← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وعلل بعضهم النهي عن ضربها بأن ضربها لله يكون بمثابة تعليم الله بما له من الأوصاف أو الشركاء، أو ما ينبغي له من الدين.. وهذا باطل. "فإن ضرب المثَل إنما يستعمل من العالم لغير العالم، ليبين له ما خفي عنه، والله تعالى هو العالم وأنتم لا تعلمون. فتمثيل غير العالم للعالم عكس للحقيقة"١. فتكون على هذا بمعنى قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلآءِ شُفَعَآؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. "فالعباد يحتاجون إلى ضرب الأمثال لمَّا خفيت عليهم الأشياء ... فأما من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فلا يحتاج إلى الأمثال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً"٣. (الثاني) من قال: إن المراد النهي عن ضرب الأمثال الفاسدة التي تقتضي المساواة بين الله وخلقه، والتي تكون بغير علم. أما الأمثال التي لا

стр. 737

تقتضي ذلك، وتكون من العلماء العالمين بالله وما يجوز وما لا يجوز له فإنها مشروعة. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: "ولهذا قال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فعلينا أن لا نقول عليه بلا علم"١ وهذا القول يدل على أن الأمثال القولية المضروبة لله تعالى منها ما هو ممنوع وما هو مشروع. فالممنوع هي: الأمثال التي يضربها الجاهلون، ويكونون بضربها بمثابة من يُعلم الله، أو لمعارضة دينه، أو لتصحيح الشرك واتخاذ الأنداد والأمثال له - سبحانه - المتضمنة للقياس الإبليسي المعارض للنص. أو القياس الفاسد كالقياس التمثيلي، أو القياس الشمولي في حق الله تعالى التي تقتضي مساواة الله بغيره من خلقه. أما المشروع ضربه من الأمثال القولية لله تعالى فهي: التي تصدر عن العالمين بالله، والتي لا تتضمن شيئا من المحذورات، وتؤدي إلى الاستدلال على إثبات ما أثبت الله لنفسه من الصفات، ونفي ما لا يليق به من النقص، والتي ضرب الله جنسها لنفسه في كتابه معلماً عباده كيف

стр. 738

يستدلون عليه. ويكون ذلك بالأمثال الجارية على قياس الأولى، التي لا تتضمن التسوية بين الله وبين خلقه في شيء من خصائصه، فهي جائزة في حق الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا كانت طريقة الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته. وإن استعملوا في ذلك (القياس) استعملوا قياس الأولى، لم يستعملوا قياس شمول تستوي أفراده، ولا قياس تمثيل محض، فإن الرب تعالى لا مثيل له، ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي تستوي أفراده، بل ما ثبت لغيره من كمال لا نقص فيه، فثبوته له بطريق الأولى، ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القرآن من هذا الباب. كما يذكره في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته، وإمكان المعاد إلى غير ذلك من المطالب العالية السنية، والمعالم الإلهية التي هي أشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف"١. وقد اقتدى بعض أهل العلم الراسخين بالأنبياء في استعمال قياس

стр. 739

الأولى في التعريف بالله ، وتأييد ما دل عليه الكتاب والسنة، منهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأحمد أشهر وأكثر كلاما في أصول الدين بالأدلة القطعية: نقلِها وعقلها من سائر الأئمة، لأنه ابتلي بمخالفي السنة، فاحتاج إلى ذلك. والموجود في كلامه، من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة، لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة، ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد، لم يسلك فيه إلا قياس الأولى، وهو الذي جاء به الكتاب والسنة، فإن الله لا يماثل غيره في شيء من الأشياء حتى يتساويا في حكم القياس، بل هو سبحانه أحق بكل حمد، وأبعد عن كل ذم، فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو أحق به من كل ما سواه، وما كان من صفات النقص فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه.... وكذلك أحمد سلك هذا المسلك ... مثل بيانه لإمكان كونه عالماً بجميع المخلوقات، مع كونه بائناً عن العالم فوق العرش، بقياسين عقليين: أحدهما أن الإنسان قد يكون معه قدح صاف فيرى ما فيه مع مباينته له، فالرب سبحانه قدرته على العالم ومباينته له، أعظم من قدرة هذا على ما في يديه، فلا تمتنع رؤيته لما فيه وإحاطته به مع مباينته له.

