(الأول) أن الغزالي ضرب مثل "نور القمر" ليستدل به على الشرك، وتأليه البشر، وإبطال دين الله من أساسه بينما الشيطان قاس ليتهرب من التكليف بدافع الاستكبار.
(الثاني) أن الغزالي زخرف قوله ولبسه ليكون أقوى في التغرير بالناس، وإخراجهم من النور إلى الظلمات.
وهذه النتيجة التي رتبها الغزالي على هذا المثَل وغيره هي أشد كفرا وأبعد في الضلال من كفر النصارى، الذين زعموا أن اللاهوت (الجزء الإلهي) حل في الناسوت (الإنسان) ، وذلك أن النصارى زعموا ذلك في عيسى ﵇، وهو جعله متاحا لكل إنسان غير محجوب بزعمه.
وهذا الزعم الفاسد مردود بالأدلة التي لا تحصى المبينة لتفرد الله بالأمر، والخلق، والملك، والألوهية، وأن غيره مهما كانت منزلته عند الله فهو لا يملك من ذلك من شيء، وقد تقدم بعض تلك الأدلة في المبحث السابق.١
ثالثاً: من الأمثال الفاسدة التي يضربها أهل الضلال لمعارضة دين الله ومخالفة ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ذلك المثَل الذي ضربه أبو حامد الغزالي - أيضا - ليدلل به على أمور خطيرة، منها:
стр. 807
١- أن الحقائق والمعارف الحق التي يستفيدها الأنبياء والأولياء وغيرهم من أهل التصوف لا تكون بتعلم العلم، وإنما بالكشف والفيض. وأن طريق المعرفة الصحيح هو ترك العلم والإقبال على تحصيل ذلك.
٢- أن النبوة تحصل بهذا الطريق، وليست خاصة بالأنبياء، بل هي متاحة لكل من سلك الطريق الذي زخرفه.
٣- أن الأنبياء والأولياء الذين وصلوا حد المكاشفة يعلمون الغيب، وينكشف لهم كل ما في اللوح المحفوظ.
وقد قدم للمثل الذي ضربه لذلك بتمهيدات، منها قوله وهو يتكلم عن طريقة الصوفية:
"فلذلك لا يشتغلون بدراسة العلم، بل يشتغلون بتصفية القلب، وقطع العلائق ... ثم تفويض الأمر إليه، فهو أعلم بما يكشف لقلوبهم من الأنوار والألطاف، وهو طريق الأنبياء والأولياء، فإنهم لم يحصلوا العلوم والحقائق بالمدارسة ... "١.
وزعم أنهم بهذه الطريقة ينكشف لهم ما في اللوح المحفوظ حيث قَال: "واعلم أن القلب إذا كان كالمرآة الصقيلة المجلوة، وقد علمت قبل ذلك أن حقائق الأشياء منقوشة في اللوح المحفوظ، فمهما ارتفع الحجاب،
стр. 808
وكانت المرآة في محاذاة اللوح المحفوظ انكشف فيه حقائق العلوم ... "١.
وهذه المزاعم الخبيثة الباطلة، المعارضة لدين الله، والمؤيدة لدين الشيطان، لم يجد عليها دليلا صحيحا - وأنى له ذلك - فعمد إلى إيراد مثل مزخرف يستدل به لهذه الأباطيل فقال:
"ونحن نبين الفرق بين التعلم والتصوف بمثال في حكاية: قد حُكي أن أهل الصين وأهل الروم، تباهوْا بين يدي بعض الملوك بحسن النقش والصور، فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة، تنقش أهل الصين منها جانبا، وأهل الروم جانبا، ويرخى بينهما حجاب يمنع اطلاع كل فريق منهم على صاحبه، ففعل ذلك، وجمع أهل الروم غرائب الأصباغ، ودخل أهل الصين يصقلون جانبهم، فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أنهم أيضا قد فرغوا، فتعجب الملك منهم! وقال: كيف الفراغ ولم تأتوا بشيء من الأصباغ؟
فقيل: ما عليكم من ذلك، ارفعوا الحجاب وتأملوا. ففعلوا ورفع الحجاب، فإذا عجائب الأصباغ والألوان والنقوش، تزهر وتتلألأ بزيادة بريق وصفاء. إذ كانوا هم يصقلون ما دام غيرهم ينقش.
