Полный текст (1 219 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
كتاب التفليس، والحجر
باب في المفلس يجد غريمه متاعه كله او بعضه عنده
...
كتاب التفليس،والحجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
باب في المفلس يجد غريمه متاعه كله او بعضه عنده
إذا لحق التاجر من ديون الناس ما يضرب السلطان من اجله على يده ويفلسه عند قيام غرمائه لإحاطة ما لهم عليه بماله فمن وجد منهم متاعه قائما بعينه فهو بالخيار ان شاء أخذ سلعته بثمنها الذي باعها به وكان احق بها من سائر الغرماء فله ذلك وان شاء تركها وكان أسوة الغرماء وحاصهم بثمنها فيها وغيرها من سائر مال المفلس وما يثوب له من مال وان كان البائع قد قبض من ثمن متاعه شيئا فاختار ان يرد ما يرد ما اقتضى منه ويكون أحق بسلعته كان له ذلك فإن كان بعض المتاع قد خرج من يد المبتاع أو غيره فاختار البائع اخذ
стр. 842
ما بقي بحصته ان كان نصف المبيع بنصف الثمن او ثلثه بثلث الثمن أو كان بحساب ذلك يوم باعه لا يوم أفلس ويحاص الغرماء فيما تلف كان له ذلك الا ان يعطيه الغرماء قيمة ما أصاب من متاعه كاملا ويأخذونه لرغبتهم فيه فيكون ذلك لهم فإن وجد البائع سلعته ناقصة في بدنها او سوقها وأراد اخذها كان ذلك له وكان احق بها الا ان يضمن له الغرماء ثمنها لما يرجونه فيها من الفضل فيكونون حينئذ احق بها كذلك إذا وجدها صاحبها عند المفلس زائدة في بدنها أو سوقها وخالفه الغرماء في اخذها كانوا احق بها إذا أعطوه ثمنها كاملا لما يرجون فيها من الزيادة فإن لم يضمنوا له ثمنها كان له اخذها نامية ان شاء وهو احق بها لانه قد وجدها بعينها وان كان البائع قد اقتضى بعض ثمن سلعته وقد فوت المشتري بعضها وأدرك البائع ما بقي منها كان له اخذ ما وجد منها بحسابه من ثمنها وان اراد الغرماء اخذ تلك الحصة من السلعة بما يصيبها من الثمن الذي باعها به فذلك لهم وإن أبوا ذلك وأسلموها اليه رد اليهم ما يصيبها بالحصص فيما اقتضى ثم حاصهم بذلك فيما بقي من مال المفلس مثال ذلك رجل باع عبدين بعشرين دينارا فاقتضى من قيمتها عشرة دنانير وباع المشتري احدهما وبقي الآخر عنده ثم افلس فإن أراد البائع اخذ العبد الباقي منهما رد خمسة من العشرة التي اقتضاها واخذه وحاص الغرماء بالخمسة التي رد هذا الحكم مخصوص به المفلس الحي عند مالك واصحابه وأما الميت الذي يموت وعليه دين محيط بماله فمن أصاب من غرمائه سلعة كاملة
стр. 843
بعينها أوبعضها فلا سبيل له اليها وهو فيها أسوة الغرماء لأن ذمته قد انقطعت وتحل الديون المؤجلة على المفلس بتوقيف الحاكم وتعود حالة كما تحل ديون الميت المؤجلة بموته وسواء عند مالك من مات او افلس فقد حل دينه ومن وجد متاعه بعينه عند مفلس فلم يأخذه حتى مات كان له اخذه بعد موته الا ان يشاء الغرماء انصافه من حقه
стр. 844
باب حكم ما يحدث في عين مال الغريم من الغلة والولد
وليس لغريم المفلس اخذ نتاج ما باعه من الماشية والدواب ولا غلة ماله غلة من ذلك ولا أجرة العبد إذا فات ذلك وليس له الا الرقاب بعينها اذا وجدها وما فات من النتاج والغلة والاجرة والثمرة فلا شيء له فيه ومن باع أمة فولدت عند المشتري ثم ماتت وبقي الولد كان له أخذه بالثمن كله ولو مات الولد وبقيت الام اخذها بالثمن كله ولم يوضع عنه لموت الولد شيء ولو باع المشتري الولد أو الام كان للبائع أخذ الباقي منهما بحسابه من الثمن ومن ابتاع زيتا فصبه في جراره ثم افلس قبل ان ينفذ ثمنه فالبائع أحق بملكية زيته من سائر الغرماء ولو ابتاع دنانير فخلطها بدنانير له في كيسه قبل ان ينفذ
