← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ١. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ : تدل على أن الشهادة كائنة فيما أنزل وهو القرآن الكريم. ثم ذكر أنه أنزل القرآن مشتملاً على علمه - سبحانه - بقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ : فدل على أن الشهادة هي بالعلم الكائن في هذا الكتاب العزيز. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "لما تضمن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ ٢ إلى آخر السياق، إثبات نبوته ﷺ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ أي وإن كفر به من كفر ممن كذبك وخالفك، فاللَّه يشهد لك، بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم الذي ﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ

стр. 702

حَمِيدٍ﴾ ١، ولهذا قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه اللَّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا أن يعلمه اللَّه به"٢. قوله ﵀: "وما فيه من العلم بالغيوب في الماضي والمستقبل" يشمل الإخبار بحقائق علمية ليست معروفة في وقت نزوله فهي غيب بالنسبة للمعاصرين لنزوله، فتكون من الآيات التي لم يأت تأويلها، ثم إذا جاء حين تأويلها، وأذن اللَّه للناس باكتشافها ومعرفتها، وهيأ لهم أسباب ذلك، فعرفوها، ثم قارنوا ما عرفوه ببحثهم واجتهادهم مع ما أخبر اللَّه به، فوجدوا التطابق الدقيق، مع جزمهم أنها لم تكن تعرف من قبل من قِبَل بشر، أفادهم ذلك يقيناً أنها من عند الخالق المبدع العليم.

стр. 703

القسم الثاني: الإِخبار عن حقائق في العلوم المادية الدنيوية بما يطابق ما ثبت عند المتخصصين فيها: والمراد ما ورد في المثَل من تقرير أمور من مباحث العلوم المادية، جاء بيان القرآن لها موافقاً لما تقرر عند علماء ذلك الفن. وهي وإن كانت لا تصل إلى حد الإعجاز باعتبار آحادها، لكنها توجب الثقة والاقتناع بأن هذا القرآن من عند خبير عليم بالخلق. كما قال - سبحانه -: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١. وإذا تظافرت الدلائل من هذا النوع أوجبت لمن تأملها وأدرك وجه العبرة منها، القطع أن هذا البيان لا يمكن أن يصدر من ذلك الرسول الأمي الذي لم يعرف عنه ولا عن قومه الاهتمام بمثل هذه المطالب. وهذه المسائل العلمية - التي ورد البيان عنها مطابقاً للحقائق التي اكتشفت وثبتت عند أهلها - لفتت أنظار كثير من الباحثين من المسلمين وغيرهم، وأوجبت لهم تعظيم القرآن، وقادت بعضهم إلى اعتناق الإِسلام. وأكتفي في الاستدلال على ذلك بما ذكره المستشرق الفرنسي: "موريس بوكاي" في كتابة: "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" حيث قال:

стр. 704

"لقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهْشتي العميقة في البداية. فلم أكن أعتقد قط بإِمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوع ومطابقة تماماً للمعارف العلمية الحديثة. وذلك في نص كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً. في البداية لم يكن لي أي إِيمان بالإِسلام. وقد طرقت دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم مسبق وبموضوعية تامة. إِن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه مثل هذا النص لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة، فهناك الخلق، وعلم الفلك، وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان، وعالم النبات، والتناسل الإِنساني. وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة، لا نكتشف في القرآن أي خطإ. وقد دفعني ذلك لأن أتساءل: لو كان كاتب القرآن إنساناً، كيف استطاع في القرن السابع من العصر المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع المعارف العلمية الحديثة؟ ليس هناك أي مجال للشك، فنص القرآن الذي نملك اليوم هو فعلاً نفس النص الأول.. ما التعليل الإِنساني الذي يمكن أن نعطيه لتلك الملاحظة؟.. في رأيي ليس هناك أي تعليل، إذ ليس هناك سبب خاص يدعو للاعتقاد بأن أحد سكان شبه الجزيرة العربية ... استطاع أن يملك ثقافة علمية تسبق بحوالي عشرة قرون ثقافتنا

стр. 705

العلمية فيما يخص بعض الموضوعات"١. والذي يلاحظ من هذا النص أن كاتبه لخص أهم النتائج التي خلص بها من دراسة النصوص القرآنية المتعلقة بالعلوم المادية، وأجملها في نتيجتين، هما: ١- أن القرآن محفوظ، لم يحصل به اختلاف عن النص الأول. عبر عن هذه النتيجة بقوله: "ليس هنا مجال للشك، فنص القرآن الذي نملك اليوم هو فعلاً النص الأول". ٢- أن القرآن ليس من عند بشر. عبر عن هذه النتيجة بقوله: "لو كان كاتب القرآن إنساناً، كيف استطاع..". وبعد هذه النبذة في التعريف بهذا القسم، والإشارة إلى أهميته، أخلص إلى المقصود، وهو بيان ما وردت الإشارة إليه من هذا النوع في المثَل. لقد اشتمل مثل الظلمات من سورة "النور" على فائدتين من هذا النوع، وهما: أولاً: إفادة المثَل أن أعماق البحار اللجية مظلمة ظلمة تامة، بحيث لا يرى الكائن فيها شيئاً البتة.