فالصوفية يصقلون، والعلماء ينقشون، فما ينكشف لهم بزيادة، ووراء ما يحصله العلماء، ينكشف لهم أمور لا يتصور إليها بتكلف
стр. 809
التعلم"١.
وإن الإنسان ليعجب من عالم يريد بيان الدين للناس، يعرض عن كتاب الله وآياته البينات، وأمثاله المفصلات، إلى حكايات وتخرصات، لا تعدو كونها من زخرف القول الذي تلقيه شياطين الجن على من أعرض عن هدي الله.
قَال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ ٢.
وقد جمع بأمثاله وزخرف قوله بين القول على الله بلا علم، والكذب عليه، ومعارضة دينه، والصد عن سبيله.
قَال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ ٤.
стр. 810
وهذه الأباطيل أفضل ما يُردّ عليها به، ذكر النصوص الثابتة المحكمة التي تدل على خلاف ما قرره بتلك الأمثال الباطلة والدعاوي العارية عن البرهان.
وليس المقصود حصر تلك الأدلة، وإنما ذكر بعضها مما يفي بالغرض - إن شاء الله - من بيان بُعد الضاربين لتلك الأمثال عن هدي الكتاب والسنة، ومعارضتهم لما دلا عليه من الحق. ويكون فيما يلي:
أ- زعمه أن الحقائق لا تعرف بالتعلم، وأن الأنبياء كذلك.
فيرد عليه بالأدلة التي تدل على أن النور والهداية، والعلم، والخروج من الضلال، ومعرفة سبل السلامة إنما هي بتعلم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن من تمسك بالكتاب والسنة فلن يضل أبدا.
وقد تقدم ذكر بعضها عند دراسة مثل النور.١
ومن أشملها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
وقوله: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ
стр. 811
سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. ونحوها كثير.
ب - أما زعمه أن الأنبياء لم يعرفوا الحقائق بالتعلم فيرده قول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ٢.
وقوله سبحانه في حق عيسى بن مريم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ ٣.
وقال تعالى مبينا أن جميع الأنبياء يدعون الناس إلى توحيد الله في ربوبيته، وألوهيته، ويأمرونهم أن يكونوا ربانيين يدرسون كتب الله
стр. 812
- تعالى - ويعملون بها، ويخلصون في عبادته: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلآئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وقد بين الله تعالى أن ما نزل من العلم في القرآن الكريم بصائر للناس، وأنه يهدي للطريق القويم والصراط المستقيم، حيث قَال: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢.
وقال: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ٣.
وعلّم الله نبيه القرآن وبينه له، كما قَال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ٤.
وأمره الله باتباعه والعمل به فقال:
стр. 813
﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ المُشْرِكِينَ﴾ ١.
فبيّن سبحانه أن القرآن الذي أنزله قد جاء يبصر الناس ببيان الحق وحججه وبراهينه، وأنه تعالى صَرَّف الآيات وبيّن مراده في كتابه ليتعلمه قوم فيعملون به ويتبعونه أسوة بنبيهم ﷺ الذي أمر باتباع ما أنزل عليه من الكتاب والحكمة.
أما المشركون المعاندون فيزعمون أنه ليس وحياً من الله وإنما تعلمه الرسول ودرسه ودارس به الأمم السابقة من اليهود والنصارى.٢
فهم ينكرون الوحي وأن يكون القرآن من عند الله.
وليس بعيداً عنهم من ينكر أن العلم يكون بما أنزل على الرسول من الوحي من الكتاب والسنة. فالمقصود من إنزال القرآن وتعليم السنة هو العلم الدال على الصراط المستقيم.
وهذا الأمر - وهو أن العلوم والحقائق الدينية إنما تؤخذ من الكتاب والسنة - أمر معلوم من الدين بالضرورة، لا يختلف فيه أحد من أهل
стр. 814
السنة، وإنما دعت الحاجة إلى الاستدلال له لوجود هذه الأباطيل المزخرفة لإبطاله.
جـ- زعمه أن النبوة مكتسبة متاحة لكل من سلك الطريق الذي زخرفه.
وهذا يرد عليه بالنصوص الدالة على اصطفاء الله من شاء من عباده فآتاهم الكتاب والحكمة والنبوة، ومن أجمع ما دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوآ أَنْتُمْ وَلآ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ١.
