Полный текст (1 219 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
أن يكون طعاما أو أداما فيرجع بمكيلته أو وزنه في صفته ولو أخذ في دينه طعاما فذهب ليجيء بالدواب أو ليكتري منزلا يجعله فيه فيكون في ذلك تأخير اليوم واليومين أو ابتداء في كيله فتغيب الشمس ثم يكتاله من الغد وما كان مثل هذا كله فلا بأس به عند مالك وأصحابه ومن الدين بالدين تأخير رأس مال السلم إلى أجل السلم أو دون أجله أو أبعد منه على ما بينا في باب السلم وعندي أنه لا يتأخر عنه ساعة كالصرف سواء فإن وقع هذا أيضا فسخ ويرجع كل واحد منهما إن كان دفع شيئا فيما دفع ومن الدين بالدين عند أكثر أصحاب مالك أن يتحول بما حل من الدين في دار يسكنها أو عبد يخدمه أو دابة يركبها أو ثمرة يجذها في أيام كثيرة أو أمة يستبرئها ومن أصحاب مالك طائفة منهم أشهب ومحمد بن مسلمة لا يرون هذا من باب الدين بالدين وهو القياس عندي والنظر الصحيح لإجماعهم على جواز بيع السلم وبيع السلم بالنسيئة فدل على أن الدين بالدين ما اغترف الدين طرفيه جميعا ومما نهى عنه بيع الحاضر للبادي لم يختلف قول مالك في كراهية بيع الحاضر للبادي واختلف قوله في شراء الحاضر للبادي فمرة قال لا بأس أن يشتري له إنما نهى عن البيع له
стр. 737
ومرة قال لا يشتري له ولا يشتري عليه وكذلك اختلف قوله وقول أصحابه في فسخ بيع الحاضر للبادي فقيل يفسخ وقيل لا يفسخ وقيل يفسخ ما لم يفت وقيل لا يفسخ فات أو لم يفت وقيل يؤدب المعتاد لذلك وقيل لا أدب عليه وكل هذا مذهب مالك والذي أراه إمضاء البيع ولا يفسخ لما فيه من النصيحة للمسلم والله أعلم ولأنه من جهة نفع الحاضر لا لمكروه في الشريعة وهو يشبه بيع تلقي السلع وقد أجمعوا أن البيع في ذلك غير مفسوخ على ما قد أوضحنا في كتاب التمهيد إلا قول شاذ عن بعض أصحابنا المالكيين ومما نهى عنه النجش وهو أن يعطي الرجل في السلعة عطاء ليقتدى به وهو لا يريدها ليغتر المشتري بذلك وذلك عند مالك عيب من العيوب إذا علم به المشتري وصح ذلك إن شاء رد السلعة المنجوشة وإن شاء حبسها ومما نهى عنه بيعتان في بيعة وذلك أن يبيع الرجل
стр. 738
سلعة بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل قد وجب البيع بأحد الثمنين والبائع بالخيار بأي الثمنين شاء أوجب به للمشتري فهذا بيع فاسد إن أدرك فسخ وإن قبضت السلعة وفاتت رد قابضها قيمتها يوم قبضها بالغة ما بلغت فإن كان البيع على أن المشتري بالخيار فيهما جميعا بين أن يأخذ بأيتهما شاء وبين أن يردهما جميعا فذلك جائز وليس من باب بيعتين في بيعة لأن البيع ههنا نافذ وقع على شيء بعينه يختاره من شيئين معلومين له الخيار في أحدهما والسلعة الأولى لم يقع شراؤها على شيء بعينه بقطع أو خيار وإنما إذا وقع على ما لا يدري أي السلعتين يختار وقد وجبت إحداهما له هذا كله قول مالك وأصحابه وجملة معنى ما نهي عنه عند مالك من بيعتين مختلفتين بثمن واحد
ولا بأس أن يبيع إحدى سلعتين متفقين بثمن واحد ومن بيعتين في بيعة صبرتين مختلفتين في الكيل كل قفيز بسعر واحد أو بسعر مختلف إلا أن يسمي كم يأخذ من كل صبرة وكذلك لا يجوز أن يبيع صبرتين من شيء واحد أو مختلن كيلا كل قفيز بثمنين مختلفين والحكم في هذا كله الفسخ فإن فاتت بعد القبض عند المبتاع رد مكلية الطعام في جنسه وفي غير الطعام القيمة بالغة ما بلغت ومن فقهاء الحجازيين جماعة يجعلون كل عقد يجمع ثمنين
стр. 739
مختلفين من باب بيعتين في بيعة ولا يجوز ذلك عندهم لاختلاف الثمنين فإن كان ثمنهما واحدا جاز وليس من بيعتين في بيعة وهذا إذا كان البيع واجبا وأما إن كان البيع غير واجب حتى يختار ما شاء من أجناس السلع فهذا من باب المساومة عندهم ولا يدخله كراهية لأنه ليس بعقد بيع والطعام والعروض عندهم في ذلك سواء ومما نهى عنه بيع العربان وذلك أن يشتري الرجل السلعة ويعطي البائع من ثمنها بعضه قل أو كثر عربانا على أنه إن رضي ما اشترى أخذه وإن لم يرضه فالعربان للبائع فهذا لا يجوز والعربان مردود إلى صاحبه لأنه من أكل أموال الناس بالباطل والجائز في بيع العربان أنه إن رضي الشيء أخذه وأوفاه باقي ثمنه وإن لم يرضه رده وأخذ عربانه ولا يكون العربان إلا يسيرا لا يشبه أن يقصد إلى الإنتفاع به فيكون كالسلف عند مالك والكراء في هذا الباب كالبيع سواء
ومما نهى عنه ربح ما لم يضمن وبيع ما ليس عندك
стр. 740
