Полный текст (1 219 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
باب جامع في الإيمان
من حلف على أمر ليفعلنه وعلق على ذلك بصفة لم يحنث إلا بوجود الصفة ويحنث عند مالك وأصحابه بأقل ما يقع عليه اسم تلك الصفة ولا يبر عندهم إلا بتمام ما حلف عليه هذا هو المشهور عن مالك وهو تحصيل مذهبه عند عامة أصحابه.
وقد قال بعض أصحابه ورواه عنه أنه: يبر بوجود اسم الصفة ومن أكره على فعل شيء قد كان حلف ألا يفعله فلا كفارة عليه فإن فعله ساهيا فعليه الكفارة ومن حلف فقال:
стр. 387
الحلال علي حرام وحاشى امرأته بقلبه لم يلزمه شيء إلا أن يحلف لغريم له فإن حلف بذلك لغريم له ففيها لمالك قولان أحدهما أنه لا تنفعه محاشاة امرأته بقلبه وتحرم عليه، والآخر أن ذلك ينفعه ولا يدخل ذلك في امرأته إن حاشاها بقلبه كما لو كانت يمينه لغير غريمه ومن حرم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له أو شيئا مما أحل الله له فليس بشيء ولا كفارة عليه في شيء من ذلك إلا انه إن نوى بتحريم الأمة عتقها صارت حرة وحرم عليه وطؤها إلا بنكاح جديد بعد عتقها ولو قال لزوجته: إنها حرام لزمه ذلك وطلقت منه بثلاث ولا ينوي عند مالك ومن شك فلم يدر أحنث في يمين بالله أن لا فيحتاط له ويؤمر بكفارة يمين عند مالك وليس ذلك بواجب عليه ومن حلف ألا يكلم رجلا فسلم عليه عامدا أو ساهيا أو سلم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك وإن أرسل رسولا أو سلم عليه في الصلاة لن يحنث ومن قال: فأنا محرم بعمرة إن كلمت فلانا فكلمة لزمه الإحرام بالعمرة في حين كلامه ولم يكن له تأخيره.
ولو قال: إن كلمت فلانا أنا محرم بحجة ثم كلمه لزمه الحج وجاز له تأخير الإحرام إلى شهور الحج ان كان كلمه قبل ذلك ولا فرق بين قوله: أنا محرم أو أنا أحرم عند ابن القاسم.
ومن حلف ألا يأكل شيئين فأكل أحدهما حنث عند مالك إلا أن يكون نوى الجمع بينهما ومن حلف على شيء واحد ألا يفعله ففعل بعضه حنث في المشهور عن مالك وذكر ابن الجلاب المالكي قوله ويخرج فيه على مذهبه أيضا قول آخر إنه لا يحنث حتى يفعل ذلك كله
стр. 388
وهو قول ابن كنانة ومن حلف ألا يلبس ثوبا هو عليه فإن نزعه مكانه لم يحنث وان استدام لبسه حنث إلا أن تكون له نية في مدة وكذلك لو حلف ألا يركب دابة هو عليها أن لم ينزل مكانه حنث كالثوب سواء.
ومن حلف ألا يأكل من رطب نخلة فأكل من تمرها حنث في يمينه وقال أشهب لا يحنث ولو حلف ألا يأكل من تمرها فأكل من رطبها أو طلعها أو بسرها أو بلحها لم يحنث عندهم ومن حلف ألا يدخل بيتا فدخل بعض بيوت الشعر حنث إلا أن يكون له نية ولو دخل المسجد لم يحنث ومن حلف ألا يأكل بيضا لم يحنث بأكل بيض الحيتان.
وقد قيل: إنه يحنث والأول أثبت إلا أن يكون له نية وكذلك أن حلف ألا يأكل رؤوسا لم يحنث بأكل رؤوس الحيان إلا أن ينوي ذلك ويحنث عند مالك بأكل رؤوس الطير.
وقال أشهب: لا يحنث إلا بأكل ما يعمد من الرؤوس إن لم تكن له نية ومن حلف ألا يأكل حنطة فطحنت وأكلها حنث وان زرعت وأكل من زرعها لم يحنث ومن حلف ألا يأكل لحما فأكل سمكا حنث.
وقال أشهب: لا يحنث إلا بأكل لحوم الأنعام ومن حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث عند مالك ومن حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما حنث عنده ومن حلف ألا يأكل خلا لم يحنث بأكل مرق فيه خل إلا أن يريد شيئا دخله خل ومن حلف ألا يأكل لبنا أو سمنا فشربه حنث وكذلك إن حلف ألا يشربه فأكل حنث ومن حلف ألا يأكل زبدا فأكل سمنا لم يحنث.
واختلف أصحاب مالك فيمن حلف ألا يأكل شيئا ما
стр. 389
حنث عليه.
والأصل في هذا الباب مراعاة ما نوى الحالف فإن لم تكن له نية نظر إلى بساط قصته ومن أثاره على الحلف ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في نفوس أهل وقته ومن جاء مستفتيا في غير حكومة نوى ودين ولزمه ما نواه وقصده فأفهم هذا المعنى فهو أصل هذا الباب ومن لم يكن ليمينه بساط ولا نية فإنه يحنث بكل ما وقع عليه ذلك الاسم المحلوف عليه فقف على ذلك نصب الحكم إن شاء الله.
ومن حلف بصدقة شيء من ماله وعينه مثل قوله: داري أو ثوبي هذا صدقة على المساكين ثم حنث أو حلف فقال داري صدقة عليك أو على فلان ثم حنث في يمينه لم يقض عليه في شيء من ذلك ولكنه يؤمر ويفتي به وكذلك لو قال: داري صدقة على المساكين تطوع بذلك من غير يمين لم يجبر أيضا على إخراجها عن ملكه إلى المساكين كما لو حنث فيها بيمين ولكنه يندب إلى ذلك وإنما يجبر من تصدق بشيء من ماله على إنسان بعينه في غير حنث إذا أبى من إنفاذه جبر عليه وقضى به إذا كان لإنسان بعينه وطلبه وكان في غير يمين حنث وهذا كله قول مالك وابن وهب وابن القاسم وأشهب
стр. 390
باب القول في كفارة الأيمان
من حلف بالله على شيء وحنث في يمينه فعليه الكفارة وهو فيها بالخيار وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة ليس فيها شرك لغيره ولا عتاقة بعضها ولا عتق إلى أجل ولا كتابة ولا تدبير ولا تكون أم ولد ولا ممن يعتق عليه إذا ملكه ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب ضررا بينا وان شاء أطعم عشرة مساكين من أجود ما يقتاته هو وأهله من الطعام لكل مسكين مد بمد النبي ﵇ بالمدينة وغيرها وسطا من الشبع وذلك رطلان من الخبز وشئ من الإدام كالزيت وشبهه دون اللحم وان أعطى مدا ونصفا أو مدا وثلثا بمد النبي ﵇ لكل مسكين كان أحب إلي والمد يجزئه ولا يجزئه إن كان يطعم مسكينا واحدا عشرة أمداد في اليوم ولا في أيام عدة ولا يجزئه إن أطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة ولا بد من جنس واحد في الكفارة.