ومن فوائد هذه الآيات وما بعدها مما يردّ هذه المزاعم الباطلة ما يلي:
стр. 815
١- أن الله بين أن أولئك الذين هداهم واجتباهم للنبوة آتاهم كتباً فيها هدى ونور، وأنهم بتعلمها وتعليمها حصل لهم من العلوم ما لم يكونوا يعرفونه هم ولا آباؤهم.
٢- قوله ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ .
يدخل فيه من زعم أن النبوة يكتسبها الأنبياء وغيرهم بنور ينفذ إلى قلوبهم دون أن يتعلموا كتابا من الله، فهم يزعمون أن لا حاجة إلى ما أنزله الله، وأن الهداية تحصل بدونه "فما قدروا الله حق قدره".
٣- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ ، وقوله بعد ذلك: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ١ فيه دلالة على أن الله ينزل على أنبيائه كتباً هي نور وهداية لما فيها من العلم الذي يهتدون به ويهدون، وليس الذي ينزل على الأنبياء نوراً من نور ذات الله، يفيض عليهم كما يفيض نور القمر على ما يقابله، وتكون النبوة بذلك النور كما يزعمه هذا الضال.
٤- قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ
стр. 816
أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ١.
يدخل فيها الضاربون لهذا المثَل ونحوه والقابلون له، من جهتين:
(الأولى) أنهم كذبوا على الله حيث قَرَّروا ما يعارض دينه بأمثال فاسدة، وأقوال مزخرفة.
(الثانية) أنهم زعموا لأنفسهم أو لغيرهم أنهم يتلقون بالفيض والكشف من جنس ما يتلقى الأنبياء، فيشملهم قوله تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ .
ويرد أيضا على هذا الزعم - أنه يحصل بالكشف لأهله من جنس ما يحصل للأنبياء - ما ورد من أن الله ختم النبوة بمحمد ﷺ كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢.
قَال ابن كثر ﵀: "وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة،
стр. 817
فإن كل رسول نبي ولا ينعكس"١.
وقال ﷺ : "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قَال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"٢.
قَال ابن حجر ﵀ وهو يذكر ما يستفاد من الحديث: "وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام، وفضل النبي ﷺ على سائر النبيين، وأن الله ختم به المرسلين، وأكمل به شرائع الدين"٣.
د- أما زعمه أن الأنبياء والأولياء يعلمون الغيب المكنون في اللوح المحفوظ، فهذا باطل مردود بنصوص الوحي المحكمة، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ٤.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا
стр. 818
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١.
وقال ﷺ مبينا أن هذه الأمور المذكورة في الآية من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله: ".... في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... ﴾ الآية.٢
وقال تعالى: ﴿قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ﴾ ٤.
وقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلآ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥.
стр. 819
وقال سبحانه مبينا حال رسوله ﷺ : ﴿قُلْ لآ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
فهذا البيان من الله تعالى عن حال أفضل رسله وأقربهم منه منزلة وأفضل البشر وأصفاهم قلبا وأكملهم تقوى ونوراً، وأنه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ولا يعلم الغيب.
وذلك المفتري على الله يزعم بأمثاله الإبليسية أن في قلوب الأنبياء والأولياء نوراً يدبرون به الأرض ومن فيها ويعلمون به الغيب، وأن قلوبهم ينطبع فيها ما في اللوح المحفوظ!!
فيا لها من جسارة على معارضة كتاب الله، والقول على الله بلا علم.
وليس الغرض إيراد هذه الأمثال الفاسدة للرد عليها، وإنما ذكر نماذج تدل على مخالفة بعض من انتسب للإسلام والعلم للنهي الإلهي عن ضرب الأمثال، واختراعهم لتلك الأمثال التي ضل بها كثير من الناس.
خطورة الأمثال الفاسدة:
إن الأمثال القياسية الفاسدة من أسباب ضلال الناس وانحرافهم عما
стр. 820
جاء به الأنبياء من الدين الحق.١
قَال شارح العقيدة الطحاوية٢: "وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق. كما قَال عبد الله بن المبارك٣- رحمة الله عليه -:
رأيت الذنوب تميت القلوب
وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك
وأحبار سوء ورهبانها
فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله. وأحبار السوء وهم العلماء الخارجون على الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل
стр. 821
ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك.
والرهبان، وهم جهال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق، والمواجيد، والخيالات، والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه ﷺ والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان، وحظوظ النفس"١.
