← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الشرك بالله، بدأت بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوآ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ١. وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٢. وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ٣. وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٤. وهذا الاعتبار مع تأكيده لما تقدم يدل على أن المراد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ هم جميع من تقدم، إذ أن الجميع اشتركوا في الكفر بالآخرة، والكذب على الله، ونسبوا له ما لا يليق به، من الأمثال والأنداد والشركاء والبنات. وأكتفي بهذا بالنسبة لسياق سورة "النحل" حيث سبق الكلام على دلالته في الفصل السابق كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.

стр. 842

المطلب الثاني: دلالة السياق من سورة "الروم" الذي ورد فيه إثبات المثل الأعْلَى لله تعالى . إن النظرة العامة لسورة "الروم" التي ورد فيها قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، تبين أنه يمكن تقسيم السورة إلى قسمين باعتبار القضايا التي تطرقت لها السورة، وأن الحد الفاصل بين القسمين هو الآية التي ورد فيها إثبات المثَلِ الأعْلَى لله تعالى، والتي تقع في منتصف السورة تقريبا. وذلك أن السورة ركزت على قضيتين هامتين وما يتصل بهما، وهما: (الأولى) قضية البعث بعد الموت، وذكر أدلته. (الثانية) قضية التوحيد، والأمر بإقامة الدين الخالص والاجتماع عليه، والتحذير من الشرك، وإبطاله. وركز القسم الأول من السورة على القضية الأولى، والقسم الثاني على القضية الثانية، وإن كان كل قسم لا يخلو من الإشارة إلى كلا القضيتين، وجاءت آية الوسط التي ورد فيها قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ لتربط بين القضيتين بأسلوب عظيم، ومعان دقيقة تبرز عظمة القرآن وبديع نظمه وإعجازه.

стр. 843

وسأستعرض فيما يلي دلالة الأسلوب في كل من القسمين، وعلاقة الآية التي ورد فيها إثبات المثَلِ الأعْلَى لله بكل منهما. والله المستعان. أولا: دلالة القسم الأول من السورة: سورة "الروم" من السور المكية التي غلب عليها مجادلة مشركي قريش خاصة في أمر توحيد الألوهية، والبعث بعد الموت، ووجوب إخلاص الدين لله ومن الله، ونحوها من قضايا الاعتقاد. وقد بدأ السياق في التعرض لذلك بذكر مجمل للقضيتين المشار إليهما قريبا: قضية البعث بعد الموت وما يتصل بها، وقضية التوحيد والنهي عن الشرك وما يتصل بها، وهما القضيتان اللتان أنكرهما كفار قريش وغيرهم من العرب أشد الإنكار. قَال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١. ثم ذكر سبحانه مصير الفريقين من المؤمنين والمشركين يوم القيامة.

стр. 844

مبيناً أن الذين وحدوا الله وعبدوه وآمنوا بالبعث بعد الموت جزاؤهم الجنة، وأن الكافرين الذين أشركوا بالله، وكذبوا بالبعث ولقاء الله جزاؤهم النار. ثم أخذت الآيات تناقش القضية الأولى، قضية البعث بعد الموت، حيث ذكر الله دلائل إمكان البعث العقلية. ومضمار الاستدلال هي آيات الربوبية، وما يشاهده الناس من آثار أفعاله سبحانه، وقد كثر ذكر دلائل الربوبية في القسم الأول من السورة بغرض الاستدلال على قدرة الله على البعث. فقد ذكر الله ما يدل على شمول ربوبيته، وأهم خصائصها من الملك، والخلق، والأمر الكوني التي يتم بها تدبير الكون وما فيه.١ أشار سبحانه إلى تفرده بالملك بقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٢. وإلى الأمر الكوني بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إِذَآ أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ٣.

стр. 845

وقبل ذلك بقوله: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ١. أما حديث الآيات عن صفة الخلق، ومظاهرها في الكون، فقد كان واسعا في ذلك السياق لأمرين: الأول: أن البعث بعد الموت - الذي يستدل له بتلك الآيات - من آحاد تلك الصفة. الثاني: ما تقدم من أن جميع صفات الله الفعلية المتعلقة بربوبية الله وتدبيره للخلائق تعود إلى صفة الخلق.٢ وقد بدأ - سبحانه - السياق للاستدلال للبعث بعد الموت بما يشاهد من آثار خلقه بقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣. وختمه بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٤. وقد تقدم بيان ما يدل عليه مثل هذا الأسلوب. وخلاصته:

стр. 846

"وهذه الطريقة: وهي أن يبدأ السياق الذي يضم جملة من الآيات: ويختم بنفس المعنى مع التقارب في الألفاظ، له دلالة هامة، حيث يدل على أن ما بين الآيتين - المبدوء والمختوم بها - يتكلم عن قضية واحدة أو أن ما يذكر في ذلك السياق له علاقة بالمعنى المشترك بين آيتي البدء والختام. وهذه الطريقة من روائع البيان القرآني. وقد تكررت في القرآن في مواضع لبيان قضايا هامة"١. "وهذا الأسلوب جدير بأن يراعى في التفسير على أساس أن ما بين الآيتين - المبدوء والمختوم بهما - يتكلم عن قضية واحدة، أو له علاقة بالمعنى الذي دلت عليه آيتا البدء والختام"٢. وسوف يتكرر هذا الأسلوب في هذه السورة - سورة الروم - في القسم الثاني من السياق، في بيان قضية هامة أخرى، هي قضية التوحيد، والأمر بالاستمساك بها، وبما تستلزمه من الأعمال الصالحة، والتحذير من الشرك والعصيان، وبيان عاقبة التوحيد الحسنة في الدنيا والآخرة، وعاقبة الشرك والعصيان السيئة في الدنيا والآخرة. وقد تضمنت الآيات المحصورة بين آيتي البدء والختام في القسم الأول من السورة، ذكر الأدلة العقلية على البعث بعد الموت، بما يشاهد

