← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها. وإليهما ترجع معانيها. فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها، استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة. أما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته. فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام"١. وحاصل هذا الكلام القيم أن اسمي (الحي) و (القيوم) قد دلا على جميع أوصاف الكمال. "فانتظمت الصفات الذاتية تحت اسم (الحي) ، والصفات الفعلية تحت (القيوم") ٢. ومعلوم أن الصفات الفعلية هي الأوصاف الدالة على ربوبية الله تعالى، التي يرب ويدبر بها الخلائق.

стр. 912

ومن دلالة آية الكرسي على تفرد الله بأوصاف الكمال ما دل عليه ختام الآية بقوله: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقد بيّن الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ المعاني التي يدل عليها هذان الاسمان، فذكر من دلالة اسم الله (العلي) علو القدر فقال: "وله علو القدر وهو علو صفاته وعظمتها فلا يماثله صفة مخلوق".١ وذكر من معاني اسم الله (العظيم) معنى: "أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله وأعظمه وأوسعه".٢ وهذان المعنيان المستفادان من اسمي (العلي) و (العظيم) - من أن صفاته - سبحانه - عالية إلى الكمال الأعظم الَّذِي لا يدانيه فيه غيره. وأن له من كل كمال أكمله وأعلاه - يلتقيان مع معنى الوصف بالأعلى، حيث تقدم أنه يدل على: تفرد الله بأوصاف الكمال، وأنه له من كل كمال أكمله وأعلاه. فيكون قَوْله تَعَالى: ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ بمعنى (الأعلى) والله أعلم.

стр. 913

ويتبين مما تقدم أن آية الكرسي دلت على المعاني التي دل عليها قَوْله تَعَالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . حيث دل قَوْله تَعَالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ على تفرد الله بالألوهية. وتقديم ذكرها دليل على أنها الأساس في صفات الله تعالى. ودل قَوْله تَعَالى: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ : على ثبوت جميع صفات الكمال لله تعالى. ودل اسم الله تعالى: (القيوم) على أوصاف الربوبية. وأفعاله تعالى التي يقيم ويدبر بها الخلائق. ودل قَوْله تَعَالى: ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . على تفرد الله بأوصاف الكمال وأن له من كل كمال أكمله وأعلاه وأعظمه. وأكتفي بهذا القدر من الكلام على آية الكرسي، إذ إن المقصود هو بيان دلالتها على ما دل عليه (المثل الأعلى) من المعاني. ثانياً: الآيات الأُول من سورة "طه": قَال الله تعالى ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ العُلا الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإِنَّهُ

стр. 914

يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لآ إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ ١. فهذه الآيات المباركة شاملة للمعاني التي دل عليها: (المثل الأعلى) وبيان ذلك فيما يلي: في قَوْله تَعَالى: ﴿تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ....﴾ الآية ذكر للخلق، والملك، وهما من أعظم أوصاف الربوبية. في قَوْله تَعَالى: ﴿اللَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ذكر لتفرده بالألوهية. في قَوْله تَعَالى: ﴿لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ ذكر لاتصافه بجميع صفات الكمال، تلك المعاني الحسنة التي دلت عليها أسماؤه. قَال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "هذا بيان لعظيم جلاله، وسعة أوصافه، بأن له الأسماء الحسنى أي كل اسم حسن. وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة. وبذلك كانت حسنى. فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علما محضا، لم تكن حسنى.

стр. 915

وكذلك لو دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص، أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح، لم تكن حسنى. فكل اسم من أسمائه، دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها"١. أما دلائل تفرده فهي كثيرة في هذه الآيات، من ذلك: دل على تفرده بالربوبية تقديم ما حقه التأخير في قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ... ﴾ والمَلِكُ يخلق ويدبر في ملكه كيف يشاء. ودل على تفرده بالألوهية: أسلوب النفي والإثبات في قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ . ودل على تفرده بالأسماء الحسنى، الدالة على صفات الكمال: تقديم ما حقه التأخير، في قوله: ﴿لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ . وظاهر أن هذه المعاني هي المعاني التي دل عليها (المثل الأعلى) . ثالثاً: الآيات من آخر سورة (الحشر) : قَال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ

стр. 916

اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. هذه الآيات العظيمة من سورة (الحشر) هي أشمل الآيات التي فصلت المعاني التي دل عليها (المثل الأعلى) لله تعالى، حيث بينت الحقائق الآتية: ١- تفرد الله تعالى بالألوهية، واستحقاقه وحده للعبادة في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ... ﴾ . ٢- تقديم ما يدل على اتصاف الله بالألوهية، وتفرده بها، في قَوْله تَعَالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ، ثم الإخبار عن ذلك بذكر أسمائه سبحانه بقوله: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ ... ﴾ الآية، يدل على أن وصف الألوهية هو المعنى الأساس الَّذِي ترجع إليه كل صفات الكمال. وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى في الفوائد إن شاء الله تعالى. ٣- ذكر عدد كبير من أسماء الله الحسنى الدالة على صفات الكمال، وهي تدخل في تفصيل ما دل عليه المثل الأعلى من اتصافه تعالى