وقال ابن تيمية ﵀ مبينا وقوع بعض من يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان في أنواع من الضلال بسبب القياس الفاسد: "والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه ... والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة، وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود.
فظنوا أنه هو، فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء - أو أن يكون إياه، أو متحدا به، أو حالا
стр. 822
فيه - من الخالق مع المخلوق. فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها، حتى ظنوا وجودها وجوده، فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه"١.
والأمثال الضالة القائمة على القياس الفاسد - التي أشرت إلى طرف منها - أثرت في التلبيس على كثير من المنتسبين إلى العلم والعبادة والزهد من المتصوفة وغيرهم، فسوغت لهم الشرك، وتأليه البشر، وعبادتهم.
وكانت تلك الأمثال وزخرف القول وما أضيف إليها، وما بني عليها بمثابة الأدلة على تلك الأحوال الشركية، والجسور لربطها ونسبتها إلى الإسلام.
قَال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئا آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا٢ ومن أخذ عنه
стр. 823
كصاحب١ الكتب المضنون بها وغيرها، ذكروا معنى الشهادة على أصلهم فإنهم لا يقرون، بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءَهم. فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرف أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه، كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم، بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية فيقولون: إن الإنسان إذا أحب رجلا صالحا قد مات لا سيما إن زار قبره، فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك - بل وقد لا يعلم الروح المستشفعة بها بذلك.
ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإذا قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليها من شعاع تلك المرآة، فهكذا الشفاعة عندهم، وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم.
стр. 824
وفي هذا القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره"١.
قوله ﵀: "كما ذكر ذلك ابن سينا ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيرها"، يشير إلى أن أبا حامد الغزالي أخذ عن ابن سينا هذه الزخارف الجاهلية، وقد تقدم ذكر مزاعم الغزالي٢، وبالمقارنة بينها وبين ما ذكره شيخ الإسلام عن ابن سينا يتبين أن الغزالي اقتبس الفكرة والمثَل، وغَيَّر في ذلك أن جعل النور الفائض هو نور الله - تعالى عن ذلك - على النفوس العلوية المقابلة له، حتى يصل إلى الإنسان، كما غَيَّر في المثَل حيث ضرب مثلاً بنور القمر بينما ابن سينا ضرب مثلا بنور الشمس ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ ٣.
ويدل - أيضا - على أن هذه الأفكار والمزاعم مأخوذة عن الفلاسفة الملاحدة٤، وهي أبعد ما تكون عن هدي الأنبياء، وذلك يدل
стр. 825
على شناعة ما فعله الغزالي وغيره، من نسبتها إلى الدين، ومحاولة ربطها بمثل النور١ وغيره من الآيات.
قوله: "فيقولون: إن الإنسان إذا أحب رجلا صالحا قد مات لاسيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم، أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة ... ".
هذه الدعوى المزخرفة المدعومة بمثل انعكاس الضوء في المرآة - العارية من البرهان إلا مجرد الظن، والرجم بالغيب - أضافت مستمسكا آخر لعباد القبور، ودعاة الشرك، الناسبين الربوبية والألوهية إلى البشر من الأولياء وغيرهم، وسهلت عليهم اقتناص كثير من العباد،
стр. 826
والمتعلمين الذين تلقوا علومهم من كتب أولئك المعظَّمِين الضُّلال، فانخدعوا بهم وانخدع بهؤلاء المنتسبين إلى العلم والعبادة خلق كثير من جهال العوام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فقصدت القبور - بهذه الشبهة - لكي تفيض على زائريها من أنوار وبركات المقبور، وتنال حظها مما ينعكس عليها من أنوار النفوس أو العقول العلوية – بزعمهم - ويظنون أن ذلك نوع من أنواع الشفاعة.
وما أقرب حال هؤلاء إلى من وصفهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ١.
ولاشك أن هذه الأمثال الباطلة - التي يضربها المجرمون لمعارضة التوحيد الذي هو أساس الدين، ويرسخوا بها الفتنة بالشرك وعبادة الأموات من أعظم المحادة لله ورسوله ﷺ وهي داخلة في النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى، بقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ .
لذلك قَال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وفي هذا القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على مَنْ تدبَّره".