стр. 847

من آثار ربوبية الله وخلقه. واشتمل هذا المقطع من السياق على ثلاثة أنواع من الأدلة العقلية هي: الأول: القياس التمثيلي، المتمثل بتشبيه بعث الناس بعد موتهم بحياة الأرض بعد موتها. قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنْ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنْ الحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ١. الثاني: قياس الأولى، المتمثل في أن من كان قادرا على خلق الأعظم فقدرته على ما دونه في الخلق تكون من باب أولى. وذلك أن الله ذكر خلق السموات والأرض وما فيهما من المخلوقات العظيمة - التي هي أعظم من إعادة خلق الناس، وبعثهم من قبورهم - وذكر قيامهما بأمره - سبحانه - فتكون إعادة خلق الناس، وقيامهم بأمره واقع من باب أولى. قَال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ

стр. 848

تَخْرُجُونَ﴾ ١. الثالث: قياس الأولى. المتمثل فيما استقر في العقول، مِنْ أنّ مَنْ صنع شيئاً، فإنه يكون قادراً على إعادة صنعه من باب أولى وهي أهون عليه. فلو طبقوا هذه القاعدة المستقرة في عقولهم لتوصلوا إلى إثبات إمكان البعث، إذ أن المعيد للخلائق هو الذي خلقهم أول مرة، فعلى ذلك الحكم عندهم يكون أهون عليه، وإن كان الله تعالى كل شيء عنده هين.٢ قَال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٣. نوع القضيتين المستدل بها ولها: لقد جرى الاستدلال في الأدلة العقلية القياسية المتقدمة من أجل إثبات قضية مشتركة هي البعث بعد الموت، أو إعادة خلق الناس يوم

стр. 849

القيامة. أما القضايا المستدل بها، فهي مختلفة. ففي الدليل الأول هي: إعادة خلق النبات بعد موته. وفي الثاني: قدرة الله على خلق السموات والأرض ومن فيهن وتدبير أمورهم بأمره الكوني. وفي الثالث: خلق الناس أول مرة. ويلاحظ - وهذا أمر هام - أن كلّ القضايا المستدل لها والمستدل بها هي آحاد لصفتي الخلق والقدرة لله تعالى. وهذا يدل على أن مشركي العرب يثبتون لله صفة الخلق، لكنهم لا يثبتون له كمالها وشمول قدرة الله وخلقه لكل شيء. وهذا المعنى قد بينه الله من حالهم في صفة أخرى، هي صفة العلم، حيث قَال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلآ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُون َ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الخَاسِرِينَ﴾ ١. وهذا هو السر - والله أعلم - في كثرة الآيات التي تبين إحاطة

стр. 850

علمه بكل شيء، وخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١. وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. وتكررت بلفظها ومعناها كثيرا جداً. وهذه حالهم في كثير مما أقروا به لله تعالى؛ حيث يقرون بربوبية الله لكن يجادلون في البعث بعد الموت مثلا وهو من آحادها. ويقرّون بألوهية الله، ويصرفون له أنواعاً من العبادة، لكنهم يجعلون له الشركاء في العبادة. ويقرون بصفة العلم، لكنهم يظنون أنه لا يعلم كثيراً مما يعملون. ولذلك ونحوه قَال الله عنهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٤. وهذا القصور في معرفة الله وحقه، كان من أهم أسباب ضلالهم

стр. 851

وترديهم. ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الخَاسِرِينَ﴾ ١. ونتيجة هذا الاعتبار هي: دلالة السياق على أن مشركي العرب ونحوهم يصفون الله بصفات موافقة في أصلها لما هو ثابت لله تعالى، إلاّ أنهم لا يبلغون في إثباتها ما يليق بالله تعالى. فهم يثبتون لله من تلك الصفات أدنى مما هو ثابت له سبحانه، والله تعالى يبين لهم أن له المثَلَ الأعْلَى وأن له من تلك الصفات كمالها الذي لا يدانيه فيها غيره سبحانه، ولا يعجزه معه شيء. فقال سبحانه: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم﴾ . كما يستنتج من دلالة السياق: أنه نتج عن جهلهم بالله وما تولد عنه من ظنون سيئة، تكذيبهم بالبعث بعد الموت، بسبب الأقيسة الفاسدة التي قاسوا بها صفات الله تعالى على صفاتهم أو على ما يشاهدونه ويعقلونه، فزعموا بذلك أن لا أحد يقدر على إعادتهم إذا أرموا. والله تعالى يبين لهم في مقابل ذلك، الأقيسة الصحيحة، الدالة على البعث، وتوجب لمن تأملها استشعار عظمة الله وعظمة صفاته. ويلفت