стр. 740

والقياس الثاني: من بنى داراً وخرج منها فهو يعلم ما فيها، لكونه فعلها، وإن لم يكن فيها. فالرب الذي خلق كل شيء وأبدعه، هو أحق بأن يعلم ما خلق، وهو اللطيف الخبير، وإن لم يكن حالاً في المخلوقات. والمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت صحيحة، إنما يذم ما خالف الكتاب والسنة، أو الكلام بلا علم والكلام المبتدع في الدين"١. والقول بالتفريق في ضرب الأمثال بين الممنوع والمشروع، هو الصواب، لما تقدم من وجود أمثال مضروبة لله، جارية على قياس الأولى في القرآن الكريم، وأن ضربها من منهج الأنبياء، واستخدمها بعض أهل العلم الراسخين، فهي من الأمثال الصحيحة التي تؤيد ما ورد عن الله في كتابه، وسنة رسوله ﷺ . تحرير المراد بالنهي عن ضرب الأمثال لله تعالى: مما تقدم تبين أن النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى يشمل أمرين: الأول: النهي عن اتخاذ الشركاء والأنداد، في الذات أو الصفات، أو الألوهية أو الربوبية ونحو ذلك مما تفرد به سبحانه. الثاني: النهي عن ضرب الأمثال القولية الفاسدة له سبحانه.

стр. 741

والأمر الأول - النهي عن الشرك واتخاذ الأنداد واعتقاد مماثلة أحد من الخلق له سبحانه - هو المعنيُّ أصلا بالنهي عن ضرب الأمثال لله تعالى. وذلك أن أساس الرسالة قائم على الدعوة إلى توحيد الله، والتحذير من الشرك ومحاربته ووسائله. أما الأمثال القولية الفاسدة التي يضربها الجاهلون لله، فإنها داخلة في النهي تبعاً، لأنها من وسائل الشرك وأسبابه. فالنهي إذاً يشمل الأمرين. إلا أنه في اتخاذ الأمثال من الشركاء والأنداد أصلا، وفي ضرب الأمثال القولية تبعاً. والله أعلم. وخلاصة هذا المبحث: تبين مما تقدم أن الأمثال المنهي عن ضربها لله تعالى تشمل: اتخاذ الشركاء والأنداد، واعتقاد مماثلة أحد من الخلق لله في ذاته وأسمائه وصفاته، أو ألوهيته واستحقاق العبادة، أو ربوبيته وأفعاله. كما يشمل النهيُ الأمثال القولية الفاسدة التي يضربها لله المشركون الجاهلون بالله ومن في حكمهم في الجهل. وتبين أن الأمثال القولية المضروبة لله، منها ما هو ممنوع ومنها ما هو مشروع. فالممنوعة: هي الأمثال التي يضربها لله المشركون أو غيرهم من الجاهلين لمعارضة دين الله وتوحيده، أو لتصحيح الشرك، أو المتضمنة للتسوية بين الله وبين أحد من الخلق. ويدخل في ذلك الأمثال التمثيلية، والأمثال الشمولية.

стр. 742

والمشروع منها: التي تصدر عن العالمين بالله، ولا تتضمن التسوية بين الله وخلقه، أو معارضة الدين، وإنما تؤيد ما أثبت الله لنفسه من الصفات، وتنفي عنه ما لا يليق به من النقص والعيب. وهي الأمثال الجارية على قياس الأولى. والله أعلم.

стр. 743

المبحث الثالث: في أهم الفوائد المستفادة من النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى . لقد تضمن النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى في قوله: ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ، فوائد هامة، منها: الفائدة الأولى: النهي عن الشرك في عبادة الله. الفائدة الثانية: النهي عن اتخاذ الأمثال لله، واعتقاد أن لله مماثلا في ذاته أو أسمائه وصفاته. الفائدة الثالثة: النهي عن ضرب الأمثال القولية القياسية الفاسدة لله تعالى. وإلى الكلام على هذه الفوائد بشيء من التفصيل. والله المستعان.