стр. 827
نفاة الصفات، وضرب الأمثال لله:
إن نفاة صفات الله تعالى من سائر طوائف المتكلمين ارتكزوا في نفيها عن الله تعالى على شبهة أن إثباتها يؤدي إلى مشابهة المخلوق، إذ إنهم زعموا أن ظاهر نصوص الصفات حقيقته هي صفة المخلوق. فضلالهم نشأ من قياسهم صفات الله تعالى على صفات المخلوق، وهذا قياس فاسد.
وجعلوا صفات المخلوق مماثلة لما تدل عليه ظواهر النصوص المثبتة لصفات الله. فنفوا الصفات عن الله تعالى خوفا من إثبات ما يماثل صفة المخلوق. فهم كما قال عنهم أهل العلم: مثلوا ثم عطلوا.
قَال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل:
أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات. فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولاً، وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله "١.
стр. 828
فهؤلاء المعطلة لصفات الباري ﵎ ضربوا لصفات الله أمثالا في عقولهم، هي صفات المخلوقين، وأخذوا يقايسون ما وردت به النصوص من صفات الله على تلك الأمثال، فأدى بهم ذلك إلى رد تلك النصوص بعدم قبول ما دلت عليه، وتأويلها تأويلات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، وكان عليهم من البداية أن يستجيبوا لقول الله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فيقبلوا ما أثبت الله لنفسه على ما يليق به، دون اعتقاد مشابهة الخلق، على حد قوله - سبحانه - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١.
وهذا المنهج - المتمثل في مقايسة صفات الله بصفات المخلوقين مما يؤدي إلى استحالتها ونفيها عن الله - قد حصل جنسه عند المشركين من كفار قريش.
وذلك أنهم أحالوا البعث بعد الموت بناء على اعتقادهم أن لا أحد يستطيع إعادة الحياة إلى العظام البالية بالقياس إلى مقدرتهم.
قَال الله تعالى مبينا ذلك منهم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا
стр. 829
الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
وقال - سبحانه -: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٢.
قَال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينا ما يتضمنه هذا المنهج من المفاسد: "وهو أن كثيرا من الناس يتوهم في بعض الصفات - أو كثيرٍ منها أو أكثرها أو كلها - أنها تماثل صفات المخلوقين. ثم يريد أن ينفي ذلك الَّذِي فهمه، فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
(أحدها) : كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
(الثاني) أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله، بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السّيّئ الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهمه من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عطّل ما أودع الله
стр. 830
ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى.
(الثالث) أن ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب.
(الرابع) أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات. فيكون قد عطّل به صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثّله بالمنقوصات والمعدومات. وعطّل النصوص عما دلت عليه من الصفات. وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع - في كلام الله وفي الله - بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدا في أسماء الله وآياته"١.
طريقة العلماء الراسخين في إثبات الصفات:
العلماء الراسخون هم الذين يتبعون ما أنزل الله من البينات والهدى، وينتهجون نهج سلف الأمة في الاستمساك بما دل عليه الكتاب والسنة في أمور الدين، ومن ذلك باب الأسماء والصفات.
قَال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينا الأصل الذي يسيرون عليه في باب الأسماء والصفات: "فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما
стр. 831
وصفه به رسله نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، ويَنفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته. فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته. كما قَال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٢. .. الآية.
فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل، كما قَال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٣. ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
стр. 832
شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ : رد للإلحاد والتعطيل"١.
وعلى هذا فالألفاظ المثبتة لصفات الله في نصوص الكتاب والسنة، تدل على ثبوت الصفات على ما يليق بالله، بحقائق لا تماثل صفات المخلوقين.
ومن فهم منها ما يماثل صفة المخلوق فهو مخطئ، ومن زعم أنها لا تدل إلا على ذلك فهو ضال.
قَال الإمام نعيم بن حماد٢ ﵀: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها"٣.
فطريقة أهل العلم الراسخين - المقتدين بالسلف الصالح والأئمة المهديين - أنهم يثبتون ما أثبت الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ على ما يليق به، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، ولا يضربون له الأمثال
стр. 833
ليعارضوا بها ما دل عليه كتابه وسنة رسوله ﷺ ، أو ليقايسوا صفاته بصفات المخلوقين، وإذا أوردوا الأمثال فإنما يوردونها ليؤيدوا ما دل عليه الكتاب والسنة، وما ثبت لله من أوصاف الكمال، ويستخدمون في ذلك قياس الأولى.