стр. 852

الانتباه بتلك الأمثال، وبقوله تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ : إلى أن كل مثل صحيح يوافق ما هو ثابت له سبحانه من الكمال الأعلى في صفاته وأفعاله، مما دل عليها الكتاب والسنة، فهو له سبحانه، منسوب إليه، وهو أولى به. ومما تقدم تبين علاقة قوله تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ بما تقدمها من بيان صفات الله، وعظمتها، وآثار ربوبيته المستدل بها على البعث بعد الموت، وما ورد من الأقيسة المضروبة لذلك الجارية على قياس الأولى. ويؤكد هذه العلاقة ذكر واحد من أحد تلك الأدلة العقلية في نفس الآية التي أثبت الله فيها لنفسه المثَل الأعْلَى وهي قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . خلاصة ما دل عليه هذا الجزء من السياق: تبين أن القسم الأول من سياق سورة "الروم" ناقش قضية البعث بعد الموت التي أنكرها مشركو العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ بالتركيز على ذكر الدلائل العقلية على إمكان البعث. وكان محور الاستدلال على ذلك هو مظاهر ربوبية الله، وآثار أفعاله التي يشاهدها الناس، وذكر أهم خصائص الربوبية من تفرد الله بالملك، والأمر الكوني، والخلق والتدبير،

стр. 853

التي توجب لمن تأملها القطع بقدرة الله العظيمة على كل شيء، وأنه لا يعجزه شيء، ومن ذلك البعث بعد الموت. وقد ذكر في هذا السياق ثلاثة أدلة عقلية على إمكان البعث بعد الموت هي: ١- القياس التمثيلي: بقياس إمكان إحياء الناس بعد موتهم على ما يشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها. ٢- قياس الأَولى: المتمثل بكون القادر على خلق العظيم وتدبيره كالسموات والأرض وما فيهما، قادر على خلق ما دون ذلك كبعث الناس من باب أولى. ٣- قياس الأَولى: المتمثل في أن الذي خلق الناس أول مرة يكون قادراً على إعادة خلقهم مرة أخرى من باب أولى. واستنتج من هذه الأدلة أن القضية المستدل لها، والقضايا المستدل بها جميعها من آثار صفة الخلق. مما يدل على أن المشركين يثبتون لله أصل صفة الخلق، لكن لا يثبتون له كمالها وشمولها، وأن الله قادر على خلق كل شيء يريده سبحانه. وهذه حالهم في كثير مما يثبتونه لله كالألوهية والعلم، ونحوها. فهم يثبتون لله من تلك الصفات أدنى مما هو ثابت له - سبحانه -. والله تعالى يبين لهم أن له المثل الأعْلَى، وأن له من تلك الصفات وغيرها من صفات الكمال كمالها الذي لا يدانيه فيها غيره، ولا يعجزه معها شيء.

стр. 854

كما يستنتج من السياق: أن الله تعالى ضرب لهم تلك الأدلة العقلية المتضمنة للقياس الصحيح ليبطل تلك الأقيسة الفاسدة التي توصلوا بها إلى التكذيب بالبعث حيث قاسوا قدرة الله على الخلق على أنفسهم، وما يشاهدونه من أن من مات لا يعود. ويوجب لهم تأمل تلك الأدلة القطع بأن الله على كل شيء قدير، وأن البعث عليه يسير. كما يلفت الانتباه - سبحانه - بتلك الأمثال المضروبة، والأدلة المعقولة إلى أن كل مثل صحيح يوافق ما هو ثابت له سبحانه من الكمال فهو له، ينسب إليه، ويجوز أن يضرب له وهو أولى به. والله أعلم.

стр. 855

ثانيا: دلالة القسم الثاني من سياق سورة "الروم": تقدم أن سورة "الروم" خصصت للكلام على قضيتين وما يتصل بهما، هما: ١- قضية البعث بعد الموت، وتطرق لها السياق في القسم الأول من السورة، وتقدم الكلام عليه. ٢- قضية التوحيد، والأمر بإقامة الدين الخالص والاجتماع عليه، والتحذير من الشرك وإبطاله، وجرى بيان ذلك في القسم الثاني من سياق السورة. وهذا القِسم من السياق يبدأ من الآية التي انتهى بها القِسم الأول من السورة وهي قوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم﴾ . وتقدم في الكلام على القسم الأول أن قوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ لها علاقة بالقضية التي جرى بيانها في أول السورة، قضية البعث بعد الموت، كما لها علاقة بالقضية التي جرى بيانها في القسم الثاني من السورة قضية التوحيد وإبطال الشرك، وتقدم في الكلام على القسم الأول بيان شيء من علاقتها بقضيته. ومن ذلك ما ختمتُ به التأمل في القسم الأول من السياق، فإنه

стр. 856

صالح أن يبدأ به تأمل القسم الثاني منه. وهو ما يستنتج من السياق من: "أن الله تعالى ضرب لهم تلك الأدلة العقلية المتضمنة للقياس الصحيح، ليبطل تلك الأقيسة الفاسدة التي توصلوا بها إلى التكذيب بالبعث، حيث قاسوا قدرة الله على الخلق على أنفسهم أو ما يشاهدونه من أن من مات لا يعود. وتوجب لهم تلك الأدلة القطع بأن الله على كل شيء قدير وأن البعث عليه يسير. كما يلفت الانتباه - سبحانه - بتلك الأمثال المضروبة، والأدلة المعقولة، إلى أن كل مثل صحيح يوافق ما هو ثابت له - سبحانه - من الكمال فهو له، ينسب إليه، ويضرب له، وهو أولى به". وكما ضرب - سبحانه - أمثلة وأدلة عقلية على إمكان البعث - القضية الأولى - قبل قوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، ضرب مثالا ودليلا على بطلان الشرك ووجوب التوحيد - القضية الثانية – بعده، مما يؤكد تلك العلاقة المتقدمة بين ضرب الأمثال العليا المثبتة لله الكمال، والمتضمنة للقياس الصحيح، وبين قوله تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . قَال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ

стр. 857

هَلْ لَكُمْ مِّنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. وفي قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... ﴾ الآية، شرع سبحانه في مناقشة القضية الثانية التي يجادل لها المشركون، وهي تجويزهم الشركاء لله في العبادة، وإنكارهم التوحيد. وهذا المثل يتضمن دليلا عقليا على بطلان الشرك بقياس الأولى. وخلاصة هذا الدليل: إن من المقرر لدى المخاطبين وجميع العقلاء كراهية السيد الغني مشاركة عبده له، ونفوره من ذلك، حيث لا يقبل أن يشارك إلا من كان كفُؤاً له. فإذا تقررت هذه القاعدة فيجب أن يحكم له بها. بل هو أولى بهذا الحكم لكمال سؤدده وغناه، فيعتقد كراهته لأن يكون أحد من عبيده شريكا له في العبادة. واستحالة أن يتخذ أحدا منهم شريكا، ولكونه ليس له كفُؤٌ ولا ند فيبطل بذلك الشرك من أساسه. ولهذا الاعتبار نجد أن الله تعالى ذكر آثار ربوبيته وتدبيره لخلقه، ليبين تفرده بخصائص الربوبية والألوهية، وليقطع بذلك شبهة أن يكون له ند يكافِئُه، وبذلك ينقطع أساس الشرك، ويدل على هذا - وهو نفي

стр. 858

المماثل - قول الله تعالى في السورة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَآئِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وبعد أن أدحض الشرك بهذا المثل، بين - سبحانه - أن المشركين ليس لهم مستند على شركهم إلا اتباع الهوى بغير علم. وأن الله أضلهم لضلالهم واتباعهم الهوى وإعراضهم عن الهدى. قَال تعالى: ﴿بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوآ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٢. ثم أمر الله نبيه ﷺ وأتباعه بإقامة الدين لله وحده، والإخلاص في عبادته، والإعراض عن طريق المشركين الضالين المختلفينَ. قَال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٣. وفي مجيء قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ... ﴾ الآيات، بعد

стр. 859

إثبات المثل الأعْلَى له وحده سبحانه مناسبة هامة هي: بيان أن إقامة الدين، وإخلاص العبادة لله هي ثمرة العلم، وإثبات المثَلِ الأعْلَى لله وحده. فمن أثبت لله المثل الأعْلَى، عمر قلبه بالتوحيد، وعندها يقيم دينه، وحياته، وكل أحواله لله، وعلى منهج الله. والدين القيم هو: الإخلاص في عبادة الله، وعدم صرف أي شيء من العبادة لغيره سبحانه، كما يبين ذلك بقوله: ﴿وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ١. وبقوله تعالى: ﴿إِنْ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوآ إِلآَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ وقد بيّن الله هذا المعنى فيما تلا ذلك من السياق حيث أمر بجملة من العبادات، واشترط لقبولها والانتفاع بها الإخلاص عائباً في أثناء ذلك على المشركين الذين يعبدون معه غيره، قَال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ المُشْرِكِينَ﴾ ٣.

стр. 860

ففي قوله: ﴿وَلاَ تَكُونُوا مِنْ المُشْرِكِينَ﴾ أمْرٌ بالإخلاص في تلك العبادات ونهْيٌ عن الشرك. وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ المُفْلِحُونَ﴾ ١. فقوله: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ... ﴾ الآية، بيان أن الفلاح والانتفاع بتلك الأعمال موقوف على الإخلاص وإرادة وجه الله بها. وقال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ المُضْعِفُونَ﴾ ٢. قوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ، فيه بيان أن الإخلاص وإرادة وجه الله بهذه العبادة العظيمة شرط في قبولها وحصول المضاعفة لصاحبها. ثم ذكر سبحانه دليلا على تفرده بالألوهية لتفرده بالربوبية ذاكراً أن كل من جعل إلها من دونه ليس له شيء من الربوبية فعبادته باطلة، ونزه نفسه سبحانه أن يكون له شريك. قَال تعالى:

стр. 861

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَآئِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. ثم بيّن - سبحانه - أن كل ما يحصل من فساد في البر أو البحر إنما هو بسبب التفريط بهذا الأصل، ويكون ذلك: بعدم الإخلاص له في العبادة، أو بعدم إخلاص تلقي العبادات والتشريعات من وحيه، أو بترك عبادته أصلاً، قَال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢. ثم ختم السياق الذي بدأه بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ... ﴾ بمثل ما بدأه به، حيث قَال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ٣. وتقدمت الإشارة إلى هذا النوع من الأسلوب عند الكلام على