وقد روي عن مالك جواز ذلك والأول تحصيل مذهبه وهو الأشهر عنه وإن شاء كسا عشرة مساكين ثوبا ان كانوا رجالا فقميصا قميصا أو جبة جبة وان كانوا نساء فقميص وخمار.
والأصل في ذلك ما تجوز به الصلاة ولا تجوز في ذلك القيمة فإن لم يجد شيئا من ذلك كله صام ثلاثة أيام متتابعات فإن فرقها أجزأت عنه ويلزم التبييت لكل يوم منها والعبد لا تجزئه الكفارة بالعتق وان أذن له مولاة لأن الولاء للسيد وان كسا أو أطعم بإذنه قال مالك: رجوت أن يجزئه وليس بالبين والصوم له أحب إلي وصومه
стр. 391
في كل كفارة كالحر وعند غير مالك لا يجزئ العبد إلا الصوم ولو كفر عن الحانث رجل بغير أمره أجزأ عنه عند مالك وأصحابه وأحب إلي أن لا يكفر إلا بأمره ولا يعطى من الكفارة إلا حر مسلم فقير أو مسكين ممن لا يجبر على النفقة عليه فإن أطعم كافرا أو غنيا أو عبدا ثم تبين له لم يجزه وان كفر الحالف بالله قبل أن يحنث في يمينه أجزأ ذلك.
وقد قيل: إنه لا يجزئه والأول تحصيل مذهب مالك.
وقد قيل أيضا: لا يجزئه في الصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته ويجزئه في غير ذلك تقديم الكفارة والكفارة بعد الحنث أحب إلى في كل شيء ومن حنث وهو موسر فلم يكفر حتى أعسر أو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر أو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى أعتق فالمراعاة في ذلك كله وقت تكفيره لا وقت حنثه.
стр. 392
باب النذور
لا كفارة للنذر المسمى إلا بالوفاء.
والنذر نذران: نذر في طاعة الله يجب الوفاء به، ونذر في معصية الله فلا يجب فيه وفاء ولا كفارة.
ونذر الطاعة يكون مطلقا ويكون معلقا بشرط وصفة.
فالمطلق: مثل قوله: لله علي أن أحج أو أصلي أو أصوم أو أعتق أو أتصدق ونحو ذلك من أفعال البر، فذلك لازم له الإتيان به.
والمعلق: بشرط يلزم بوجود الشرط والصفة،
стр. 393
وذلك نحو قوله: إن نجاني الله من كذا فعلي كذا لشيء يذكره من القربان إلى الله وطاعاته وكذلك قوله: إن بلغني الله وكذا أو جمعني بكذا فعلي من الطاعات كذافيلزمه ذلك إن قدر عليه وإن عجز عنه انتظر المقدرة عليه.
وأما المعصية: فنحو أن يقول: لله علي أن أزني أو أسرق أو أشرب خمرا أو أقتل فلانا المسلم بغير حق أو نحو هذا من المعاصي صغائرها أو كبائرها فمن قال ذلك لم يجز له فعل شيء منه ولم يلزمه شيء في ترك ذلك من الكفارة ولا غيرها ولا نذر لأحد فيما لا يملكه إلا أن يقول لله على إن ملكت فلانا لعبد غيره ان اعتقه ولله علي إن شفاني اله أو شفى جسمي أو ردني من سفري وملكت فلانا أن أعتقه ونحو هذا فإن هذا يلزمه وليس هذا عند مالك من باب النذر فيما لا يملك ابن آدم ومن نذر طاعة بشرط فعل معصية لم تلزمه الطاعة ولم يجز له فعل المعصية مثال ذلك أن يقول: إن شربت خمرا فعلي صدقة بكذا فلا يجوز له شرب الخمر ولا تلزمه الصدقة فإن شرب الخمر حد ولزمته الصدقة ولو نذر طاعة بشرط عدم معصية لزمه الطاعة ولم يجز له فعل المعصية فإن فعل المعصية سقط عنه ما علقه بها من الطاعة مثال ذلك: أن يقول لله علي صدقة درهم أو دينار أن لم أشرب اليوم خمرا فتلزمه الصدقة والكف عن الخمر فإن شرب الخمر سقطت عنه الصدقة ولزم الإثم والحد ولو جعل على نفسه فعل طاعة بشرط فعل طاعة أخرى كان مخيرا في فعل الأولى فتلزمه الثانية أو في ترك الأولى فلا تلزمه الأخرى مثال ذلك قوله ان حججت العام فعلي صدقة بكذا وكذا فإن
стр. 394
حج لزمته الصدقة وان لم يحج لم يلزمه شيء ولو قال ان لم يحج العام فعلي صدقة بكذا كان بالخيار أيضا إن شاء حج ولو تلزمه الصدقة وإن شاء ترك الحج ولزمته الصدقة ومن لم يجعل لنذره مخرجا لزمته كفارة يمين والنذر في الرضى والغضب سواء ولا استثناء في النذر واليمين بالمشي إلى مكة عند مالك ولا كفارة إلا الوفاء بالمشي ان قدر عليه والمشي إلى مكة لا يكون إلا في حج أو عمرة على حسب ما نوى الحالف في الحال فإن لم ينو شيئا أجزأته العمرة فإن أحرم بعمرة مشى حتى يفرع من السعي بين الصفا والمروة بعد الطواف بالبيت وان أحرم بحج مشى حتى يفيض بعد رمي الجمرة ولا لغو في اليمين بالمشي إلى مكة والهزل في ذلك عند مالك جد كالنكاح والطلاق والعتق ومن حنث بالمشي إلى مكة فعليه المشي من البلد الذي حلف فيه لا من حيث حنث لإن مشى من حيث حنث أهدى ومن قال: علي المشي إلى بيت الله فهو للكعبة إلا أن ينوي مسجدا من المساجد ومن حلف بثلاثين حجة أو أكثر فحنث حج في كل عام وأتى بكل ما يقدر عليه في ذلك من سائر عمره ولا شيء عليه غير ذلك ومن حلف بالمشي إلى مكة وحضرته الوفاة فأوصى ان يمشي عنه لم يمش عنه لأنه لا يمشي أحد عن أحد وليهد هديا من ثلثه وأكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يفرقون بين النذر واليمين بالمشي إلى مكة فيوجبون بالنذر الوفاء ولا خلاف في ذلك بين العلماء ويوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة فيوجبون بالنذر الوفاء ولا خلاف في ذلك بين العلماء ويوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله هذا قول
стр. 395
جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين وقد افتى به ابن القاسم ابنه عبد الصمد وذكر له انه قول الليث بن سعد والمشهور عن ابن القاسم أنه لا كفارة عليه عنده في المشي إلى مكة إلا المشي لمن قدر عليه وهو قول مالك.