стр. 917

بصفات الكمال، ومنها تلك الصفات التي دلت عليها الأسماء المذكورة. ٤- قوله بعد ذلك: ﴿لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ إجمال بعد التفصيل يدل على أن ما ذكر هي بعض أسمائه، وأنه سبحانه له من كل كمال أكمله وأعلاه. فكل اسم حسن دال على كمال فهو من أسمائه ﵎. وهذا الإجمال بعد التفصيل يدل تماما على ما دل عليه المثل الأعلى من أن لله من كل كمال مطلق أكمله وأعلاه. ٥- في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ﴾ ذكر لربوبية الله تعالى. حيث إنه سبحانه يَرُب الكون ويدبر أمور الخلائق بما يخلقه فيهم ومنهم. فصفة الخلق ترجع إليها جميع الصفات الفعلية التي يحدث بها أثر في المخلوق. ٦- أنه لما كانت هذه الآيات شاملة للمعاني التي دل عليها (المثل الأعلى) ختمها سبحانه بالاسمين اللَّذَيْن ختم بهما الآيات التي ورد فيها إثبات المثل الأعلى لله تعالى، وهما: (العزيز الحكيم) . حيث قَال في سورة "الحشر": ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وقال في سورة "النحل": ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وقال في سورة "الروم": ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ

стр. 918

بصفات الكمال، ومنها تلك الصفات التي دلت عليها الأسماء المذكورة. ٤- قوله بعد ذلك: ﴿لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ إجمال بعد التفصيل يدل على أن ما ذكر هي بعض أسمائه، وأنه سبحانه له من كل كمال أكمله وأعلاه. فكل اسم حسن دال على كمال فهو من أسمائه ﵎. وهذا الإجمال بعد التفصيل يدل تماما على ما دل عليه المثل الأعلى من أن لله من كل كمال مطلق أكمله وأعلاه. ٥- في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ﴾ ذكر لربوبية الله تعالى. حيث إنه سبحانه يَرُب الكون ويدبر أمور الخلائق بما يخلقه فيهم ومنهم. فصفة الخلق ترجع إليها جميع الصفات الفعلية التي يحدث بها أثر في المخلوق. ٦- أنه لما كانت هذه الآيات شاملة للمعاني التي دل عليها (المثل الأعلى) ختمها سبحانه بالاسمين اللَّذَيْن ختم بهما الآيات التي ورد فيها إثبات المثل الأعلى لله تعالى، وهما: (العزيز الحكيم) . حيث قَال في سورة "الحشر": ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وقال في سورة "النحل": ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وقال في سورة "الروم": ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ

стр. 919

وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه" ١. وورد في فضلها أنها تعدل ثلث القرآن. دل عليه قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن".٢ وبيان دلالة السورة على المعاني التي دل عليها (المثل الأعلى) فيما يلي: ١- دلالة السورة على تفرد الله بالألوهية، واستحقاقه وحده للعبادة في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . قَال ابن جرير ﵀ في تفسيرها: "قل يا محمد لهؤلاء السائلين عن نسب ربك ... : الرب الَّذِي سألتموني عنه، هو الله الَّذِي له عبادة كل شيء، لا تنبغي العبادة إلا له، ولا تصلح لشيء سواه"٣. ٢- دلالة السورة على اتصاف الله بجميع أوصاف الكمال، وذلك في دلالة اسم الله (الصمد) . وقد اختلف أهل العلم في معنى اسم الله (الصمد) ، وليس المقصود تحرير معناه، وإنما بيان دلالته على المطلوب، من اتصاف الله بجميع صفات

стр. 920

الكمال. وهو المعنى الَّذِي يرجع إليه أغلب تلك الأقوال.١ وممن نص على أن اسم الله (الصمد) ، يدل على اتصاف الله بصفات الكمال وأن له من كل كمال أكمله، ابن عباس ﵄ حيث قَال في تفسيره: "السيد الَّذِي قد كمل في سؤدده، والشريف الَّذِي قد كمل في شرفه، والعظيم الَّذِي قد عظم في عظمته، والحليم الَّذِي قد كمل في حلمه، والغني الَّذِي قد كمل في حكمته، وهو الَّذِي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته، لا تنبغي إلا له"٢. فهذا التفسير من ابن عباس ﵄ يدل على أن اسم الله (الصمد) يدل على أن لله من كل كمال أكمله وأعلاه. وضرب أمثلة على ذلك. وقال أحمد بن عمر القرطبي٣ ﵀:

