وقال: "قال شيخنا١: وهذه العلة - التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور - هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد"٢.
ثم بيّن ﵀ أن مما لَبَس الشيطان به على المشركين ممن ينتسب إلى دين الإسلام، اتخاذ القبور عيدا، مشابهة للمشركين قبل الإسلام.٣
ثم بين ما يجري في تلك الأعياد من المفاسد العظيمة، فقال: "ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ما يغضب لأجله كلّ مَن في قلبه وقار، وغيرة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك ...
стр. 772
فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التي كان عبَّاد الأوثان يسألونها أوثانهم.
فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار١ والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعاً سجداً يبتغون فضلا من الميت ورضواناً، وقد ملؤوا أكفهم خيبة وخسراناً، فلغير الله، بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويُطلب من الميت من الحاجات ويُسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام،
стр. 773
الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ١ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله مِن خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين.
فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجراً وافراً وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا، ولو بحجك كل عام"٢.
هذا ما كان على عهد ابن القيم ﵀ في القرن الثامن الهجري، أما في هذا الزمان، فقد استفحل الأمر واستقر على غير ما يرضي الله، حيث اختارت كل طريقة وليا لها فعلوا عند قبره من جنس ما ذكره ابن القيم، وتميزوا باسم لطريقتهم. وجعلوا لها - مما ابتدعوه - أعمالا وأذكارا تخصهم، ومناسك لحج مشاهدهم. وألفوا الكتب لبيان
стр. 774
طريقتهم، وفضائلها. وقامت لكل طريقة مدارس وعلماء ومراكز، وانتسب إليها خلق كثير من الناس. وأصبح الدين لا يعرف إلا بها عند من ابتلي بها - إلا من رحم الله -.
وأكثر تلك الطرق تشترك في الزعم بأن الأولياء أرباب يدبرون، وآلهة يعبدون، واختراع القصص والشبهات لترسيخ ذلك عند الناس، والدعوة إلى قصد قبورهم ومشاهدهم للعكوف عندها، وعبادتهم، ودعائهم والاستغاثة بهم، وذكر الفضائل لذلك. كما تشترك تلك الطرق بالتعبد لله بالبدع والمحرمات، ونحو ذلك من الأعمال الشركية، والأحوال الخرافية.
فبعدت الشقة كثيرا بينهم وبين هدي النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح، ومع ذلك فهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ويعادون دعاة التوحيد والسنة، الذين ينصحون الأمة أفرادا وجماعات إلى الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح.
قَال ابن القيم ﵀: "ومن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قَبْرَ مُعظّم يعظمه الناس، ثم يجعله وثناً يُعبد من دون الله، ثم يُوحي إلى أوليائه: أن من نهى عن عبادته، واتخاذه عيداً، وجعله وثناً فقدْ تَنَقَّصَه، وهضم حقه، فيسعى الجاهلون المشركون في قتله وعقوبته ويكفّرونه. وذنبه عند أهل الشرك: أمره بما أمر الله به ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله: من
стр. 775
جعله وثناً وعيداً، وإيقاد السرج عليه، وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه، وإشادته وتقبيله، واستلامه، ودعائه، أو الدعاء به، أو السفر إليه، أو الاستعانة به من دون الله، مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله: من تجريد التوحيد به، وأن لا يُعبد إلا الله. فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية. وزعم أنهم لا حرمة لهم، ولا قدر. وسرى ذلك في نفوس الجهال والطغام، وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين، حتى عادَوْا أهل التوحيد، ورَمَوْهم بالعظائم، ونفّروا الناس عنهم. ووالَوْا أهل الشرك وعظموهم. وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله. ويأبى الله ذلك فما كانوا أولياءه، إنْ أولياؤه إلا المتبعون له الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا، لابسو ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"١.
أسباب الشرك في عبادة الله:
إن ضرب الأمثال لله باتخاذ الشركاء والأنداد له بالعبادة، له أسباب متعددة، من أهمها:
стр. 776
ما تقدمت الإشارة إليه في كلام ابن القيم ﵀ من الغلو في الصالحين وتعظيمهم، وجعل الصور لهم، والبناء على قبورهم واتخاذها مساجد، مما أدى إلى عبادتهم، بقصد التقرب بهم إلى الله، ثم نسبوا إليهم التدبير، واتخذوهم أرباباً يستغيثون بهم، ويتوكلون عليهم، وهذا النوع كان به ابتداء الشرك كما حصل من قوم نوح، ولا يزال هو الأخطر في استمالة قلوب الجهال إلى الإشراك بالله.
ومن ذلك جهود شياطين الإنس والجن في التلبيس على الجهال بنشر الشبهات، وضرب الأمثال القائمة على المقايسات الفاسدة، لتسويغ الشرك، والاستدلال له. وإدخاله تحت أسماء إسلامية من باب لَبْس الحق بالباطل.