ومن نذر حجا أو عمرة فعليه الوفاء به وان كان عليه حجة الإسلام بدأ بها ثم بالنذور وان بدأ بالنذر أجزأه والاختيار أن يبدأ بفرضه فإن نذر أن يحج ماشيا مشى من حين يحرم إلى أن يطوف ويسعى إلا أن يكون نوى المشي في الحج والعمرة من موضعه فيكون على ما نوى ويركب في رميه الجمار أيام منى وان أخر طواف الإفاضة لم يركب في رميه للجمار وليركب في حوائجه بمنى كنا كان له في سائر البلدان والمناهل والحاجة يرجع إليها في طريقه ومن نذر أن يحج في عام بعينه ففاته فعليه قضاؤه وقد قيل لا قضاء عليه إذا كان في عام بعينه إلا أن يتركه عامدا قادرا ومن نذر المشي إلى الكعبة وهو ضرورة مشى في عمرة ثم أهل بالحج من مكة فيقضي نذره وفرضه متمتعا ان كانت عمرته في أشهر الحج ولو مشى في نذره ونوى بذلك قضاء فرضه ففيها لمالك وأصحابه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن مشيه لنذره وعليه أداء فرضه.
والآخر: أنه يجزئه لفرضه وعليه قضاء نذره قاله المغيرة وعبد الملك.
والثالث: انه لا يجزئه عن واحد منهما.
ومن نذر أو حنث في يمين بالمشي إلى غير مكة مثل مصر أو الكوفة أو صنعاء أو عدن فلا شيء عليه ومن قال علي المشي إلى الكعبة أو إلى بيت الله يريد الكعبة أو إلى مكة أو المسجد الحرام أو زمزم أو الحجر أو الركن أو المقام لزمه
стр. 396
الحج أو العمرة.
وقد قيل: في زمزم الركن المقام والحجر أنه لا يلزمه والأول أصوب. ومن قال: علي المشي إلى منى أو عرفة أو الحرم لم يلزمه شيء.
وقد قيل: بل يزمه الحج أو العمرة إلا أن يريد تلك المواضع بأعيانها.
وقد قيل: فيمن نذر المشي إلى الحرم أو إلى شيء من مشاعر الحرم لزمه ولا يلزمه المشي إذا ذكر غير مشاعر الحرم.
ولو قال: علي الذهاب أو الإنطلاق أو المضي إلى مكة أو على إتيان مكة ففيها قولان:
أحدهما: أنه لا يلزمه شيء.
والآخر: أنه يلزمه الحج أو العمرة ومن نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد غير المسجد الحرام وحنث باليمين بذلك لم يلزمه المشي إليه فإن كان قريبا وأراد الصلاة فيه أتاه فصلى فيه وان كان بعيدا لا ينال إلا براحلة وزاد لم يعمل إليه مطيا ولا راحلة ولا زادا وصلى في موضعه ولا شيء عليه إلا أن يكون نذر المشي إليه وجاز له أعمال المطي دون المشي هذا كله قول مالك وأصحابه.
وقد روي عن مالك فيمن نذر الصلاة في موضع مرغوب فيه مثل الثغور وسواحل الرباط فإنه يركب إليه حتى يفعل فيه ما أوجب على نفسه ومن مشى في حج او عمرة ثم عجز عن المشي في أضعاف ذلك ركب عن عجزه ثم مشى إذا قدر فإن كان ما ركبه كثيرا أعاد الحج والعمرة وقضى ما ركبه ويمشي فيه ويركب فيما مشى حتى يتصل مشيه وان كان ما ركبه يسيرا فعليه الهدي وليس عليه عوده.
ومن نذر أن يمشي إلى مكة حافيا أو حبوا أو زحفا مشى على قديمه متنعلا وأهدى وان نذر المشي وهو كبير عاجز أو مريض مرضا لا يرجى برؤه
стр. 397
ركب في نذره وأتى بالهدي بدلا من مشيه.
وفي الموطأ قال مالك: إذا عجز عن المشي مشى وفي المدونة أنه يجزئه إذا يئس من المشي وأهدى، وفي الموطأ عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وأبي سلمة أنه إن عجز ركب ولم يكن عليه شيء وعن عطاء أنه عليه الهدي لا غير وروي عن مالك مثل ذلك وهو قول ابن وهب وأصبغ ومن نذر هديا بعينه أو بغير عنيه لن يذبحه إلا بمكة أو بمنى ومن نذر نحر بدنة بغير مكة أو بمنى ومن نذر نحر بدنة بغير مكة فإن كان أراد التعظيم لذلك البلد فليس بشيء ولا يلزمه شيء وأن لم يرد ذلك ففيها لمالك قولان:
أحدهما: أنه ينحرها في الموضع الذي ذكر ويطعمها مساكين ذلك الموضع.
والآخر: أنه ينحرها في مكانه ولا يسوقها إلى غيره لا تساق البدن إلا إلى مكة أو منى.
ومن نذر بدنة لم يجزه إلا ثني من الإبل أو ثنية فإن لم يجدها ففيها لمالك قولان:
أحدهما: أنه ينحر بقرة بإن لم يجد فسبع من الغنم جذاع من الضأن أو ثنيان من المعز فإن لم يجد فقد قيل: لا صيام عليه وقيل: عليه الصيام.
