثَل على وجود موج باطني في داخل مياه البحر اللجي، في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ .
فدل على وجود موج يغشاه من فوقه موج آخر.
والموج الفوقي هو الموج السطحي.
والموج الكائن تحته هو الموج الباطني.
وكلمة "من فوقه" لا تدل بالضرورة على الملاصقة، بل قد يكون بين الشيئين مسافة بعيدة، بدليل قوله: "من فوقه سحاب"، ومعلوم أن المسافة بين الموج الثاني والسحاب بعيدة. وقد يكون كذلك الحال بين الموج الباطني، والموج السطحي.
وهذه الحقيقة - التي قررها المثَل بوضوح، من وجود أمواج باطنية في البحار اللجية العميقة - لم تكن معلومة في ذلك الوقت ولم يكن بمقدور البشر معرفتها، لأنها لا تكون إلا في البحار العميقة - المحيطات - وعلى عمق لا يصله إلا الغواصات أو الغواصون المزودون بالأوكسجين.
ولذلك لم تكتشف هذه الأمواج الباطنية إلا حديثاً بعد اختراع الغواصات التي تجوب أعماق المحيطات.
стр. 698
قال صاحب كتاب "البحر المحيط"١: "فأضخم أمواج المحيط وأشدها رعباً هي أمواج غير منظورة، تتحرك في خطوط سيرها الغامضة بعيداً في أعماق البحار.. وفي أوائل عام ١٩٠٠ لفت الأنظار كثير من مساحي البحار الاسكندنافيين إلى وجود أمواج تحت سطح الماء.
والآن وبالرغم من أن الغموض لا يزال يكتنف أسباب تكوين هذه الأمواج العظيمة التي ترتفع وتهبط بعيداً أسفل السطح، فإن حدوثها على نطاق واسع في المحيط أصبح أمراً معروفاً جداً، فهي تقذف بالغواصات في المياه العميقة، كما تعمل شقيقتها السطحية على قذف السفن، ويظهر أن هذه الأمواج تتكسر عند التقائها بتيار الخليج وبتيارات أخرى قوية في بحر عميق"٢.
"فنحن الآن بعد أن وضعنا أيدينا على هذا الاكتشاف العلمي الجديد نستطيع أن نفهم الآية فهماً جديداً، لا يتعارض مع الأول، إلا أن يوضحه ويبينه.
فقوله تعالى: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ فيه إشارة واضحة لا لبس فيها ولا غموض إلى هذه الأمواج الداخلية التي تكلم عنها العلم الحديث
١ شارل: ل. كارسون.
стр. 699
وأثبتها، كما يشير إلى الأمواج السطحية التي نراها ونعرفها، وهذا المعنى واضح من قوله تعالى: ﴿مّن فَوْقِهِ﴾ أي أن الموج الأول في الأسفل، والموج الثاني يأتي من فوقه ... إِن الآية واضحة كل الوضوح، وصريحة في دلالتها على هذا الذي اكتشفه العلم الحديث من الأمواج الباطنية التي تعلوها الأمواج السطحية، ولا سيما أن الآية قالت: ﴿فِي بَحْرٍ لّجّيّ﴾ أي عميق، ... وهذا إنما يكون في المحيطات، لا على الشواطئ والخلجان.
إن هذه الصورة لا تشاهد على شواطئ بحارنا الهادئة الوادعة إذا ما قيست بمياه المحيطات، ولو أن محمداً ﷺ كان هو الذي ألف القرآن وأملاه لكان من المستحيل عليه أن يأتي بمثل هذه الحقائق العلمية التي كانت خافية إلى أيامنا هذه، ولم تكن البشرية تعرف عنها شيئاً.
إذن فهي الحقيقة المصدقة بأن هذا القرآن تنزيل من حكيم عليم"١.
وهذه المعجزة العلمية هي من الآيات التي وعد اللَّه بإخراجها للناس وإظهارها لهم حتى يروها، ويدركوا بها أن القرآن حق من عند اللَّه ﵎، كما قال - سبحانه -: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ
стр. 700
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
ويمكن تلخيص أوجه الإِعجاز في هذه الفائدة بما يلي:
١- كون النبي ﷺ ليس من البحَّارة، ولم يكن له ولا لقومه عناية بذلك.
٢- أن الأمواج الباطنية الكائنة في أعماق المحيطات لم يكن أحد عالماً بها في ذلك الوقت، لبعد مكانها في قعر البحار العميقة، ولم تكتشف إلا في العصر الحديث.
٣- إفادة المثَل أن تلك الصورة المتضمنة للموج الباطني كائنة في بحر لجي أي عميق ضخم. وهذا مطابق لما عرف عن هذه الأمواج من أنها لا توجد إلا في أعماق المحيطات العظيمة.
فوصف القرآن لها مطابق لما عرف من طبيعتها.
وعلى هذا فإِخبار القرآن عن ذلك معجزة للنبي ﷺ دالة على أن هذا القرآن حق من عند اللَّه - وأنه ليس من كلام البشر. إذ إن هذه الحقيقة من علم اللَّه الغيبي - حيث لم يكن الناس يعلمونها عند نزول القرآن - ضمنه كتابه شاهداً به عند من يكتشفه ويتبينه أن هذا القرآن من عند عالم الغيب والشهادة.