قَال الإمام ابن تيمية ﵀: "فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات - كما دلت على ذلك الآيات البينات - كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات. والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثيل له، بل له المثَل الأعلى، فلا يجوز أن يشرك هو والمخلوقات في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثَل الأعلى. وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه"١.
وخلاصة هذه الفائدة:
أن النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى في قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ ، يشمل النهي عن ضرب الأمثال القياسية الفاسدة، التي يضربها
стр. 834
المشركون الجاهلون، التي تؤدي إلى جعل أنداد لله من خلقه، في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أي شيء من خصائصه، مما يؤدي إلى تأليه البشر أو غيرهم من المخلوقات، واتخاذهم أربابا.
ويشمل النهي - أيضا - كل مثل باطل أورده المشركون لتسويغ ما هم عليه من الشرك، أو لمعارضة شيء مما جاء به النبي ﷺ من الهدى والنور.
كما يشمل النهي: طريقة المتكلمين نفاة الصفات الذين جعلوا صفات المخلوقين أمثالا تقاس عليها صفات الباري ، فلذلك عطلوا الصفات خوفا من التشبيه.
ولا يشمل ذلك الأمثال الصحيحة التي يوردها أهل العلم، الجارية على قاعدة إثبات المثَل الأعلى لله تعالى، وقياس الأولى: من أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالله أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص، فالخالق أولى بالتنزيه عنه.
كما تبين خطورة الأمثال الفاسدة، وأن أكثر ضلال الناس وتلبسهم بالشرك والكفر، وصدهم عن الحق، إنما كان بسبب الأمثال الضالة، والأقيسة الفاسدة.
كما تبين أن بعض المنتسبين للإسلام والعلم قد خالفوا ما نهى الله عنه من ضرب الأمثال له سبحانه، وخاضوا كخوض الضالين ممن قبلهم من الفلاسفة الملحدين، وضربوا أمثالا معارضين بها ما دل عليه كتاب الله
стр. 835
وسنة رسوله ﷺ ومؤسسين للشرك وتأليه البشر بزخرف من القول وزور.
وتضمن الكلام على هذه الفائدة ذكر نماذج لتلك الأمثال الضالة التي ضلوا بها وأضلوا، ونتج عنها وعن غيرها من الشبهات انخراط الكثير ممن ينتسب إلى الإسلام من المتصوفة ونحوهم في أوحال الشرك والبدع وصنوف الضلال، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. والله أعلم.
стр. 836
الفصل الثاني: في ثبوت تفرد الله بالمثل الأعلى ونماذج مما جرى على قياس الأولى من الأمثال
المبحث الأول: في دلالة السياق الذي ورد فيه إثبات المثل الأعلى لله تعالى
*
...
المبحث الأول: في دلالة السياق الذي ورد فيه إثبات المثل الأعلى لله تعالى
لقد ورد إثبات المثل الأعلى لله - تعالى - في موضعين في القرآن الكريم:
الأول: في سورة "النحل" في قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١.
والثاني: في سورة "الروم" في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وسأذكر دلالة كل سياق على حدة في المطلبين القادمين.
стр. 837
المطلب الأول: في دلالة السياق من سورة "النحل" الذي ورد فيه ثبوت المثل الأعلى لله تعالى .
تقدم الكلام على أهم القضايا التي ناقشتها سورة "النحل" في معرض الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ في المبحث الأول من الفصل السابق.١
وقوله تعالى: ﴿وَللهِ المثَلُ الأعْلَى وَهُو العَزيزُ الحَكِيم﴾ ٢، جاءت في أثناء ذلك السياق الذي تميز بقوة البيان لمعالم التوحيد وأدلة تفرد الله بالألوهية، والرد على المشركين، وتفنيد شبهاتهم، فكانت هذه الآية جزءاً من ذلك البيان، عَرَّفت بالله الإله الحق تعريفاً مجملاً، إلا أنه كاف في الدلالة على استحالة جعل الأمثال لله من أي نوع كان، ولذلك نهى فيما تلاها من الآيات عن ضرب الأمثال له سبحانه بقوله: ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
ولعل من المفيد أن أعيد خلاصة ما دل عليه السياق من سورة
стр. 838
"النحل" الذي تقدم عند الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ ، لأهمية استحضار تلك الدلائل لفهم المراد بقوله تعالى: ﴿وَللهِ المثَلُ الأعْلَى﴾ ، وحاصل ما تقدم هو١:
١- بيان أن التوحيد باعتقاد تفرد الله بالألوهية، وإفراده بالعبادة، والكفر بالطاغوت، هو الغاية التي أنزل الله لأجلها كتبه، وأرسل رسله. وبين السياق أدلة التوحيد، وفضل أهله، وعاقبتهم الحميدة في الدنيا والآخرة.