стр. 921

"و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تشتمل على ذكر أوصاف الحق ، فكانت ثلثا من هذه الجهة".١ وقال عنها: "اشتملت على اسمين من أسمائه تعالى، يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى، لم يوجدا في غيرها من جميع السور، وهما: الأحد، والصمد، فإنهما يدلان: على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة"٢. إلى أن قَال: ".. وأما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال، فإن الصمد هو الَّذِي انتهى سؤدده بحيث يُصْمد إليه في الحوائج كلها، أي يقصد، ولا يصح ذلك تحقيقا إلا ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا

стр. 922

يكمل إلا لله تعالى، فهو الأحد، الصمد، الَّذِي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله تعالى وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن فظهرت خصوصية هذه السورة: بأنها ثلث القرآن"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقوله ﴿الصَّمَدُ﴾ يتضمن جميع صفات الكمال، فالنقائص جنسها منفي عن الله تعالى. وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها. بخلاف ما يوصف به الرب، ويوصف العبد بما يليق به: مثل العلم، والقدرة، والرحمة، ونحو ذلك فإن هذه ليست نقائص، بل ما ثبت لله من هذه المعاني فإنه يثبت لله على وجه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات، فضلا عن أن يماثله"٢. وقال ابن القيم ﵀: "فإن الصمد: من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة، وذلك لكثرة خصال الخير فيه، وكثرة الأوصاف الحميدة له.... فهو الَّذِي اجتمعت

стр. 923

فيه صفات الكمال"١. ٣- دلالة السورة على تفرده بالكمال المطلق. وذلك في دلالة قَوْله تَعَالى: ﴿أَحَدٌ﴾ وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . قَال القرطبي ﵀: "فالأحد في أسمائه تعالى مشعر بوجوده الخاص به الَّذِي لا يشاركه فيه غيره"٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ مع قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ينفي المماثلة والمشاركة"٣. ٤- دلالة السورة على تفرده سبحانه بالربوبية، وذلك مستفاد من تفسير من فسر ﴿الصَّمَد﴾ بأنه: "السيد الَّذِي يصمد إليه في الحوائج"٤. وإنما صمد إليه الناس في حوائجهم، واتجهت إليه قلوبهم لما استقر فيها من أنه الرب المدبر الخالق الرازق المتصرف وهذا

стр. 924

إقرارهم بربوبية الله تعالى. كما أن المعنى المتقدم من كون اسم الله (الصمد) يدل على اتصاف الله تعالى بجميع صفات الكمال، يشمل في عمومه الصفات الفعلية التي يدل عليها وصف الربوبية. ومما تقدم يتضح أن سورة الإخلاص تدل على المعاني العظيمة التي فسر بها المثل الأعلى الثابت لله تعالى من: تفرده سبحانه بالألوهية، والربوبية، وسائر صفات الكمال وأن له من كل كمال أكمله وأعلاه. وأكتفي بهذه النصوص التي تدل على أن لله المثل الأعلى من تفرده بالألوهية، والربوبية، وسائر صفات الكمال، وأن له من كل كمال أكمله وأعلاه. وفي ذلك دلالة على قوة تفسير المثل الأعلى بهذه المعاني. وذلك أن تفسير ألفاظ القرآن بالمعاني المقررة فيه هو الأولى، بل هو المتعين إذا تبين. والله أعلم. وخلاصة هذا الفرع: تبين مما تقدم أن المعنى الأساس الَّذِي يفسر به (المثل الأعلى) هو: المثل الأعلى الحقيقي القائم بذات الله تعالى الَّذِي يدل على: تفرد الله تعالى بالألوهية، والربوبية، وخصائصهما من صفات الكمال. وحقيقته: أن الوصف الأكمل من كل كمال مطلق، ثابت لله تعالى

стр. 925

وحده حقيقة على ما يليق به سبحانه. وتبين دلالة السياق، والمعاني اللغوية على صحة هذا التفسير - كما دل على ذلك كثير من أقوال أهل العلم. وتبين أن هذا المعنى ورد في نصوص كثيرة مهمة. وذلك يشهد لقوة تفسير (المثل الأعلى) بهذه المعاني. والله تعالى أعلم.