وهذا السبب جعل كثيراً من المنتسبين إلى العلم والعبادة من المتصوفة ونحوهم يقبلونه، ويتعبدون لله به، فانخدع بهم العامة، لما يرون عليهم من سيما العلماء والعباد.
وسيأتي الكلام على هذا المعنى في الفائدة القادمة.
ومن أسباب الشرك ما ذكره ابن القيم ﵀ بعد أن مهد لذلك بسؤال، فقال:"فإن قيل: فما الذي أوقع عبّاد القبور في الافتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟
قيل: أوقعهم في ذلك أمور:
стр. 777
منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل: من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم جدا من ذلك، ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، واستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا بقدر ما معهم من العلم.
ومنها: أحاديث مكذوبة مختلقة، وضعها أشباه عبّاد الأصنام: من المقابرية، على رسول الله ﷺ تناقض دينه، وما جاء به كحديث "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نَفَعَه"، وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام، وضعَها المشركون، وراجت على أشباههم من الجهال والضلال....
ومنها: حكايات حُكيت لهم عن تلك القبور: أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة، فقُضيت له، وفلان نزل به ضُر فاستوحى صاحب ذلك القبر، فكشف ضره. وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله على الأحياء والأموات"١.
وخلاصة هذه الفائدة:
أن النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى، في قوله تعالى ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا
стр. 778
لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ المراد به: النهي عن اتخاذ الشركاء، والأنداد معه - سبحانه - في العبادة، الذين يصرف لهم مثل ما لله من العبادة، فيُدعَوْن ويُعبدون بقصد الاستشفاع والتقرب بهم إلى الله تعالى. وذلك هو أصل الشرك وحقيقته.
ويستوي في ذلك الأصنام والأوثان الجامدة، والأحياء من الملائكة والأنبياء والأولياء والجن وغيرهم.
ودل السياق - الذي ورد فيه النهي عن ضرب الأمثال لله في سورة النحل على الصفات التي من توفرت فيه كان إلهاً مستحقاً للعبادة، ومن خلا منها فهو غير جدير بها أياً كان نوعه أو قربه من الله. وأهم تلك الصفات، هي:
١- أن يكون قادراً على الخلق.
٢- أن يكون رباً مدبراً قائماً بنفسه مقيماً لغيره، مالكاً للأمر، والرزق والنفع والضر.
٣- أن يكون حياً لا يجري عليه الموت.
٤- أن يكون متصفا بالكمال والغنى المطلق.
وأن من اتصف بأضداد تلك الصفات فذلك علامة على عدم صلاحيته للألوهية والعبادة.
كما تبين أن هذا النوع من ضرب الأمثال لله باتخاذ الشركاء لله في العبادة، قد وقع عند كثير ممن ينتسب إلى الإسلام قديماً وحديثاً، ونجح
стр. 779
الشيطان في اجتيالهم إليه. وصرفهم عن حق الله تعالى وإفراده بالعبادة.
وتمثل ذلك: في عبّاد القبور والأولياء من جهال المتصوفة وغيرهم، ممن يقصدون المشاهد والقبور الطاغوتية في أعيادها وغيرها فيعبدونها، ويتقربون بالمقبور فيها إلى الله زلفى، كما كان مشركو العرب يفعلونه عند أصنامهم.
كما تطرق الكلام في هذه الفائدة إلى أهم الأسباب التي أوقعت كثيرا من الناس في هذا النوع من الشرك، وهي:
١- الغلو في الصالحين، وتعظيمهم، واتخاذ الصور والتماثيل لهم، واتخاذ قبورهم مساجد، والبناء عليها، ونحو ذلك.
٢- جهود شياطين الإنس والجن في نشر الشبهات، وضرب الأمثال القائمة على الأقيسة الفاسدة، للاستدلال على الشرك، والتغرير بالجهال.
٣- الجهل بحقيقة ما جاء به النبي ﷺ من الدعوة للتوحيد، والكفر بالطاغوت، وقطع أسباب الشرك.
٤- الأحاديث المكذوبة التي يضعها دعاة الشرك.
٥- الحكايات والقصص التي ينشرها سدنة الطاغوت، من القائمين على القبور وغيرهم التي تنسب كشف الضر وجلب النفع إلى الأولياء الأحياء منهم والأموات، وتعلق قلوب الجهال بهم.
وغير ذلك من الأسباب.
стр. 780
الفائدة الثانية: النهي عن اتخاذ الأمثال لله، باعتقاد أن أحداً يماثل الله في ذاته أو أسمائه وصفاته.
والفرق بين هذا النوع من اتخاذ الأمثال والنوع الذي تقدم في الفائدة الأولى، أن أهل هذا النوع يزعمون أن لله نداً مماثلاً في الذات أو الصفات والأفعال. أما المشركون في النوع الأول فقد جعلوا له أنداداً في الألوهية دون اعتقاد مماثلة الله في الصفات أو الربوبية والأفعال.
وقد بين بعض المفسرين أن النهي عن ضرب الأمثال لله يشمل اتخاذ هذا النوع من الأنداد لله تعالى، فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ : "نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة خلقه أن يضربوا له الأمثال، أي يجعلوا له أشباها ونظراء من خلقه عن ذلك علوا كبيرا.
وبين هذا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢"٣
стр. 781
وتقدم١ في دلالة السياق أنه دل على أن المشركين من كفار قريش وغيرهم جعلوا لله مماثلا في الذات والصفة عندما زعموا أن الملائكة بنات الله.
وهذا النوع من الإلحاد والشرك قديم في الناس. ويدخل فيه أنواع كثيرة، منها:
كل من نسب لله - سبحانه - ولدا أو صاحبة، فهو جاعل لله ندا مكافئاً بالذات والصفات، كالنصارى الذين قَال الله فيهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوآ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلآَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢ وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوآ إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٣.
ومثلهم من زعم أن الملائكة بنات الله.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ٤.
стр. 782
وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ١.
ومن هذا النوع مَنْ زَعَم وجود إلهين، كما تزعم المجوس وجود إله هو النور يخلق الخير، وإله هو الظلمة يخلق الشر.
قَال الله تعالى في نفس السورة: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوآ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ٢.
ومن هذا الصنف: المشبهة الذي يشبهون صفات الخالق ﵎ بصفات المخلوق، ويزعمون أن حقيقة صفاته كصفات الإنسان، تعالى الله عن ذلك.
ومثلهم الذين يشبهون أحدا من المخلوقين بالخالق - سبحانه - كالقائلين بالحلول، وأن الله تعالى يحل ويتجلى في بعض خلقه، والقائلين بوحدة الوجود الذين يزعمون أن الله هو عين الأشياء - تعالى الله عن قول المبطلين علواً كبيراً.
ومن هذا النوع: اعتقاد أن أحدا من الخلق من نبي أو ولي أو جن أو
стр. 783
كوكب، أو غيره له شيء من التدبير والتصرف في الكون أو في شيء من المخلوقات، فقد جعل لله ندا مساويا له في أفعاله - سبحانه - التي دلت عليها أسماؤه وصفاته الفعلية.
بيان أن هذا الشرك يؤدي إلى الشرك في الألوهية:
إن المتقرر في دلالة العقول أن المساواة في الذات والصفات تعني المساواة في الاستحقاق العام والأحكام.
فكل من أثبت مشابها ونظيرا لله في ذاته أو شيء من صفاته وأفعاله، فقد جعل له شيئا من الألوهية، وأوجب له العبادة تعالى الله عن ذلك.
وعلى هذه القاعدة جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ ١.
ومعنى الآية:
"قل يا محمد إن ثبت لله ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته. ولكنه يستحيل أن يكون له ولد. وفيه نفي للولد على أبلغ وجه، وأتم عبارة، وأحسن أسلوب.
وهذا هو الظاهر من النظم القرآني ... ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره: إن ثبت ما تقول بالدليل فأنا أول من يعتقده ويقول به"٢.
стр. 784
فهذا النوع من الإلحاد - باعتقاد الأنداد لله المماثلين له بالذات أو شيء من الصفات - يؤدي إلى جعلهم أندادا له في الألوهية، وشركاء في العبادة.
ولهذا الاعتبار - وهو اقتناع الكثير من الناس أنه لا يعبد إلا من كانت له الربوبية، أو شيء منها، ويملك النفع، ودفع الضر لعابديه- لجأ شياطين الجن والإنس إلى الافتراء على الله، زاعمين أن بعض الخلق لهم تصرف في الكون، وأنهم خلفاء عن الله في تدبير ملكه وعباده، وأن بعض الأولياء هم مظهر صفات الله الأزلية، أو نور من نور ذاته، وأنهم ينفعون من شاؤوا ممن يتقرب إليهم ويعبدهم، ويضرون من شاؤوا، وأنهم يعلمون الغيب. وأن النجوم أرواح فعالة لها تأثير على الأرض ومن فيها؛ وغير ذلك من الأباطيل التي نسجوا لها القصص، وزخرفوها بالشبهات، ليغرروا بها الجهال.
قَال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ
стр. 785
هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ١.
وهذه المزاعم الباطلة والشبهات المزخرفة هي التي اجتالت كثيرا ممن ينتسب إلى الإسلام وغيرهم إلى الشرك وعبادة غير الله.
إبطال الله مزاعم المشركين:
وهذه القضية لم يبلغها كفار العرب الذين بُعث فيهم النبي ﷺ إلا أن الله يعلم ما سيحدثه المجرمون من شياطين الإنس والجن من ذلك؛ فضمن كتابه إبطال تلك المزاعم من أساسها.
فبيّن - سبحانه - أمور أساسية مَن تفرد بها كان متفرداً بالربوبية.
فأول هذه الأمور: أن ملك الكون بيده وحده.
وثانيها: أنه الخالق وحده.
وثالثها: أن الأمر الكوني - قوله للشيء كن فيكون - له وحده.
وبالخلق والأمر يتم تدبير الملك وتصريف شئون الكون وما فيه.
وإذا كان مالكاً لهذه الأمور وحده، وأن غيره ليس له شيء منها، استقام تبعا لذلك تفرده بالألوهية واستحقاق العبادة.
وبيّن - سبحانه - تفرده بهذه الأمور بأساليب مختلفة أذكر بعضها فيما يلي:
стр. 786
أدلة تفرد الله بالملك:
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
دل على تفرده بالملك تقديم ما حقه التأخير، حيث قدم الجار والمجرور ﴿بِيَدِهِ﴾ ليفيد اختصاصه بالملك.
وقال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
دل على اختصاصه بالملك - سبحانه - تقديم ما حقه التأخير ﴿لَهُ﴾ وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ ٣.
ثم أتبعها سبحانه بإقرارهم بتفرده بالخلق في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَألتَْهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤ فهذه ثلاثة أدلة
стр. 787
على بطلان ألوهية غير الله، وإثبات تفرد الله بها:
(الأول) أن الله - تعالى - ليس له ولد.
(الثاني) أنه متفرد بالملك.
(الثالث) أنه متفرد بالخلق.
وقد جمع الله بين هذه الأمور التي تدل على ربوبية من اتصف بها، واستحقاقه وحده للعبادة المستلزمة أن من خلا منها ليس له شيء من الربوبية، فلا يستحق أن يُعبد. فهي قاطعة لمادة الشرك، لذلك عاب الله من يعبد من لا يتصف بهذه الأوصاف وليس له شيء من الربوبية، ورد هذا في قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ ١.
لذلك قال: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢: أي كيف يُصرَفون عن الاعتبار بهذه
стр. 788
الأدلة المانعة للشرك في عبادة الله، الموجبة له العبادة وحده لتفرده بالملك والخلق والربوبية.
ومن أدلة تفرده سبحانه بالملك قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
دل على تفرده بالملك تقديم ما حقه التأخير ﴿لِلَّهِ﴾ .
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٢، دل على تفرده بالملك نفي الشريك.
ومن ذلك أنه سبحانه نفى أن يكون لأحد ممن زعم أنه إله أو يستحق أن يعبد شيء من الملك فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ... ٣
стр. 789
أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَآءُ﴾ ١ وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ ٢ فالمراد ملك الدنيا من الرئاسة والزعامة على بعض البلاد والعباد، وليس المراد ملك التصرف وتدبير الكون، ويدل على ذلك سياق آية سورة البقرة حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوآ أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ المَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
وبهذا تستقر الخطوة الأولى في قطع الطريق على من يزعم أن الله أعطى ملك التصرف في الكون لأحد من الخلق، بإثبات تفرده بالملك بأساليب كثيرة متنوعة قاطعة، وأنه لا يشرك في ملكه أحدا، وأن كل من عُبد من دونه فهو لا يملك من ملك الله شيئا، فليس له شيء من الربوبية، فلا يستحق شيئا من العبادة.
стр. 790
أدلة تفرد الله بالخلق والأمر:
إن هاتين الصفتين لله تعالى هما أهم خصائص الربوبية، فمن كان خالقا، يوجد من العدم، ويبرأ الخلق، ويصرف شؤون الكون، وكان مالكا للأمر الكوني، يقول للشيء كن فيكون كما شاء، فهو الرب الحق، المستحق للعبادة.
فالتدبير وتصريف أمور الكون والعباد يجري بأمر الله وخلقه، لذا جمع الله بينهما في نحو قوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
فذكر سبحانه تفرده بالخلق والأمر، وذكر ربوبيته للعالمين، ليدل على أنه يرب العالمين ويدبرهم بأمره وخلقه.
كما جمع - تعالى - بين الخلق والأمر والتدبير في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنْ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنْ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢.
стр. 791
وفي قوله: ﴿فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الحَقُّ﴾ ، بيان لهذا المعنى، من أن من كان الملك بيده، وهو الخالق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وتدبير الأمر له وحده، فهو الرب حقا. ومن ليس له ذلك فغير كائن رباً بل مربوباً.
وكل أفعال الله تعالى التي يرب بها العالمين، ويصرف بها شؤون الخلق أجمعين راجعة إلى هاتين الصفتين: يأمر بما أراد من ذلك، ويخلقه كما أراد؛ وأمره وخلقه هو تدبيره للأمر.
وعلى هذا فليس غريبا أن يأتي بيان تفرد الله بالخلق والأمر كثيرا في القرآن الكريم، وبمختلف الأساليب الدالة عليه، إذ أن مَن مَلَكَ شيئاً منها كان له حظ من الربوبية، واستحق لذلك العبادة. لذا جاء البيان قوياً وحاسماً بشتى صروف القول، التي تختلف في أسلوبها وتتفق في دلالتها على تفرد الله بالخلق والأمر، وبذلك يكون هو الرب وحده، والإله المعبود وحده.
أدلة تفرد الله بالخلق:
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١ دل على تفرد الله بالخلق لفظ ﴿كُلِّ﴾ فكل شيء
стр. 792
مخلوق فالله خالقه، فما بقي شيء لغير الله يخلقه.
وهذه الآية وردت في سياق ذكر الله فيه أن المشركين ضربوا له هذا النوع من الأمثال: حيث جعلوا له شركاء الجن، وزعموا أن له بنين وبنات، وردّ الله هذه المزاعم بتنزيه نفسه عن ذلك، وبيان أن كل من سواه فهو مخلوق وهو خالقه، بما في ذلك من زعموا أنه شريك أو ابن له، فهو متفرد بالخلق، والتدبير، فهو إذاً الرب حقاً. وهو المستحق للعبادة وحده. قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١.
ومن أدلة تفرده بالخلق قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٢ دل على تفرده بالخلق لفظ "جميع" الذي يعم كل ما في الأرض.
стр. 793
ومن ذلك قوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ١.
دل على التفرد أسلوب التحدي المتضمن لنفي أن يكون أحد ممن عبد من دون الله خالقاً لشيء، وتعجيز من يعبدهم، أن يثبت خلاف ذلك.
ومن الأساليب الدالة على تفرد الله بالخلق ما تقدم في قوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ حيث دل على التفرد تقديم ما حقه التأخير ﴿لَهُ﴾ .
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢ دل على تفرد الله بالخلق: الاستفهام الإنكاري الذي يفيد نفي وجود خالق غير الله يرزق العباد، وهذه القضية مسلّمة عند المخاطب، فالاستفهام هو بداية الحجة من أمر يسلم به الطرفان. فإقرار المخاطب بتفرد الله بالخلق والرزق يلزمه بإفراده بالألوهية وعبادته وحده، لذلك قَال في ختام الآية: ﴿لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
стр. 794
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ .
ومن أدلة تفرد الله بالخلق ما ورد من نفي القدرة على الخلق عن من أُلِّه أو عبد من دون الله. كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ﴾ ٢.
وهذا الخبر في قوله ﴿لَنْ يَخْلُقُوا﴾ يتضمن التحدي، لأنه يفيد عدم قدرتهم في وقت مخاطبتهم به، وبعده طالما يوجد من يزعم أو يُزعَم له أنه رب أو إله. وهو معجزة دالة على صدق النبي ﷺ ، وأن هذا القرآن من عند الله، وذلك أن تحقق موجب هذا الخبر واتضاح عجزهم شاهد على ذلك.
ولذلك سمى الله هذا الخبر مثلاً، حيث نصبه للعقول لتستدل به على
стр. 795
تفرد الله بالخلق، واستحقاقه للعبادة، وعلى ضعف تلك الآلهة المزعومة، وعجزها عن الخلق، وعدم صلاحيتها للألوهية، وتستدل به على صدق الرسالة، وأن القرآن حق من عند الله.
وأدلة تفرد الله بالخلق كثيرة، وليس القصد استقصاءها، وإنما بيان أن الله تعالى أولى هذا الأمر أهمية بالغة ليقطع الطريق على دعاة الشرك الذين يزخرفون الشبهات لنسبة التدبير والتصرف لغير الله تعالى، فالمسلم الذي يستقر مدلول هذه الآيات ونحوها في قلبه، يكتسب اعتقادا راسخا بتفرد الله بالخلق فلا يغتر بتلك الشبهات الباطلة.
أدلة تفرد الله بالأمر الكوني:
أمر الله الكوني١ هو كلامه الذي يأمر به المخلوقات بما أراد خلقه وإيجاده. قَال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.
فأمره هو قوله الذي يخلق به كما قَال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
стр. 796
فأمر الله الكوني له علاقة وطيدة بالخلق والربوبية فمن كان مالكا للأمر الكوني، يقول للشيء كن فيكون، فهو المالك للتدبير وهو الرب حقاً.
لذلك جاءت أدلة تفرد الله بالأمر كثيرة، وبأساليب متنوعة، فمن ذلك، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١.
دل على التفرد لفظ "كل" الدال على استغراق ملك الله لجميع أفراد الأمر، ومثله قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢ دل على تفرد الله بالأمر أمران:
(الأول) تقديم ما حقه التأخير ﴿إِلَيْهِ﴾ الذي يدل على اختصاص الله بملك الأمر الكوني، وما يحدث به.
(الثاني) لفظ "كل".
وفي قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ دليل على أن من كان مالكا للأمر
стр. 797
الكوني هو المستحق للعبادة، وأن يتوكل عليه العبد، وذلك أنه هو الرب المدبر.
ومن أدلة تفرد الله بالأمر الكوني قوله سبحانه: ﴿بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ ١.
فتقديم ما حقه التأخير ﴿لِّلّهِ﴾ ولفظ ﴿جَمِيعًا﴾ يدل على تفرد الله بالأمر الكوني وأن كل ما يحدث في الكون من الحوادث والنوازل والمصائب السارة أو الضارة إنما هو بأمر الله تعالى، كما قَال سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.
ومن ذلك ما تقدم في قوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٣.
ومن ذلك قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٤.
قال ابن كثير ﵀ مبينا دلالة هذه الآية على تفرد الله بالأمر:"ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكمة في الدنيا والآخرة له
стр. 798
وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ، أي بل الأمر كله إليَّ"١.
وهذه الآية مع دلالتها على تفرد الله بالأمر تبطل مزاعم المشركين بأن الله أعطى أولياءه والمقربين إليه شيء من الأمر والتدبير.
وذلك: أن الآية دلت على أن النبي محمد ﷺ خاتم الرسل، وأفضل الخلق وأقربهم من الله منزلة، ليس له شيء من أمر الله الكوني، الذي يدبر به المخلوقات، فدل على أن غيره من الأنبياء والأولياء ونحوهم - الذين هم دونه - ليس لهم شيء من أمر الله من باب أولى.
وفيما تقدم من الآيات كفاية في بيان تفرد الله بالأمر، وأهمية معرفة ذلك في رسوخ التوحيد.
وهذا البيان لتفرد الله بالملك والخلق والتدبير يُردّ به على كل من يزعم أن الله يعطي ملكه من يشاء، وأنه أعطى بعض أوليائه والمقربين إليه الخلق والتصرف في الكون أو بعضه.
كما يرد بأدلة تفرد الله بالأمر على كل من يقول: إن الله هو مالك الملك والخالق المتصرف، ويزعم أن الله يخلق ويوجد بأمر المقرَّب منه من ولي أو نبي أو نحوه، فهو يأمر بما أراد، والله يخلق لأمره.
стр. 799
خلاصة هذه الفائدة:
أن النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى، في قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ يتضمن بالدرجة الأولى النهي عن إثبات المماثل لله في ذاته أو شيء من صفاته وأفعاله، وأن اعتقاد شيء من ذلك يؤدي إلى اتخاذ الشركاء مع الله في العبادة.
كما تبين أن شياطين الإنس يغرون الناس، حيث يوهمونهم أن لبعض الخلق من الأنبياء أو الأولياء أو غيرهم شيئاً من الربوبية، أو المماثلة لصفات الله تعالى، ليؤلهوهم لأجل ذلك الاعتقاد ويصرفوا لهم العبادة.
لذلك كان البيان الواضح المتكرر لاستقلال الله وتفرده بالربوبية، وتفرده بأهم خصائصها من الملك والأمر، والخلق وإبطال أي زعم يسند أي شيء من ذلك لغير الله، كي يستقر اعتقاد تفرد الله بالألوهية، واستحقاقه وحده للعبادة في قلوب العباد، ويقطع الطريق على المجرمين دعاة الشرك.
стр. 800
الفائدة الثالثة: النهي عن ضرب الأمثال القولية الفاسدة لله تعالى.
تقدم١ عند دراسة المراد بالنهي عن ضرب الأمثال لله تعالى، في قوله ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ ، أن النهي يشمل ما يضربه المشركون من الأمثال القولية ليستدلوا بها على شركهم، وما هم عليه من الدين الباطل، وليعارضوا بها ما جاء به النبي ﷺ .
وتلك الأمثال التي يستدل بها المشركون، وعامة الجاهلين التي تقوم على القياس الفاسد، يقتدون فيها بإمام الضلال إبليس - لعنه الله - حيث إنه أول من قاس معارضا أمر الله تعالى.
قَال محمد بن سيرين٢ ﵀: "القياس شؤم، وأول من قاس إبليس فهلك، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس"٣.
стр. 801
والقياس الإبليسي الفاسد المهلك، هو الذي يكون مع وجود النص. "مثل قياس إبليس نفسه على عنصره الذي هو النار، وقياسه آدم على عنصره الذي هو الطين، واستنتاجه من ذلك أنه خير من آدم ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ ، يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار"١.
قَال ابن القيم ﵀: "إن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة [إبليس لعنه الله] ، فهو أول من عارض السمع بالعقل وقدّمه عليه، فإن الله لما أمره بالسجود لآدم عارض أمره بقياس عقلي"٢.
وهو "قياس في مقابلة النص، والقياس إذا صادم النص وقابله كان قياساً باطلاً، ويسمى قياساً إبليسياً"٣.
"ولما علم الشيخ [إبليس أعاذنا الله منه] أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل، وعلم أنه لا شيء أبلغ في مناقضة الوحي والشرع وإبطاله من معارضته بالمعقول، أوحى إلى تلامذته، وإخوانه من الشبهات الخيالية
стр. 802
ما يُعارَض به الوحي، وأوهم أصحابه وتلاميذه أنها قواطع عقلية، وقال: إن قدمتم الوحي عليها فسدت عقولكم.
قَال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١.
ومن المعلوم أن وحيهم إنما هو شُبَه عقلية"٢.
نماذج من الأمثال الفاسدة المضروبة لله:
تقدمت٣ الإشارة - عند الكلام على دلالة السياق - إلى بعض الأمثال التي ضربها المشركون الذين بُعث فيهم النبي ﷺ مما يغني عن إعادتها.
ومن الأمثال الفاسدة التي ضربها الفلاسفة ودعاة الشرك للاستدلال على جواز اتخاذ الآلهة للتوسل والتقرب بها إلى الله:
أولاً: قولهم: "إن إله العالم أَجَلّ من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك"٤.
стр. 803
قَال ابن كثير ﵀: "وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءت الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - بردّها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ ١، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُون﴾ ٢.
وأخبر أن الملائكة التي في السماوات - من الملائكة المقربين وغيرهم - كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبَوْه، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ ٣، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"٤.
стр. 804
ثانياً: ومن الأقيسة الخبيثة، ذلك المثَل الذي ضربه أبو حامد الغزالي ليستدل به على تأليه البشر، وحلول نور الله في الإنسان، وأنه يكون بذلك النور رباً مدبراً، يعلم الغيب.
وذلك أنه ضرب نور القمر- الذي ينتشر على الأرض، وينفذ من كوة في الدار وينعكس على مرآة - مثلا لنور ذات الله الذي ينفذ إلى القلب، فيكون في الإنسان شيء من الألوهية، تنكشف له به المغيبات، ويملك التصرف بما شاء من الكون.
قَال محقق كتاب "مشكاة الأنوار" للغزالي: "هذه هي الخطوة الثالثة في تجريد النور، إذ نحن الآن بإزاء نور ليس من أنوار هذا العالم، بل من أنوار عالم الملكوت الذي منه القرآن....
ثم إن أنوار عالم الملكوت التي تقتبس منها الأنوار الأرضية بحسب قربها وبعدها من منبع النور الأول الذي يمثله الغزالي بضوء القمر عندما يدخل في كوة بيت فيقع على مرآة منصوبة على حائط، ثم ينعكس على مرآة على حائط آخر، ثم ينعطف على الأرض فينيرها....
وهذا النور الحق هو الذي بيده الخلق والأمر"١.
"وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام عالم السفل، كما بالنور الملكي
стр. 805
ظهر نظام عالم العلو"١.
فهو يزعم أن العالم السفلي - الأرض ومن عليها - يظهر نظامها بنور الإنسان.
ويؤيد هذا قوله - المتقدم٢- الذي أفضى به إلى الإمام أبي بكر بن العربي حيث قَال له: "فإن للنفس قوة تأثير موجدة ... وقد تزيد بصفائها واستعدادها، فتعتقد إنزال الغيث وإنبات النبات، ونحو ذلك من معجزات خارقات للعادة، فإذا نطقت به كان على نحوه"٣.
فهو يزعم - وأقبح به من زعم - أن الإنسان يدبر الخلق والأمر بما هو أسفل منه بما معه من نور إلهي، فالخالق إذاً هو الله وحده! إذ إن نوره المتجلي في الإنسان هو الذي تم به الخلق!
وهذا كفر لم يصل إليه كفر إبليس الذي أُمر للسجود لآدم فأبى، فهو وإن شابهه في كون كلا القياسين فاسداً معارضاً للأمر الصريح، والبيان الواضح من الله تعالى، إلا أن قياس الغزالي، أشد منه ضلالاً من وجوه، من أهمها:
стр. 806
(الأول) أن الغزالي ضرب مثل "نور القمر" ليستدل به على الشرك، وتأليه البشر، وإبطال دين الله من أساسه بينما الشيطان قاس ليتهرب من التكليف بدافع الاستكبار.
(الثاني) أن الغزالي زخرف قوله ولبسه ليكون أقوى في التغرير بالناس، وإخراجهم من النور إلى الظلمات.
وهذه النتيجة التي رتبها الغزالي على هذا المثَل وغيره هي أشد كفرا وأبعد في الضلال من كفر النصارى، الذين زعموا أن اللاهوت (الجزء الإلهي) حل في الناسوت (الإنسان) ، وذلك أن النصارى زعموا ذلك في عيسى ﵇، وهو جعله متاحا لكل إنسان غير محجوب بزعمه.