стр. 701
قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ١.
قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ : تدل على أن الشهادة كائنة فيما أنزل وهو القرآن الكريم. ثم ذكر أنه أنزل القرآن مشتملاً على علمه - سبحانه - بقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ : فدل على أن الشهادة هي بالعلم الكائن في هذا الكتاب العزيز.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "لما تضمن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ ٢ إلى آخر السياق، إثبات نبوته ﷺ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ أي وإن كفر به من كفر ممن كذبك وخالفك، فاللَّه يشهد لك، بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم الذي ﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
стр. 702
حَمِيدٍ﴾ ١، ولهذا قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه اللَّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا أن يعلمه اللَّه به"٢.
قوله ﵀: "وما فيه من العلم بالغيوب في الماضي والمستقبل" يشمل الإخبار بحقائق علمية ليست معروفة في وقت نزوله فهي غيب بالنسبة للمعاصرين لنزوله، فتكون من الآيات التي لم يأت تأويلها، ثم إذا جاء حين تأويلها، وأذن اللَّه للناس باكتشافها ومعرفتها، وهيأ لهم أسباب ذلك، فعرفوها، ثم قارنوا ما عرفوه ببحثهم واجتهادهم مع ما أخبر اللَّه به، فوجدوا التطابق الدقيق، مع جزمهم أنها لم تكن تعرف من قبل من قِبَل بشر، أفادهم ذلك يقيناً أنها من عند الخالق المبدع العليم.
стр. 703
القسم الثاني: الإِخبار عن حقائق في العلوم المادية الدنيوية بما يطابق ما ثبت عند المتخصصين فيها:
والمراد ما ورد في المثَل من تقرير أمور من مباحث العلوم المادية، جاء بيان القرآن لها موافقاً لما تقرر عند علماء ذلك الفن.
وهي وإن كانت لا تصل إلى حد الإعجاز باعتبار آحادها، لكنها توجب الثقة والاقتناع بأن هذا القرآن من عند خبير عليم بالخلق. كما قال - سبحانه -: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
وإذا تظافرت الدلائل من هذا النوع أوجبت لمن تأملها وأدرك وجه العبرة منها، القطع أن هذا البيان لا يمكن أن يصدر من ذلك الرسول الأمي الذي لم يعرف عنه ولا عن قومه الاهتمام بمثل هذه المطالب.
وهذه المسائل العلمية - التي ورد البيان عنها مطابقاً للحقائق التي اكتشفت وثبتت عند أهلها - لفتت أنظار كثير من الباحثين من المسلمين وغيرهم، وأوجبت لهم تعظيم القرآن، وقادت بعضهم إلى اعتناق الإِسلام.
وأكتفي في الاستدلال على ذلك بما ذكره المستشرق الفرنسي: "موريس بوكاي" في كتابة: "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" حيث قال:
стр. 704
"لقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهْشتي العميقة في البداية. فلم أكن أعتقد قط بإِمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوع ومطابقة تماماً للمعارف العلمية الحديثة. وذلك في نص كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً. في البداية لم يكن لي أي إِيمان بالإِسلام. وقد طرقت دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم مسبق وبموضوعية تامة.
إِن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه مثل هذا النص لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة، فهناك الخلق، وعلم الفلك، وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان، وعالم النبات، والتناسل الإِنساني. وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة، لا نكتشف في القرآن أي خطإ.
وقد دفعني ذلك لأن أتساءل: لو كان كاتب القرآن إنساناً، كيف استطاع في القرن السابع من العصر المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع المعارف العلمية الحديثة؟ ليس هناك أي مجال للشك، فنص القرآن الذي نملك اليوم هو فعلاً نفس النص الأول.. ما التعليل الإِنساني الذي يمكن أن نعطيه لتلك الملاحظة؟.. في رأيي ليس هناك أي تعليل، إذ ليس هناك سبب خاص يدعو للاعتقاد بأن أحد سكان شبه الجزيرة العربية ... استطاع أن يملك ثقافة علمية تسبق بحوالي عشرة قرون ثقافتنا
стр. 705
العلمية فيما يخص بعض الموضوعات"١.
والذي يلاحظ من هذا النص أن كاتبه لخص أهم النتائج التي خلص بها من دراسة النصوص القرآنية المتعلقة بالعلوم المادية، وأجملها في نتيجتين، هما:
١- أن القرآن محفوظ، لم يحصل به اختلاف عن النص الأول. عبر عن هذه النتيجة بقوله: "ليس هنا مجال للشك، فنص القرآن الذي نملك اليوم هو فعلاً النص الأول".
٢- أن القرآن ليس من عند بشر. عبر عن هذه النتيجة بقوله: "لو كان كاتب القرآن إنساناً، كيف استطاع..".
وبعد هذه النبذة في التعريف بهذا القسم، والإشارة إلى أهميته، أخلص إلى المقصود، وهو بيان ما وردت الإشارة إليه من هذا النوع في المثَل.
لقد اشتمل مثل الظلمات من سورة "النور" على فائدتين من هذا النوع، وهما:
أولاً: إفادة المثَل أن أعماق البحار اللجية مظلمة ظلمة تامة، بحيث لا يرى الكائن فيها شيئاً البتة.