стр. 706

وإفادته سبب ذلك، وهو: وجود حجب ساهمت مجتمعة في حجب النور عن ذلك المكان، هذه الحجب هي: السحاب، والموج السطحي، والموج الباطني. والسحاب يحجب كمية كبيرة من الضوء. إلا أن ما ينفذ من خلاله من ضوء الشمس يكفي لإِنارة سطح الأرض وسطح البحر، فيبقى أن إحداث الظلمة في قاع البحر المحيط ناتج عن الحجابين الآخرين، وهما الموجان. والموجان وفوقهما الهواء أوساط شفافة. فالمثَل يدل على أن هذه الأوساط هي ظلمات، حيث إن كل وسط أحدث ظلمة فيما دونه. فهذه الدلالة العلمية يمكن تركيزها فيما يلي: - إفادة المثَل ظلمة أعماق البحار اللجية العميقة ظلمة شديدة. - إفادة المثَل سبب ذلك وهو وجود أوساط شفافة متعددة أسهمت مجتمعة في حجب الضوء والتسبب في تلك الظلمة. وقد جاءت البحوث والاكتشافات الحديثة في علم البحار وعلم الضوء لتؤكد هاتين الحقيقتين، وتزيد في بيان علة ذلك. فقد "كشف العلم الحديث أن في قاع البحار العميقة - كثيرة الماء - (البحر اللجي) ظلمات شديدة، حتى أن المخلوقات الحية تعيش في هذه الظلمات بدون آلات بصرية، وإنما تعيش بواسطة السمع، ولا توجد هذه

стр. 707

الظلمات الحالكة في قاع البحر الذي يحيط بالجزيرة العربية"١. وتقدم٢ في دراسة الممثّل به أن الثابت في علم الضوء أن الضوء إذا انتقل من وسط شفاف إلى وسط آخر شفاف فإِن جزءاً من الضوء ينعكس، والجزء الآخر ينفذ لكنه ينكسر. وتتكرر العملية بتعدد الأوساط المختلفة الكثافة. فلا يزال الضوء - الذي يخترق مياه البحر - ينعكس جزء منه، وينكسر جزء آخر، إلى أن تصل زاوية الانكسار إلى الزاوية الحرجة (زاوية الانكسار الكلي) ، فيرتد ما بقي من الضوء، ولا ينفذ منه عندئذ شيء إلى أسفل، ويكون ما تحت ذلك مظلماً ظلمة تامة. فعلم البحار يؤكد ظلمة قاع المحيطات ظلمة شديدة، وعلم الضوء الحديث يؤكد ما دل عليه المثَل من أن الظلمة ناتجة بسبب تلك الأوساط المعترضة له، وهي الأمواج المتعددة في تلك المحيطات. ولا يشك كل عالم بهذه العلوم من تطابق ما دل عليه المثَل من ذلك مع ما ورد فيها. ثانياً: دلالة المثَل على أن الإِبصار يكون بوصول الضوء من مصدر مضيء إلى الجسم المرئي (المُبْصَر) ، وأنه إذا انعدم الضوء ولم يصل منه

стр. 708

شيء إلى الجسم فإِنه يظلم ولا يُرى. وهذه الفائدة واضحة في دلالة المثَل. حيث قال - سبحانه -: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ، بعد أن ذكر الحجب التي حجبت النور عن ذلك المكان. فدل على أن السبب في عدم الرؤية هو انعدام النور. وقد أشار بعض المفسرين إلى هذه الفائدة، بقوله: "ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن مانع الرؤية شدة الظلمة، وهو كذلك لأن شرط الرؤية بحسب العادة في هذه النشأة الضوء"١. وهذا البيان لكيفية الرؤية واشتراط أن يكون الجسم المُبْصَر مضيئاً أو مضاءً من غيره، هو الصواب الذي قرره المحققون من الباحثين في الضوء قديماً وحديثاً، كما أمكن إثباته بالتجربة القاطعة. قال صاحب "كتاب المناظر"٢: "وقد تبين.. أن كل جسم مضيء بأي ضوء كان، فإِن الضوء الذي فيه يصدر منه ضوء إلى كل جهة تقابله فإِذا قابل البصر مُبْصَراً من المبصرات، وكان المُبْصَر مضيئاً بأي ضوء كان، فإِن الضوء الذي في المُبْصَر يرد منه ضوء إلى سطح البصر. وقد تبين - أيضاً - أن من خاصية