стр. 926

الفرع الثاني: المثل الأعلى لله تعالى العلمي الخبري. تقدم١ تعريفه بأنه: وجود صفات الله تعالى العلمي، الَّذِي هو: الخبر عنها وذكرها في نصوص الكتاب والسنة. حيث تضمنت النصوص بيان تفرد الله بالألوهية، والربوبية، وفصلت التعريف بأسماء الله وأفعاله وصفاته. كما تقدم هناك بيان المراد بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ على هذا المعنى، وأنه بمعنى: ولله الوصف الأعلى المذكور في نصوص الكتاب والسنة، لا لغيره. فهو الخبر الصحيح عن الله، الَّذِي لا يجوز أن يخبر به عن غيره. وتقدم٢ أن هذا النوع يشتمل على الأمثال القولية التي ضربها الله في كتابه لبيان الحجج والبراهين على تفرده بالألوهية والربوبية وصفات الكمال. دلالة السياق على هذا المعنى: لا يقال إن سياق سورة "النحل" أو سورة "الروم" التي ورد فيها إثبات المثل لله تعالى يدل على هذا المعنى فحسب، بل إن جميع سور

стр. 927

القرآن الكريم توضح ذلك، ويتكامل فيها البيان لما هو ثابت لله تعالى من الأسماء والصفات، والأفعال، والتي تدل بمجموعها على المثل الأعلى لله تعالى. وكذلك السنة المطهرة تدل على كثير من أسماء الله وصفاته وأفعاله. وقد تقدم١ ذكر نماذج من دلالة القرآن الكريم على المثل الأعلى لله تعالى، في المعنى السابق. أما النوع الثاني: وهو الأمثال العلمية القولية التي ضربها الله تعالى لبيان تفرده بالمثل الأعلى، فقد ورد طائفة منها في سورتي "النحل" و "الروم" اللتين ورد فيهما إثبات المثل الأعلى لله تعالى. ومما ورد في سورة "النحل" قوله : ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.

стр. 928

وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ١. ومن سورة الروم قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوآ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ ٣. وهذا يدل على أن قضية ضرب الأمثال لله تعالى من القضايا الهامة التي تطرقت لها السورتان. وأن الله تعالى نهى الجاهلين عن ضرب الأمثال له. وضرب الأمثال العالية لنفسه سبحانه. وبيّن أن له الأمثال العليا التي تدل على اتصافه بالمثل الأعلى. والله أعلم.

стр. 929

دلالة المعنى اللغوي: تقدم١ أن لفظ "مثَل" من معانيه في اللغة: الدلالة على: مجموع صفات الشيء وحقائقه. أو على الأنموذج الجامع لها. والقرآن الكريم والسنة المطهرة جامعان لذكر صفات الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وحقه على عباده، وأفعاله، وسننه. فهما مشتملان على ذكر المثل الأعلى لله تعالى. فيقال: إن جميع صفات الله تعالى - التي أخبر بها عباده - والمعاني الثابتة له حقيقة، موجود ذكرها في الكتاب والسنة، ففيهما المثل الأعلى العلمي. أما دلالته على الأمثال القولية فهي ظاهرة حيث إنها من المعاني الرئيسة التي يطلق عليها لفظ "مثل". أقوال العلماء الدالة على هذا المعنى: تقدم كلام ابن القيم ﵀ وهو يذكر عبارات السلف في تفسيرهم للمثل الأعلى، حيث قَال: "الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل"٢.

стр. 930

وقال: "وأخبر عن مثَله الأعلى بما ذكره من أسمائه وصفاته وأفعاله. وضرب لأوليائه وعابديه أحسن الأمثال. ومن تدبر القرآن فهم المراد بالمثل الأعلى"١. وقال عن إطلاق الأمثال القولية التي ضربها الله لعباده:"فهذان مثلان ضربهما الله لنفسه وللأصنام. فللأصنام مثل السوء، وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى"٢. وقال الزجاج٣ ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ : "المثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ، قد ضربه الله تعالى مثلا فيما يسهل ويصعب عندكم، وينقاس على أصولكم، فاللام في المثل للعهد، وهو محمول على ظاهره"٤. أهمية المثل الأعلى الخبري: إن وجود ذكر المثل الأعلى - الدال على تفرد الله بالألوهية

стр. 931

والربوبية، وسائر صفات الكمال - في نصوص الكتاب والسنة مهم جداً، إذ هو الطريق لعلم العالمين، وقيام المعرفة الصحيحة في قلوب العباد بالله رب العالمين ولولاه لما استطاع أحد أن يعرف ربه معرفة صحيحة. فهذا مضمار لا مجال للعقول للوصول إليه، ولذلك ورد بيانه وتفصيله في الكتاب العزيز والسنة المطهرة.