стр. 744

الفائدة الأولى: النهي عن الشرك في عبادة الله. إن مَنْ صرف شيئا من العبادة لغير الله، فقد جعل ذلك المعبود مع الله ندا له، مماثلا له في الألوهية واستحقاق العبادة. ويكون بذلك قد ضرب في حُكمِه واعتقاده لله مثلا، حيث جعل له مماثلا في الألوهية يُعبد كما يُعبد الله. فهو داخل في النهي عن ضرب الأمثال لله. وحقيقة العبادة أنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك، هي من العبادات لله. وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له، التي خلق

стр. 745

الخلق لها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢، وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب وغيرهم لقومهم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤") . ٥ "فالدين كله داخل في العبادة"٦. "وهذه العبادة متعلقة بإلهيته تعالى، ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله

стр. 746

إلا الله، بخلاف من يقر بربوبيته ولا يعبدهُ، أو يعبد معه إلها آخر. فالإله الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء، ونحو ذلك. وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفيْن من عباده، وبها بعث رسله"١. "والعبادة والطاعة والاستقامة، ولزوم الصراط المستقيم، ونحو ذلك من الأسماء، مقصودها واحد، ولها أصلان: أحدهما: أن لا يعبد إلا الله. والثاني: أن يعبده بما أمر وشرع، لا بغير ذلك من الأهواء والبدع"٢. وحقيقة الشرك في العبادة: أن يؤمن بالله ويشرك معه غيره في ألوهيته، وذلك بأن يجعل لله ندا يعتقد أن له شيئا من الألوهية، أو يصرف له العبادة أو شيئا منها. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٣. قال عكرمة ﵀ في الآية:

стр. 747

"ولئن سألتهم من خلقهم وخلق السماوات والأرض ليقولن الله، فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره"١. وحق الله تعالى على عباده أن يخلصوا له العبادة، كما قال ﷺ في حديث معاذ ﵁: "حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا"٢. وصرف حق الله لغيره شرك، وظلم عظيم، كما قال تعالى حاكيا وصية لقمان ﵇ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٣. فكل عبادة ثبتت لله فهي من حقه، لا يجوز أن تُصرف لغيره، أو أن يُشرَك فيها معه غيره. والشرك أعظم الذنوب وأقبحها. سئل النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك "٤.

стр. 748

وقال ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " - ثلاثا، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئا فقال -: ألا وقولُ الزور". قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.١ والشرك محبط للعمل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢. وهو سبب للخلود في النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٣. وضرب الأمثال لله بهذا المعنى - اتخاذ الشركاء لله في العبادة - هو من باب جعل الأنداد له سبحانه.

стр. 749

وقد نهى الله عن ذلك وأنكر على مَنْ فعله أشد الإنكار. فأول أمر في المصحف هو الأمر بعبادة الله، وأول نهي هو النهي عن اتخاذ الأنداد مع الله سبحانه. قال الله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. فأمر - سبحانه - بعبادته، ثم ذكر بعض آيات ربوبيته التي تستدل بها العقول على استحقاقه وحده للعبادة، ثم نهى عن أن يُجعل له أندادٌ تُصرَف لهم العبادة، ويُشرَكون معه فيها. قال ابن جرير ﵀: "فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئا، وأن يعبدوا معه غيره، أو يتخذوا له نداً وعِدْلاً في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم، ونِعَمِي التي أنعمتها عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكا ونِدّاً مِن خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم فمني"٢.