стр. 709

الضوء أن يؤثر في البصر، وأن من طبيعة البصر أن ينفعل بالضوء. فأخلق بأن يكون إحساس البصر بالضوء الذي في المُبْصَر إِنما هو من الضوء الذي يرد منه إلى البصر"١ وقال - أيضاً -: "وقد تبين.. أن البصر ليس يدرك شيئاً من المُبْصَرات التي تكون معه في هواء واحد، ويكون إدراكه لها لا بالانعكاس إلا إذا اجتمعت له عدة معان هي: أن يكون بينه وبينه بعداً ما. ويكون مقابلاً للبصر ... ويكون فيه ضوء ما إما من ذاته أو من غيره ... "٢. أما في العلم الحديث، فإِنه لا يعتمد إلا هذه الحقيقة المتمثلة بأن الرؤية إنما تكون عندما تصل الأشعة الضوئية المرتدة أو المنبعثة من الأجسام المرئية إلى العين. قال بعض الأساتذة٣ الجامعيين في علم الفيزياء:

стр. 710

"وكيفية رؤية العين للأجسام هي أنه عندما تستقبل هذه الأجسام أشعة ضوئية ساقطة عليها، ترتد هذه الأشعة فتسبب رؤية الأجسام. لا كما كان يفسر قديماً بأن العين يخرج منها الأشعة فتسقط على الأجسام وبالتالي تراها العين. (ودلالة على عدم صحة هذا التفسير أن العين لا ترى في الظلام) . ونلخص هذا بأن تعريف الضوء: هو الإشعاع الذي يؤثر في العين فيسبب الرؤية ... "١. ويستفاد من هذا النص فائدتان هامتان: ١- تقريره للحقيقة العلمية الثابتة من أن الإبصار يتم عندما ترتد الأشعة الساقطة على الأجسام إلى العين.. وأن الضوء المنبعث من الأجسام المرئية إلى العين هو السبب في رؤيتها، مما يدل على اشتراط أن تكون الأجسام مضيئة أو مضاءة لكي ترى. ٢- إشارته إلى بطلان التفسير القديم لسبب الرؤية المتمثل: في خروج أشعة من العين تسقط على الأجسام فتراها العين٢. وذكر دليل بطلانه بقوله: "ودلالة على عدم صحة هذا التفسير أن

стр. 711

العين لا ترى في الظلام". واختياره لهذا الدليل يدل على قوته ووضوحه. وهذا الدليل الذي استدل به على بطلان التفسير القديم للرؤية، يتفق تماماً مع دلالة المثَل، حيث دل المثَل على أن الكائن في ذلك المكان لا يرى شيئاً البتة بسبب شدة الظلام. ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . وعلى هذا يمكننا القول: أن المثَل مع دلالته بمنطوقه على أن الضوء شرط في رؤية الأجسام - حيث دل على أن انحجاب الضوء عن اليد تسبب في عدم رؤيتها. ومفهوم المخالفة الَّذِي يقتضي أن وصول الضوء إليها يمكن من رؤيتها - فإِنه - أيضاً - دل على بطلان التفسير القديم - الذي يقوم على أن الضوء يخرج من العين ويسقط على الأجسام فتحدث رؤيتها - فالاعتبار بصورة المثَل يرد ذلك، حيث لا يوجد حجاب بين اليد والشعاع المنبعث من العين، فلو كان ذلك التفسير صحيحاً لأمكنت الرؤية. واللَّه أعلم.

стр. 712

القسم الثالث: إفادة المثَل حقائق علمية ثابتة في نفسها، وإِن لم تكن مسلمة عند كل المشتغلين بتلك العلوم. والفرق بين هذا القسم والقسمين السابقين، أن السابقين يتعلقان بالعلوم المادية القائمة على المشاهدة والتجربة المحسوسة ويتفق العلماء المتخصصون بها على حقائقها غالباً. وكل منهم يستطيع التحقق بنفسه إذا هيئت لهم الوسائل. أما هذا القسم فمداره على التفكر والتعقل. فهي أمور عقلية يبحثها الفلاسفة والنظار فيما يسمى بعلم النفس والاجتماع ونحوها. إلا أنه لا يدركها إلا ذوو البصائر المستنيرة، الذين ينظرون نظراً صحيحاً، ويحسنون استخلاص العبر والعواقب والعلل، الذين استنارت عقولهم واستلهموا الهدى من نور اللَّه ووحيه. فهذا القسم لا يدركه إلا أولو الألباب. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألبَابِ﴾ ١. وقوله - سبحانه -: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي

стр. 713

الألبَابِ﴾ ١. أما الكفار فإنهم لا يدركونها، لظلمة قلوبهم، وعمى بصائرهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ٢. وقد دل المثَل - مثل الظلمات من سورة "النور" - على حقيقتين من هذا القسم، هما: أولاً: حقيقة أن الكفار يتقلبون في ظلمات حالكة لا ينفكون منها وقد تقدم الكلام على هذه الحقيقة في الفائدة الأولى من فوائد هذا المثَل. ثانياً: حقيقة أن الكفار في خوف وقلق وحيرة دائمة. وقد تقدم الكلام على هذه الحقيقة في الفائدة الرابعة من فوائد هذا المثَل. والمراد هو إثبات هاتين الحقيقتين ضمن الحقائق العلمية التي دل عليها المثَل. ويعتمد الكفار في بحث موضوع هاتين الحقيقتين على علم النفس