стр. 932

الفرع الثالث: المثل الأعلى العلمي الاعتقادي القائم في قلوب المؤمنين لرب العالمين. تقدم١ أن المراد به هو: توحيد الله باعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية، وأن له الأسماء الحسنى وله من كل كمال مطلق أكمله وأعلاه، وما ينتج عن ذلك من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وذكره وعبادته. فالوصف الأكمل من كل كمال ثابت لله وحده في قلوب المؤمنين على الوجه الذي دل عليه المثل الأعلى الخبري، الثابت في نصوص الكتاب والسنة. دلالة السياق على هذا المعنى: لقد تضمن كلا السياقين اللذيْن ورد فيهما إثبات المثل الأعلى لله تعالى، الدعوة إلى التوحيد والاستقامة على الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ وذكر أهم صفات الموحدين العارفين بالله. فختمت سورة "النحل" بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ

стр. 933

الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ المُشْرِكِينَ﴾ ١. فذكر تعالى صفات إبراهيم ﵇ إمام الموحدين، ثم أمر النبي محمد ﷺ باتباعه في ذلك، بالتزام التوحيد الخالص ومفارقه طريقة المشركين الظانين به ظن السوء، الضاربين له الأمثال. وفي سورة الروم بعد قوله تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى..﴾ الآية، ورد قوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ المُشْرِكِينَ مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٢. وتقدم٣ في دلالة السياق أن: "في مجيء قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ... ﴾ الآيات، بعد إثبات المثل الأعلى له وحده سبحانه،

стр. 934

مناسبة هامة هي: بيان أن إقامة الدين وإخلاص العبادة لله هي ثمرة العلم وإثبات المثل الأعلى لله وحده. فمن أثبت لله المثل الأعلى، عمر قلبه بالتوحيد. وعندها يقيم دينه وحياته وكل أحواله لله، وعلى منهج الله". دلالة المعنى اللغوي: تقدم في الفرعين السابقين أن ثبوت المثل الأعلى لله تعالى موافق للمعنى اللغوي للمثل الدال على: مجموع صفات الشيء وحقائقه، أو الجامع لها. والمثل الأعلى القائم في قلوب المؤمنين لرب العالمين مطابق لذلك، حيث إن المراد: وجود العلم وثبوت الاعتقاد بجميع أوصاف الله تعالى، والمعاني التي أخبر بها عن نفسه في قلوب المؤمن. قَال ابن تيمية ﵀: "لأنه قد يقال: إن العلم مثال المعلوم في العَالِم"١ أقوال العلماء في تفسير "المثل الأعلى" بهذا المعنى: فسر بعض العلماء من السلف وغيرهم "المثل الأعلى" بما يدل على التوحيد، والتوحيد فعل العبيد. ومن أولئك قتادة ﵀ في تفسير ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ،

стр. 935

حيث قَال: "شهادة أن لا إله إلا الله"١. وقصده بذلك ما دلت عليه من التوحيد، كما يدل عليه ما روي عنه من تفسير "المثل الأعلى" بالإخلاص والتوحيد٢. وقال ابن جرير ﵀: "يقول: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ : وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وهو التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره"٣. وقال الشوكاني ﵀: " ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ : وهو أضداد صفة المخلوقين، من الغنى الكامل، والجود الشامل، والعلم الواسع، أو التوحيد وإخلاص العبادة"٤. وقد بيّن الإمام ابن تيمية ﵀ هذا المعنى، بقوله: "وأما قرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه: فهذا أمر معروف لا يجهل، فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة، والذكر والخشية والتوكل. وهذا متفق عليه بين الناس كلهم ... وهذا القرب الَّذِي في القلب - المتفق عليه - هو قرب المثال العلمي

стр. 936

في الحقيقة، وذلك مستلزم لمحبته، فإن من أحب شخصا تمثل في قلبه ووجده قريبا إلى قلبه، وإذا ذكره حضر في قلبه ... وهذا هو "المثل الأعلى" الَّذِي قَال الله فيه: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ .... وهو "المثل" في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . فإنه سبحانه لا يماثله شيء أصلا. فنفسه المقدسة لا يماثلها شيء من الموجودات، وصفاته لا يماثلها شيء من الصفات. وما في القلوب من معرفته لا يماثله شيء من المعارف. ومحبته لا يماثلها شيء. فله ﴿المَثَلُ الأَعْلَى﴾ كما أنه في نفسه الأعلى"١. وتقدم٢ أن ابن القيم ﵀ ذكر هذا المعنى في المعاني التي تدور عليها عبارات السلف في تفسير المثل الأعلى، حيث قَال: "الثاني: وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قَال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وجلاله وتعظيمه. وهذا الَّذِي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه، بل يختص به في قلوبهم، كما اختص به في ذاته"٣.