стр. 862

القسم الأول من سياق سورة "الروم". والقضية التي يتحدث عنها السياق بين آيتي البدء والختام هي الأمر بملازمة الدين القيم، وبيان أن الدين القيم هو الذي يقوم على عبادة الله والإخلاص له فيها، ومجانبة الشرك، وذكر بعض ما يتصل بذلك. ثم استمر السياق يناقش القضيتين اللتين وقع فيهما مشركو العرب وجادلوا فيهما النبي ﷺ واللتين ركزت عليهما السورة، وهما: ١- اتخاذهم الأنداد والشركاء لله في العبادة. ٢- إنكارهم البعث بعد الموت. وذلك بذكر وعيد شديدٍ لهؤلاء المشركين يوم القيامة، وذكر مزيد من الأدلة على قبح الشرك. فتفرد الله بالربوبية والإنعام، ومقابلة ذلك بعبادة غيره قبيح في العقول السليمة. ثم أعاد أول دليل ذكره في أول السورة على إمكان البعث وهو الجاري على قياس التمثيل حيث إنه أسهل القياس، ويشاهده كل الناس. وقد جمع الله بين دليل البعث والذي قبله في آيات بديعة، حيث قَال- سبحانه -: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا

стр. 863

هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَآ أَنْتَ بِهَادِي العُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. وختم الله السورة ببيان أنه سبحانه ضرب للناس في القرآن الكريم من كل مثل يحتاجه الناس لبيان ما أراده منهم وشرعه لهم من الدين، ومن ذلك ما ورد في هذه السورة من الأمثال التي فصل فيها البراهين الدالة على البعث بعد الموت، وبطلان الشرك، وتفرد الله بالألوهية. وهذه الأمثال إنما ضربت ليستدلوا بها على عظمة الله وعظمة صفاته، فهي أمثال عالية حسنة لما تدل عليه من إثبات المثل الأعْلَى لله تعالى. وبإثباته لله تنقطع كل شبهة مماثلة بين الله تعالى وغيره ممن عبد من دونه، ويثبت كمال أفعاله وقدرته على كل شيء ومن ذلك بعث الناس بعد الموت.

стр. 864

ثم بيّن السياق حال الكفار مع تلك الأمثال، وأنهم يصدون عن تدبرها ويكذبون بها، وفعلهم ذلك من أسباب طبع الله على قلوبهم. قَال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوآ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١. خلاصة دلالة هذا المقطع من السياق: تبيّن مما تقدم أن القسم الثاني من سورة الروم - الذي بدأ من قوله تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم﴾ إلى آخر السورة، دل على أمور كثيرة من أهمها: ١- دلالة قوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ على أن لله من صفات الربوبية والألوهية وسائر صفاته، أكملها وأعلاها، بكيفية كائن بها متفرداً لا يشاركه غيره في شيء منها. ٢- إيراد مثال يدل على بطلان الشرك، وعبادة غير الله، جار على قياس الأولى في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ....﴾ الآية. ٣- بناء على ما تقدم من قيام الدليل على تفرد الله بالألوهية، وعلى

стр. 865

بطلان الشرك واتخاذ الآلهة مع الله، تكون ثمرة العلم بذلك إقامة الدين وإخلاص العبادة لله وحده، والإعراض عن المشركين ودعاويهم الباطلة، فهذه حقيقة حال من قام المثل الأعلى في قلوبهم لله تعالى. قَال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ... ﴾ الآية. ٤- بيان حقيقة دين الله، وأنه الدين القيم، القائم على التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، إذ هي ثمرة اعتقاد تفرد الله بالمثل الأعلى. وذكر بعض الأدلة العقلية على تفرد الله بالربوبية مما يدل على وجوب إفراده بالألوهية والتعبد. ٥- قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل ٍ ... ﴾ الآية، إشارة إلى ما ورد في هذه السورة من البراهين والحجج على إمكان البعث بعد الموت، وعلى تفرد الله بالربوبية والألوهية، والمثل الأعلى. وفيه أيضا إشارة إلى ما ضرب في السورة من الأمثال الحسنة التي يستدل بها على عظمة الله وعظمة صفاته، وثبوت المثل الأعْلَى له سبحانه.

стр. 866

المبحث الثاني: في المراد بالمثل الأعلى ومعنى الآيات الدالة على ذلك المطلب الأول: في المراد بالمثل الأعلى لله تعالى ... المطلب الأول: في المراد بالمثَلِ الأعْلَى لله تعالى. لقد تعددت عبارات السلف ومن بعدهم من العلماء في تفسير المثل الأعلى، واستشكل بعضهم قول بعض في ذلك١، وذلك يدل على الحاجة لتحرير المراد بالمثَلِ الأعْلَى لله تعالى ... وفق اعتبارات واضحة تستبين من خلالها المعاني الصحيحة لما أثبت الله لنفسه سبحانه من المثل الأعلى، ويزول الإشكال بإذن الله تعالى، وأهم هذه الاعتبارات ما يلي: ١- اتفاق المعنى الذي يفسر به "المثل الأعْلَى" مع الدلالة اللغوية للفظ "مثل" وما يدل عليه وصف الأعلى. ٢- اتفاقه مع دلالة السياق. ٣- أن يكون قد قال به بعض السلف أو العلماء السائرين على طريقهم، أو تؤول أقوالهم إليه. ٤- أن لا يتعارض مع الأصول المقررة المعلومة، والنصوص المحكمة، واتفاقه مع الحقائق الإيمانية وما كان عليه سلف الأمة في باب الأسماء والصفات. وقبل البدء بالكلام على معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، أقدم ١ انْظر: الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة، للإمام ابن القيم، تَحْقِيْق / أ. د. أحمد بن