وهذا الزعم الفاسد مردود بالأدلة التي لا تحصى المبينة لتفرد الله بالأمر، والخلق، والملك، والألوهية، وأن غيره مهما كانت منزلته عند الله فهو لا يملك من ذلك من شيء، وقد تقدم بعض تلك الأدلة في المبحث السابق.١
ثالثاً: من الأمثال الفاسدة التي يضربها أهل الضلال لمعارضة دين الله ومخالفة ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ذلك المثَل الذي ضربه أبو حامد الغزالي - أيضا - ليدلل به على أمور خطيرة، منها:
стр. 807
١- أن الحقائق والمعارف الحق التي يستفيدها الأنبياء والأولياء وغيرهم من أهل التصوف لا تكون بتعلم العلم، وإنما بالكشف والفيض. وأن طريق المعرفة الصحيح هو ترك العلم والإقبال على تحصيل ذلك.
٢- أن النبوة تحصل بهذا الطريق، وليست خاصة بالأنبياء، بل هي متاحة لكل من سلك الطريق الذي زخرفه.
٣- أن الأنبياء والأولياء الذين وصلوا حد المكاشفة يعلمون الغيب، وينكشف لهم كل ما في اللوح المحفوظ.
وقد قدم للمثل الذي ضربه لذلك بتمهيدات، منها قوله وهو يتكلم عن طريقة الصوفية:
"فلذلك لا يشتغلون بدراسة العلم، بل يشتغلون بتصفية القلب، وقطع العلائق ... ثم تفويض الأمر إليه، فهو أعلم بما يكشف لقلوبهم من الأنوار والألطاف، وهو طريق الأنبياء والأولياء، فإنهم لم يحصلوا العلوم والحقائق بالمدارسة ... "١.
وزعم أنهم بهذه الطريقة ينكشف لهم ما في اللوح المحفوظ حيث قَال: "واعلم أن القلب إذا كان كالمرآة الصقيلة المجلوة، وقد علمت قبل ذلك أن حقائق الأشياء منقوشة في اللوح المحفوظ، فمهما ارتفع الحجاب،
стр. 808
وكانت المرآة في محاذاة اللوح المحفوظ انكشف فيه حقائق العلوم ... "١.
وهذه المزاعم الخبيثة الباطلة، المعارضة لدين الله، والمؤيدة لدين الشيطان، لم يجد عليها دليلا صحيحا - وأنى له ذلك - فعمد إلى إيراد مثل مزخرف يستدل به لهذه الأباطيل فقال:
"ونحن نبين الفرق بين التعلم والتصوف بمثال في حكاية: قد حُكي أن أهل الصين وأهل الروم، تباهوْا بين يدي بعض الملوك بحسن النقش والصور، فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة، تنقش أهل الصين منها جانبا، وأهل الروم جانبا، ويرخى بينهما حجاب يمنع اطلاع كل فريق منهم على صاحبه، ففعل ذلك، وجمع أهل الروم غرائب الأصباغ، ودخل أهل الصين يصقلون جانبهم، فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أنهم أيضا قد فرغوا، فتعجب الملك منهم! وقال: كيف الفراغ ولم تأتوا بشيء من الأصباغ؟
فقيل: ما عليكم من ذلك، ارفعوا الحجاب وتأملوا. ففعلوا ورفع الحجاب، فإذا عجائب الأصباغ والألوان والنقوش، تزهر وتتلألأ بزيادة بريق وصفاء. إذ كانوا هم يصقلون ما دام غيرهم ينقش.
فالصوفية يصقلون، والعلماء ينقشون، فما ينكشف لهم بزيادة، ووراء ما يحصله العلماء، ينكشف لهم أمور لا يتصور إليها بتكلف
стр. 809
التعلم"١.
وإن الإنسان ليعجب من عالم يريد بيان الدين للناس، يعرض عن كتاب الله وآياته البينات، وأمثاله المفصلات، إلى حكايات وتخرصات، لا تعدو كونها من زخرف القول الذي تلقيه شياطين الجن على من أعرض عن هدي الله.
قَال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ ٢.
وقد جمع بأمثاله وزخرف قوله بين القول على الله بلا علم، والكذب عليه، ومعارضة دينه، والصد عن سبيله.
قَال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ ٤.
стр. 810
وهذه الأباطيل أفضل ما يُردّ عليها به، ذكر النصوص الثابتة المحكمة التي تدل على خلاف ما قرره بتلك الأمثال الباطلة والدعاوي العارية عن البرهان.
وليس المقصود حصر تلك الأدلة، وإنما ذكر بعضها مما يفي بالغرض - إن شاء الله - من بيان بُعد الضاربين لتلك الأمثال عن هدي الكتاب والسنة، ومعارضتهم لما دلا عليه من الحق. ويكون فيما يلي:
أ- زعمه أن الحقائق لا تعرف بالتعلم، وأن الأنبياء كذلك.
فيرد عليه بالأدلة التي تدل على أن النور والهداية، والعلم، والخروج من الضلال، ومعرفة سبل السلامة إنما هي بتعلم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن من تمسك بالكتاب والسنة فلن يضل أبدا.
وقد تقدم ذكر بعضها عند دراسة مثل النور.١
ومن أشملها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
وقوله: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