стр. 937

وقال: "الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده، والإخلاص له والتوكل عليه، والإنابة إليه، وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى"١. كما تقدم٢ أن الأولى دمج هذين الأمرين في أمر واحد يشمل ما يقوم في قلب المؤمن من حقائق التوحيد من معرفة الله باعتقاد تفرد الله بالألوهية والربوبية، وسائر صفات الكمال، وما ينتج عن ذلك من محبة الله، والتوكل عليه ... ونحوها. وقال أيضاً ﵀: "وخلق الله القلوب، وجعلها محلا لمعرفته ومحبته وإرادته، فهي عرش المثل الأعلى الَّذِي هو معرفته ومحبته وإرادته. قَال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٥.

стр. 938

فهذا من المثل الأعلى وهو مستو على قلب المؤمن فهو عرشه، وإن لم يكن أطهر الأشياء وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث لم يصلح لاستواء المثل الأعلى عليه معرفة ومحبة وإرادة"١. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه، وهو التعظيم والإجلال، والمحبة والإنابة والمعرفة"٢. وأكتفي بهذه الأقوال المبينة لهذا المعنى، ففيها الكفاية إن شاء الله. وخلاصة هذا المطلب: أن الدلائل المختلفة - المتحصلة من دلالة السياق، والمعنى اللغوي للفظ مثل، ووصف المثل بالأعلى، وأقوال أهل العلم - تدل على أن المثل الأعلى الثابت لله تعالى يفسر بأكثر من معنى صحيح. وهذه المعاني منها معنى هو الأساس والأصل. وهو ثبوت المثل الأعلى الحقيقي لله تعالى وقيامه بذاته المقدسة كما تقدم بيانه. والمعاني الأخرى دالة عليه، أو نتيجة له. فهي توصف بأنها الأعلى باعتبار موافقتها له، ودلالتها عليه. فليست معان متضادة، وإنما يطلق "المثل الأعلى" على كل منها باعتبار صحيح. وهذه المعاني الصحيحة هي:

стр. 939

الأول: المثل الأعلى الحقيقي القائم بذات الله تعالى. وهو تفرد الله تعالى بالألوهية والربوبية، وخصائصهما من جميع صفات الكمال. وأن الوصف الأكمل من كل كمال مطلق ثابت لله تعالى وحده حقيقة على ما يليق به سبحانه. الثاني: المثل الأعلى لله تعالى العلمي الخبري. وهو: وجود صفات الله تعالى العلمي، الَّذِي هو الخبر عنها وذكرها في نصوص الكتاب والسنة، حيث تضمنت النصوص بيان تفرد الله تعالى بالألوهية، والربوبية، وفصلت التعريف بأسمائه وأفعاله وصفاته. كما اشتملت على البراهين والأمثال المضروبة للاستدلال على ذلك. الثالث: المثل الأعلى العلمي الاعتقادي القائم في قلوب المؤمنين لله رب العالمين. وهو توحيد الله باعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية، وأن له الأسماء الحسنى، وله من كل كمال مطلق أكمله وأعلاه، وما ينتج عن ذلك من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وعبادته وذكره. كما تبين أن الله متفرد بالمثل الأعلى في سائر المعاني التي يفسر بها، والدلائل على ذلك. والله أعلم.

стр. 940

المطلب الثاني: في معنى قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ ، يشتمل على اللام التي للاختصاص، والاسم الموصول ﴿الَّذِين﴾ وجملة الصلة ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ . والاسم الموصول ﴿الَّذِين﴾ اسم مبهم لا يظهر معناه إلا بجملة الصلة٢. وجملة الصلة ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وصف عام يدخل تحته أفراد كثيرون. ومنهم كفار العرب الَّذِين يكذبون بالبعث واليوم الآخر، وينسبون البنات إلى الله تعالى. والَّذِين تقدم ذكرهم قبل هذه الآية، في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٣. ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ : اختلفت أقوال أهل العلم في المراد بمثل السوء. وقد حصر أهمها الإمام الشوكاني بقوله:

стр. 941

"مثل السوء: أي صفة السوء من الجهل والكفر بالله. وقيل هو: وصفهم لله بالصاحبة والولد، وقيل: هو حاجتهم للولد ليقوم مقامهم، ووأد البنات لدفع العار وخشية الإملاق، وقيل هو: العذاب والنار"١. مناقشة هذه الأقوال: القول الأول: أن مثل السوء: هو الجهل والكفر القائم في قلوب الَّذِين لا يؤمنون بالآخرة المتضمن للشرك ووصف الله بخلاف ما يليق به سبحانه، وصرف العبادة لغيره. وهذا التفسير هو الراجح لذلك ذكره الشوكاني ﵀ أولاً، ودلائل رجحانه ما يلي: أولا: دلالة السياق. إن الآيات التي سبقت قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ الآية. تضمنت النهي عن الشرك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢. وبيان أن فريقاً من الناس يقابلون نعمة الله بالشرك بالله حال

стр. 942

الرخاء، فقال: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١. ثم بيّن جانباً من شركهم بقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ٢. وجانباً آخر بقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٣. ثم أبطل الله ذلك بقوله: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٤. فظاهر أن السياق يتكلم عن قضية الشرك، ووصف الله بما لا يليق به، ونسبة الولد والشركاء له سبحانه. وذلك يؤيد تفسير مثل السوء بالكفر والجهل الَّذِي أساسه الشرك القائم في قلوب الَّذِين لا يؤمنون بالآخرة، وأقوالهم. فيكون الشرك هو أساس مثل السوء. كما أن تفرد الله بالألوهية، واعتقاد المؤمنين لذلك هو أساس المثل الأعلى الثابت لله تعالى. ويدل على

стр. 943

أن هذا الصنف من الناس الَّذِين جمعوا بين الكفر باليوم الآخر، والشرك بالله هم مجمع السوء والشر والرذائل، إذ إن المراد بالمثل ما كان جامعا لصفات الشيء وحقائقه وكماله، فهم مثل السوء بهذا الاعتبار الَّذِين اجتمعت فيهم الشرور والضلالات والجهالات إذ ليس لديهم رادع يردعهم عنها، فهم لا يؤمنون بالله إيمانا صحيحا يثمر الخير في قلوبهم وأعمالهم، ولا يؤمنون بالبعث والحساب فيخافون ويرتدعون. ثانياً: رجوع أغلب التفاسير إلى هذا المعنى. فتفسير ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ بأنه: وصفهم الله بالصاحبة والولد. أو: بوأدهم البنات. وهو من جهلهم وكفرهم. فهو راجع إلى التفسير الأول. وتفسيره بالعذاب والنار هو نتيجة كفرهم وجهلهم. وتقدم١ أن هذا التفسير منسوب إلى ابن عباس ﵄ وأنه وإن كان له وجه في اللغة، إلا أن تفسير ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ في الآية به بعيد، لأن السياق في ذكر كفرهم وشركهم وإبطاله، وليس في بيان ما أعده الله لهم من العذاب٢. ثالثاً: ضعف التفاسير الأخرى التي لا ترجع إلى القول الأول.

стр. 944

وذلك أن كثيراً من المفسرين فسر ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ : بحاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم. وهذا التفسير بعيد جداً، لأن الحاجة إلى الولد غير خاصة بالذين لا يؤمنون بالآخرة. ويستوي فيها الكافر والمؤمن. والله قد خص الَّذِين لا يؤمنون بالآخرة بمثل السوء. المعاني التي يصدق عليها مثل السوء: إذا كان ﴿المَثَلُ الأَعْلَى﴾ الثابت لله تعالى يفسر بأكثر من معنى صحيح باعتبارات صحيحة. فكذلك ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ الَّذِي يقابل ﴿المَثَلُ الأَعْلَى﴾ يفسر بمعان تقابل المعاني التي فسر بها المثل الأعلى. والمعنى المشترك بين المعاني التي يفسر بها مثل السوء هو: اجتماع صفات السوء والنقص والفساد وحقائقها في كل منها باعتبار. وهي ثلاثة معان رئيسية: المعنى الأول: مثل السوء الطاغوتي. وهم الشيطان والطواغيت الَّذِين يدعون الناس إلى عبادتهم واتخاذهم أربابا. فكل من ادعى شيئا مما تفرد الله به من الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات ونحوها، فهو ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ الأحقر. كفرعون الَّذِي حشر فنادى:

стр. 945

﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١ وقال: ﴿يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٢. ومثل السوء الطاغوتي: المراد به اجتماع صفات السوء والشر وحقائقه في هؤلاء من الطغيان، والكبر والشر والفساد. وقيامها في نفوسهم وأعمالهم وسائر أحوالهم، ومنهم الذين يدعون الألوهية، أو الربوبية، ومنهم دعاة الشرك وسدنة الطواغيت. وهذا المعنى هو الأساس للمعاني الأخرى، وهو المادة المغذية لها. المعنى الثاني: مثل السوء الكفري الاعتقادي، المتمثل في عقائد وأعمال المشركين الَّذِين استجابوا للشيطان والطواغيت فعبدوهم من دون الله. واتخذوا مع الله آلهة وأربابا، فشاركوا أولئك في السوء والشر والفساد، وخبث الاعتقاد وضلال الأعمال. المعنى الثالث: مثل السوء العلمي. وهي العلوم الفاسدة التي تستند إليها أديان المشركين، والشبهات التي يحتجون بها، والجهالات التي تضمنتها كتبهم، ومدارسهم. فإن هذه العلوم والجهالات هي المستنقعات التي تمد الكفر والشر والسوء، وينبثق عنها كل ضلال وفساد، وهي وحي الشياطين، قَال