стр. 867

النظر في أي المعاني اللغوية للفظ "مثَل" المناسب لتفسير "المثَل" في الآية به، وذكر ما يدل عليه وصف "الأعلى". أولاً: بيان المعاني اللغوية للفظ "مثل" الصالحة لتفسير "المثل الأعلى" بها: تقدم١ الكلام على المعاني اللغوية للفظ "مثل" وأنها أربعة معان رئيسة، أذكرها وأذكر مدى مناسبة كل منها لتفسير الآية به، فيما يلي: المعنى الأول: المثل السائر. هذا المعنى وإن كان صحيحا باعتبار أن قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، أصبح مثلا يتمثل به من أورد مثلا لبيان صفات الله ونحوها، فيقول مثلا: رؤية الله ثابتة يوم القيامة، ومثال ذلك ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ : الشمس ترى دون أن يحاط بها. فكذلك الله تعالى يرى ولا يحاط به علما. إلا أن المثل في الآية لا يفسر به، فلا يقال: إن مراد الله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، هو: أن كل مثل سائر أعلى فهو لله. فلم يقل به أحد من أهل العلم. ولكن بعض أفراده يدخل في المعاني التي يصح تفسيره بها نظراً

стр. 868

لمعناها لا لكونها أمثالا سارية. المعنى الثاني: المثل بمعنى الشبيه والنظير. وهذا المعنى لا يجوز تفسير المثل به، في قوله: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، بإجماع أهل الإسلام، إذ إن مؤدى ذلك الشرك الذي أرسل الأنبياء وأنزلت الكتب لإبطاله والتحذير منه. ويدخل في ذلك الأمثال التمثيلية التي يقاس فيها معين بمعين. المعنى الثالث: المثل بمعنى الوصف. وهذا المعنى يصح تفسير المثل به، في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . إذ إن الله وصف نفسه، وصفاته هي الأعلى والأكمل. فيطلق ﴿المَثَلُ الأَعْلَى﴾ على مجموع الصفات والحقائق القائمة به سبحانه. ولا يوجد ما يعكر على ذلك، وسيأتي إيضاح ذلك في محله إن شاء الله. المعنى الرابع: المثل بمعنى مثال - وهي الأمثال الأنموذجية القياسية - وهذه أيضا لا يصح تفسير المثل الأعلى بها، فلا يوجد لله مثال تقاس عليه أسماؤه وصفاته تعالى الله عن ذلك. ويدخل في ذلك الأمثال القولية الأنموذجية القائمة على قياس الشمول، فلا يجوز أن يشرك الله هو والمخلوق في قياس شمول تستوي فيه

стр. 869

أفراده، ولا يجوز من ذلك إلا ما كان جاريا على قياس الأولى. فإن الله له المثَلُ الأعْلَى. "وهو أنّ كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما يُنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزه عنه"١. والحاصل من ذلك: أن معاني المثل التي يصح أن يفسر بها "المثل الأعْلَى" لله تعالى هي: ١- المثل بمعنى الوصف، ومن ذلك إطلاق لفظ "مثل" على مجموع حقائق الشيء وصفاته. ٢- الأمثال القولية الجارية على قياس الأولى. وكل معنى صحيح فُسِّر به المثل في الآية فهو راجع إلى أحدهما. ثانيا: معنى الأعلى في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ : قَال الراغب الأصفهاني ﵀: "وأما قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ٢، فمعناه: أعلى من أن يقاس به، أو أن يعتبر بغيره"٣. وهذا التفسير يدل على تفرده - سبحانه - بالعلو علو الذات والصفات فلا يدانيه في ذلك أحد.

стр. 870

قَال ابن تيمية ﵀ مبينا هذا المعنى: "وقد تضمن العلو الذي ينعت به نفسه في كتابه أنه متعال عما لا يليق به من الشركاء والأولاد فليس كمثله شيء، وهذا يقتضي ثبوت صفات الكمال له دون سواه، وأنه لا يماثله غيره في شيء من صفات الكمال، بل هو متعال عن أن يماثله شيء"١. وقال ﵀ مبينا دلالة اسم الله "الأعلى" على جميع معاني العلو: " و ﴿الأَعْلَى﴾ يجمع معاني العلو جميعها، وأنه الأعلى بجميع معاني العلو"٢. وقد بيّن الشيخ عبد الرحمن السعدي تلك المعاني، بقوله: "العلي الأعلى: وهو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر. فهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى. وبجميع صفات العظمة والكبرياء والجلال والجمال وغاية الكمال

стр. 871

اتصف وإليه فيها المنتهى"١. وبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن صفة العلو لله تعالى تدل على ثلاثة أمور هي: تفرده بالربوبية، وتفرده بصفات الكمال، وتفرده بالألوهية، بين ذلك بقوله: "وإثبات علوه - علوه على ما سواه، وقدرته عليه وقهره - يقتضي ربوبيته له، وخلقه له.... وعلوه عن الأمثال يقتضي أنه لا مثل له في صفات الكمال ... . وتعاليه عن الشركاء يقتضي اختصاصه بالإلهية، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وحده ... "٢. ثم لخص ذلك بقوله: "فقد تبين أن اسمه "الأعلى"، يتضمن اتصافه بجميع صفات الكمال، وتنزيهه عما ينافيها من صفات النقص، وعن أن يكون له مثل، وأنه لا إله إلا هو، ولا رب سواه". وإذا نسب شيء إلى الله، ووصف بأنه الأعلى، فإنه لا يخرج عن هذه المعاني.