فمن وجوه ربح ما لم يضمن عند مالك بيع الطعام على الكيل قبل أن يستوفى وبيع المبتاع فيه بالخيار وبيع ما فيه المواضعة من الرقيق لأن ضمان ذلك كله من البائع فإن وقع البيع في شيء من ذلك فسخ ورد فإن فات عند المبتاع لزمته القيمة يوم قبضه وقد قيل إن البيع في الجارية للمواضعة لا يفسخ إذا خرجت سالمة من المواضعة لأن البيع كان صحيحا ومن هذا الباب في ربح ما لم يضمن الرجل يشتري السلعة بثمن معلوم على أنه إن باعها فقد لزمه شراؤها وإن لم يبعها ردها إلى بائعها فهذا بيع فاسد إن أردك فسخ وإن قبض وفات رد إلى قيمة السلعة يوم قبضت بالغة ما بلغت ومن باب ربح ما لم يضمن كل ما ضمانه ومصيبته من بائعه مثل بيع الطعام قبل أن يستوفى إذا كان على الكيل على ما وصفنا في بابه من هذا الكتاب ويدخل في هذا كله أيضا بيع ما ليس عندك ومن بيع ما ليس عندك بيع العينة وقد مضى ذكرها في باب بيوع الآجال
ومما نهى عنه تلقي السلع ومعناه أن يخرج إلى السلعة التي يهبط بها إلى السوق قبل أن تصل السلعة إلى سوقها فيشتري هنالك من أطراف المصر وعلى رأس الميل والميلين والثلاثة ونحو ذلك عند مالك وقد أوضحنا هذا المعنى وما
стр. 741
سن مالك وأصحابه وغيرهم من العلماء في ذلك من الأقوال والمذاهب في كتاب التمهيد والحمد لله وتحصيل مذهب مالك أن البيع في ذلك عقده صحيح ولكن السلعة تؤخذ من المشتري فتعرض على أهل سوقها من المصر فإن أرادوها بذلك الثمن أخذوها وكانوا أولى بها وإن لم يردوها لزمت المبتاع المتلقي وهذا أصح ما روي في ذلك عن مالك وأولاه بالصواب إن شاء الله وبالله التوفيق
стр. 742
كتاب الأكرية والإجارات
باب ما يجوز فيه الكراء وحكم كراء الدور وسائر الرباع
كل ما جاز بيعه جاز فيه الكراء من الدور والحوانيت وسائر الرباع والأرضين والرقيق والدواب وسائر العروض كلها اكتراء الدنانير والدراهم فإن نزلت فيها الإجارة إلى مدة كانت قرضا إلى تلك المدة وسقطت فيها عن مستأجرها الأجرة ومعنى الكراء بيع المنافع الطارئة عن الرقاب مع الساعات والأيام والشهور والأعوام دون الرقاب وإنما يجوز ذلك فيما كان معلوما مأمونا في
стр. 743
الأغلب ولا تجوز الإجارة ولا الكراء بالمجهول الذي يقل مرة ويكثر أخرى ولا في العمل غير معلوم ولا إلى مدة غير معلومة ولا يجوز لأحد أن يستأجر أجيرا على أن يعطيه ما يعطي الناس لإجرائهم إن كان في ذلك اختلاف ومن اكترى دارا أو حانوتا مدة معلومة لم يستحق رب ذلك شيئا من الأجرة بمجرد العقد إلا أن يشترط ذلك فإن اشترط ذلك جاز ويشترط في نقد الأجرة وقتا معلوما نحو أول الشهر أو وسطه أو آخره أو شهرا بشهر أو كيف شاء كان فإن لم يسميا وقتا فالأجرة حالة يستحقها ربها بمضي ما ينقضي من المدة وكل ما مضى يوم أو أكثر استحق صاحب الربع أجرة ما مضى إلا أن يكون هنالك عرف شائع فيحملون عليه عدم الشرط فإن كان ما اشترط من الأجرة مجهولا وانعقد على ذلك الكراء فهو فاسد غير لازم ويرجع فيما مضى من الكراء أو العمل الى أجرة المثل والكراء لا ينقضها موت أحد المتكارين وورثة كل واحد منهما تقوم مقامه وكذلك لا ينقضها عنده البيع ومن اكترى دارا أو أرضا ثم باعها ولم يبين بما عقد فيها من الكراء فهو عيب يجب للمبتاع به الرد إن شاء وله نقض البيع أو الرضى بالصبر على أداء الكراء إلا أن يكون أمدا قريبا وأياما يسيرة فلا يكون له في ذلك خيار ومن اكترى دارا سنة بعينها أو شهرا بعينه فليس له أن يخرج منها ولا لرب الدار أن يخرجه حتى يتم الشهر أو السنة إلا أن يتفاسخا
стр. 744
أو يتراضيا بما يحل في ذلك بينهما ومن استأجر أجيرا على عمل يعمله له مما يجوز عمله ومات العامل انفسخت الإجارة فإن مات المستأجر فالإجارة ثابتة لورثته وأجاز مالك كراء الدور والحوانيت مشاهرة وإن لم تقرر الإجارة على مدة معلومة لأن الشهر معلوم ما يجب له ولكل يوم منه ومن اكترى دارا مشاهرة أو سنة غير معينة فله أن يخرج متى شاء ولرب الدار أن يخرجه متى شاء ويلزمه من الكراء بقدر ما مضى من المدة لا غير وقال عبد الله بن عبد العزيز يلزمه في المشاهرة كراء شهر واحد وبعده يخرجه متى شاء كما قال مالك فإن اشترط رب الدار والمسألة بحالها على المكتري إنك إن خرجت من الشهر يوما لزمك الشهر كله وإلتزما ذلك جاز ولزمه فإن خرج كان له أن يكريه من مثله فيما بقي من أيامه ولا يجوز أن يشترط عليه رب الدار إن خرجت لزمك الشهر ولا شيء لك من الكراء لما بقي من الشهر ولا بأس بكراء الدار سنين عشرا أو أكثر ويكره في دور الأحباس وغيرها طول المدة خوفا من ذهاب الناس وادعاء الاستحقاق بالسكنى ولكنه لا يفسخ العقد فيها ولا في غيرها من الدور والأرضين وما أشبهها لطول مدة لأنها مأمونة لا غرر يدخل إجارتها ومن اكترى دارا سنة بعينها فانهدمت أو احترقت سقط عنه كراؤها وإن
стр. 745
انهدم بعضها وكان يسيرا لا ضرر على الساكن منه في عورة ظاهرة ولا تعطيل مسكن ولا عدم منفعة فالكراء لازم للمكتري ولا شيء على ربها وإن تعطل بعض مساكنها أو بعض ما يرتفق به منها حط عنه بقدر ما يصيب ذلك من كرائها إن رضي ساكنها وإن لم يرض انفسخ الكراء بينهما إلا أن تكون مرمتها وإصلاحها ينقضي في أيام يسيرة جدا وإذا انفسخ الكراء بينهما تحاسبا فإن كانت الدار من الدور التي لها نفاق في حين من السنة نحو الفنادق ونحو دور مكة في الموسم تحاسبا على قدر ما سكن من أيام النفاق والكساد ومن اكترى دارا ليسكنها فأغلقها ولم يسكنها فإن رضي بذلك ربها جاز والكراء لازم له وإن لم يرض أخذ المكتري بسكناها أو بكرائها من مثله لأن أغلاقها في طول المدة عون على خرابها وليس للمكتري أن يجعل في الدار والحانوت ما يضر بهما مثل الزيت والقطران والمكامد والمجازر وأما ما لا يضر فلا يمنع منه وليست الدور كلها سواء في ذلك وحكم الجديدة والمجصصة خلاف حكم البالية المسودة في ذلك ومن اكترى دارا أو بئرا كنيفها فارغ فجائز أن يشترط رب الدار على المكتري كنس الكنيف وإن كان غير فارغ لم يجز أن يشترط عليه إلا شيئا معلوما في كنسه في كل سنة أو في كل شهر والأصل أن على رب الدار كنس الكنيف لأنه من منافع الدار التي يلزمه تسليمها فإن كان في البلد عرف لا يختلف حملا عليه وقد روي عن مالك إن كنس المراحض على المكتري وقال به بعض
стр. 746
أصحابه ولا يجوز أن يكتري الدار على أن عليه صلاح ما استرم منها إلا أن يحتسب له ذلك في كرائه والأولى أن يحد في ذلك حدا معلوما وما أحدثه المكتري في الدار من صلاح أو بنيان بإذن صاحبها فله قيمته قائما يحاسب به إذا أراد الخروج وما صنع من ذلك بغير إذن صاحبها فإن له أخذه إن أمكن ذلك على أنه إن أفسد بفعله شيئا ضمنه وإن أراد رب الدار أن يعطيه قيمته مقلوعا كان له ذلك عند مالك كان مما لا منفعة له فيه فلا شيء له في ذلك عنده ومن استأجر دارا أو حانوتا وسلم ذلك إليه لزمه الكراء بمضي المدة إن لم يكن شرط ولا عرف سواء سكن أو لم يسكن فإن حال بينه وبين سكناها حائل نظر فإن كان ممن لا يستطيع دفعه مثل السلطان أو من لا ينفذ عليه حكم سقط الكراء عن المكترى وإلا من مكتريها قبل تمام المدة فإن فعل انفسخ الكراء بينهما وسكنها بملكه لها وجائز أن يبيعها أيضا من غيره إذا علم بالإجارة فإن لم يعلم فهو عيب أن رضي به المشتري وإلا كان له رد البيع ولا سبيل إلى فسخ الإجارة قبل مضي المدة إلا برضى منهما والأجرة على كل حال للبائع دون المبتاع هذا تحصيل مذهب مالك وقيل إن رضي المبتاع بذلك العيب فالأجرة له وجائز لمستاجر الدار أن يكريها قبل قبضها وبعده بمثل أجرتها وبأقل وبأكثر ولا بأس بازدياده لنفسه في كرائها لأنه قد ملك منافعها بالعقد وجاز له فيها التصرف وليس هذا عند مالك من ربح ما لم يضمن
стр. 747
وإن ادعى رب الدار أنه لم يقبض الخراج وادعى الساكن الدفع نظر فإن كان الشرط في دفع الكراء شهرا بشهر فالقول قول الساكن مع يمينه في الشهر الذي خرج ومضى بعده من المدة ما لا يتعارف حبس الكراء إلى مثله وإلا فالقول أبدا قول رب الدار مع يمينه وكذلك السنة مثل الشهر إذا كان دفع الكراء مساناة فالقول قول رب الدار إلا فيما خرج ومضى من المدة
стр. 748
باب كراء الرواحل والدواب والسفن
لا بأس بالسلعة في الكراء المضمون إلى أجل معلوم في راحلة ودابة وسفينة بغير عينها ولا يجوز ذلك إذا كانت بعينها ومن اكترى دابة ليركبها فأراد أن يركبها غيره ممن هو مثله في خفته ورفقه في سيره فقد اختلف عن مالك في ذلك فروي عنه المنع في ذلك منه وروي عنه جوازه وهو تحصيل مذهبه وإذا اكترى دابة بعينها فماتت قبل ركوبها انفسخ الكراء ورد ما قبض منه وإن ركب بعض الطريق حاسبه على قدر سهولة الطريق وعلى قدر حزونته وإن اكترى دابة إلى بلد بعينه فخالف إلى غيره وكان الذي خالف إليه يشبه ما اكتراها إليه في المسافة والسهولة والحزونة فلا ضمان عليه فإن خالف ذلك فهو للدابة
стр. 749
ضامن هذا إذا ردها مجهودة قد تغيرت في بدنها وأسواقها وكذلك التعدي أياما كثيرة إلا أن يشاء ربها أن يمضي له التعدي ويأخذ كراء المثل فيما تعدى وهذا هو المشهور من مذهب مالك فيمن اكترى دابة بعينها إلى موضع معلوم فتعدى بها إلى أبعد من تلك المسافة أو أشق وجاوز ما اتفقا عليه أن ربها مخير في أن يأخذ من المتعدي المكتري الكراء المسمى وله كراء مثله فيما تعدى فيه ويرجع إليه الدابة بعطبها أو سلامتها وبين أن يأخذ الكراء إلى الموضع الذي سماه ويضمنه الدابة في الموضع الذي تعدى فيه وسواء سلمت أو عطبت إلا أن يكون ما تعدى فيه يسيرا نحو العدول عن الطريق لأمر خفيف أو مخالفة طريق إلى مثله أو قريب منه في القرب والبعد والحزونة والسهولة هذا تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه وقد روي عنه وعن طائفة من أصحابه أنها إن سلمت لم يكن له إلا كراؤه المسمى أو كراء مثله فيما تعدى إذا رجعت بحالها فإن عطبت فحينئذ يخير فيما تقدم ذكره وهو قول الفقهاء السبعة مشيخة أهل المدينة
وقال اسماعيل الصحيح فيمن تكارى دابة الى مكان فتعدى بها الى مكان ابعد منه فتلفت ضمنها وإن سلمت
стр. 750
فعليه الأجرة الأولى وكراء المثل في التعدي ولم يختلف قول مالك أنه لو تعدى فزاد في حملها غير ما أكري عليه ومما لا يحمل على مثلها أن عليه كراء ما زاد بحسابه وإن عطبت فحينئذ يكون ضامنا على ما تقدم ذكره وإن كان ما حمل عليها حمل مثلها أو ايسر فلا شيء عليه ولو هلكت الدابة قبل بلوغ الموضع الذي اكتريت إليه فعلى رب المتاع من الأجرة بحساب ما مضى من المسافة ولو هلك المتاع وبقيت الدابة لم يكن على صاحب المتاع شيء لإنه لم يحصل من متاعه على شيء هذه رواية المدنيين عن مالك ويشهد كثير من أصول مسائله بذلك وقال اسماعيل يخرج منها ما رواه ابن نافع عن مالك في السفينة أن عليه من الأجرة بقدر ما مضى من المسافة وتحصيل رواية ابن القاسم وهو مذهب اكثر المصريين فيمن اكترى على متاع إلى بلد فأصيب المتاع قبل بلوغ البلد وإن كانت آفة من الدابة أو صاحبها مثل العثار والزلق وانقطاع الحبال أو نحو ذلك فلا كراء لرب الظهر ولا ضمان عليه فيما عطب إلا أن يكون غر من دابته أو ضيع أو تعسف فيضمن ويكون له الكراء إذا ضمن وإن كانت مصيبة المتاع من غير سبب الدابة نحو أن تحرقه نار أو يقطع به اللصوص فله الكراء كاملا وعلى رب المتاع أن يأتيه بمثله حتى يبلغه إلى الموضع الذي اكتراه إليه ولو ضلت الدابة بالمتاع لم يكن على ربه أجرة ولا على رب الدابة ضمان ومن تكارى في الحج راحلة فمات المكتري فالكراء واجب في ماله ولورثته أن يكروا مكانه
стр. 751
من مثله في خفته وحاله ومن اكترى إلى الحج فأخلفه المكري حتى فات الوقت انفسخ كراؤه ولو اكترى إلى غير الحج واشترط وقتا ما فأخلفه المكري لم ينفسخ كراؤه ولا حمولته أو مثلها وقيل ينفسخ والأول تحصيل المذهب والثاني أحب إلي إذا كان الوقت مثل موسم يفوت ونحوه وليس لمن اكترى دابة أو جملا إلى موضع معلوم أن يقطع به دون البلوغ على أن يأخذ بمقدار ما مشى وحمل ولا للمكتري أن يبدو له في بعض الطريق ويلزم كل واحد منهما الوفاء مما عقد على نفسه من ذلك إلا أن يتراضيا على حساب ما عملا ولا بأس ان يكتري الدابة إلى البلد المعلوم لحاجة يريدها ويشترط أن لقي حاجته في بعض الطريق رجع من الموضع الذي يلقاها به وحاسبه ذلك جائز عند مالك ما لم ينقده وعند غيره يجوز نقده أو لم ينقده وكل ما جاز أن يكتري به الدابة جاز ان يكتري به السفينة من الذهب والورق والطعام المعلوم وغير ذلك وجاز كراء السفينة من بلد إلى بلد على حمل طعام بجزء منه إذا كان رب السفينة يأخذ ذلك الجزء مكانه ولم يشترط عليه تأخيره إلى الموضع الذي يحمل إليه فإن اشترط ذلك لم يجز لإنه طعام بعينه يشترط أخذه ببلد آخر فلا خير فيه فإن لم يشترط ذلك وسكتا عنه جاز الكراء لإنه لم يمنع من قبض جزئه هذا قول مالك وقال ابن القاسم إذا لم يشترط صاحب السفينة أخذ جزء فسد الكراء والقول قول مالك وكراء السفينة عند مالك وابن القاسم على البلاغ لا شيء لصاحبها حتى يبلغ المكان
стр. 752
الذي اكترى إليه ولذلك كانا يكرهان النقد في ذلك واختاره ابن حبيب وقال أشهب وابن نافع السفينة كالدابة وإن غرقت كان لصاحبها من الكراء بحساب ما سار واختاره سحنون وبه كان يقضي ويجوز النقد عند أشهب وابن نافع في كراء السفن وقال اصبغ إن لججت السفينة فكما قال ابن القاسم وإن مشت البر فكما قال اشهب والعمل أنه لا شيء على من سلم متاعه من العطب أو خرج من البحر سالما من الكراء إلا مقدار ما تنقصه من المسافة وما انتفع به في ذلك وإلا فلا شيء عليه كما أنه لا شيء على من عطب وتلف متاعه وإن خرج من الطعام أو المتاع شيء مبلول وقد دخله الفساد نقص المكري من كرائه بحساب ما ينقص صاحب المتاع من ثمن سلعته وحكم ما يرى من السفينة في كتاب الأقضية
стр. 753
باب اجارة العبيد وسائر الأجراء القابلين والرعاء
ومن استأجر عبدا ليخدمه شهرا على أنه إن مرض قضاه في غيره لم يجز لاختلاف الأيام ومن استأجر على رعي غنم أو بقر أو إبل فليكن استئجاره له مدة معلومة سنة أو شهرا أو ما شاء من معلوم المدد بالأجرة المعلومة ولا يستأجره على غنم بأعيانها ولا على القيام على ظهر بعينه إلا أن يشترط أنه إن مات شيء من الغنم أو نفق من الدواب
стр. 754
شيء أخلف مكانه مثله حتى يتم الأجل بينهما وما مات أو ذبح من العدد المعلوم أخلفه ومن استأجر راعيا مدة معلومة على غنم بأعيانها بأجرة معلومة فهلكت الغنم قبل بلوغ المدة فللراعي الأجرة تامة ولرب الغنم أن يستعمله في رعاية غيرها وقال أشهب تنفسخ الإجارة ومن ادعى من الرعاة في شاة ذبحها بأكلها إنه خشي الموت عليها ضمنها لأكله لها لم يختلف في ذلك عن مالك فإن ذبحها وجاء بها مذبوحة أو جاء بجلدها وثمن لحمها أو بثمنها كلها مذبوحة ففيها لمالك قولان أحدهما أنه لا ضمان عليه إذا ادعى أنه خاف الموت عليها والآخر أنه ضامن وأجاز مالك إجارة الأجير بنفقته والذي أحبه من ذلك أن يسمي نفقته ومؤنته وإنما أجازه مالك والله أعلم لإنه كان ذلك عنده معلوما ولذلك قال يعطى وسطا من النفقة ولو أن الوسط عنده مجهول لم يجزه لإن اصله ألا يجيز في ثمن الاجارة إلا ما يجوز عنده في ثمن الأعيان المبيعة وملعوما لا يشكل ولا يجوز للرجل أن يستأجر نساجا ينسج له غزلا بنصف الثوب وجائز أن يستأجره على نسج نصف الغزل بالنصف الآخر ولا يجوز ان يؤجر الرجل دابته أو غلامه بنصف الكسب فإن فعل فلرب ذلك أجرة مثله وللعامل الكسب كله ولو قال رب الدابة للأجير اعمل لي على دابتي بنصف ما تكسبه عليها كان الكسب كله لرب الدابة وللعامل أجرة مثله وجائز حصاد زرع قد نظر إليه بنصفه وكذلك جذاذ التمر ولا يجوز حصاد يوم ولا جذاذه على
стр. 755
نصف ما يحصد أو يجذ فيه ولا يجوز نفض الزيتون على نصف ما يسقط منه ولا بأس بنفضه ولقطه كله بنصف أو ثلث أو جزء منه ومن استأجر أجيرا فمرض أو أبق إن كان عبدا ورجع في بقية السنة فالإجارة فيما بقي من السنة ثابتة وتلغى عن المستأجر أيام المرض والبطالة
стр. 756
باب جامع الإجارات وما يباح منها مما قد جاء النهي عنها
وكل عمل فيه منفعة وكان عمله مباحا فجائز الإجارة فيه ولا بأس بأجرة المؤدبين المعلمين لقراءة القرآن إذ كان معلوما في الشهر ما يأخذ أحدهم من الإجارة على ما عرف من اجتهاده وأجاز مالك الإجارة على الحذاق على الجزء من القرآن كما جاز الاستئجار على تعليمه مشاهرة ومساناة وقد نطق القرآن بإجارة الظئر وهي المرضع وإن لم يعلم مقدار ما يأخذ الطفل كل يوم وليلة وكل حين من لبنها وذلك لأنه أمر لا يقدر فيه على غير ذلك وبلوغ معرفة ذلك معجز ولم يقصد فيه غرر ولا قمار فصار كالمتعارف عند الناس ومن استأجر ظئرا لرضاع صبي أو حضانته مدة معلومة فهلك الصبي قبل تمامها انفسخت الإجارة ولزمه من الأجرة بقدر ما مضى من المدة واختلف في جواز إجارة الإمام ليؤم الناس في الفريضة والنافلة فكرهه مالك في النافلة وهو لذلك في الفريضة أشد كراهية
стр. 757
وجماعة من أصحابه وأجازه بعض أصحابه وطائفة من أهل المدينة وهو المعمول به فإن وقعت الاجارة على القيام بأمر المسجد والأذان فيه والإقامة فليس على مذهب مالك وأهل الحجاز في ذلك كراهية واختلف قول مالك في جواز معاملة الطبيب على البرء فمرة أجاز ذلك ومرة قال لا يجوز إلا إلى مدة معلومة وكره مالك تعليم الفقه والنحو والشعر والعروض بأجرة قال وأما الغناء واللهو كله فحرام تعليمه بأجرة وبغير أجرة ولا يجوز لأحد أن يكري معصرته ولا دابته ولا سفينته ممن يعمل الخمر ويحملها وإن فعل أخذ منه ما قبض في اجرة ذلك وتصدق به وعوقب على فعله وإن كان لم يقبض ذلك من النصراني لم يحكم له بشيء وهكذا لو أكرى بيته أو حانوته أو لمعة من ارضه ممن يبيع فيها الخمر ولا بأس بالأجرة على المخاصمة في طلب الحق واقتضاء الدين ما لم يسع المستأجر في ابطال الحق أو تحقيق باطل فإن فعل لم يحل له فعله ولا ما أخذ من البدل عليه ولا بأس بأجرة السمسار والحجام والقسام وصاحب الحمام
стр. 758
باب تضمين الأجراء والصناع
لا ضمان على صاحب الحمام ويحلف في مقطع الحق بالله الذي لا إله إلا هو إنه ما خان ولا دلس ولا فرط
стр. 759
في الحرز ولا ضيع وقد قيل عليه الضمان والأول أشهر عن مالك وكلاهما معمول به على حسب ما يؤدي الاجتهاد إليه ولا ضمان على اجير ولا مستأجر إلا ما جنت أيديهما أو ضيعا أو تعديا كسائر الأمناء وذهب مالك وأكثر أصحابه إلى تضمين من حمل القوت من الطعام وما جرى مجرى القوت إذا انفرد بحمله دون صاحبه ومن ذلك الطحان في الأرحاء يضمن ما انفرد بنقله إليها إذا لم يكن معه رب الطعام بمثل ما يضمن به الصناع الذين قضى السلف بتضمينهم لحاجة الناس إلى استعمالهم وتسليم المتاع إليهم فإن قامت لهم بينة على هلاك ما حملوا من الطعام لم يضمنوا وأما غير الطعام فلا يضمن إلا بالتعدي والتضييع وإلا فلا ضمان عليهم ومن استؤجر ليحمل على ظهره فسقط منه وانكسر فلا ضمان عليه ولا أجرة له ومن سقط من يده شيء على ما استؤجر على حمله فكسره ضمنه وغرم قيمته وإذا أذن صاحب الفخار في أخذ شيء منه لمن يريد ابتياعه لينظر إليه فسقط من يده من غير تعد ولا تضييع لم يكن عليه شيء ولو سقط من يده على فخار أخرى فانكسرتا ضمن الفخارة التي كانت في الأرض لإنه لم يأذن له في اخذها ولم يضمن الأخرى والسمسار يجري مجرى الصناع وقد قيل أنه كالأجير والذي أذهب إليه في صاحة السوق الضمان فيما قبضوه من المتاع إلا أن يتبين صدقهم فيما يتلف عندهم من غير تضييع ولا خيانة منهم وقد اختلف في ذلك عن مالك وغيره وتحصيل مذهب مالك
стр. 760
أنه لا ضمان على السماسرة والصاحة إلا فيما تعدوا وضيعوا وأما الصناع فضامنون لك ما ضاع عندهم فيما يغيبون عليه ولا يقبل قولهم في هلاك شيء مما قبضوه واستعملوا فيه إذا انفردوا به ولم يكن في منزل صاحبه ويضمنون ما أصابه من خرق أو فساد كما يضمنون الذهاب إلا أن تقوم لهم بينة على مصيبة تنزل بهم من غير اسبابهم ولا فعلهم ولا تضييعهم فلا يضمنون وقد قيل ان قيام البينة لا يسقط الضمان عنهم ولم يختلف قول مالك في الوكيل أنه إذا لم يشهد على ما باع وجحده المبتاع أنه بتركه الإشهاد على المبتاع مضيع وعليه الضمان والصائح عندي مثله والله أعلم والقول قول الصانع في قبض أجرة عمله وله أن يحبس الثوب بها حتى ينتصف منها وهو أحق به من الغرماء وعلى رب الثوب البينة فيما يدعيه من دفع أجرته إليه والقول قول رب الثوب إن ادعى الصانع صرفه إليه وعلى الصانع البينة في ذلك وإلا فيمين رب الثوب
стр. 761
باب الجعل
لا يجوز أن يكون الجعل مجهولا ولا غررا ولا يجوز إلا معلوما مفهوما ومن أبق له عبد فقال لمن جاءني به نصفه لم يجز ذلك لإنه لا يجوز في تلك الحال بيع نصفه فإن جاء به كان له أجرة مثله ومن جعل جعلا في عبد
стр. 762
ابق له لرجل بعينه إن جاء به فله الرجوع فيه لإن الجعل ليس بعقد لازم ما لم يشرع العامل في العمل فإن شرع ذلك الرجل في طلب ذلك العبد لم يكن لسيده الرجوع عما جعل له فيه والجعالة جائزة على العبد الآبق وعلى الجمل الشارد وعلى المتاع الضائع وما كان مثل ذلك ومن جعل في عبد آبق له جعلين مختلفين لرجلين فجاءا به جميعا فلمالك في ذلك قولان أحدهما أن عليه أكثر الجعلين يقتسمه الرجلان بينهما على قدر الجعلين والآخر أن لكل واحد منهما نصف جعله وجائز عند مالك الجعل على استخراج المياه في الآبار والعيون على صفة معلومة بجعل معلوم إذا عرف العامل بعد الماء من قربه وشدة الأرض من لينها
стр. 763
باب كراء الأرض والمغارسة
لا يجوز كراء الأرض عند مالك وجمهور أصحابه مما تنبت تلك الأرض أو غيرها طعاما كان أو غيره مثل العصفر والزعفران والقطن والكتان ولا بشيء من الطعام والآدام وسواء كان ذلك مما تنبته أو لا تنبته ويجوز كراؤها عندهم بكل ما ينبته الله فيها من الجواهر وغيرها مما لا صنع فيه لآدمي نحو الذهب والفضة والرصاص والقصدير والحديد والنحاس والكحل والزرنيخ والحطب والشجر الذي ليس بمثمر والقصب والخشب
стр. 764
والطيب كله والأدوية معجلا كان ذلك أو مؤجلا وقال ابن كنانة لا تكرى الأرض بشيء إذا أعيد فيها نبت وتكرى بما سوى ذلك كله وقال ابن نافع لا تكرى بشيء من الحنطة وأخواتها لإن ذلك محاقلة وتكرى بما سوى ذلك وتحصيل مذهب مالك المعمول به فيه ما قدمت لك عنه وعن جمهور أصحابه ولا يجوز كراء الأرض بجزء مما يزرع فيها فإن دفع رجل أرضه على ذلك فالزرع كله للذي زرعه وعليه كراء مثلها لربها ولا بأس بكراء الأرض المطري ولا بأس بالنقد فيها إذا كانت مأمونة قد روت ريا لا يجف وجائز كراء ارض مصر قبل ريها من النيل ويكره اشتراط النقد فيها فإن تطوع المستأجر بالنقد من غير شرط فلا بأس وإن كانت الأرض مأمونة لا يخلف ريها فلا بأس بالنقد فيها وإذا اكترى رجل ارضا ليزرعها فانهار بئرها قبل زرعها انفسخ كراؤها إلا أن يقيم البئر ربها ويتمكن المكتري من زرعها فإن فعل لزمه كراؤها وإن زرعها ثم انهارت بعد زراعتها فالمكتري بالخيار بين فسخ كرائها وبين أن ينفق عليها أجرة سنتها إن لم يكن نقد كراءها وإن كان نقده استرجعه لينفقه في البئر وإن جاءه من الماء ما يكفيه لزمه الكراء وإن لم يجئه من الماء ما يكفيه لم يلزمه شيء ولم يكن على رب الأرض غرم تلك النفقة وقال عبد الملك لو اكتراها سنين فزرعها ثم انهارت بئرها كان له أن ينفق عليها كراء السنين كلها إن احتاجت إلى ذلك وجائز كراء الأرض العام والعامين
стр. 765