стр. 714

والسلوك والاجتماع. إلا أن هذه العلوم لا يوجد فيها - في الغالب - حقائق متفق عليها عند أهلها. وإِنما شأنها شأن الفلسفة، يوجد فيها لكل قضية سيل من الآراء والنظريات والأقوال المتناقضة. والكفار بإزاء هاتين الحقيقتين ينقسمون إلى أقسام: القسم الأول: من زُين له سوء عمله فرآه حسناً. فهؤلاء معجبون مفتونون بما هم عليه من الباطل، يدعون إليه، وينشرونه، ويدافعون عنه. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ١. وضمن هذا الفريق ذوو الطبائع الفاسدة، والنزعات الشريرة، الذين لا يركنون إلا إلى الشر والغي والفساد، كما وصفهم اللَّه بقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ٢.

стр. 715

القسم الثاني: من يدرك بطلان ما هو عليه، لفساد نتائجه، وآثاره، وغير ذلك. لكنه لا يسلم بعجزه عن الاهتداء إلى الطريق القويم، بل هو مقتنع أنه سيصل ببحثه وجهده إلى ذلك، فيضل يبحث ويكدح دون جدوى. القسم الثالث: من أدرك بطلان ما هو عليه، وأخذه اليأس من الوصول إلى الطريق القويم، لعلمه أن ما قُدِّم على موائد الفلسفة لا يخلو من الفساد والتناقص، وأن فرص التطبيق التي أتيحت للنظريات السلوكية لم يحالف واحدة منها النجاح في الاهتداء إلى النظام والسلوك الأمثل. وأن كلاً منها وإن حقق جانباً من الصلاح إلا أنه أنتج أضعافه من الفساد. ولم يفلح أي منها في تقليل نوازع الشر عند الإنسان، وتحقيق الطمأنينة والسعادة له. ومن هؤلاء من أسلمه اليأس إلى الإِحباط، وعاش في الحياة عيشة منفلتة، بلا هدف ولا غاية، معطلاً لعقله، يائساً من أمره، فحاله كما وصفها اللَّه بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ١.

стр. 716

ومنهم من دفعه اليأس من الأحوال القائمة، والحلول المطروحة، إلى البحث عن الحق والهدى، حتى توصل إلى الإِسلام، وتعرف عليه، وقرأ القرآن والسنة، فاستنار له الطريق، ووقع على ضالته، وأدرك بُغيته، فأسلم واهتدى. ومصداق ذلك في قصص بعض من أسلم من الكفار في هذا العصر، فلا بد من إبراز هذه الحقائق العلمية من هذا النوع وغيره، لتكون شاخصة أمام طالب الحق. فإِذا وقع عليها، وأدرك تطابقها مع ما توصل إليه في سابق بحثه، أو ما يجده من نفسه، تبين له الحق الذي لا مرية فيه. فكانت من أسباب هدايته. خلاصة هذه الفائدة: أن مثل الظلمات في سورة "النور" دل على حقائق علمية تتصل بالعلوم الدنيوية المادية التطبيقية أو النظرية. وأن هذه الحقائق تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: دلالة المثَل على معجزة عِلمية للنبي ﷺ تتمثل في الإخبار بوجود أمواج في باطن البحار العميقة اللجية (المحيطات) ، والتي لم تكن معلومة في ذلك الوقت، بل لم يكن بمقدور البشر اكتشافها لكونها على عمق لا يصله إلا الغواصات أو الغواصون المزودون بالأكسجين. القسم الثاني: الإخبار عن حقائق علمية في العلوم المادية الدنيوية بما

стр. 717

يطابق ما ثبت عند المتخصصين فيها. وقد اشتمل المثَل على فائدتين من هذا القسم، هما: أولاً: إفادة المثَل أن أعماق البحار العميقة مظلمة ظلمة شديدة. مع بيان سبب ذلك، وهو وجود حُجُب حجبت الضوء، هي عبارة عن أوساط شفافة متعددة أسهمت مجتمعة في منع الضوء عن تلك الأماكن، وتسببت في ظلمتها. واتفاق ذلك مع ما تقرر في علم البحار، وعلم الضوء. ثانياً: دلالة المثَل على التفسير العلمي للرؤية، وأنه يشترط له وصول الضوء من مصدر مضيء إلى الجسم المرئي، وإذا انعدم الضوء ولم يصل منه شيء إلى الجسم فإِنه يظلم ولا يُرى. واتفاقه مع التفسير الصحيح، المتقرر عند المتخصصين في ذلك الشأن. كما تضمن المثَل - أَيضا - إبطال التفسير القديم القائم على أن سبب الرؤية خروج أشعة من العين تسقط على الأجسام فتحدث رؤيتها. القسم الثالث: إفادة المثَل حقائق علمية ثابتة في نفسها، وإِن لم تكن مسلمة عند كل المشتغلين بتلك العلوم. وذلك في الأمور العقلية التي تبحث عادة فيما يسمى بعلم النفس والسلوك والاجتماع. وقد دل المثَل على حقيقتين من هذا القسم، هما: أولاً: حقيقة أن الكفار يتقلبون في ظلمات حالكة وضلالات لا

стр. 718

ينفكون عنها. ثانياً: حقيقة أن الكفار في خوف وقلق وحيرة دائمة. وبهذا ينتهي الكلام على هذا المثَل العظيم. واللَّه أعلم بالصواب.