стр. 845
ثمنها ثم افلس كان صاحب الدنانير احق بوزنها من ذلك الكيس من سائر غرمائه
стр. 846
باب ما يشترك فيه اهل الامانة مع اصحاب الديون الواجبة عند المفلس
واذا مات الرجل وعنده ودائع وقرائض وبضائع وعليه الديون للناس لم يوص بذلك ولا ذكر منه شيئا وثبتت الامانات بغير تعيين فإن اهل الديون الواجبة وأهل الامانات من الودائع والقراض والبضائع وغيرها يتحاصون فيما وجدوا من ماله اذا ثبت ذلك عليه وان ذكر في وصيته او اشهادا فقال هذا قراض وهذه وديعة او نحو ذلك وقال هذا مالي فما سمى من ذلك وذكر فهو كما قال لمن ذكر لا ينازع فيه وما قال هو مالي فهو بين غرمائه لا يدخل في ذلك معهم أهل القراض ولا سائر الامانات الا ان يثبت خلاف ما قال
стр. 847
باب العمل في مال المفلس
واذا كان على المفلس او على الميت ديون من العين والعرض والطعام المسلم اليه قوم لكل واحد قيمة
стр. 848
شيئه بسوق يومه حين مات او افلس وقسم ماله بينهم على تلك الحصص واشترى لكل واحد منهم بما صار اليه من المحاصة سلعته أو ما أدرك منها ولا يدفع الى احد من ارباب العروض ثمنا الا ان يكون احد منهم أسلم عرضا في عرض فجائز ان يدفع اليه محاصته ذهبا أو ورقا الا ان يكون عليه طعام او أدام فلا يجوز ان يدفع اليه في شيء من الاشياء غير حصته لانه يدخله بيع الطعام قبل ان يستوفى ويشترى له بما أصابه طعام من صفة طعامه فإذا قسم مال الميت بين غرمائه ولم يفضل شيء فجاء غريم آخر فاستحق حقه رجع على الغرماء فحاص كل واحد منهم فيما وصل اليه من مال الهالك يتبع كل واحد منهم بقدر قسطه موسرا كان أو معسرا ولو فضل للورثة شيء ثم جاء الغريم المستحق بعد بدأ بما صار للورثة فأخذه فإن كان فيه وفاء حقه بذلك والا رجع على الغرماء بباقي حقه فحاص كل رجل منهم فيما صار اليه بقدر الذي بقي من حقه واذا مات الميت ولا دين عليه في الظاهر في امره فاقتسم ماله ورثته ثم اتى غريم فاستحق عليه دينه وانصرف عن الورثة فوجد بعضهم قد تلف ما بيده مما صار اليه وألفاه منهم مليا رجع على الملي بكل ما صار اليه من مال الهالك فإن كان في ذلك وفاء دينه فذلك ويرجع الوارث الذي اخذ منه على من بقي من الورثة الفقراء وغيرهم وان كان ما صار الى الوارث لايقوم بدين الغريم اخذ الغريم منه صار اليه من مال الهالك واتبع سائر الورثة بما بقي من ماله
стр. 849
فإن كان ما أخذه من الوارث الموسر أكثر مما يلزمه في نصيبه من دين الغريم ثم أيسر بعض الورثة الغرماء رجع الغريم عليه بما بقي من حقه وشريكه فيه الوارث بما كان له من فضل فيما اخذه الغريم منه ويتحاصان في ذلك لانهما غريمان للوارث المعدم واذا جمع الحاكم مال المفلس لغرمائه فتلف قبل بيعه فعلى المفلس ضمانه ودين الغرماء ثابت في ذمته ولو باع الحاكم ماله وقبض ثمنه ثم تلف الثمن قبل قبض الغرماء له كان عليهم ضمانه وقد بريء المفلس وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ضمان الثمن من المفلس دون الغرماء ورواه أشهب عن مالك وقال عبد الملك بن عبد العزيز إذا كان ماله ذهبا وورقا ودينه كذلك فتلف ماله بعد جمعه ونزعه منه فضمان الذهب ممن له ذهب وضمان الورق ممن له ورق وقال ابن القاسم اذا أفلس الرجل وخلع من ماله لغرمائه وجمع ليباع للغرماء وحال الحاكم بينه وبينه فما تلف من المال فمصيبته من الغرماء لأنه قد وجب لهم ولم يفرق بين الثمن وغيره من ماله وروى عن ابن القاسم مثل قول مالك الاول