واختلف أصحابه فيما يصام على قولين:
أحدهما: عشرة أيام.
والآخر: سبعون يوما. والقول الآخر أن عليه بدنة واجبة في ذمته لا يجزئه الإتيان بغيرها مع القدرة عليها ولا مع العجز عنها ومن قال على هدي فله نيته فإن لم يكن نوى شيئا فبدنة فإن لم يجد فيقره فإن لم يستطع وقصرت نفقته أجزأته شاة وقد قيل: فيمن نذر هديا أنه يجزئه شاة إلا أن ينوي بقرة أو بدنة ومن نذر صيام غد أو يوم بعينه فمرض لم يكن عليه قضاؤه فإن تركه لغير عذر كان عليه قضاؤه وكذلك من نذر صيام شهر بعينه فلم
стр. 398
يصمه فعليه قضاؤه وان مرض سقط عنه وكذلك الحائض لا تقضي أيامها منه ومن نذر صوم شهر بعينه صام ما بين الهلالين بغير عدد وان صام بغير الأهلة صام ثلاثين يوما ومن نذر صوما بغير عدد فأقل ما يجزئه صوم يوم ومن نذر صلاة فعليه الوفاء بها وان لم يسم عددا ولا نواة فأقل ما يجزئة ركعتان صوم يوم ومن ومن نذر صيام يوم الفطر أو يوم الأضحى لم يجز له صيامها لنهي النبي ﷺ عن ذلك ولزمه الفطر ولا قضاء عليه لأنه لا نذر في معصية وكذلك من نذر صيام أيام التشريق أفطرها ولا قضاء عليه أيضا وقد روي عن مالك أنه عليه القضاء عنهما وليس ذلك بصحيح ومذهب مالك في اليوم الثالث من أيام التشريق أنه يصومه من نذره وقد مضى القول في صيام النذر في كتاب الصيام.
ومن نذر أن يتصدق بماله كله لزمه إخراج ثلثه لا غير وكذلك عند مالك لو حلف بصدقة ماله فحنث لم يلزمه إلا إخراج ثلثه وقال ربيعة وابن أبي سلمة: يجزئه أن يتصدق بربع عشر ماله وقال ابن وهب: إن كان الحالف بذلك موسرا فيجزئه ثلث ماله كما قال مالك: وان كان وسطا فيطهر ماله بالزكاة كما قال ربيعة: وان كان مقلا فتجزئه كفارة يمين.
وقال ابن عمر في من حنث في اليمين بصدقة ماله أنه يتصدق به كله.
وقالت عائشة في جماعة من الصحابة والتابعين تجزئه كفارة يمين ولو نذر أن يتصدق بكل مال يكسبه أبدا فلا شيء عليه إلا أن يضرب لذلك أجلا يبلغه عمره في الأغلب فيلزمه حينئذ أن يتصدق بثلث كسبه ومن نذر ان يتصدق بشيء بعينه من ماله لزمه الصدقة
стр. 399
به ان كانت ثلث ماله أو أقل وان كان أكثر ففيها قولان لمالك وأصحابه أحدهما يتصدق به كله وهو الأشهر عنه والآخر إنما يلزمه ثلثه لا غير ومن نذر هدي رجل حر أهدى عنه وقد قيل إنه لا شيء عليه وقيل إنه يحج به معه ان طاوعه على المسير معه وإلا فلا شيء عليه ولو نذر عبد غيره لم يلزمه شيء ولو نذر عبد نفسه باعه وأخرج ثمنه في هدي وكذلك إذا نذر هدي ما لا يهدي مثله باعه اشترى هديا بثمنه وقد قيل فيمن نذر هدي مسلم أو ذمي حرا أو عبدا أنه لا يلزمه شيء لأنها معصية وقد بينا ذلك في كتاب التمهيد
стр. 400
كتاب الجهاد
باب واجب الجهاد ونافلته
...
كتاب الجهاد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب واجب الجهاد ونافلته
الغزو غزوان: غزو فرض، وغزو نافلة.
والغرض في الجهاد ينقسم أيضا قسمين:
أحدهما: فرض عام متعين على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار وذلك ان يحل العدو بدار الإسلام محاربا لهم فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار ان ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا وشبابا وشيوخا ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر وان عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم ان يخرجوا قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج اليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم حتى
стр. 401
إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه.
والقسم الثاني: من واجب الجهاد فرض أيضا على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو وكل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم ويكف أذام ويطهر دين الله عليهم ويقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية فان أعطوها قبلها منهم وان أبوا قاتلهم وفرض على الناس بأموالهم وأنفسهم الخروج المذكور حتى يعلم ان في الخارجين من فيه كفاية بالعدو وقيام به فإذا كان ذلك سقط الفرض عن الباقين وكان الفضل للقائمين على القاعدين أجرا عظيما وليس عليهم ان ينفروا كافة.
وأما النافلة من الجهاد فإخراج طائفة بعد طائفة وبعث السرايا في أوقات العزة وعند إمكان الفرصة والأرصاد لهم بالرباط في مواضع الخوف وسأل العمري العابد وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها فقال مالك الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة وقال أبو عمر جواب مالك هذا وان كان في جهاد غير المشركين فإنه يشمل المشركين ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأنه يقول من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئا جاز له الإنصراف عنهم إلى فئة من المسلمين ولم يجز له إباحة دمه لمن لا يقوى عليه ويمكنه ولا ينفع المسلمين بما يحاوله وقول مالك هذا يشبه عندي ما رواه سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس
стр. 402
قال من فر من رجلين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر يعنى في القتال قال سفيان فحدثت به ابن شبرمة فقال هكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال ابن وهب سمعت مالكا يسأل عن القوم يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهو يسير يقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم قال ان كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم والا انصرفوا إلى أصحابهم فأذنوهم.