٢- ذم المشركين، وإبطال الشرك، وبيان سوء عاقبته في الدنيا والآخرة.
٣- دلالة السياق على أن المشركين من كفار قريش وغيرهم جعلوا لله مماثلا في الذات والصفة عندما زعموا أن الملائكة بنات الله.
٤- دلالته على أنهم جعلوا له مماثلا في الألوهية، عندما اتخذوا من دونه شركاء يدعونهم، ويعبدونهم، ويجعلون لهم نصيبا مما رزقهم الله.
٥- ما علم من حالهم من استعانتهم بضرب الأمثال في معارضتهم لما جاء به النبي ﷺ والاستدلال لما هم عليه من الشرك.
٦- نهي الله تعالى عن ضرب الأمثال السيئة له - سبحانه - من أي نوع
стр. 839
كانت. سواء ما ضرب له من الأمثال في الذات والصفات، وما ضرب منها في الألوهية واستحقاق العبادة، وما يضرب له في الربوبية والأفعال، والأمثال القولية التي تضرب للمحاجة والجدال لمعارضة الحق، والتدليل على صحة الشرك.
٧- بين السياق العلة من النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى، وأن ذلك لأمرين هامين:
(الأول) أن المشركين جاهلون بالله - سبحانه - وما له من الصفات، وبحقه ودينه، وكل ما ضربوه من الأمثال في ذلك فهو جهل وضلال صادر عن الظن وهوى النفوس قال تعالى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .
(الثاني) تفرده - سبحانه - بالمثَلِ الأعْلَى، والكمال المطلق، فهو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢. فلا يوجد في حقيقة الأمر من يكون مماثلا لله فيضرب مثلا له، لا في ذاته وصفاته، ولا في ربوبيته وأفعاله، ولا في ألوهيته وحقه على عباده، ولا في علمه وشرعه وهديه.
стр. 840
قَال تعالى: ﴿وَللهِ المثَلُ الأعْلَى وَهُو العَزيزُ الحَكِيم﴾ .
٨- بيان دلائل الحق على تفرده بالمثَلِ الأعْلَى، وأنه إله واحد لا شريك له في ألوهيته أو ربوبيته وصفاته، وذلك بالإكثار من ذكر أسمائه وصفاته، وأفعاله، ومظاهر ربوبيته.
٩- إبطال ما اخترعه المشركون من الحجج الباطلة، والأمثال والقياسات الفاسدة، ليصححوا بها ما هم عليه من الشرك والكفر، ويعارضوا ما جاءهم من الهدى والبينات.
ومن هذا الاستعراض لخلاصة ما دل عليه السياق الذي ورد فيه إثبات المثل الأعلى لله تعالى يتضح أن قول الله تعالى: ﴿وَللهِ المثَلُ الأعْلَى وَهُو العَزيزُ الحَكِيم﴾ ذُكرت لتسهم في بيان القضايا التي ناقشها السياق، وهي تقرير التوحيد بإثبات تفرد الله بخصائص الألوهية والربوبية، وإبطال الشرك واتخاذ الأنداد لله تعالى.
فقوله تعالى: ﴿وَللهِ المثَلُ الأعْلَى وَهُو العَزيزُ الحَكِيم﴾ لها علاقة في الدلالة على تفرد الله بالألوهية والربوبية وخصائصهما، واستحالة وجود الأمثال، والأنداد له في حقيقة الأمر.
ويؤكد هذه النتيجة السياق القريب من قوله تعالى: ﴿وَللهِ المثَلُ الأعْلَى﴾ ، حيث إن الآيات التي سبقتها مباشرة، استعرضت أنواعاً من
стр. 841
الشرك بالله، بدأت بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوآ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ١.
وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٤.