стр. 719

المجلد الثالث الباب الثالث: الأمثال المضافة إلى الله تعالى الفصل الأول: في النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى المبحث الأول: في دلالة السياق الذي ورد فيه النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى ... ٩- إبطال ما زعمه المشركون من حجج باطلة، وأمثال وقياسات فاسدة ليصححوا بها ما هم عليه من الشرك والكفر، ويعارضوا ما جاءهم من الهدى والبينات.

стр. 720

المبحث الأول: في دلالة السياق الذي ورد فيه النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. لقد ورد النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى في سورة "النحل" في سياق ركز على قضية هي أهم القضايا، وأصل الدين، وحق الله الذي خلق الناس لأجله ودعا إليه رسله، ألا وهي: تفرد الله بالألوهية، ووجوب إفراده بالعبادة. فبدأت السورة ببيان أن الدعوة إلى التوحيد هي أساس دعوة الرسل

стр. 721

جميعا. قال الله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلآئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوآ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ١. وأكد ذلك في أثناء السورة بقوله: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢. وبقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ ٣. وبين - سبحانه - أدلة ذلك، والموجب له، المتمثل بتفرد الله بالربوبية، وجميع خصائصها. ومن أهم تلك الخصائص: تفرده بالخلق. قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِين ٌ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ....﴾ ٤ الآيات.

стр. 722

إلى أن قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ﴾ ١. ونحو ذلك من الآيات. ومن خصائص الربوبية الهامة: ملك السموات والأرض وما بينهما وما فيهن. أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿ولهُ مَا في السَّمَوات وَالأرض وَلهُ الدينُ وَاصِباً أفَغيرَ اللهِ تتَّقُون﴾ ٢. ومن خصائص الربوبية التي أشارت إليها السورة: تفرده بالأمر الشرعي والكوني. ورد ذكر الأمر الشرعي في أول السورة بقوله: ﴿يُنَزِّلُ المَلآئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوآ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٣. وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الفَحْشَآءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.

стр. 723

وورد ذكر الأمر الكوني بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١. ومن خصائص الربوبية: أفعال الله - سبحانه - العظيمة الحكيمة. وقد توسعت السورة في ذكر أفعاله ﵎ وما يحصل بها من أنواع التدبير للكون وما فيه، وآثارها المباركة على الناس. مع لفت أنظارهم إلى عقوباته التي تحل بالمكذبين المعاندين. وهذا البيان لمظاهر ربوبيته - سبحانه - يأتي في مضمار بيان صفات الإله المستحق للعبادة، وأن اتصافه بالربوبية وخصائصها هو البرهان الأكبر على تفرده بالألوهية، ووجوب إفراده بالعبادة. كما أن الإكثار من ذكر دلائل ربوبية الله، وأفعاله العظيمة، يؤدي بمن تأملها وتعقلها إلى استشعار عظمة الله تعالى، والفرق الهائل بينه - سبحانه - وبين سائر خلقه، مما يوجب القطع بتفرده بالألوهية والاشمئزاز من أن يجعل له مثلا أو شريكا في العبادة من الخلق الضعفاء المحتاجين المقهورين. ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا

стр. 724

قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. ويمضي السياق في ذكر دلائل تفرد الله بالألوهية. فبينت الآيات - بجانب دليل الربوبية - تفرد الله بالمثَل الأعلى، واتصافه بصفات الكمال، ولفت أنظار المشركين وغيرهم إلى ما في تلك المعبودات من دونه من النقص والعجز، والفقر والحاجة التي تدل على عدم أهليتها للألوهية، وأن تُصرف لها العبادة. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المثَل الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٢ كما اشتمل السياق على بيان ما أعده الله لعباده الموحدين من العاقبة الحميدة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، وما حلَّ بالأمم السابقة التي أشركت بالله، وافترت عليه الكذب، في الدنيا من العقوبات، وما ينتظرهم من العذاب الأليم في الآخرة. إلى غير ذلك من المباحث المتصلة بذلك. السياق ... والتحذير من الشرك: بجانب التركيز على قضية التوحيد، وما يتصل بها من مسائل

стр. 725

الإيمان، نجد السياق يركز - أيضا - على القضية المضادة للتوحيد، وهي الشرك بالله، بإبطاله، وتنزيه نفسه عنه. ففي أول آية من السورة نزه الله نفسه عن الشركاء بقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وناقشت السورة أهم معالم اعتقاد المشركين الذين بعث فيهم النبي ﷺ والتي تتمثل في: اتخاذهم شركاء لله يعبدونهم، ويدعونهم، ويجعلون لهم نصيبا مما رزقهم الله، ونسبتهم الولد إلى الله، حيث زعموا أن الملائكة بنات الله. قال الله تعالى مبينا ذلك من حالهم: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢. وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٣.