стр. 750

ومثل هذا الأسلوب ورد في موضع آخر من سورة (البقرة) ، في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١. ثم ذكر أصول الآيات الدالة على ربوبيته الدالة على استحقاقه وحده للعبادة. بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ٢ الآية. ثم عاب - سبحانه - على من خالف تلك الدلالة، واتخذ أنداداً من دون الله يحبهم كحب الله، ويصرف لهم العبادة. قَال ابن جرير ﵀: "وأما قوله ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ، فإنه خبر منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيره ولا يستوجب على العباد العبادة سواه، وأن كل ما سواه فهم خلقه، والواجب على جميعهم طاعته والانقياد لأمره، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجر الأوثان والأصنام، لأن جميع ذلك خلقه، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة، ولا تنبغي الألوهة إلا له، إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الإشراك، وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه،

стр. 751

وأن ما أشركوا معه من الإشراك لا يضر ولا ينفع في عاجل ولا في آجل، ولا في دنيا ولا في آخرة. وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم، ودعاء منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم. ثم عرفهم تعالى بذكره - بالآية التي تتلوها - موضعَ استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عُذرَهم، فقال تعالى ذكره أيها المشركون، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر: من أن إلهكم إله واحد، دون ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان، فتدبروا حججي وفكروا فيها، فإن من حججي خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزلت من السماء من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها، وما بثثت فيها من كل دابة، والسحاب الذي سخرته بين السماء والأرض. فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به، إذا اجتمع جميعه فتظاهر أو انفرد بعضه دون بعض، يقدر على أن يخلق نظير شيء من خلقي الذي سميت لكم، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذر، وإلا فلا عذر لكم في اتخاذ إله سواي، ولا إله لكم ولما تعبدون غيري. فليتدبر أولو الألباب إيجاز الله احتجاجه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده، في هذه الآية وفي التي بعدها، بأوجز كلام،

стр. 752

وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على معرفة فضل حكمة الله وبيانه"١. أهم صفات الإله الحق: لقد تضمن السياق الذي ورد فيه النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى من سورة (النحل) بيان أهم الصفات التي من اتصف بها كان مستحقا للعبادة، كما ذُكِرَت بقية الصفات في مواضع أخرى من القرآن. فالله - سبحانه - عندما نهى عن اتخاذ الأنداد، بين أن اتخاذ الإله المعبود ليس خاضعا لهوى النفوس، والظنون والأوهام، وإنما هو أمر عظيم حيث يجب أن يتصف الإله بصفات تؤهله لهذا الأمر؛ مَن توفرت فيه تلك الصفات فهو الإله الحق، ومن كان متجردا منها فإنه أقل وأحقر من أن تُصرف له العبادة، ويقصده الناس برغباتهم ورهباتهم. فبإدراك العبد لهذه الصفات تستشعر نفسه ذلك الفرق العظيم بين الإله الحق، وبين تلك الأنداد الباطلة التي سميت آلهة وهي لا تملك من الألوهية شيئا. ﴿إِنْ هِيَ إِلآَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدَى﴾ ٢.

стр. 753

وسأذكر أهم الصفات التي دل عليها السياق، متبعا ذلك بالآيات من السور الأخرى الدالة على نفس المعنى. أولاً: أن يكون خالقاً. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقال - سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢. "فهذه الآيات تبين أن الذي يستحق أن يُعبد هو من يخلق الخلق ويبرزهم من العدم إلى الوجود، أما غيره فهو مخلوق مربوب، محتاج إلى من يخلقه ويدبر شئونه"٣. وذكر - سبحانه - أن عدم القدرة على الخلق دليل ظاهر على بطلان ألوهية تلك الآلهة التي زعمها المشركون، منكراً على مَنْ عبدها مع قيام هذه الحجة عليها، حيث قَال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٤.

стр. 754

وقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١. ثانياً: أن يكون رباً مدبِّراً، قائما بنفسه، مقيما لغيره، مالكا للأمر، والرزق، والنفع والضر. إذ أن هذا هو المعنى الذي يريده العابد من المعبود، فالعابد يعبد رغبا ورهبا، يرغب في ما عند معبوده من الخير، ويرهب ما عنده من الضر. فبيّن سبحانه أن تلك الأمثال التي جعلت له أندادا وشركاء، إنما هي مخلوقة مُدبَّرة لا تملك لنفسها شيئاً فضلاً عن غيرها. بيّن أنهم مُدبَّرون بقوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ ٤. وقد عاب الله تعالى على مَنْ يعبد مَنْ أمرُه بيد غيره، ولا يملك له رزقا ولا نفعا ولا ضرا فقال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً

стр. 755

وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١. "ويفهم من الآية الكريمة: أنه لا يصح أن يُعبد إلا من يرزق الخلق، لأن أكلهم رزقه، وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل"٢. ومن الآيات الدالة على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣. وقد جمع الله هذه المعاني: من كون هذه الآلهة المزعومة لا تخلق شيئاً، وأنها مخلوقة مُدبَّرة، وأنها لا تملك لنفسها ولا لعابدها خيراً، في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ ٤.