стр. 403
باب من له التخلف عن غزو العدو
وكل من كان مريضا به علة لا يستطيع النهوض معها أو كان أعمى أو أعرج فكل هؤلاء يسعهم العذر في التخلف عن الغزو ولا حرج عليهم وان كانوا موسرين وكذلك القوي الصحيح الجسم إذا كان لا يجد ما ينفق في سفره ومن يترك لعياله ولا يجب على احد من هؤلاء الخروج إلى الجهاد ولو كان ممن يستطيع الخروج وعليه دين لا يجد له وفاء أو له أبوان مسلمان يكرهان أو يكره أحدهما خروجه لم يكن له أن يخرج ولا يجوز له أن يخرج إلا بإذنهما ولا ينبغي للامام أن يدع أحدا يخرج معه من الضعفاء ولا من المرضى إذا كان يخاف عجزه أو إنقطاعه عن السير مع الجيش وليس الاستكثار إلا من الأصحاء الأقوياء ومن فيه غناء لا من الضعفاء ولا يجوز للامام أن يترك أحدا يخاف منه المسلمون بأن يكون عينا عليهم أو دالا على شيء من عوراتهم ولا ينبغي له أن يستعين
стр. 404
بمشرك ولا يخرج من الدواب مالا ينتفع به وما لا يحتاج إليه
стр. 405
باب الجعالة على الغزو
وقال مالك في الجعائل في البعوث وهو: أن يجعل القاعد للخارج مضى الناس على ذلك ولا بأس به إذا كانوا من أهل ديوان واحد لأن عليهم سد الثغور وكرهه إذا لم يكونوا من ديوان واحد.
ومعنى قول مالك هذا أن يقول الرجل لصاحبه من ديوانه خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك كذا وكذا ونحو هذا وكره مالك أن يؤجر الرجل نفسه أو فرسه في سبيل الله وكره أن يعطيه الوالي الجعالة على أن يتقدم إلى الحصن فيقاتل ولا يكره لأهل العطايا نفسه ما أخذ على هذا الوجه وكرهت طائفة من أهل المدينة وغيرهم الجعائل فلا يجوز عندهم ان يغزو واحد بجعل يأخذه من قاعد متخلف لأن الغازي مستحق سهما من الغنيمة دون الذي أعطاه فكيف يجب له جعل فيما يفعله بنفسه ودينه ودنياه.
والجهاد فرض ومن فعله فإنما أدى فرضه وإذا جاءت الضرورة جازت المعاونة لا على وجه الاستئجار ولا على أخذ بدل من الغزو فمن أخذ جعلا رده وأسهم له ويجوز أخذ الجعل من السلطان لأنه شيء من حق الغازي يأخذه ولا بأس أن يستأجر الغازي يغزو معه ولا حرج على من آجر نفسه منه
стр. 406
باب من يقاتل من أهل الكفر حتى يدخل في الإسلام أو يؤدي الجزية والحكم في قتالهم
يقاتل جميع أهل الكفر من أهل الكتاب وغيرهم من القبط والبرك والحبشة والفزاريه والصقالبة والبربر والمجوس وسائر الكفار من العرب والعجم يقاتلون حتى يسلموا أويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ويسترق الغرب الكفار أن سبوا كالعجم وقيل: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس لا غير من بين سائر أهل الكفر ولا يقبل من غير هؤلاء إلا الإسلام أو القتل قاله جماعة من أهل المدينة وأهل الحجاز والعراق وإليه ذهب ابن وهب وهو قول الشافعي وكل من بلغته دعوة الإسلام من الكفار لم يحتج إلى أن يدعى وكل من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام وكان مالك يستحب إلا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى الإسلام بلغتهم الدعوة أولم تبلغهم إلا أن يعجلوا عن ذلك فيقاتلوا.
ولا يجوز تبييت من لم تبلغه الدعوة وأما الروم فلا بأس بتبييتهم لبلوغ دعوة الإسلام إليهم وقرب دارهم وكل من أبى من الدخول في الإسلام أو أبى إعطاء الجزية قوتل فيقتل الرجال المقاتلة وغير المقاتلة إذا كانوا بالغين ولا يقتل النساء ولا الصبيان ولا العجائز ولا الشيوخ الزمنى ولا المجانين ويسبون فإن كان الشيخ ذا رأي ومكر ومكيده يؤلب بذلك على المسلمين جاز قتله وإلا فلا ولا يقتل أهل الصوامع والديارات ولا يؤخذ من أموالهم إلا ما فضل عن كفايتهم وإن نصب المنجنيق على
стр. 407
أهل الحرب توقى قتل الأسير المسلم فيهم وإن أصاب في الغارة والتبييت شيخا من الكفار أو طفلا أو إمرأة لم يكن عليه شيء من ديته ولا غيرها وإن أصاب مؤمنا أسيرا وهو لا يعلم كفر بعتق رقبة مؤمنة ولا بأس بقطع شجر أهل الحرب وتحريق ديارهم والغارة عليهم.
ولا يقتل شيء من البهائم إلا ليؤكل واختلف في عقر مواشيهم والاختيار ما ذكرت لك، وقد قال مالك: إنه ما لا يقدر على النفور به من مواشيهم ودوابهم ذبحت الماشية وعرقبت الدواب وأحرق المتاع ففي ذلك نكاية لهم وضعف وليس للمسلمين أن يفروا من ضعفهم فأقل فإن فروا من أكثر من ضعفهم وسعهم ذلك والفرار على كل حال عار لمن يقوى على المدافعة.
стр. 408
باب حكم الأسارى والسبي
للإمام قتل الأسير العاقل وله أن يمن عليه فيترك قتله وله ان يفادي به إن كان في ذلك نصر للمسلمين وإلا لم يكن ذلك له.
ومن استحياه بالمن عليه لم يجز له بعد ذلك قتله فإن أشكل عليه البالغ من الأسارى نظر إلى ما تحت إزاره فإن وجده قد أنبت فحكمه حكم المقاتلة يقتل أو يسترق وإن لم ينبت فحكمه حكم الذرية والعيال لا يجوز قتله للنهي عن قتال النساء والصبيان ومن أسلم منهم بعد الأسارى وآمن فلا سبيل إلى قتله وهو رقيق ومن سبي من غير البالغين فحكمه حكم أبويه وهو على
стр. 409
دينهما أبدا حتى يعبر عنه لسانه بالإسلام ويتلقنه تعليما وسواء كان معه أبواه او لم يكونا فإن أسلم أحد أبويه فهو على دين أبيه وعند غيره على دين المسلم منهما وقد قيل إن كان مع الصبي أبواه أو أحدهما فهو على دينهما وإن لم يكن معه أحد أبويه فهو مسلم على دين سيده.
وروى أهل المدينة عن مالك: أن الصغير على دين سيده المسلم من يوم يشتريه ولا يعتبرون ما اعتبره ابن القاسم في روايته من تلقينه الإسلام وقد أوضحنا هذه المسألة في كتاب التمهيد وكتاب الاستذكار.
وإذا سبيت المرأة ولها زوج أبطل السباء الزوجية وحل وطؤها للذي انفرد بها في سهمه بملك يمينه إذا استبرأها وهذا إذا لم يكن زوجها في القسم والسباء فإن سبيا معا ووقعا معا في الغنيمة فقد اختلف في ذلك عند مالك وأصحابه على قولين:
أحدهما إن الزوجين إذا سبيا معا فهما كالذميين لا يفرق السباء بينهما
والآخر أن السباء قد قطع العصمة بينهما منفردين سبيا أو معا وهذا أوضح وأولى بالصواب إن شاء الله وقد بينا ذلك في كتاب التمهيد ولو كان معهما ولد صغير لم يفرق بينه وبينهما في البيع ولا في القسم حتى يثغر أو يبلغ ثماني سنين وكان ممن يعرف القيام من نفسه بما يقوم به مثله ولا يكون معتوها ولا سقيما
стр. 410
باب الأمان والمهادنة
وأمان كل مسلم حضر العسكر جائز لكل كافر وسواء
стр. 411
كان المسلم حرا أو عبدا أو امرأة إذا كان بالغا عاقلا جاز أمانه وقد قيل: أمان المرأة غير جائز إلا أن يجيزه الإمام وهذا مما انفرد به عبد الملك والأول قول مالك وجمهور أهل العلم وقد أوضحنا وجهه في كتاب التمهيد ولا يجوز أمان غير المسلم.
ومن قتل كافرا بعد الأمان لزمته ديته إن كان القاتل مسلما وإن كان كافرا قتل به إذا تعمد قتله.
ومن طلب من الحربيين الأمان على أن يكون ذميا يؤدي الجزية قبل ذلك منه وكل رسول طلب الأمان أعطيه وكذلك كل مستجير جاء ليسمع كلام الله أمن حتى يعلم ما عنده ويرد إلى مأمنه وإذا اضطر الإمام إلى مهادنة الكفار الحربيين هادنهم إذا رأى ذلك نظرا مثل أن يحاصر حصنا فيكون الأغلب عليه الامتناع منه وتعذر أخذه ولم يطق الإقامة عليه وسألوا أن يعطوه شيئا وينصرف عنهم فذلك جائز لأنه قد نال به من عدوه نيلا لا يطمع في أكثر منه وإذا كان على غير هذا فلا يقبل منه إلا الجزية عن يد صاغرا فيكونون ذمة أو القتال وأما مع ظهور حالهم وعز سلطانهم فلا يجوز إلا مع العجز عنهم وإذا خاف الإمام إن اشتغل بقتال ناحية أن يغلب على أخرى جاز له مهادنتها والله أعلم ويستحب ألا تكون مدة المهادنة أكثر من أربعة أشهر إلا مع العجز
стр. 412
باب مقام المسلم في دار الكفر وفدائه من أيدي العدو
لا يحل لمسلم أن يقيم في دار الكفر وهو قادر على الخروج عنها ولا ينبغي له ان ينكح حربية ويقيم بدار يجري عليه فيها حكم الكفر ولا بأس بإقامة العسكر في دار الحرب محاربا لهم ما شاء ولا بأس ببقائه الشتوة وأكثر عندهم إذا أمن ورجا الظهور عليهم ولو أطلق الأسير واستحلف على إن لا يخرج من بلادهم كان عليه الخروج فرضا إذا قدر ويكفر يمينه إذا لم يكن أكره عليها فإن أكره عليها فلا كفارة عليه وإذا أعطى الأسير الكفار عهدا أن يرجع إليهم فلا يفعل وقد اختلف في هذه المسألة والتي قبلها عن مالك وأصحابه والصحيح من ذلك عندنا ما ذكرنا وهو اختيار المدنيين من أصحاب مالك وروي أيضا عنه ولو أسلم حربي ببلاد الحرب فقتله مسلم خطأ قبل أن يخرج وهو لا يعلمه مسلما فقد قيل عليه الدية والكفارة وقيل عليه الكفارة لا غير تحرير رقبة مؤمنة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين.
ولو تعمد قتله وهو لا يعلمه مسلما كانت عليه الدية والكفارة ولو تعمد قتله وهو يعلمه مسلما قتل به وإذا جنى أسير مسلم على مثله من أسرى المسلمين من يوجب حدا أو قصاصا لم يسقط ذلك عنه دار الحرب ولو قتل مسلم مسلما عند التحام الحرب وقال ظننته من العدو وحلف على ذلك كانت عليه الدية والكفارة ومن دخل دار الحرب في تجارة او غير تجارة ففدى أسيرا من المسلمين من يد العدو بمال على أن يرجع به عليه كان له أن يأخذ ذلك من ماله إن كان
стр. 413
موسرا ويتبعه به دينا إن كان معسرا وسواء كان ذلك بإذنه أو بغير إذنه عند مالك وغيره لا يوجب عليه من ذلك إلا ما أذن فيه وما لم يأذن فيه جعل فاعله متطوعا به ولو وهب له عبد أو حر فلم يكافئ على واحد منهما لم يكن له الرجوع على الحر ولا على سيد العبد بشيء فإن كافأ عليهما أو على أحدهما بشيء رجع به على الحر وكان سيد العبد مخيرا بين دفع المكافأة إليه أو إسلامه فيها وإذا أسلم رهن من المشركين في أيدي المسلمين وكان ارتهانهم على أن يردوا إليهم فعليهم ردهم إليهم وغير مالك يأبى من ذلك وهو الصواب إن شاء الله.
وقد روي ذلك عن مالك أيضا وروى أهل المدينة عنه أن كل أسير مسلم يخرج به إلينا حربي بأمان أنه يؤخذ من يده بقيمته أحب أو كره ولا يترك يرجع به إن أعطى قيمته ولا يحل لجماعة المسلمين تركه ليرد إلى أرض الكفر وعليهم واجبا فداؤه.
وقال مالك وابن القاسم: في الزوجين يفدي أحدهما صاحبه لا يتراجعان إلا أن يكونا لم يعرف أحدهما صاحبه في حين الفداء، وكذلك العمات والخالات وذوو المحارم إلا أن يكون ممن يعتق عليه فلا يرجع عليه بشيء علم أو لم يعلم وإنما لم يرجع الزوجان ومن لا يعتق عليه لأنه حمل أمره في ذلك على التبرع والتطوع والله أعلم.
стр. 414
باب في أكل الطعام وأخذ المباحات في دار الحرب
لا بأس بأكل الطعام كله وذبح الماشية للأكل بدار الحرب
стр. 415
لمن احتاج إلى ذلك ولا ينبغي أن يأخذ أحد منه شيئا إلا عند الحاجة إليه وله أن يعلف دوابه ما أحب ويأكل ما شاء وليس في شيء من الطعام كله والإدام والعلف غلول ما داموا في دار الحرب لأنه مما أباحه الله من الغنيمة على لسان رسول الله ﷺ بنقل الآحاد العدول ونقل الكافة فجائز أخذ ذلك بإذن الإمام وبغير إذنه وكذلك كل ما يحتاجون إليه من الكراع والسلاح ما دامت الحرب قائمة.
ومن أخذ من ذلك شيئا ثم استغنى عنه رده في المغانم، وقد قال مالك: يتصدق بالكثير من ذلك ويأكل اليسير وقيل: يأكله قليلا كان أو كثيرا والأول أصح ولا يجوز له بيعه فإن باعه فلا بد من وضع ثمنه في المغنم ولا يحل أخذ ثمنه وهو غلول وكل ما كان مباحا في بلاد العدو ولا يملكه أحد منهم مثل الصيد والصخر الحسن والشجر من موضع لا ملك عليه موات فأخذ ذلك كله جائز لا حرج فيه على من أخذ شيئا منه وهو أصح ما قيل في ذلك والله أعلم.
стр. 416
باب الغلول
ليس لأحد من المسلمين أخذ شيء من المغنم غير الطعام على ما وصفنا إلا ما يصيبه في المغنم أو ما نفل من السلب وما عدا ذلك فهو غلول حرام نار وعار وشنار يأتي به يوم القيامة ومن غل شيئا من المغنم كان عليه رده فإن استهلكه غرم قيمته ولا
стр. 417
تحرق رحال الغال ولا متاعه ولا قطع عليه ومن سرق من الغنيمة شيئا بعد إحرازها فعليه القطع عند مالك وقال عبد الملك يعتبر ذلك فإن كان فيه زائد على سهمه قدر ربع دينار قطع وإلا فلا قطع عليه وقال غيرهما لا قطع عليه لأنه شريك في مشاع خان فيه ولا قطع على خائن ومن أصاب جارية من المغنم كان عليه صداق مثلها يجعله في المغنم واختلف في وجوب الحد عليه فأوجبه مالك وأسقطه عبد الملك وغيره لما فيه من الشركة.
ومن غل شيئا ثم تاب بعد افتراق العسكر تصدق به على الفقراء المسلمين ولا يجوز لأحد أن ينتفع بدابة من المغنم ولا سلاح ولا قوت إلا من ضرورة إليه المدة اللطيفة وهذا أصح عندي عن مالك رواه علي بن زياد وعبد الله بن وهب وما خالف ذلك فلا وجه له لأن الله قد قسم الغنيمة على ما ذكر في كتابه وحرم غلول شيء منها فلا يحل منها إلا ما اتفق عليه فيكون مستثنى بالدليل وقد أوضحنا هذا في كتاب التمهيد
стр. 418
باب ما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم غنمه المسلمون
ما أخذ الحربيون وحازوه من أموال المسلمين بغلبة أو بغير غلبة كالأسير المسلم يخلف في أيديهم مالا ونحو ذلك مما يحصل بأيديهم من أموال المسلمين ثم غنمه عسكر المسلمين فمن وجد شيئا من ماله وعلم ذلك لم يجعل في الغنيمة وكان صاحبه إن
стр. 419
أدركه قبل القسم أحق به يأخذه بغير شيء وإن كان صاحبه غائبا وقف له إذا عرف بعينه وعرف صاحبه وما لم يعرف ربه بعينه وقسم ثم جاء ربه فأقام البينة فيه أخذه بالقيمة إن شاء الله.
وحكم أموال أهل الذمة في هذا الباب كحكم أموال المسلمين سواء وإذا وقعت أم ولد رجل في المقاسم جبر على فدائها فإن لم يقدر فداها الإمام من الخمس ولا يجوز للذي صارت في قسمه أن يستحل فرجها وعليه أن يتبع سيدها بقيمتها أبدا دينا إن كان معسرا ومن ابتاع أم ولد رجل من العدو أخذها سيدها مما ابتاعها وإن كان أضعاف ثمنها.
وقال المغيرة وعبد الملك: يأخذها بالأقل من قيمتها أو ما فداها به وما فات من العبيد في القسم بعتق أو أمة بولادة فلا سبيل إلى رده في الرق.
وقد قيل: إن صاحبه يأخذه بالقيمة وينقض العتق وكذلك لو باعه أو رهنه نقض البيع والهبة والأول تحصيل المذهب وعليه عامة أصحاب مالك وإذا سبيت الحرة المسلمة او الحرة الذمية أو الأمة المسلمة فولدت كل واحدة منهن بأرض العدو ثم غنمن بأولادهن فالحرة وولدها أحرار بمنزلتها والأمة وولدها يردان رقا لسيدهم والذمية مردودة إلى ذمتها وكذلك صغار ولدها وأما من بلغ الحلم منهم وأطاق القتال فهو فيء، روى هذا كله رواه مطرف عن مالك وقاله ابن وهب وقاله ابن القاسم إلا في الكبار من ولد الحرة فإنهم عنده كالكبار من ولد الأمة وقال عبد الملك: صغار ولد جميعهن وكبارهم فيء لأهل الإسلام.
ومن أسلم من أهل الحرب ثم غزا مع المسلمين فغنموا أهله وولده فأراهم فيئا لأهل الإسلام.