وهذا الاعتبار مع تأكيده لما تقدم يدل على أن المراد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ هم جميع من تقدم، إذ أن الجميع اشتركوا في الكفر بالآخرة، والكذب على الله، ونسبوا له ما لا يليق به، من الأمثال والأنداد والشركاء والبنات.
وأكتفي بهذا بالنسبة لسياق سورة "النحل" حيث سبق الكلام على دلالته في الفصل السابق كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
стр. 842
المطلب الثاني: دلالة السياق من سورة "الروم" الذي ورد فيه إثبات المثل الأعْلَى لله تعالى .
إن النظرة العامة لسورة "الروم" التي ورد فيها قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، تبين أنه يمكن تقسيم السورة إلى قسمين باعتبار القضايا التي تطرقت لها السورة، وأن الحد الفاصل بين القسمين هو الآية التي ورد فيها إثبات المثَلِ الأعْلَى لله تعالى، والتي تقع في منتصف السورة تقريبا.
وذلك أن السورة ركزت على قضيتين هامتين وما يتصل بهما، وهما:
(الأولى) قضية البعث بعد الموت، وذكر أدلته.
(الثانية) قضية التوحيد، والأمر بإقامة الدين الخالص والاجتماع عليه، والتحذير من الشرك، وإبطاله.
وركز القسم الأول من السورة على القضية الأولى، والقسم الثاني على القضية الثانية، وإن كان كل قسم لا يخلو من الإشارة إلى كلا القضيتين، وجاءت آية الوسط التي ورد فيها قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ لتربط بين القضيتين بأسلوب عظيم، ومعان دقيقة تبرز عظمة القرآن وبديع نظمه وإعجازه.
стр. 843
وسأستعرض فيما يلي دلالة الأسلوب في كل من القسمين، وعلاقة الآية التي ورد فيها إثبات المثَلِ الأعْلَى لله بكل منهما. والله المستعان.
أولا: دلالة القسم الأول من السورة:
سورة "الروم" من السور المكية التي غلب عليها مجادلة مشركي قريش خاصة في أمر توحيد الألوهية، والبعث بعد الموت، ووجوب إخلاص الدين لله ومن الله، ونحوها من قضايا الاعتقاد.
وقد بدأ السياق في التعرض لذلك بذكر مجمل للقضيتين المشار إليهما قريبا: قضية البعث بعد الموت وما يتصل بها، وقضية التوحيد والنهي عن الشرك وما يتصل بها، وهما القضيتان اللتان أنكرهما كفار قريش وغيرهم من العرب أشد الإنكار.
قَال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١.
ثم ذكر سبحانه مصير الفريقين من المؤمنين والمشركين يوم القيامة.
стр. 844
مبيناً أن الذين وحدوا الله وعبدوه وآمنوا بالبعث بعد الموت جزاؤهم الجنة، وأن الكافرين الذين أشركوا بالله، وكذبوا بالبعث ولقاء الله جزاؤهم النار. ثم أخذت الآيات تناقش القضية الأولى، قضية البعث بعد الموت، حيث ذكر الله دلائل إمكان البعث العقلية.
ومضمار الاستدلال هي آيات الربوبية، وما يشاهده الناس من آثار أفعاله سبحانه، وقد كثر ذكر دلائل الربوبية في القسم الأول من السورة بغرض الاستدلال على قدرة الله على البعث.
فقد ذكر الله ما يدل على شمول ربوبيته، وأهم خصائصها من الملك، والخلق، والأمر الكوني التي يتم بها تدبير الكون وما فيه.١
أشار سبحانه إلى تفرده بالملك بقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٢.
وإلى الأمر الكوني بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إِذَآ أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ٣.
стр. 845
وقبل ذلك بقوله: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ١.
أما حديث الآيات عن صفة الخلق، ومظاهرها في الكون، فقد كان واسعا في ذلك السياق لأمرين:
الأول: أن البعث بعد الموت - الذي يستدل له بتلك الآيات - من آحاد تلك الصفة.
الثاني: ما تقدم من أن جميع صفات الله الفعلية المتعلقة بربوبية الله وتدبيره للخلائق تعود إلى صفة الخلق.٢
وقد بدأ - سبحانه - السياق للاستدلال للبعث بعد الموت بما يشاهد من آثار خلقه بقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
وختمه بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٤.
وقد تقدم بيان ما يدل عليه مثل هذا الأسلوب. وخلاصته: