← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7366

الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ١. ومن أمثال السوء ما بثه فرعون في قومه في معارضة رسل الله، قَال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ٢. هكذا يوهم أن ما يدعوهم إليه رشاد، وهو عين الفساد ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٣. تضمن الآية حجة لإبطال الشرك: هذه الحجة متمثلة في مقابلة أحكامهم السيئة، وما نسبوه إلى الله من الشرك والولد، بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . وذلك: أن من هذه الأمور التي نسبوها إلى الله تعالى - وتقدم ذكرها في الآيات - أموراً هم ينفرون منها، ولا يرضونها لأنفسهم، فكيف ينسبونها إلى الله، وهو أعز وأجل وأعلى منهم.

стр. 947

وأشار السياق إلى أمرين من هذه الأمور: الأمر الأول: في قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ١. قَال ابن جرير ﵀ في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ : "يعني: تختلقون من الإفك على الله بدعواكم له شريكاً، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيباً، ثم ليعقابكم عقوبة تكون جزاء لكفرانكم نعمه، وافترائكم عليه"٢. وهم مع ذلك لا يرضون ذلك لأنفسهم، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، يبطل ذلك الادعاء، إذ كيف يرضون له ما لا يرضونه لأنفسهم، وهو سبحانه أعظم وأجل وأعلى وأغنى عن الشركاء منهم. وقد فصّل الله هذه الحجة في سورة "الروم" بعد أن بيّن تفرده بالمثل الأعلى بقوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا

стр. 948

رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. وسيأتي بيان هذا المثل - إن شاء الله - في المطلب القادم. الأمر الثاني: في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٢. قَال ابن جرير ﵀: "ومن جهل هؤلاء المشركين وخبث فعلهم، وقبح فريتهم على ربهم، أنهم يجعلون لمن خلقهم، ودبَّرهم وأنعم عليهم ... البنات، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر أو أنثى سبحانه، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم، ولا يرضونه لها من البنات، ما يقتلونها إذا كانت لهم"٣. ومقابلة زعمهم بأن لله بنات، وزعمهم أن له شركاء في ما خلقه من الرزق، بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، يدل على قاعدة هامة في الحجة والقياس، تتمثل في: أن كل نقص تنزه عنه المخلوق فالله أولى بالتنزه عنه، لأنه

стр. 949

سبحانه أعلى وأجل، وأبعد عن النقص والعيب. وإذا كان متقرراً في حكمهم: قبح الإناث وكراهتهم لهنّ، وقبح إشراك السيد عبده في ملكه، فليحكموا بذلك لله تعالى: وليثبتوا قبح نسبة الإناث إليه، ثم يثبتوا لله المثل الأعلى في ذلك، وهو كمال غناه عن الولد مطلقا ذكرا كان أو أنثى. وليحكموا بقبح جعل الشريك له في الرزق لكونه كامل السؤدد والغنى. وليثبتوا له المثل الأعلى في ذلك، وهو كمال غناه عن الشركاء مطلقاً في الربوبية والألوهية وغيرها من خصائصه. وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الحجة بقوله: "ولهذا لما كانت طريقة القرآن فيما يثبته للرب تعالى، وينفيه عنه، مبنيّة على برهان الأولى - لا على البرهان الَّذِي تستوي أفراده، أو يماثل فرعه أصله - قَال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ١، بعد قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٢، وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً﴾ ٣، أي

стр. 950

بما ضربوه للرحمن مثلا. والمثل الَّذِي ضربوه له هو البنات. وهو عندهم مثل سوء مذموم معيب، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ ، ومن قَال: إنه ولد الملائكة، أو قال: إنه ولد العقول أو النفوس، فإنه لا يؤمن بالآخرة فله مثل السوء. والله تعالى له المثل الأعلى، فلا يضرب له المثل المساوي، إذ لا كفؤ له ولا ند، فضلا عن أن يضرب له المثل الناقص ... ونظير ما ذكره سبحانه في الأولاد، ما ذكره في الشركاء، في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ ١. يقول تعالى: إذا كان الواحد منكم ليس له من مماليكه شريك في ما رزقه الله، بحيث يخاف ذلك المملوك كما يخاف السادة بعضهم بعضا، فكيف تجعلون لي شريكا هو مملوكي، وتجعلونه شريكا فيما يختص بي من العبادة والمخافة والرجاء، حتى تخافوه كما تخافوني"٢. إلى أن قَال: "وإذا كان جعل المملوك شريكا في الملك الناقص - بحيث يرغب إليه كما يرغب إلى المالك، ويرهب منه كما يرهب من

стр. 951

المالك - ممتنعا يوجب الفساد، فجعل المملوك المخلوق شريكا لمالكه الخالق أولى بالامتناع ولزوم الفساد"١. دلالة ختام الآية بقوله: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العزيز: اسم من أسماء الله الحسنى. ويدل على ثبوت صفة العزة له سبحانه. قال تعالى: ﴿إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ٢ وصفة العزة تدل على ثلاثة معان. قَال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "فمعاني العزة الثلاثة كلها ثابتة لله العظيم: عزة القوة: الدال عليها من أسمائه القوي المتين. وهي وصفه العظيم الَّذِي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت. وعزة الامتناع: لأنه هو الغني بذاته، فلا يحتاج إلى أحد، ولا يبلغ العباد ضره فيضرونه، ولا نفعه فينفعونه، بل هو الضار النافع المعطي المانع. وعزة القهر: والغلبة لكل الكائنات، فهي كلها مقهورة لله خاضعة لعظمته، منقادة لإرادته، فجميع نواصي المخلوقات بيده، لا يتحرك منها متحرك، ولا يتصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء الله كان، وما لم

стр. 952

يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به"١. فاسم الله العزيز يدل على كمال قوة الله تعالى، وامتناعه بنفسه سبحانه، وخضوع جميع المخلوقات لقهره، وتدبيره، يفعل فيها ما يشاء ويختار لا يعجزه شيء، ولا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه، فهو سبحانه يُدبِّر ولا يُدَبر، يُجري ما شاء على من شاء ولا يمتنع من أمره، ولا يتعقبه في حكمه أحد، فسبحانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم. الحكيم: اسم من أسماء الله الحسنى، يدل على اتصاف الله تعالى بالحكمة في شرعه وقدره، والحكم بين المخلوقات. قَال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "أي هو تعالى ﴿الحَكِيمُ﴾ : الموصوف بكمال الحكمة، وبكمال الحكم بين المخلوقات. فالحكيم هو واسع العلم والاطلاع على مبادئ الأمور وعواقبها. واسع الحمد تام القدرة عزيز الرحمة. فهو الَّذِي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره. فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال. وحكمته نوعان: أحدهما الحكمة في خلقه. فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملاً على الحق. وكان غايته والمقصود به الحق. خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق

стр. 953

به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خِلقته وهيئته. فلا يرى أحد في خلقه خللا ولا نقصا ولا فطورا، فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن، أو يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن والانتظام والإتقان لم يقدروا، وأنى لهم القدرة على شيء من ذلك وحسب العقلاء منهم أن يعرفوا كثيرا من حكمه.... النوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه، فأي حكمة أجل من هذا؟.... فلو لم يكن في أمره وشرعه إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات، وأكمل اللذات، ولأجلها خلقت الخليقة، وحق الجزاء، وخلقت الجنة والنار، لكانت كافية شافية. هذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير، فأخباره تملأ القلوب علما ويقيناً وإيماناً وعقائد صحيحة، وتستقيم بها القلوب ويزول انحرافها، وتثمر كل خُلُق جميل، وعمل صالح وهدى ورشد. وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا. فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مضرته خالصة أو راجحة.... وبالجملة فالحكيم متعلقاته: المخلوقات والشرائع. وكلها في غاية

стр. 954

الإحكام. فهو الحكيم في أحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية. والفرق بين أحكام القدر وأحكام الشرع، أن القدر متعلق بما أوجده وكونه وقدره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وأحكام الشرع متعلقة بما شرعه"١. ما يدل عليه اجتماع الاسمين "العزيز الحكيم": إن اسم الله (العزيز) من الأسماء التي تبعث في قلب من فقه معناها الخوف والوجل الشديد. إذ إن له القوة العليا فلا يوجد من يستدرك عليه، أو يسأله عن فعله. وهو المهيمن المتصرف في الكون والعباد بما شاء من أمره. فيُضل من شاء ويهدي من شاء، ويعذب من شاء ويرحم من شاء، ويُجري ما شاء على من شاء، دون خوف من عاقبة أو من متعقب. ومن جرى عليه شيء من ذلك فلن يجد من دون الله ناصراً أو معيناً. وهذا المعنى يصيب القلب بالفَرَق والخوف الشديد. إذ يقول: إذاً قد يعذبني أو يضلني ولا يبالي. وهنا يأتي اسم الله (الحكيم) ، ليذهب ذلك الخوف الَّذِي انبعث في القلب من معرفة اسم الله العزيز، ويوازن القلب ويطمئنه. فالله سبحانه مع عزته وكمال قوته، وتفرده بالملك والتدبير، حكيم

стр. 955

يضع الأمور في مواضعها. يتولى المؤمن فيهديه ويكرمه، ويسخط على الكافر فيضله ويعاقبه. ويُجري المقادير على عباده بموجب علمه وحكمته، فضلاً أو عدلاً منه ﵎. ولهذا كثر اقتران اسم الله (العزيز) الباعث على الخوف والوجل، بأسماء أخرى باعثه على الرجاء والمحبة والأمل. فقد ورد مقترناً باسم الله (الحكيم) في أكثر من أربعين موضعا في القرآن الكريم١. واقترن كثيراً باسم الله (الرحيم) ، واسم الله (العليم) واسم الله (الغفار) و (الغفور) ونحوها٢. وما ذلك إلا لتعرف القلوب ربها معرفة متكاملة، تجعلها بين الخوف والرجاء في حالة تبعث فيها بوادر الخير والإقبال على الله، وتردعها عن نوازع الشر والانحياز إلى حزب الشيطان. مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين: إن المعاني العظيمة التي يدل عليها كل اسم من اسم الله (العزيز) واسمه (الحكيم) ، وتعلقهما بأمر الله الكوني، وأمره الشرعي، كل ذلك جعل لاقترانهما مدلولات واسعة، إلا أنني سأقتصر من ذلك على أربعة

стр. 956

معان يدل عليها ختم الآية بهذين الاسمين، لما لها من علاقة بالقضايا التي وردت في سياق الآية، ومناسبتها لمدلول قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . المعنى الأول: تقدم أن السياق الَّذِي ورد فيه إثبات المثل الأعلى من سورة "النحل" ركز على قضية التوحيد، ببيان تفرد الله بالألوهية، ووجوب إفراده بالعبادة، وبين أن ذلك هو الغاية التي أنزل من أجلها كتبه، وأرسل رسله، مع بيان جانب من دلائل التوحيد، وفضل أهله، وعاقبتهم الحميدة في الدنيا والآخرة. كما تضمن ذم الشرك وإبطاله، وبيان سوء عاقبته في الدنيا والآخرة. وتقدم - أيضا - أن المثل الأعلى لله تعالى أساسه تفرد الله بالألوهية، وكل الصفات الأخرى فهي من خصائص الإله الحق ﵎. وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ دليل على استحقاقه وحده للألوهية، والمثل الأعلى، ويكون قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ : تتضمن الدعوى ودليلها.

стр. 957

فالذي كملت عزته، وحكمته، هو المستحق للألوهية، ودلائل عزة الله، وحكمته على الوجه الأكمل مشاهدة في الكون قاطعة بكمال قوته، وعظيم حكمته. وهذا المعنى دلت عليه نصوص أخرى، ختم الله بها الحديث عن تفرده بالألوهية واستحقاقه للعبادة، بهذين الاسمين. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلآئِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٢. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٣. ونحوها.

стр. 958

المعنى الثاني: أنه لما كانت ربوبية الله - وما يشاهد من آثار أفعاله ﵎ أكبر دليل على تفرد الله بالألوهية والمثل الأعلى، ولما اشتملت عليه السورة من ذكر ذلك في مواضع متعددة منها، ناسب أن يذكر سبحانه ما يدل على كمال قوته وتدبيره، وأن ذلك يجري بموجب حكمته، فختم الآية التي ورد فيها إثبات المثل الأعلى بقوله: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وأشمل ما دل على هذا المعنى - وهو ختم الآيات التي تتحدث عن ربوبية الله وأفعاله بهذين الاسمين الكريمين - ما ورد في سورة "الجاثية" حيث بدأت السورة بذكر هذين الاسمين في قوله تعالى: ﴿حم تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنْ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ١، ثم ذكر الله جملة من آيات ربوبيته فقال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآ يَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَآءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢. ثم ختم السورة بذكر ربوبيته وبهذين الاسمين، حيث قَال تبارك

стр. 959

وتعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. المعنى الثالث: ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ من وجود فريقين: أهل مثل السوء الَّذِين أشركوا بالله، وكفروا باليوم الآخر، والَّذِين هم مجمع السوء والشر. وأهل الإيمان بالله واليوم الآخر، الَّذِين يثبتون لله المثل الأعلى، والَّذِين هم مصدر الخير والعدل في الأرض. وهذا يولد سؤالاً مفاده: كيف يُعصى الله في ملكه؟ وكيف يتمرد عليه عبيده، مع كمال ملكه وقوته، وإحاطة علمه؟ فيأتي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ليدل على أن ذلك واقع بعلمه، وإذنه، ولا يكون في ملكه ما لا يريده. وأن له في تقدير ذلك والإذن به الحكمة البالغة. فهو العزيز سبحانه لا يراعي أحدا، ولا يعجزه أحد، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولا قرابة، إلا الإيمان والتقوى وقد جعل

стр. 960

للهداية أسباباً، مَن سلكها وأتى بها هداه ولو كان حقيراً عند الناس، وجعل للضلال أسباباً، مَن تلبَّس بها وأعرض عن الهدى أضله وأرداه، ولو كان من كان شرفاً وعزاً. فهو ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ سبحانه يُجري مقتضى حكمته على عباده دون مبالاة أو مراعاة لأحد من الخلق. فهو سبحانه الَّذِي أجرى مقتضى حكمته في إضلال الضالين من أبناء الأنبياء وأقربائهم، كوالد إبراهيم، وابن نوح، وزوج لوط، وعم محمد صلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله. وهو الَّذِي يُجري ما شاء من أمره على العباد، من العذاب أو الرحمة، أو النصر أو الهزيمة أو غير ذلك من الأحوال على مقتضى حكمته الدائرة بين العدل والفضل، وسنة الابتلاء ... واختصاصه برحمته وفضله وهدايته من شاء من عباده. وهذا المعنى - وهو ختام الآيات التي تتحدث عن الهداية، والإضلال وما يجري على العباد من الأحوال - كثير في القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَآءُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١.

стр. 961

وقال: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمْ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوآ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لاَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢. وقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ٣. ونحوها كثير. ويدخل في هذا المعنى الحديث عن الوحي إلى الأنبياء، وإنزال القرآن الكريم، لأن ذلك هو الطريق إلى الهداية، والتكذيب به والإعراض عنه هو سبب الضلال. ومما ورد في هذا المعنى، قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٤.

стр. 962

وقوله تعالى في أكثر من سورة: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ١. ونحوها. المعنى الرابع: ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ من استحقاق الله وحده للتسبيح والتنزيه عن الولد والصاحبة والشريك. ففيه إشارة إلى وجوب تنزيه الله عن ذلك وتسبيحه مع ذكر موجبه وهو كونه (العزيز الحميد) ، وشواهد عزته وحكمته قائمة فيما يشاهَد في خلقه، وما يتجدد من أمره سبحانه. وهذا المعنى - وهو ختام الآيات التي تتحدث عن تسبيح الله تعالى بهذين الاسمين - كثير في القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٢. وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ٣.

стр. 963

وأشمل ما يدل على هذا المعنى ما ورد في سورة "الحشر"، حيث بدأت بقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. ثم ذكر في آخرها المعاني التي دل عليها المثل الأعلى لله تعالى، من قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ إلى آخر السورة٢. ثم ختم تلك الآيات بقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٣. خلاصة القول في معنى قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ : أن الله تعالى بين أن الكفار الَّذِين كذبوا الرسول ﷺ وجمعوا بين الشرك بالله، والكفر باليوم الآخر هم مجمع السوء ومثله.

стр. 964

فآلهتهم التي يعبدونها آلهة سيئة، فهم عبدوا الطاغوت، والأوثان، التي لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنهم شيئا، واتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، وقلوبهم فاسدة، هي مجمع الشرك والعقائد الباطلة، والظنون السيئة بالله تعالى، وما يتولد عنها من الإرادات الخبيثة. وأعمالهم وأقوالهم وأحوالهم خبيثة سيئة، صائرة إلى الشر والفساد، لا يردعهم عنه رادع. وهم المستحقون لذلك النار التي هي مثل السوء، ومجمع الشر ومنتهاه، أعاذنا الله منها. وأن الله قابل تلك الأحكام السيئة التي وصفوه بها، مِن جَعلهم له الشركاء والبنات ونحوها، ببيان تفرده بالمثل الدال على تفرده بالألوهية والربوبية، وسائر صفات الكمال، وأن له من كل كمال مطلق أكمله وأعلاه، وأنه بين ذلك فيما نزل من الوحي، وقام موجب ذلك في قلوب عباده المؤمنين فأثبتوا له المثل الأعلى. ودلت تلك المقابلة على حجة لفت الله العقول إليها وهي: إذا كان هؤلاء الكفار ينسبون له البنات وهم يكرهونهن لأنفسهم، ويجعلون لبعض خلقه جزءاً وشركاً في حقه، وهم لا يقبلون إشراك عبيدهم فيما يملكون، فينبغي أن يعلموا أن الله أجل وأعلى منهم وأولى بالتنزه عن البنات والشركاء، بل له الكمال الأعلى، فليس له ولد وشريك البتة. ثم ختم ﵎ الآية بذكر اسمين عظيمين من أسمائه هما: (العزيز الحكيم) ، الدالان على كمال قوته، ونفوذ مشيئته في خلقه،

стр. 965

المطلب الثالث: في معنى قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعِيده وهو أهون عليه وله المثل الأَعلى في السماوات والأرض وهو العزِيز الحكيم﴾ ... قَال ابن جرير ﵀: "وقد يحتمل هذا الكلام ... أن يكون معناه: وهو الَّذِي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون على الخلق: أي إعادة الشيء أهون على الخلق من ابتدائه"١. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "أي إعادة الخلق بعد موتهم ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ من ابتداء خلقهم، وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول"٢. وقد ذكر بعض المفسرين ما يشير إلى أن كثيرا من المفسرين على هذا القول، حيث قَال: "قَال المفسرون: خاطب تعالى العباد بما يعقلون، فإذا كانت الإعادة أسهل من الابتداء في تقديركم وحكمكم، فإن من قدر على الإنشاء كان البعث أهون عليه حسب منطقكم وأصولكم"٣. وهذا القول هو الراجح للاعتبارات الآتية:

стр. 966

وحكمته في ذلك، واللذان تشاهد آثارهما ودلائلهما في خلقه وتدبيره. فيدل على أن من كملت عزته وقوته وحكمته فهو المتفرد بالألوهية المستحق لأن يُفرَد بالعبادة، وهو المستحق للتسبيح والتنزيه عن الشركاء والأولاد وعن كل نقص وسوء. وأن ما يجري في الكون، وعلى العباد ومنهم، بما في ذلك طاعات الطائعين، ومعصية العاصين، إنما هو بإذن الله وتقديره، لا يفعل أحد في ملك العزيز إلا وقد أذن له فيه ومكّنه من فعله، وله في كل ذلك الحِكم البالغة. له الملك لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

стр. 967

المطلب الثالث: في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١: ﴿هُوَ﴾ : ضمير مبتدأ. يعود على الله تعالى الَّذِي تقدم ذكره في قوله سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنْ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنْ الحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ ٢ الآيات. ﴿الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ : الاسم الموصول وجملة الصلة خبر من الله تعالى أنه هو الَّذِي يخلق الإنسان أول مرة، ويوجده بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ : جملة معطوفة على جملة الصلة: ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ ، تفيد خبراً آخر من الله، أنه سيعيد خلقه مرة أخرى.

стр. 968

قَال ابن جرير ﵀ في الآية: "يقول تعالى ذكره: والَّذِي له هذه الصفات ﵎، هو الَّذِي يبدأ الخلق من غير أصل فينشئه ويوجده، بعد أن لم يكن شيئا، ثم يفنيه بعد ذلك، ثم يعيده، كما بدأه بعد فنائه، وهو أهون عليه"١. وهاتان الجملتان - جملة الصلة، والمعطوفة عليها - بداية ومقدمة لدليل عقلي، وحجة برهانية. سيأتي بيانها قريبا - إن شاء الله تعالى -. قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ . ورد في معناها أقوال أشهرها ثلاثة، ذكرها ابن جرير ﵀ وأغلب أقوال المفسرين ترجع إليها، وهي: القول الأول: أن "أهون" بمعنى هين٢. وهذا القول مأثور عن ابن عباس ﵄، وبعض أهل العلم٣. وهو صحيح في اللغة حيث إن أهون يأتي بمعنى هين٤.

стр. 969

وهو صحيح من حيث المعنى حيث إن الله تعالى ليس عنده شيء أهون من شيء بل الكل عنده هين. إلا أن هذا القول - وإن كان كذلك - في تفسير الآية به نظر، وذلك للاعتبارات الآتية: ١- أن تفسير "أهون" بمعنى "هين" يجعل من الجملة خبرا محضا لا

стр. 970

يتضمن دليلا. فتكون الجملة، والجملتان قبلها، كلها أخباراً محضة. فالله يخبر أنه: يبدأ الخلق. وهذا الخبر مصدق عند المخبَرين. ويخبر أنه: يعيد الخلق. وهذا الخبر يكذّبون به. ثم يخبرهم أنه: عليه هين. وهذا لا يناسب خطاب المكذب، إذ إن المكذب يناسبه ذكر دليل يحمله على التصديق. ووصف فعل الله بأنه "هين" يناسب خطاب المؤمنين المصدقين بالفعل كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُنْ شَيْئاً﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ٢. والدليل لا يستقيم إلا بتفسير "أهون" على بابها بمعنى "أفعل" التي تفيد تفضيلا بين أمرين. وتدل على أن فعلا هو أهون من فعل، كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله.

стр. 971

٢- أن الأصل إجراء الألفاظ على ظواهرها، إلا إذا تعذر ذلك، ومعلوم أن الَّذِي دفع العلماء إلى تفسير "أهون" بهيّن، هو خوف توهم أن من الأفعال ما هو أهون على الله من بعض، وظنهم أن لا مخرج من ذلك إلا بتفسيرها بذلك. وحيث يوجد تفسير تجرى عليه "أهون" على بابها، ولا يلزم منه ذلك المحذور، ويكون أبلغ في الحجة فهو الأولى، وسيأتي بيان هذا المعنى فيما يأتي. القول الثاني: أن (أهون) على بابها للتفضيل، ويكون المعنى: "وإعادة الخلق بعد فنائهم أهون عليه من ابتداء خلقهم"١ وورد هذا التفسير عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة٢ ﵏. ونص بعضهم على أن بداية الخلق، وإعادته كلاهما هين على الله تعالى. لكنهم لم يفصلوا المعنى الَّذِي تُجرى فيه "أهون" على بابها للتفضيل، ولا يترتب عليه التزام أن أحد الفعلين أهون من الآخر على الله تعالى٣. وتفسير "أهون" بما يفيد التفضيل، يحتمل أمرين: ١- أن يكون في أفعال الله تعالى ما هو هين، وما هو أهون، وأن

стр. 972

ذلك خبر من الله تعالى عن فعله، أن الإعادة أهون عليه من بداية الخلق. قَال بعض المفسرين: "وقيل هو أهون عليه، أي الإعادة أهون على الخالق من الابتداء، لأن في البدء يكون علقة ثم مضغة ثم لحما ثم عظما ثم يخلق بشرا، ثم يخرج طفلا يترعرع، إلى غير ذلك فيصعب عليه ذلك كله. أما في الإعادة فيخرج بشرا سويا بِكُنْ فيكون أهون عليه"١. وهذا الفهم باطل، تجتثه من أساسه آية محكمة، هي قول الله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٢. قَال مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ : "يقول كن فيكون للقليل والكثير"٣. وقال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره: ما خلقكم أيها الناس ولا بعثكم على الله إلا كخلق نفس واحدة وبعثها، وذلك أن الله لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع منه شيء شاءه ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤، فسواء