والأعوام ولا ينقد فيها إلا أن يؤمن قحطها وإذا انقضت مدة الكراء وفي الأرض زرع لم يستحصد ولم يتم ولم يقلع على رب الأرض كراء مثل الأرض من يوم انقضت مدة كرائه إلى أن يحصد زرعه كان مثل كرائه الذي انقضت مدته أو أكثر أو أقل ولا بأس بكراء أرض السقي على أن على ربها سقيها إذا كان ذلك معلوما ومن زرع في أرض غيره بشبهة ملك كان لربها كراؤها إذا استحقها ولم يقلع الزرع منها وإذا اكترى رجل ارضا وزرعها ونبت الزرع وقحطت عنها السماء وتلف الزرع فلا كراء لرب الأرض فيها وكذلك لو استحقت أو استخرجت بكثرة الماء ولم يوصل إلى زراعتها في وقت الزراعة بطل فيها الكراء وكذلك لو غلب الماء الكثير على الزرع حتى بطل سقط الكراء عن مكتريها وما عدا هذه الوجوه فالكراء لازم للزارع فيها إذا نبت زرعه واستقل وقد روي عن مالك أنه إن زرعها وأمكنه شربها ولم ينبت زرعها أنها لا تسقط أجرتها وروي عن مالك أنها إذا شرقت بالماء لم يسقط عنه أجرتها ولا يسقط كراء الأرض ما اصابها بعد نبات زرعها من جائحة دود أو ريح أو نار أو سيل يكسر الزرع أو برد يفسده أو غير ذلك من جوائح الزرع مثل الجليد والجراد وسائر جوائج الزروع غير ما ذكرنا وكره مالك ان يكري الرجل الأرض على أن لا يزرع فيها إلا قمحا وإلا شعيرا وإلا فولا وإلا شيئا معلوما يعينه وهو عند غيره خفيف بل من أهل العلم من يتسحب أن
стр. 766
يسمي ما يزرع فيها ويكرهه ما لم يسم الشيء بجنسه وقد قال مالك من استأجر أرضا ليزرعها شيئا بعينه فزرعها غيره مما هو مثله فلا شيء عليه ولا يجوز أن يزرعها ما هو أضر بها منه فإن فعل فعليه الكراء الأول وما بين الكراءين
مسألة في المغارسة
لا يجوز أن يدفع الرجل أرضا إلى رجل يغرسها شجرا فما أظهر الله فيها من شجر مثمر بينهما نصفين على أن رقبة الأرض لربها على ما كانت هذا مما لا يجوز وكذلك لا يجوز أن يتعاملا في ذلك على أن الشجر لرب الأرض مع الأرض وثمرة ذلك الشجر بينهما هذا أيضا لا يجوز وأما الذي يجوز من ذلك أن يعطيه أرضه على أن يغرسها شجرا معلوما من الأصول الثابتة كالنخل والأعناب وشجر التين والزيتون والرمان وما أشبه ذلك من الأصول فما أنبت الله فيها من الشجر وتم وأثمر فذلك بينهما بأصله وقاعته من الأرض على ما تشارطا عليه إذا وصف النبات لشجر حدا معلوما ولو قالا إذا أطعم الشجر كان حدا
стр. 767
مسألة
ومن بذر بذرا في أرضه فأتى السيل فاحتمله وطرحه في ارض غيره فنبت فهو لصاحب الأرض التي نبت فيها ولا شيء عليه لصاحب البذر وقد قيل إن الزرع لصاحب البذر وعليه كراء مثل الأرض وهو عندي أصح وأقيس
стр. 768
باب الشركة في الزرع
لا تجوز الشركة في الزرع إلا على التكافؤ في الأرض والبذر والعمل وإن لم يكن التساوي في الأجزاء إذا كانت قيمة العمل متكافئة لكراء الأرض واقتسموا على قدر البذر وجائز أن يكون حظ بعضهم إذا تحاصوا في الأرض والحرث والبذر واقتسموا الزرع على قدر حصة كل واحد منهم من البذر ولا يجوز أن تكون الأرض من عند أحدهما والبذر من عند الآخر فإن كانت الأرض بينهما بكراء أو شراء جاز أن يكون البذر من عند أحدهما والعمل من عند الآخر إذا تكافئا في قيمة ذلك ولو تشاركا على أن البذر من عند أحدهما والأرض من عند الآخر وزرعا على ذلك كان الزرع بينهما نصفين وكان على صاحب الأرض نصف مكيلة البذر وعلى صاحب البذر نصف كراء الأرض وإن اشترك رجلان في زرع فكانت الأرض من عند أحدهما والحرث من عند الآخر
стр. 769
والبذر من عندهما جميعا بالسواء جاز ذلك إذا كان قيمة كراء الأرض مثل قيمة أجرة الحرث والعمل ويكره أن يشتركا إذا كان لإحدى القيمتين فضل على صاحبتها وإن سمح بذلك صاحب الفضل وقد روي عن مالك أيضا إجازة ذلك وإذا اشترك ثلاثة في زرع فكانت الأرض من عند أحدهم والبقر من عند الآخر والعمل على الثالث والبذر بينهم أثلاثا جازت الشركة إذا تكافأت القيم لأنهم قد سلموا من كراء الأرض بما يخرج منها ولو كان البذر على أحدهم والأرض للثاني والعمل على الثالث لم يجز لما يدخل من كراء الأرض بالطعام ولو أكروا الأرض من رجل واحد وأخرج أحدهم البذر والآخر البقر والثالث العمل وتكافأوا في قيم ذلك جازت الشركة في تحصيل مذهب مالك وإن كان أصحابه اختلفوا في ذلك وإذا اشترك رجلان في مزارعة وكانت لأحدهما فألغى كراءها وتكافئا فيما بعد ذلك من البقر والبذر والعمل جاز إذا كانت الأرض بموضع لا ثمن لكراء مثلها وإن كانت مرغوبا في كراء مثلها لم يجز إلا أن يكون عليه نصف الكراء ولو دفع رجل إلى آخر بذرا يبذره في أرضه على ان الزرع بينهما نصفين فالزرع كله لزارعه ولصاحب الأرض كراء المثل في أرضه ولو اشترط العامل على رب الأرض أن يسلفه حصته من البذر لم يجز ذلك وكانت شركة فاسدة إلا إذا دفع إليه ذلك معجلا فإن لم يفعل حتى حصد كان الزرع بينهما عند ابن القاسم وخالفه غيره فرأى الزرع
стр. 770
كله لصاحب البذر والأرض وللعامل اجرة عمله ولو اسلفه ذلك تطوعا من غير شرط جاز وقد روي عن مالك أنه كره ذلك على كل حال والتبن في المزارعة بين الشركاء على قدر حصصهم من الزرع
стр. 771
كتاب المساقاة
باب ما تجوز فيه المساقاة
...
كتاب المساقاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
باب ما تجوز فيه المساقاة
معنى المساقاة أن يدفع الرجل كرمه أو حائط نخله أو شجر تينه أو زيتونه أو سائر مثمر شجره لمن يكفيه القيام بما يحتاج إليه من السقي والعمل على أن ما أطعم الله من ثمرتها فبينهما نصفين أو على جزء معلوم من الثمرة ولا تجوز المساقاة إلا في أصول الثمار الثابتة التي يتكرر ثمرتها حولا بعد حول كالنخيل والأعناب والزيتون والرمان والخوخ والتفاح وما أشبه ذلك من الأصول وأما المقاثي والزرع والبقول فلا تجوز المساقاة فيها وقال مالك لا تجوز مساقاة الزرع صغيرا قبل استقلاله فإذا استقل وعجز أربابه عن سقيه جازت المساقاة فيه وكذلك المقاثي
стр. 772
والباذنجان وسائر البقول إذا استقلت وظهرت وعجز أربابها عن سقيها جازت المساقاة فيها وقد روي عنه وعن طائفة من أصحابه أن المساقاة في البقول لا تجوز بحال
стр. 773
باب ما يلزم العامل في المساقاة
وعلى المساقي العامل في المساقاة تلقيح النخل والآبار والسقي والحفظ والجذاذ وعليه في الكرم الزبر والحفر والتنقية والسد والحفظ والقطاف وكذلك عليه في كل ثمرة ما تحتاج إليه من العمل المعهود حسب جري العادة في البلد في مثل ذلك ويجب أن يكون مفهوما معلوما في الحرث والحفر وسائر العمل الذي تقوم به الثمرة وعليه من السقي فيما يشترط عليه مما بالثمرة الحاجة إليه وليس عليه عمل ما لا تنتفع به الثمرة ولا ما لا تنتفع به في أكثر مدته في المساقاة كالبئر يحفرها والعين يرفعها بينهما أو شيء تبقى منفعته لرب الحائط بعد انقضاء المساقاة ولا يجوز أن يشترط شيء من ذلك عليه وعلى العامل حفر العين وتنقيتها وإصلاح الساقية وسد الحظار وما قطع من الجريد والليف والزرجون فهو بينهما على قدر ما لكل واحد منهما من أجزاء الثمرة وعقد المساقاة لازم للمتعاقدين وليس لأحدهما فسخه إلا برضى صاحبه
стр. 774
باب ما يجوز من الشروط في المساقاة وما لا يجوز من ذلك
ولا يجوز لرب الحائط أن يشترط على العامل كيلا في التمر يختص به ويكون ما بقي بينهما على أجزاء يتفقان عليها والمساقاة في البعل عند مالك جائزة كهي في السقي فإن كان في الحائط دواب ورقيق فقد اختلف في ذلك عن مالك فروي عنه أن على صاحب الحائط مؤونة رقيقة ودوابه إلا أن يشترطها على العامل وروي عنه أنه كره اشتراط مؤونتها على العامل وروي أن علوفة الدواب ونفقة الرقيق على العامل وما هلك من الدواب والرقيق وانكسر من الدواليب والآلات وآلة السقي فعلى رب المال خلفه وإصلاحه ولا يشترط العامل على رب الحائط دواب لم تكن فيه عند مساقاته إياه وجائز عقد المساقاة عاما واحدا وعامين وأعواما من الجذاذ إلى الجذاذ على جزء معلوم مما يخرج الله من الثمرة بعد إخراج الزكاة منها ولو ساقاه إلى أجل فانقضى الأجل وفي النخل ثمر لم يجز جذاذه ولا يحل بيعه فهو على مساقاته حتى يجذ لإنه حق وجب له وإنما المساقاة إلى الجذاذ وإلى القطاف لا إلى أجل ولا تجوز المساقاة في الأرض البيضاء كما لا يجوز الكراء فيما تجوز فيه المساقاة فإن كان بياض ونخل أو شجر فوقع عقد المساقاة على الشجر والنخل وسكت عن البياض جاز وكان البياض لربه يزرعه ويؤاجره أو يتركه وإن اشترط رب المال البياض كله أو ما يخرج منه لم يجز وإن اشترط منه جزءا معلوما
стр. 775
جاز إذا كان البذر والعمل كله على العامل وكان الجزء مثل الجزء الذي ساقاه عليه فإن اشترط العامل البياض لنفسه جاز إذا كان يسيرا واليسير في ذلك أن يكون أجرة البياض الثلث وثمن الثمرة الثلثين فإن كان كذلك كان تبعا للنخل والشجر وجاز للعامل اشتراطه وإن كان أجرة البياض أكثر من ذلك لم يجز لإنه حينئذ مقصود إليه والله أعلم ولا بأس أن يساقي حوائط مختلفة الثمرة أو متفقة على جزء معلوم وأخذ في صفقة واحدة ولا يجوز ذلك في صفقة واحدة على اجزاء مختلفة ويجوز ذلك في صفقات عدة ولا تجوز المساقاة في ثمر قد بدا صلاحه لأنه يحل بيعه وجائز أن يساقيه في ثمر قد ظهر ولم يبد صلاحه على جزء يتفقان عليه من الثمرة
следующие страницы →