стр. 756

والعباد كلهم بما فيهم الملائكة، والأنبياء والأولياء، وكافة الجن والإنس، لا يملكون شيئا من أمر الله الكوني، وهم مُدبَّرون عاجزون عن جلب النفع، ودفع الضر عن أنفسهم، وهم عن فعله لغيرهم أعجز. بين ذلك الله ﵎ في حال أفضل أنبيائه ورسله ﷺ ليدلل على أن غيره ممن هو مثله في الرسالة أو دونه من الأنبياء والأولياء والصالحين، أولى منه بالعجز عن أن يملك لنفسه ضرا ورشدا، فضلا عن أن يملكه لغيره ممن يدعوه. قَال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلآ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاَغًا مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ ١. وقد بين الله تعالى مظاهر ربوبيته، وأفعاله العظيمة في مواضع كثيرة من القرآن، ليدرك الناس عظم صفاته، والفرق العظيم بينه وبين غيره من الخلق، فيقدروه حق قدره، وتشمئز قلوبهم من أن يجعلوا له أمثالا وأندادا

стр. 757

من الخلق الذين لا يفعلون شيئا من ذلك. ثالثاً: من صفات المعبود الحق أنه حي لا يجري عليه الموت: أشار إلى هذه الصفة في السياق قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ١. ويؤيد هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ٢. فدل على أن من يجري عليه الموت لا يصلح للألوهية والعبادة. وقد بين - سبحانه - أن كل حي سيهلك حاشاه سبحانه، قَال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣. وهذه الآية جامعة للدلالة على هذه الفائدة: من بيان أن من صفات الإله الحق أن يكون حيا لا يجري عليه الموت. وذلك أن الله - تعالى - نهى عن اتخاذ الأنداد والشركاء في عبادته،

стр. 758

فقال: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وبين علة ذلك النهي، وهي: تفرده بالألوهية: فقال: ﴿لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ . ثم ذكر دليلا على ذلك، وهو كون كل من سواه سيموت ويهلك ولو كان إلها لما هلك، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ، ثم ذكر دليلا آخر وهو تفرده بالحكم المتضمن لتدبير العباد، وتصريف أمورهم، وإماتة من شاء، وإحياء من شاء، وأنه سيرجع إليه العابد والمعبود، والمخلص والمشرك ويحكم بينهم بحكمه، فقال: ﴿لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . رابعاً: أن الإله الحق متصف بالكمال والغنى المطلق. وأن النقص والعجز والحاجة علامات على عدم أهلية من قامت به للألوهية، وأن تُصرف له العبادة. دل على ذلك في السياق قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المثَل الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. قَال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "أي الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه"٢.

стр. 759

وهذا المعنى كثير في القرآن الكريم، حيث يلفت الله عقول الناس إلى ما في تلك الآلهة المزعومة من نقص وعيب، وأنها مُدبَّرة، مقهورة عاجزة، مما يوجب للعقول السليمة القطع بعدم أهليتها لما زعم لها من الألوهية. والذين أُلهوا وعُبدوا مِن دون الله إما أن يكونوا من الأحياء كالملائكة والأنبياء والصالحين ونحوهم، وإما أن يكونوا من الجمادات؛ وكلا هذين الصنفين ورد له ما يناسبه من الآيات التي تبين ما فيه من النقص والعيب. فما ورد فيمن عُبِدَ مِن دون الله من الأنبياء، قوله تعالى في حق عيسى بن مريم ﵇: ﴿مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ ١. قال ابن جرير ﵀: "خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمه أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما، وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب، كسائر البشر من بني آدم. فإن من كان كذلك غير كائن إلها، لأن المحتاج إلى الغذاء قوامه بغيره، وفي قوامه بغيره، وحاجته إلى ما يقيمه دليل واضح على عجزه،