стр. 973

خلْق واحد وبعْثه، وخلْق الجميع وبعثهم"١. وهذه الآية وردت في سورة "لقمان" لتزيل مثل هذا الوهم الَّذِي قد يفهم من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ في سورة "الروم" التي تأتي قبلها في ترتيب المصحف. ٢- أن المراد أن إعادة الخلق أهون على الله من بدايته في نظر المخاطبين، وما استقر في عقولهم من أن إعادة الفعل أهون على الفاعل من ابتدائه. فتكون جملة "وهو أهون عليه" استدلال وإلزام لهم بحجة عقلية يُقرّون بها. وهذا المعنى الَّذِي يحتمله القول الثاني يعود إلى القول الثالث الَّذِي جاء وقت الكلام عليه. القول الثالث: أن "أهون" على بابها للتفضيل، وأنها تدل على أن إعادة الخلق أهون وأيسر على الخالق من ابتدائه، ولكن ليس باعتبار فعل الله، وإنما باعتبار حكم المخاطبين وما استقر في أفهامهم وما يعقلونه من أفعالهم، حيث يقرون بأن من ابتدأ خلق شيء فإن إعادته مرة أخرى أهون وأيسر عليه، ومعلوم أن الحجة العقلية يجب أن تبدأ من أمر مسلَّم به عند المتحاجّين.

стр. 974

قَال ابن جرير ﵀: "وقد يحتمل هذا الكلام ... أن يكون معناه: وهو الَّذِي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون على الخلق: أي إعادة الشيء أهون على الخلق من ابتدائه"١. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "أي إعادة الخلق بعد موتهم ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ من ابتداء خلقهم، وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول"٢. وقد ذكر بعض المفسرين ما يشير إلى أن كثيرا من المفسرين على هذا القول، حيث قَال: "قَال المفسرون: خاطب تعالى العباد بما يعقلون، فإذا كانت الإعادة أسهل من الابتداء في تقديركم وحكمكم، فإن من قدر على الإنشاء كان البعث أهون عليه حسب منطقكم وأصولكم"٣. وهذا القول هو الراجح للاعتبارات الآتية: ١- اتفاقه مع أقوال السلف من إجراء "أهون" على بابها للتفضيل. ومع الأصل من إجراء الألفاظ على ظواهرها ما لم يمنع من ذلك مانع،

стр. 975

كما تقدم. ٢- دلالته على معنى صحيح، وحجة عقلية واضحة، وذلك هو الأنسب في خطاب المكذبين، حيث تورد القضية التي لا يقرّون بها مع دليلها. ٣- كثرة من قال به من المفسرين. دلالة الآية على حجة عقلية: إن البراهين العقلية لا بدّ أن تبدأ من مقدمات يُقرُّ بها المخالف، يُنقل منها عن طريق الإلزام إلى الإقرار بما ينكره، على مبدإِ المساواة بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، وتسرية الحكم إلى المماثل الذي تحقق فيه الوصف المؤثر، وكون الأكمل في الوصف هو الأولى بالحكم١. وهذه الحجة - التي دل عليها قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ - تضمنت أمرين يُقرُّ بهما المنكرون للبعث من كفار العرب. كما تضمنت الدعوى التي ينكرونها وهي: أن الله يعيد بعث الناس بعد موتهم. الأمر الأول الَّذِي يقرون به هو الحكم، وهو كون القادر على صنع شيء تكون إعادة صنعه عليه أهون، وهذا مستقِر عند جميع العقلاء.

стр. 976

الأمر الثاني: الَّذِي يقرون به - وهو أساس الدليل - هو: كون الله تعالى هو الَّذِي يبدأ الخلق. فهم يُقرّون بأن الله هو الخالق لكل شيء، وهو الَّذِي خلقهم، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَالتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١. وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَألتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. وجميع الأدلة العقلية الواردة في القرآن الكريم لإثبات البعث بعد الموت، لا تورد إلا على من يُقرّ بأن الله هو الخالق، أما من ينكر أن الله هو الخالق، فإنه يُسلك معه مسلك آخر، حيث تُورد الأدلة على إثبات ذلك أوّلاً. ومع إقرارهم أن الله هو الَّذِي يبدأ الخلق، يقرّون - أيضاً - أنه تعالى أقدر منهم على الخلق وأعلم. فيكون حاصل الدليل: أن هؤلاء المشركين الَّذِين يقرون بأن الله هو الَّذِي خلق الإنسان، ويقرّون بأن من صنع شيئا فإعادة صنعه عليه أهون، يلزمهم على ذلك أن يحكموا لله بهذا الحكم، ويقولوا إن إعادة خلق الناس وبعثهم أهون وأيسر

стр. 977

عليه من خلقهم أول مرة، وهو أولى بذلك لكونه أقدر وأعلم، ولكونه أولى بالكمال ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . وهذا القْدر كافٍ في إلزامهم بإثبات إمكان البعث، وإن كان يتضمن فهما خاطئا في حق الله تعالى، وهو ما يقتضيه الدليل من حكمهم أنّ بدْءَ الخلق أصعب عليه من إعادته، ولكن المقصود هو إلزامهم بإمكان البعث على أصولهم. ثم إذا عقلوا الدليل واهتدوا به وأقروا بالبعث، وآمنوا بالله ورسوله ﷺ فسينقلون من هذا الفهم القاصر إلى ما يليق بالله من الوصف الأكمل وأن له من القدرة ما لا يعجزه معها شيء، وتستوي في قدرته العظائم والمحقرات، والكثرة والقلة، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ . فهو سبحانه ليس كالمخلوق الَّذِي يعالج الأشياء فيسهل عليه بعضها، ويصعب عليه بعضها، وإنما توجد جميع المخلوقات مهما كانت عظمتها بمجرد أن يأمرها بقوله "كن" كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ١.

стр. 978

وقوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١. فهم إذا أثبتوا القدرة على البعث قياسا على ما يعقلونه من حالهم من أن الصانع للشيء أقدر على إعادته وهو أهون عليه، فقد أثبتوا له الكمال على طريق الأولى. ويطالبون بإثبات الكمال الأعلى له سبحانه بقوله تعالى ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ كخطوة أخرى. والله أعلم. وهذا الدليل من أقوى الأدلة على البعث لمن كان يؤمن بأن الله هو الخالق، لذلك ذكر الله عنهم انقطاعهم عند إيراده بقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ٢. المراد بقوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ : قوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٣.

стр. 979

ويدل على عدة معان صحيحة تبعا للمعاني التي فسّر بها المثل الأعلى: المعنى الأول: تفرده من بين أهل السماوات وأهل الأرض بالألوهية والربوبية وصفات الكمال القائمة بذاته سبحانه ... بمعنى أنه ليس مثله شيء في السماوات ولا في الأرض. قَال ابن جرير ﵀: "وقوله: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، يقول: وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى في السماوات والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء فذلك المثل الأعلى، تعالى ربنا وتقدس"١. المعنى الثاني: شهادة أهل السماوات، والمؤمنين أهل العلم من أهل الأرض له سبحانه بالمثل الأعلى، فتكون بمعنى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لآ ِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلآئِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَآئِمًا بِالقِسْطِ﴾ ٢. "والمعنى: أنه سبحانه عُرف بالمثل الأعلى، ووُصف به في السموات والأرض"٣.

стр. 980

المعنى الثالث: أن له كل مثل صحيح يُضرب في السموات أو في الأرض للدلالة على ما هو ثابت له من المثل الأعلى. "فيفيد ذلك أن له المثل الأعلى من أمثلة الناس وهم أهل الأرض ... ومن كل مثل يُضرب في السموات"١. وقد تقدم أن ضرب الأمثال لله تعالى منه ما هو ممنوع وما هو مشروع بما يغني عن إعادة الكلام عليه. قوله تعالى في ختام الآية: ﴿هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . تقدم بيان أهم المعاني التي يدل عليها هذان الاسمان، ومناسبة ختم آية سورة "النحل" بهما٢. وتلك المعاني معتبرة في هذه الآية من سورة "الروم" حيث إن كلتا الآيتين جاءت في سياق الكلام على ربوبيته، وثبوت المثل الأعلى له سبحانه. ومن دلالة ختم هذه الآية بهذين الاسمين، أن الله سبحانه يبين بذكرهما كمال قوته وعزته، مما يجعله يفعل ما يريد - ومن ذلك البعث بعد الموت - دون أي ممانعة من المخلوق أو غيره، وأنه سبحانه يفعل ذلك لحكمة كسائر أفعاله المباركة.

стр. 981

خلاصة القول في معنى الآية: أن قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ، ورد في سياق مجادلة كفار العرب الجاحدين للبعث بعد الموت، وتضمنت دليلا عقلياً قاطعاً في إمكان البعث على أصولهم التي يتعارفون عليها. وتبيّن أن تفسير "أهون" في الآية بهين ليس هو الأولى وإن كان صحيحاً في اللغة والمعنى، وإنما الأنسب تفسيرها على بابها للتفضيل حيث تدل على حجة عقلية. ويكون قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ : خبر من الله تعالى يُقرُّ بِهِ المشركون، وهو مقدمة للدليل بعده. وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ : هي الدعوى المستدلّ لها والتي ينكرها المشركون. وقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ : تتضمن حكما متفقا عليه، يقر به المخاطبون بالدليل من المشركين، هذا الحكم هو: إعادة الصنع أهون على الصانع من ابتدائه. وحاصل الدليل: إيجاب العقل الحكم لله بهذا الحكم، من كون البعث أهون عليه من خلق الناس أول مرة، وأنه أولى بذلك لكونه أقدر وأعلم منهم.

стр. 982

ودل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ مع تأكيد أنه أولى بهذا الحكم منهم، - لكونه أولى بكل كمال ثابت للمخلوق على ما يليق به سبحانه - على أن له من كل كمال أكمله وأعلاه، مما يزيل الاشتباه بأن بعض الخلق أهون على الله من بعض، ويفيد كمال قدرته التي تستوي عندها المخلوقات مهما عظمت أو كثرت أجزاؤها أو مراحل خلقها. ودل قوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ : على تفرده سبحانه بالمثل الأعلى - الدال على اختصاصه وحده بالألوهية والربوبية وأكمل الكمال - في السموات والأرض فليس له مماثل أو مكافئ أو شريك من أهلهما. وختم سبحانه تلك الآية العظيمة باسمين من أسمائه المباركة، هما (العزيز الحكيم) ، ليبين كمال قوته وعزته، وشمول حكمته لكل أفعاله، وأنه يفعل ما يريد - ومن ذلك البعث بعد الموت - دون أن يكون له ممانع أو مدافع أو معقب، وأن له في ذلك الحكمة البالغة، والله أعلم.

стр. 983

المبحث الثالث: في دلالة ثبوت المثل الأعلى لله تعالى على قاعدة قياس الأولي المطلب الأول: في بيان المطلبين اللذين يمكن إثباتهما بقاعدة قياس الأولى، ويدل عليهما ثبوت المثل الأعلى لله تعالى . ... المطلب الأول: في بيان المطلبين اللذين يمكن إثباتهما بقاعدة قياس الأولى، ويدل عليهما ثبوت المثل الأعلى لله تعالى. من القاعدة المتقدمة لقياس الأولى يتبين أنه يتحقق بها نوعان من المطالب: النوع الأول: إثبات الكمال لله تعالى بطريق الأولى. وهذا الطريق يستند على أمرين مستقرين في العقول السليمة. الأول: أن كل كمال في المخلوق فهو مستفاد من الخالق. فالذي أعطاه ذلك الكمال أولى به على ما يليق به. الثاني: أن الله أعلى وأعظم وأكمل من المخلوق، فهو أولى بالكمال منه. قال الإمام ابن تيمية ﵀ في بيان هذين المستندين: "فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكناً للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى، لأن ما كان ممكناً لما وجوده ناقص، فلأن يمكن لما وجوده أكمل منه بطريق الأولى، لا سيما وذلك أفضل من كل وجه. فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه. بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به. فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى. ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق والذي جعل غيره كاملاً هو أحق بالكمال منه. فالذي جعل غيره قادراً أولى بالقدرة،

стр. 984

والذي علّم غيرَه أولى بالعلم، والذي أحيا غيرَه أولى بالحياة١ ". وهذا النوع دل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ في سورة الروم. وذلك أن الله تعالى بين لأولئك المشركين الذين يقرون بأن الله هو الذي خلق الإنسان، ويثبتون كمالاً في المخلوق يتمثل في أن من صنع شيئاً فإعادة صنعه أهون عليه، فبين لهم الله أنه يلزمهم أن يحكموا له بهذا الحكم، ويقروا بأن إعادة الخلق أهون عليه سبحانه من خلقهم أول مرة، وهو أولى به لكونه أقدر وأعلم. فهو أولى بذلك الكمال الذي يثبتون جنسه للمخلوق. النوع الثاني: نفي النقص عن الله تعالى بطريق الأولى. وهذا النوع يستند إلى المستند الثاني المذكور فيما قبله، وهو: أن الله أعلى وأعظم وأكمل من المخلوق، فهو أولى بالتنزه عن كل نقص تنزه عنه المخلوق. ودل على هذا النوع قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ من سورة النحل.

стр. 985

وذلك أن الله قابل أحكامهم السيئة وما نسبوه له من النقص، حيث زعموا أن له شركاء وأولاداً، بقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ، ليبين لهم أنه أولى بالتنزه عن هذه الأمور التي نسبوها له وهم ينفرون منها، ولا يرضونها لأنفسهم، إذ إنه سبحانه أعز وأعلى وأجل منهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "حيث كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت، فيعدّون هذا نقصاً وعيباً، والربّ تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له المثل الأعلى. فكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجرداً عن النقص. وكل ما يُنزَّه عنه المخلوق من نقص وعيب فالخالق أولى بتنزيهه عنه١". وبهذا يتبين أن قاعدة قياس الأولى يتم بها مطلبان هامان هما: الأول: إثبات الكمال لله تعالى. الثاني: نفي النقص عنه سبحانه. وأن ذلك جار وفق نظر العقول السليمة التي تقطع بأن الله الخالق المبدع أعلى وأجل من المخلوق، وأنه أولى بكل كمال، وأبعد عن كل نقص. وأشار القرآن الكريم إلى تحقق المطلبين بهذه القاعدة، حيث دل قوله
следующие страницы →