стр. 726

وقال سبحانه في الآية التي تسبق النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ ١. ثم نهى الله تعالى عن ضرب الأمثال له سبحانه بقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ وبين علة ذلك النهي بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. ثم ضرب أمثالاً من الحق يبيّن لعباده فيها معالم التوحيد، وأنه لا يجوز أن يُسوَّى بينه وبين خلقه، وأن يُجعل المخلوق الضعيف العاجز شريكا له في شيء من ربوبيته أو إلهيته، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا ... ﴾ ٣ الآيات. وتضمن السياق بجانب ذلك ذكر جانب من معارضة المشركين لما نزل من الحق، وإيرادهم الشبهات للاستدلال لما هم عليه من الدين القائم على الشرك. فمن ذلك احتجاجهم على شركهم بمشيئة الله وإرادته الكونية

стр. 727

القدرية حيث قالوا ما حكاه الله عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلآ آبَآؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ البَلاَغُ المُبِينُ﴾ ١. ومن ذلك تكذيبهم بالبعث: قال تعالى مبينا ذلك: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وقد عُلِم من حالهم - كما دلت عليه آيات متفرقة من سور القرآن الكريم - أنهم استعانوا في مجادلتهم الباطلة لإدحاض الحق، والاستدلال على ما هم عليه من الشرك والتكذيب والافتراء على الله، بضرب الأمثال، لإقامة الحجج الباطلة، والشبهات الخادعة. فمن ذلك أنهم ضربوا البنات مثلا له عندما زعموا أن الملائكة بنات الله قال تعالى:

стр. 728

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَانِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ١. ومعلوم أن الولد صنو أبيه، يماثله في الذات والصفات، ولو كان لله ولد لكان مستحقا للعبادة. تعالى الله عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ ٢. فهُم بهذا الزعم الفاسد جعلوا لله مماثلا في الذات والصفات واستحقاق العبادة. وضربوا مثلا لإنكار البعث. قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٣. وضربوا عيسى بن مريم ﵇ مثلا ليعارضوا به٤ قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ

стр. 729

كَانَ هَؤُلآءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٢. وغير ذلك كثير، من الحجج والأمثال الباطلة، والمقايسات الخاطئة التي أوردوها مستدلين بها على ما هم عليه من الشرك والتكذيب، ومعارضين ما جاء به النبي ﷺ ... خلاصة دلالة السياق: وبناء على ما تقدم يمكن حصر دلالة السياق الذي ورد فيه النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى في سورة "النحل" فيما يلي: ١- بيان أن التوحيد باعتقاد تفرد الله بالألوهية، وإفراده بالعبادة، والكفر بالطاغوت، هو الغاية التي أنزل الله لأجلها كتبه، وأرسل رسله. وبين السياق أدلة التوحيد، وفضل أهله، وعاقبتهم الحميدة في الدنيا والآخرة.

стр. 730

٢- ذم المشركين، وإبطال الشرك، وبيان سوء عاقبته في الدنيا والآخرة. ٣- دلالة السياق على أن المشركين من كفار قريش وغيرهم، جعلوا لله مماثلا في الذات والصفة عندما زعموا أن الملائكة بنات الله. ٤- دلالته على أنهم جعلوا لله مماثلا في ألوهيته، عندما اتخذوا من دونه شركاء يدعونهم ويعبدونهم، ويجعلون لهم نصيبا مما رزقهم الله. ٥- ما عُلم من حالهم - كما دلت عليه آيات من سور أخرى - من استعانتهم بضرب الأمثال في معارضتهم لما جاء به النبي ﷺ وتسويغ ما هم عليه من الشرك. ٦- نهي الله تعالى عن ضرب الأمثال السيئة له - سبحانه - من أي نوع كانت، سواء ما ضرب له من الأمثال في الذات والصفات، أو ما ضرب له من الأمثال في الألوهية واستحقاق العبادة، أو ما يضرب له من الأمثال في الربوبية والأفعال، أو ما يضرب من الأمثال القولية للمحاجّة والجدال، لمعارضة الحق، والتدليل على صحة الشرك. ٧- بين السياق العلة من النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى، وأن ذلك لأمرين هامين: الأول: أن المشركين جاهلون بالله سبحانه وما له من الصفات،

стр. 731

وبحقه ودنيه. وكلّ ما ضربوه من الأمثال فهو جهل وضلال صادر عن الظن وهوى النفوس. قال تعالى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . الثاني: تفرده - سبحانه - بالمثَل الأعلى، والكمال المطلق، فهو سبحانه أحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ، فلا يوجد في حقيقة الحال من يكون مماثلا لله فيضرب مثلا له لا في ذاته وصفاته، ولا في ربوبيته وأفعاله، ولا في ألوهيته وحقه على عباده، ولا في علمه وشرعه وهديه. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المثَل الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. ٨- بيان دلائل الحق على تفرده بالمثَل الأعلى، وأنه إله واحد لا شريك له في ألوهيته أو ربوبيته وصفاته، وذلك بالإكثار من ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله ومظاهر ربوبيته.