стр. 420
باب قسم الغنائم ومن يسهم له
إذا أحرز الموجفون وهم أهل العسكر أو السرية غنيمة عزل منها الخمس من قليلها وكثيرها عينها وعرضها وأسلابها ولا ينفل أحد شيئا منها وإنما النفل من الخمس بعد أن يبرد القتال فإذا أخرج خمس الغنيمة قسم أربعة أخماسها على الموجفين ممن حضر القتال وسواء قاتل أو لم يقاتل إذا كان عونا أو مدادا وكان حرا مسلما ولا حظ لكافر في شيء من الغنيمة شهدها أو لم يشهدها إلا من الفيء ولا يسهم لبعد ولا لامرأة فإن حضرا الوقعة ورأى الإمام أن يرضخ لهما بشيء من الغنيمة فلا بأس بذلك ولو كان الصبي الحر ممن يطيق القتال أسهم له والتاجر والأجير إن قاتلا أسهم لهما ومن اشتغل من الصبيان بعمل يده وصنعته عن القتال لم يسهم له ومن مات قبل القتال فلا سهم له وسواء مات بأرض العدو أو قبل دخولها فإن حضر القتال مكثرا أو مقاتلا ثم مات قبل حصول الغنيمة فلورثته سهمه والقسمة للفارس ثلاثة أسهم له سهم ولفرسه سهمان وللراجل سهم ومن غزا بأفراس لم يسهم منها إلا لواحد ولا يسهم لشئ من الآلات غير الفرس إتباعا للأثر ومن شهد الحرب فارسا أسهم له سهم الفارس ولا يراعى عند أهل المدينة الدخول: إنما يراعى اللقاء فمن دخل فارسا وقاتل راجلا أسهم له سهم راجل والهجن والبراذين إذا قاربت العتاق في الخفة والسرعة بمنزلة الخيل ولا يسهم لبغل ولا لحمار ومن مات بعد إحراز الغنيمة قبل القسم أو
стр. 421
مات فرسه أسهم له ولفرسه وتقسم الغنائم في دار الحرب وهم أولى برخصها وهو الشأن في قسمتها.
ومن دفع فرسه إلى غيره بأجرة أو بغير أجرة فغذى عليه الذي دفع إليه وقاتل فسهما الفرس له دون ربه وإن دفعه له بسهم من سهامه فهي أجرة مجهولة وله أجر مثله وإن كانت أجرة معلومة جازت.
وأيما سرية خرجت من عسكر فغنمت ردت على العسكر ولو خرجت من بلد فغنمت لم ترد على أهل ذلك البلد شيئا ولو قطعت الريح مراكب المسلمين فغنم بعضها وضل عنه أصحابه اشتركوا في الغنيمة عند مالك.
стр. 422
باب النفل
لا نفل إلا من الخمس وجائز النفل في أول مفتح وآخره على الاجتهاد والنفل العطية يعطيها الإمام من رآه بغناء يرجوه فيه ولا نفل عند مالك إلا السلب للقاتل وما جرى مجراه ومحمل قول رسول الله ﷺ : "عنده من قتل قتيلا فله سلبه" على أنه كان ذلك القول منه بعد أن برد القتال وليس عنده للقاتل سلب قتيله إلا أن ينادي بذلك الإمام وليس ذلك على الإمام بواجب وإنما ذلك منه على وجه الاجتهاد إن رأى لذلك وجها هذا كله قول مالك وأصحابه.
قال مالك ولم
стр. 423
يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين" قال: ولا بلغني ذلك عن الخليفتين بعده، وقال: ولو كان النفل قبل القتال لكان قتالا على الدنيا قال: ولم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلا فله سلبه إلا بعد أن برد القتال" ومن أهل المدينة وغيرها من الحجازيين من يرى النفل جائزا بعد الغنيمة وقبلها في البدءة والرجعة على وجه الاجتهاد.
والنفل عند هؤلاء على وجهين:
أحدهما: السلب للقاتل وجائز عندهم أن ينادي بذلك الإمام قبل القتال لما فيه من التحريض وكذلك ما يعطيه الإمام من غير السلب نفلا عند الحرب لمن يرى منه بلاء حسنا ونحو ذلك.
والثاني: ما ينادي به الإمام في بداية من فعل كذا وكذا فله ربع ما يحصل عنده أو ثلثه بعد الخمس تحريضا على القتال وهذا عند مالك باطل لأنه لا نفل عنده إلا من الخمس وقد أوضحنا هذا الباب في كتاب التمهيد
стр. 424
باب الفيء وقسمته وقسمة الخمس
الفيء كل ما أخذ من كافر على الوجوه كلها بغير إيجاف خيل ولا ركاب ولا قتال ومنه جزية الجماجم وخراج الأرضين كلها ما كان منها صلحا أو عنوة وما أخذ على المهادنة وما طرحته الريح من مراكب العدو وكل ما حصل بأيدي المسلمين من أموال الكفار بغير قتال من تجار أهل الذمة وغيرهم
стр. 425
والعمل في قسمة الفيء وقسمة خمس الغنيمة سواء والأمر عند مالك فيهما إلى الإمام فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلين فعل وإن رأى قسمتهما أو أحدها قسمه كله بين الناس ويساوي فيه بين عربيهم ومولاهم ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا ويعطى ذوو القربى من رسول الله ﷺ من الفيء مسهمهم على ما يراه الإمام وليس لهم جزء معلوم واختلف العلماء في إعطاء الفيء من قرابة رسول الله ﷺ فأكثر الناس على إعطائه لأنه حق لهم وقال مالك: لا يعطى منه غير فقرائهم لانه جعل لهم عوضا من الصدقة.
وذوو القربى بنو هاشم آل العباس وآل علي وآل عقيل وسائر بني هاشم لا يشركهم غيرهم فيه ويقسم كل مال في البلد الذي جبى فيه ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبى فيه حتى يفنوا ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم إلا أن ينزل بغير البلد الذي جبى فيه خرجت هي فيه فاقة شديدة فينقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ في أعوام الرماد وكانت خمسة أعوام أو ستة وقد قيل: عامان، وقيل: عام فيه اشتد الطاعون مع الجوع.
وإذا لم يكن ما وصفنا ورأى الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين ويعطي منه المنفوس ويبدأ بمن أبوه فقير والفيء حلال للأغنياء ويساوي بين الناس فيه إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة والتفضيل فيه إنما يكون على قدر الحاجة ويعطي منه أقرباء رسول الله ﷺ على قدر اجتهاد الإمام وجائز أن يعطي منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم ويعطي منه الجائزة والصلة لمن كان لذلك أهلا ويرزق منه القضاة والحكام ومن فيه منفعة للمسلمين وأولاهم
следующие страницы →