стр. 760

والعاجز لا يكون إلا مربوبا لا رباً"١. ومما ورد في حق من عُبِدَ مِن دون الله من الجمادات، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلاَ تُنظِرُونِ﴾ ٢. فبين سبحانه أن في تلك الآلهة التي عبدها المشركون من الأوثان ونحوها نقصا ظاهرا، وهو أنها ليس لها أرجل ولا تستطيع المشي، وليس لها أيد، ولا تسمع ولا تبصر، وهذا يجعلها أنقص في الخلق من الذين يعبدونها، وكل عاقل يعلم أن توجه الإنسان لعبادة من هو أقل منه سفه وضلال. طبيعة جعل هذا الصنف الأنداد لله: هذا النوع من المشركين يقرون بربوبية الله، بأنه الخالق الرازق المدبر، إلا أنهم أشركوا معه في العبادة. قال ابن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.

стр. 761

"ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها١ أنها كانت تقر بوحدانيته٢، غير أنها تشرك في عبادته ما كانت تشرك منها. فقال جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلتَْهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنْ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنْ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ٤. فالذي هو أولى بتأويل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق وخالقهم، ورازقهم نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين ... أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كل مكلف، عالم بوحدانية الله، وأنه لا شريك له في خلقه، يشرك معه في عبادته غيره، كائنا من كان من الناس عربيا كان أو أعجميا، كاتبا كان أو أميا....."٥.

стр. 762

فهؤلاء المشركون لا يعبدون من ألَّهوه مع الله لاعتقادهم أنه خالق متصرف، يرزق ويجلب النفع ويدفع الضر، فهم يقرون أن ذلك بيد الله، وإنما عبدوهم ليتوسلوا ويستشفعوا بهم إلى الله تعالى. بين الله هذه الحقيقة من حالهم في سياق بدأه بالأمر بإخلاص العبادة له، حيث قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ١. ثم بيّن - سبحانه - طبيعة شرك هذا الصنف من المشركين من قريش وغيرهم من كفار العرب فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢. ثم بيّن - سبحانه - أن زعمهم أن تلك الآلهة شفعاء لله ووسائط بينه وبين خلقه كذب وقول على الله بلا علم، وكفر، حيث قَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٣.

стр. 763

قَال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ : "أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين- في زعمهم - فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا. فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به ... ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه. وجاءتهم الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - بردها والنهي عنها. والدعوة إلى إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له. وأن ذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضيه. بل أبغضه ونهى عنه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ ١، ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.

стр. 764

وأخبر أن الملائكة التي في السموات - من الملائكة المقربين وغيرهم - كلهم عبيد خاضعون لله. لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى؛ وليسوا كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبَوْه. ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالََ﴾ ١، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً"٢. وقال - سبحانه - مبينا هذا المعنى وأنهم إنما عبدوا تلك الآلهة ليستشفعوا بها إلى الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلآءِ شُفَعَآؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣. قَال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفْتُ لك، يا محمد صفتهم، من دون الله، الذي لا يضرهم شيئاً ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها، ﴿وَيَقُولُونَ

стр. 765

هَؤُلآءِ شُفَعَآؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله. قَال الله لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ ، يقول: أتخبرون الله بما لايكون في السموات ولا في الأرض؟ وذلك أن الآلهة لاتشفع لهم عند الله في السموات ولا في الأرض. وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله. فقال الله لنبيه ﷺ : قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السموات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟ وذلك باطل ... بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، يقول: تنزيها لله وعُلُواً عما يفعله هؤلاء المشركون، من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب"١. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " ﴿وَيَقُولُونَ﴾ قولاً خالياً من البرهان: ﴿هَؤُلآءِ شُفَعَآؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: يعبدونهم، ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده. وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قَال تعالى