стр. 872

والمثل في قوله: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ منسوب إلى الله بقوله: "له"، وقوله: ﴿َلِلَّهِ﴾ . وهذه النسبة إلى الله فيها ثلاثة احتمالات: الأول: أن تكون نسبة تشريف، ويكون "المثل" غير الله. وهذا باطل، إذ أن مدلول المثل على هذا يقتضي أن يكون مماثلا لله ندا له، والله تعالى منزه عن الأمثال. الثاني: أن يكون "المثل" معنى قائما بالله، وهذا جائز. ولا بدّ في هذه الحالة أن يكون منحصرا في بعض المعاني التي دل عليها وصف "الأعلى" المتقدمة، إذ إنه موصوف بأنه الأعلى في قوله: ﴿المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . ومدلول الأعلى محصور في ثلاثة معان: الأول: علو الذات. الثاني: علو الصفات والأفعال، ومنها الألوهية والربوبية. الثالث: علو القهر والسلطان. والمعنى الأول والثالث يعودان إلى الثاني، حيث إن الله متصف بصفة العلو والقهر. فيكون تفسير المثل الأعلى: بالمعاني الحقيقية القائمة بذات الله تعالى،

стр. 873

وهي صفات الكمال، هو الأنسب ويشمل المعاني التي يدل عليها وصف المثل بأنه الأعلى. الثالث: المثل بمعنى الأمثال القولية التي ضربها الله لعباده. وهذا المعنى جائز تفسير المثل به في قوله: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، لأن الأمثال التي ضربها الله لنفسه، والأمثال الصحيحة التي يضربها العالمون بالله، تدل على ما هو ثابت لله حقا من المعاني العليا. ووصف "المثل" - على هذا المعنى - بأنه الأعلى من جهتين: الأولى: أن ضاربه هو الله تعالى. الثانية: لدلالته على الحق، والمعاني العالية، التي يدل عليها وصف الأعلى، والتي تقدم بيانها. والمراد بنسبة المثل إلى الله على هذا المعنى: أي صحة ضربها له. ودلالتها على ما هو ثابت له سبحانه، واختصاصه بها وعدم جواز ضربها لغيره. وخلاصة ما دل عليه وصف "الأعلى": تبين مما تقدم أن وصف الله بأنه "الأعلى" يدل على ثلاثة معان: الأول: علو الذات. الثاني: علو الصفات والأفعال - ومن ذلك صفة الألوهية والربوبية - عن الشريك والمماثل..

стр. 874

الثالث: علو القهر والسلطان. وأن نسبة المثل إلى الله ووصفه بأنه الأعلى يمكن تفسيره بأمرين: الأول: المعاني الحقيقية القائمة بذات الله تعالى وهي صفات الكمال. الثاني: الأمثال القولية الدالة عليها. والله أعلم. تحرير المراد "بالمثَلِ الأعْلَى": إن دلالة السياق الذي ورد فيه قول الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، وقوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، وما يستفاد من النظر فيما يمكن تفسير "المثل" به فيهما من المعاني اللغوية، وما يفيده وصف الله أو ما نسب إليه بالأعلى، كل ذلك يدل على أن "المثل الأعلى" يفسر بأكثر من معنى صحيح. وهذه المعاني منها معنى هو الأساس والأصل وهو ثبوت المثل الأعلى لله تعالى وقيامه بذاته كما سيأتي بيانه، والمعاني الأخرى دالة عليه أو نتيجة له، فهي توصف بأنها الأعلى باعتبار موافقتها له ودلالتها عليه. فليست معاني متضادة، وإنما يطلق "المثل الأعْلَى" على كل منها باعتبار صحيح. وقد دل على ذلك - أيضا - أقوال أهل العلم.

стр. 875

وأشمل قول حصر معظم المعاني الصحيحة التي يفسر بها "المثل الأعْلَى" هو ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: "المثَلُ الأعْلَى يتضمن الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه. فها هنا أربعة أمور: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في نفس الأمر، عَلِمها العباد أو جهلوها، وهذا معنى قول مَن فسره بالصفة. الثاني: وجودها في العلم والتصور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وجلاله وتعظيمه. وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه بل يختص به في قلوبهم كما اختص به في ذاته، وهذا معنى قول من قال من المفسرين: أهل السماء يعظمونه ويحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض يعظمونه ويجلونه، وإن أشرك به من أشرك، وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له خاشعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته، قَال تعالى: ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ ١ فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره

стр. 876

وأكمل وأعظم من كل ما سواه. الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل. الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه، وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى. فعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها"١. وهذا التلخيص من الإمام ابن القيم ﵀ عظيم الفائدة، يدل على عمق فهمه لمدلول المثل الأعلى. وفيما يلي بعض الوقفات التي لا بدّ منها مع هذا النقل الهام: الوقفة الأولى: مع قوله: "المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا ... "، مراده - والله أعلم - أن قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ يتضمن تفسيره أربعة معان، هي التي ذكرها بعد ذلك. ويدل على هذا أنه ذكر قبله طائفة من أقوال المفسرين في تفسير الآية، كما يؤيده قوله في الأمر الأول: "وهذا معنى قول من فسره بالصفة"، وقوله في المعنى الثاني: "وهذا معنى قول من قَال من السلف