стр. 946

تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ١. ومن أمثال السوء ما بثه فرعون في قومه في معارضة رسل الله، قَال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ٢. هكذا يوهم أن ما يدعوهم إليه رشاد، وهو عين الفساد ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٣. تضمن الآية حجة لإبطال الشرك: هذه الحجة متمثلة في مقابلة أحكامهم السيئة، وما نسبوه إلى الله من الشرك والولد، بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . وذلك: أن من هذه الأمور التي نسبوها إلى الله تعالى - وتقدم ذكرها في الآيات - أموراً هم ينفرون منها، ولا يرضونها لأنفسهم، فكيف ينسبونها إلى الله، وهو أعز وأجل وأعلى منهم.

стр. 947

وأشار السياق إلى أمرين من هذه الأمور: الأمر الأول: في قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ١. قَال ابن جرير ﵀ في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ : "يعني: تختلقون من الإفك على الله بدعواكم له شريكاً، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيباً، ثم ليعقابكم عقوبة تكون جزاء لكفرانكم نعمه، وافترائكم عليه"٢. وهم مع ذلك لا يرضون ذلك لأنفسهم، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، يبطل ذلك الادعاء، إذ كيف يرضون له ما لا يرضونه لأنفسهم، وهو سبحانه أعظم وأجل وأعلى وأغنى عن الشركاء منهم. وقد فصّل الله هذه الحجة في سورة "الروم" بعد أن بيّن تفرده بالمثل الأعلى بقوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا

стр. 948

رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. وسيأتي بيان هذا المثل - إن شاء الله - في المطلب القادم. الأمر الثاني: في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٢. قَال ابن جرير ﵀: "ومن جهل هؤلاء المشركين وخبث فعلهم، وقبح فريتهم على ربهم، أنهم يجعلون لمن خلقهم، ودبَّرهم وأنعم عليهم ... البنات، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر أو أنثى سبحانه، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم، ولا يرضونه لها من البنات، ما يقتلونها إذا كانت لهم"٣. ومقابلة زعمهم بأن لله بنات، وزعمهم أن له شركاء في ما خلقه من الرزق، بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، يدل على قاعدة هامة في الحجة والقياس، تتمثل في: أن كل نقص تنزه عنه المخلوق فالله أولى بالتنزه عنه، لأنه

стр. 949

سبحانه أعلى وأجل، وأبعد عن النقص والعيب. وإذا كان متقرراً في حكمهم: قبح الإناث وكراهتهم لهنّ، وقبح إشراك السيد عبده في ملكه، فليحكموا بذلك لله تعالى: وليثبتوا قبح نسبة الإناث إليه، ثم يثبتوا لله المثل الأعلى في ذلك، وهو كمال غناه عن الولد مطلقا ذكرا كان أو أنثى. وليحكموا بقبح جعل الشريك له في الرزق لكونه كامل السؤدد والغنى. وليثبتوا له المثل الأعلى في ذلك، وهو كمال غناه عن الشركاء مطلقاً في الربوبية والألوهية وغيرها من خصائصه. وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الحجة بقوله: "ولهذا لما كانت طريقة القرآن فيما يثبته للرب تعالى، وينفيه عنه، مبنيّة على برهان الأولى - لا على البرهان الَّذِي تستوي أفراده، أو يماثل فرعه أصله - قَال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ١، بعد قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٢، وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً﴾ ٣، أي

стр. 950

بما ضربوه للرحمن مثلا. والمثل الَّذِي ضربوه له هو البنات. وهو عندهم مثل سوء مذموم معيب، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ ، ومن قَال: إنه ولد الملائكة، أو قال: إنه ولد العقول أو النفوس، فإنه لا يؤمن بالآخرة فله مثل السوء. والله تعالى له المثل الأعلى، فلا يضرب له المثل المساوي، إذ لا كفؤ له ولا ند، فضلا عن أن يضرب له المثل الناقص ... ونظير ما ذكره سبحانه في الأولاد، ما ذكره في الشركاء، في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ ١. يقول تعالى: إذا كان الواحد منكم ليس له من مماليكه شريك في ما رزقه الله، بحيث يخاف ذلك المملوك كما يخاف السادة بعضهم بعضا، فكيف تجعلون لي شريكا هو مملوكي، وتجعلونه شريكا فيما يختص بي من العبادة والمخافة والرجاء، حتى تخافوه كما تخافوني"٢. إلى أن قَال: "وإذا كان جعل المملوك شريكا في الملك الناقص - بحيث يرغب إليه كما يرغب إلى المالك، ويرهب منه كما يرهب من
следующие страницы →