стр. 766

- مبطلا لهذا القول -: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ أي الله تعالى هو العالم، الذي أحاط علما بجميع ما في السموات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه. أفأنتم - يا معشر المشركين - تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء؟ أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتموه؟ أأنتم أعلم أم الله؟ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضُّلاّل الجهال السفهاء، أعلم من رب العالمين؟ "١. وهذا التعليم الرباني للنبي ﷺ المستفاد من قوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْض﴾ ، يُقال لكل مَن زعم وسيلة أو شفيعا يقصده بالدعاء والقربات ليشفع له عند الله، كالذين يقصدون الأنبياء والأولياء ونحوهم من الأحياء أو الأموات، فيقال لهم: هاتوا برهانكم على ذلك من آية محكمة، أو حديث صحيح. فإذا لم يأتوا بذلك، ولن يأتوا به، فإن حالهم كالذي يخبر اللهَ بما له من الشركاء والأنداد، وما يجوز في دينه، وما هو كائن في ملكه مما لا يعلمه. وهذا باطل ومنكر، أنكره الله بقوله:

стр. 767

﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ . وزعمهم بأن لله شفعاء ووسطاء من الافتراء والكذب على الله، لذلك قَال سبحانه في الآية التي قبلها: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ١. وزعمهم هذا تولد من ظنون سيئة قامت في أنفسهم، لا تفيدهم ولا تغني عنهم شيئا، لذلك قال الله تعالى في نفس السورة: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٢.

стр. 768

وقوع هذا الشرك في المنتسبين للإسلام: على الرغم من أن الله تعالى نهى عن ضرب الأمثال، واتخاذ الشركاء والأنداد له. وبين تفرده بالألوهية، واستحقاقه وحده للعبادة، مع بيان لحقيقة العبادة وأنواعها، وبيان لطبيعة الشرك وخطره، وإيضاح لحال الملائكة والجن، وصالحي الإنس، وأنهم عبيد لا يملكون شيئا من الألوهية، ولا يستحقون شيئا من العبادة، وأن غيرهم من الجمادات أولى بأن لا يكون لهم شيء من ذلك، وبيانه سبحانه للصفات التي من اتصف بها كان إلها حقا، مستحقا للعبادة، ودلائل تفرده بها، ولفته أنظار العقول إلى عجز غير الله، وحاجته وافتقاره، وغير ذلك من صفات النقص التي تدل على عدم صلاحيته للألوهية، وأن يقصد للعبادة، ويتوكل عليه. ومع ورود بيان هذه الأمور بوضوح تام، وتصريف القول في ذلك بمختلف الأساليب، مع ذلك كله، نجح شياطين الإنس والجن في صرف فئام ممن ينتسب إلى الإسلام عن التوحيد أساس الحنيفية، إلى الشرك والوثنية مع تلفظهم بالشهادتين، وإظهارهم الإسلام. وأعظم مظاهر الشرك في عبادة الله، ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية من تعظيم الصالحين، والفتنة بقبورهم الذي أدى إلى تأليههم واتخاذهم أربابا، وصرف أنواع العبادة لهم. وممن كتب عن هذا الداء الخطير الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه المبارك: "إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان" مبيناً المظاهر الشركية

стр. 769

التي نتجت عن الغلو في الأنبياء والصالحين، والفتنة بقبورهم. أنقل منه ما أرى أنه يفي بالغرض من بيان وقوع ما نهى الله عنه من ضرب الأمثال واتخاذ الشركاء والأنداد له في العبادة ممن ينتسب إلى الإسلام. قَال ﵀: "ومِن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا إلا من لم يرد الله فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم، واتُخذت أوثانا، وبُنيت عليها الهياكل، وصُوِّرت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجساداً لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعُبدت مع الله. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ١".٢ ثم ذكر ما نقله ابن جرير ﵀ عن بعض السلف٣ من:

стр. 770

"أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم. وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقَون المطر، فعبدوهم"١. وقال: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته ... "٢. ثم ذكر الحديث، ونصه كما في بعض الروايات عند الإمام مسلم ﵀: "ذكرن أزواج النبي ﷺ كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية. فقال الرسول ﷺ : "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"٣.