стр. 732

المبحث الثاني: المراد بالأمثال التي نهي عن ضربها لله . اختلف المفسرون في المراد بالأمثال التي نُهي عن ضربها لله تعالى، في قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ . وتبعا لذلك اختلفت أقوالهم في المراد بقوله تعالى في ختام الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، التي هي تعليل للنهي. وحاصل أقوالهم يرجع إلى قولين: أولاً: أن المراد بالأمثال جمع مِثْل. وهو المماثل، والمكافئ، والند والشريك، والنهي عن ضرب الأمثال، المراد به: النهي عن الشرك واتخاذ الأنداد. سواء في ذلك: أن يُجعل له أندادٌ مماثلون له في الذات أو الصفات. أو أن يُعتقد أن له أندادا يماثلونه في شيء من الربوبية والأفعال. أو أن يُتخذ معه أندادٌ يماثلونه في الألوهية واستحقاق العبادة. قال ابن عباس ﵄ في الآية: "يعني اتخاذهم الأصنام، يقول: لا تجعلوا معي إلها غيري، فإنه لا إله غيري"١. وقال قتادة ﵀ في الآية:

стр. 733

"فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد"١. وقال ابن جرير ﵀: "فلا تمثلوا له الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل له ولا شبه"٢. واختار هذا المعنى كثير من المفسرين.٣ وتقدم في دلالة السياق ما يدل على هذا المعنى. حيث إن السورة ناقشت قضية الشرك في عبادة الله، واعتقادهم أن الملائكة بنات الله ونحو ذلك. ويؤكد هذه الدلالة الآية التي قبل النهي عن ضرب الأمثال لله، والتي يعيب الله فيها على من يشرك في عبادته، حيث قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٤. ويكون معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، على هذا القول:

стр. 734

إن الله يعلم حقيقة الأمر وأنه لا شريك له ولا ند ولا مثيل، ويعلم بطلان ما هم عليه وأنهم ليسوا على شيء، كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ : أي والمشركون لا يعرفون الله حق معرفته، لذلك أشركوا معه غيره وجعلوا له أنداداً وضربوا له أمثالا، وفعلهم هذا عن توهم فاسد، وخاطر باطل، وخيال مختل. كما أنهم لا يعلمون ما في عبادتهم من سوء العاقبة، والتعرض لعذاب الله.٢ ثانياً: من قال إن المراد بها الأمثال القولية، التي تورد للتعريف بالله، التي تقوم على المقايسة والاستدلال بحال على حال.٣ ويشهد لهذا المعنى ما يلي: ١- ما تقدم في دلالة السياق أنه معلوم من حال المشركين - الذين بعث فيهم النبي ﷺ أنهم عارضوا الدعوة واستدلوا على صحة الشرك بأمثال اخترعوها.

стр. 735

٢- أن الله ضرب مثلين بعد النهي عن ضرب الأمثال له سبحانه، فهو - سبحانه - جاء بمثلين من الحق بعد أن نهاهم عن الأمثال الباطلة ففيه دلالة لمن قال: إن المراد من النهي هي الأمثال القولية التي تضرب للبيان أو المحاجة. واختلفوا في المراد بالنهي عن ضربها، وأشهر أقوالهم في ذلك قولان: (الأول) من قال إن الله نهى عن ضرب الأمثال له مطلقاً. وقالوا إن النهي معلل بعدم علم الناس، حيث قال: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فمن ضرب لله مثلا فإنه يكون عن غير علم. قال الراغب الأصفهاني ﵀: "وقد منع الله تعالى عن ضرب الأمثال بقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ ثم نبه أنه قد يضرب لنفسه المثَل ولا يجوز أن نقتدي به"١. وقال أبو بكر بن العربي ﵀: "وقد ضرب الله الأمثال لنفسه على وجه بديع.... ولم يأذن لأحد من الخلق فيه، وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ "٢.

стр. 736

وعلل بعضهم النهي عن ضربها بأن ضربها لله يكون بمثابة تعليم الله بما له من الأوصاف أو الشركاء، أو ما ينبغي له من الدين.. وهذا باطل. "فإن ضرب المثَل إنما يستعمل من العالم لغير العالم، ليبين له ما خفي عنه، والله تعالى هو العالم وأنتم لا تعلمون. فتمثيل غير العالم للعالم عكس للحقيقة"١. فتكون على هذا بمعنى قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلآءِ شُفَعَآؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. "فالعباد يحتاجون إلى ضرب الأمثال لمَّا خفيت عليهم الأشياء ... فأما من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فلا يحتاج إلى الأمثال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً"٣. (الثاني) من قال: إن المراد النهي عن ضرب الأمثال الفاسدة التي تقتضي المساواة بين الله وخلقه، والتي تكون بغير علم. أما الأمثال التي لا

стр. 737

تقتضي ذلك، وتكون من العلماء العالمين بالله وما يجوز وما لا يجوز له فإنها مشروعة. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: "ولهذا قال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فعلينا أن لا نقول عليه بلا علم"١ وهذا القول يدل على أن الأمثال القولية المضروبة لله تعالى منها ما هو ممنوع وما هو مشروع. فالممنوع هي: الأمثال التي يضربها الجاهلون، ويكونون بضربها بمثابة من يُعلم الله، أو لمعارضة دينه، أو لتصحيح الشرك واتخاذ الأنداد والأمثال له - سبحانه - المتضمنة للقياس الإبليسي المعارض للنص. أو القياس الفاسد كالقياس التمثيلي، أو القياس الشمولي في حق الله تعالى التي تقتضي مساواة الله بغيره من خلقه. أما المشروع ضربه من الأمثال القولية لله تعالى فهي: التي تصدر عن العالمين بالله، والتي لا تتضمن شيئا من المحذورات، وتؤدي إلى الاستدلال على إثبات ما أثبت الله لنفسه من الصفات، ونفي ما لا يليق به من النقص، والتي ضرب الله جنسها لنفسه في كتابه معلماً عباده كيف

стр. 738

يستدلون عليه. ويكون ذلك بالأمثال الجارية على قياس الأولى، التي لا تتضمن التسوية بين الله وبين خلقه في شيء من خصائصه، فهي جائزة في حق الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا كانت طريقة الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته. وإن استعملوا في ذلك (القياس) استعملوا قياس الأولى، لم يستعملوا قياس شمول تستوي أفراده، ولا قياس تمثيل محض، فإن الرب تعالى لا مثيل له، ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي تستوي أفراده، بل ما ثبت لغيره من كمال لا نقص فيه، فثبوته له بطريق الأولى، ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القرآن من هذا الباب. كما يذكره في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته، وإمكان المعاد إلى غير ذلك من المطالب العالية السنية، والمعالم الإلهية التي هي أشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف"١. وقد اقتدى بعض أهل العلم الراسخين بالأنبياء في استعمال قياس

стр. 739

الأولى في التعريف بالله ، وتأييد ما دل عليه الكتاب والسنة، منهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأحمد أشهر وأكثر كلاما في أصول الدين بالأدلة القطعية: نقلِها وعقلها من سائر الأئمة، لأنه ابتلي بمخالفي السنة، فاحتاج إلى ذلك. والموجود في كلامه، من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة، لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة، ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد، لم يسلك فيه إلا قياس الأولى، وهو الذي جاء به الكتاب والسنة، فإن الله لا يماثل غيره في شيء من الأشياء حتى يتساويا في حكم القياس، بل هو سبحانه أحق بكل حمد، وأبعد عن كل ذم، فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو أحق به من كل ما سواه، وما كان من صفات النقص فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه.... وكذلك أحمد سلك هذا المسلك ... مثل بيانه لإمكان كونه عالماً بجميع المخلوقات، مع كونه بائناً عن العالم فوق العرش، بقياسين عقليين: أحدهما أن الإنسان قد يكون معه قدح صاف فيرى ما فيه مع مباينته له، فالرب سبحانه قدرته على العالم ومباينته له، أعظم من قدرة هذا على ما في يديه، فلا تمتنع رؤيته لما فيه وإحاطته به مع مباينته له.

стр. 740

والقياس الثاني: من بنى داراً وخرج منها فهو يعلم ما فيها، لكونه فعلها، وإن لم يكن فيها. فالرب الذي خلق كل شيء وأبدعه، هو أحق بأن يعلم ما خلق، وهو اللطيف الخبير، وإن لم يكن حالاً في المخلوقات. والمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت صحيحة، إنما يذم ما خالف الكتاب والسنة، أو الكلام بلا علم والكلام المبتدع في الدين"١. والقول بالتفريق في ضرب الأمثال بين الممنوع والمشروع، هو الصواب، لما تقدم من وجود أمثال مضروبة لله، جارية على قياس الأولى في القرآن الكريم، وأن ضربها من منهج الأنبياء، واستخدمها بعض أهل العلم الراسخين، فهي من الأمثال الصحيحة التي تؤيد ما ورد عن الله في كتابه، وسنة رسوله ﷺ . تحرير المراد بالنهي عن ضرب الأمثال لله تعالى: مما تقدم تبين أن النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى يشمل أمرين: الأول: النهي عن اتخاذ الشركاء والأنداد، في الذات أو الصفات، أو الألوهية أو الربوبية ونحو ذلك مما تفرد به سبحانه. الثاني: النهي عن ضرب الأمثال القولية الفاسدة له سبحانه.
следующие страницы →