стр. 877

والخلف: إنه ما في قلوب عابديه ... "، وقوله بعد إيراد الأمور الأربعة: "فعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها". الوقفة الثانية: مع ترتيب الأمور الأربعة. حيث إن الأنسب تقديم ما ذكره في الأمر الثالث على الأمر الثاني، وذلك: "أن وجودها العلمي والخبر عنها وذكرها"، الحاصل في نصوص الوحي، مقدم على "علم العالمين بها"، وهو سبب له متقدم عليه. الوقفة الثالثة: مع قوله: "فكل أهل الأرض معظمون له مجلون خاشعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته.... فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره وأكمل وأعظم من كل ما سواه". هذا الاستطراد في بيان الأمر الثاني فيه نظر من جهتين: الأولى: أنه لا يقال أن المثل الأعلى هو ما في قلوب أوليائه وأعدائه من كون الله أعظم وأكمل من كل ما سواه. فهذا الحد المشترك ليس هو المثَل الأعْلَى فإن أعداء الله المشركين يجعلون معه الشركاء مع اعتقادهم أنه الإله الأعظم. وإنما الحد المشترك هو الإقرار الفطري، وهو أساس مهم في الاستدلال عليهم بالأمثال والحجج الجارية على قاعدة قياس الأولى. والمثَلُ الأعْلَى - كما دل عليه السياق والدلائل الأخرى - هو اعتقاد تفرد الله بالألوهية والربوبية وسائر صفات الكمال. فهو خاص بالمؤمنين الموحدين، وليس بكل أهل الأرض مسلمهم وكافرهم.

стр. 878

الثانية: أنه متعارض مع ما تقدم من قوله: "وهذا معنى قول من قَال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وجلاله وتعظيمه. وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه، بل يخص به في قلوبهم كما اختص به في ذاته". فالأولى لو أضاف التوحيد إلى هذا المعنى - الأمر الثاني - فيكون تفسيره بأنه: ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وتوحيده، ومحبته وذكره وجلاله وتعظيمه ... ونحو ذلك. فيكون هذا المعنى هو: ما يقوم في القلوب من إثبات المثل الأعلى لله تعالى من اعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية وسائر صفات الكمال، وما ينتج عن هذا من أعمال القلوب من محبة الله وتعظيمه وإجلاله وخشيته ونحو ذلك. الوقفة الرابعة: مع قوله: "الرابع محبة الموصوف بها وتوحيده ... " قوله: "وتوحيده"، تقدم أن الأولى أن يضاف التوحيد إلى الأمر الثاني، الذي هو المثل العلمي الاعتقادي الأعلى القائم في قلوب العباد. أما محبة الله تعالى - المتصف بالمثَلِ الأعْلَى - ونحوها مما يقوم في قلوب المؤمنين العالمين بالله فليست من الأمور التي يفسر بها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . ولا يدل السياق والدلائل الأخرى على أن المثل الأعلى يفسر بالمحبة

стр. 879

ونحوها. ولم يقل بتفسيره بذلك أهل العلم. لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هناك تلازماً بين قيام المعرفة بأسماء الله وصفاته في قلوب المؤمنين ومحبته. وأن المحب يتمثل صفات محبوبه وأسماءه. هذا التمثل هو علمه بها، وتذكرها أو ذكره بها. قَال ﵀: "وهو أن المؤمن لا بدّ أن يقوم بقلبه من معرفة الله والمحبة له، ما يوجب أن يكون للمعروف المحبوب في قلبه من الآثار ما يشبه الحلول من بعض الوجوه، لا أنه حلول ذات المعروف المحبوب، لكن هو الإيمان به ومعرفة أسمائه وصفاته ... وهذا قد يسمى المثل والمثال، لأنه قد يقال: إن العلم مثال المعلوم في العالِم، وكذلك الحب فيه تمثيل المحبوب في المحب ... والتحقيق: أنه قد يحصل تمثل وتخيل لبعض العالمين والمحبين، حتى يتخيل صورة المحبوب وقد لا يحصل تخيل حسي ... " إلى أن قَال: "وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ وقوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢ أنه هذا"٣.

стр. 880

وهذا التمثل الَّذِي يقوم بقلوب المؤمنين المحبين لصفات رب العالمين - الَّذِي هو: بمعنى معرفة الصفات وإثباتها وتذكرها، لا التمثيل الحسي، أو هو: ذكره بها مع استحضار معانيها - راجع إلى العلم بها. بمعنى أنه قد يكون صحيحاً موافقاً لما هو ثابت لله حقاً، وقد يكون غير صحيح. وذلك متوقف على صحة العلم والإدراك وليس على المحبة المجردة. قال ابن تيمية ﵀: "والعلم قبل العمل. والإدراك قبل الحركة، والتصديق قبل الإسلام والمعرفة قبل المحبة، وإن كانا يتلازمان؛ لكن علم القلب موجب لعمله، ما لم يوجد معارض راجح، وعمله يستلزم تصديقه، إذ لا تكون حركة إرادية ولا محبة إلا عن شعور، لكن قد تكون الحركة والمحبة فيها فساد إذا لم يكن الشعور والإدراك صحيحا"١. وقال: "فإن وجود الفروع الصحيحة مستلزم لوجود الأصول"٢. فالمحبة لا تستقل في إثبات المثل الأعلى لله تعالى في قلب المؤمن. وإنما أساس ذلك المعرفة بأسمائه وصفاته وهي فرع عنه، وناتج منه. وقد توجد المحبة لله عن غير علم صحيح، أو مع علم قاصر، وعندها يكون تمثل القلب لأسماء الله وصفاته خاطئاً، وإثباته لها غير موافق للمثل
следующие страницы →