стр. 771

وقال: "قال شيخنا١: وهذه العلة - التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور - هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد"٢. ثم بيّن ﵀ أن مما لَبَس الشيطان به على المشركين ممن ينتسب إلى دين الإسلام، اتخاذ القبور عيدا، مشابهة للمشركين قبل الإسلام.٣ ثم بين ما يجري في تلك الأعياد من المفاسد العظيمة، فقال: "ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ما يغضب لأجله كلّ مَن في قلبه وقار، وغيرة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك ...

стр. 772

فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التي كان عبَّاد الأوثان يسألونها أوثانهم. فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار١ والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعاً سجداً يبتغون فضلا من الميت ورضواناً، وقد ملؤوا أكفهم خيبة وخسراناً، فلغير الله، بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويُطلب من الميت من الحاجات ويُسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام،

стр. 773

الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ١ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله مِن خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين. فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجراً وافراً وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا، ولو بحجك كل عام"٢. هذا ما كان على عهد ابن القيم ﵀ في القرن الثامن الهجري، أما في هذا الزمان، فقد استفحل الأمر واستقر على غير ما يرضي الله، حيث اختارت كل طريقة وليا لها فعلوا عند قبره من جنس ما ذكره ابن القيم، وتميزوا باسم لطريقتهم. وجعلوا لها - مما ابتدعوه - أعمالا وأذكارا تخصهم، ومناسك لحج مشاهدهم. وألفوا الكتب لبيان

стр. 774

طريقتهم، وفضائلها. وقامت لكل طريقة مدارس وعلماء ومراكز، وانتسب إليها خلق كثير من الناس. وأصبح الدين لا يعرف إلا بها عند من ابتلي بها - إلا من رحم الله -. وأكثر تلك الطرق تشترك في الزعم بأن الأولياء أرباب يدبرون، وآلهة يعبدون، واختراع القصص والشبهات لترسيخ ذلك عند الناس، والدعوة إلى قصد قبورهم ومشاهدهم للعكوف عندها، وعبادتهم، ودعائهم والاستغاثة بهم، وذكر الفضائل لذلك. كما تشترك تلك الطرق بالتعبد لله بالبدع والمحرمات، ونحو ذلك من الأعمال الشركية، والأحوال الخرافية. فبعدت الشقة كثيرا بينهم وبين هدي النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح، ومع ذلك فهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ويعادون دعاة التوحيد والسنة، الذين ينصحون الأمة أفرادا وجماعات إلى الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح. قَال ابن القيم ﵀: "ومن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قَبْرَ مُعظّم يعظمه الناس، ثم يجعله وثناً يُعبد من دون الله، ثم يُوحي إلى أوليائه: أن من نهى عن عبادته، واتخاذه عيداً، وجعله وثناً فقدْ تَنَقَّصَه، وهضم حقه، فيسعى الجاهلون المشركون في قتله وعقوبته ويكفّرونه. وذنبه عند أهل الشرك: أمره بما أمر الله به ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله: من

стр. 775

جعله وثناً وعيداً، وإيقاد السرج عليه، وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه، وإشادته وتقبيله، واستلامه، ودعائه، أو الدعاء به، أو السفر إليه، أو الاستعانة به من دون الله، مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله: من تجريد التوحيد به، وأن لا يُعبد إلا الله. فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية. وزعم أنهم لا حرمة لهم، ولا قدر. وسرى ذلك في نفوس الجهال والطغام، وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين، حتى عادَوْا أهل التوحيد، ورَمَوْهم بالعظائم، ونفّروا الناس عنهم. ووالَوْا أهل الشرك وعظموهم. وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله. ويأبى الله ذلك فما كانوا أولياءه، إنْ أولياؤه إلا المتبعون له الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا، لابسو ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"١. أسباب الشرك في عبادة الله: إن ضرب الأمثال لله باتخاذ الشركاء والأنداد له بالعبادة، له أسباب متعددة، من أهمها:
следующие страницы →