стр. 850
باب ما يجوز من فعل المفلس وما لا يجوز
ومن كان عليه دين يحيط بماله ولم يوقف لتفليس فجائز أن يقضي بعض غرمائه دون بعض وجائز تصرفه في بيعه
стр. 851
وشرائه واخذه وعطائه ونكاحه وسائر معاوضاته الا ان يحابي في ذلك فإن حابى أحد فالمحاباة عطية وهبة ولا يجوز لمن ذلك احاط الدين بماله قبل التفليس ولا بعده واقراره لمن يعرف بمعاملته ولا يتهم فيه جائز له ماض له وعليه ما لم يفلسه الحاكم ويحال بينه وبين ماله ومن كان عليه دين يحيط بماله فللغرماء ان يردوا عتقه وهبته وصدقته الا انه ان احبل شيئا من امائه لم يكن له سبيل الى بيعها واذا وقف الحاكم مال المفلس وقضى بتفليسه لم يجز له في ماله حكم حتى ينقضي أمره فإن اقر في هذه الحال كان اقراره في ذمته فإن افاد مالا غير ما بقي في يده فقضى من ذلك المال ما اقر به ويستوي حال المديان الذي لم يفلسه غرماؤه اذا كان الدين الذي يحيط بماله وحال الذي وقف الحاكم ماله لفلسه فيما اعتقا جميعا او وهبا أو تصدقا ويختلفان في المعاوضات فإن وهب او تصدق او اعتق في كلتا الحالتين بإذن غرمائه جاز واختلف في رهنه عن مالك فروي عنه جواز رهنه بعد تفليسه وروى عنه المنع ولم يختلف قوله وقول اصحابه في الذي تحيط ديونه بماله ان له ان يقضي بعض غرمائه دون بعض بعد التفليس
стр. 852
باب جامع احكام المفلس
واذا فلس الرجل لغرمائه الذين قاموا عليه بالبينات واقر الآخرين فلا شيء لمن اقر له حتى يستوفي ارباب البينات فإن فضل كان لمن اقر له وان لم يقم ماله بما عليه لغرمائه ثم افاد مالا بديء ايضا بأصحاب الديون المستحقه بالبينه فإن فضل دفع الى الذين اقر لهم ومن فلس وقسم ماله بين غرمائه ولم يقم بما لهم عليه ثم داينه آخرون وفلس ثانية فالذين داينوه ثانية اولى بما في يديه ولا يدخل معهم الاولون
فإن فضل شيء من حقوقهم تحاص فيهه الاولون وهذا الحكم فيما حصل في يده من معاملة الاخرين فأما ملكه بهبه او ميراث أو أرش جناية او وصية فإن الاخرين والاولين فيه اسوة واذا وهب للمفلس هبة أو تصدق عليه بصدقة او اوصي له بوصية او وجبت له شفعة فيها ربح لم يجبر على قبول شيء من ذلك ان اباه وان اخذه طائعا فهو بين غرمائه وليس الميراث كذلك لانه يدخل في ملكه بغير قبول ومن فلس من رجل او امرأة لم يجز عفوه عن نصف الصداق ولا عن شيء منه والعبد المأذون له بالتجارة كالحر في التفليس يقسم ما في يده بين غرمائه ولا يحاص سيده غرماؤه بشيء مما استئجره به ولا سبيل لغرمائه على رقبته ولا على سيده الا ان يضمن شيئا عنه فيؤخذ به فإن باع منه سيده بيعا يشبه بياعات الناس وقامت له بذلك بينة ضرب مع.
стр. 853
الغرماء بدينه ذلك ومن أعتق عبده على مال ثم أفلس العبد قبل أدائه لم يحاص السيد بدينه غرماؤه وليس للغرماء بيع العبد المأذون له في ديونهم ولا لهم أن يمنعوا سيده من بيعه وأخذ ثمنه لنفسه دونهم ولا لهم أن يؤاجروه ليأخذوا أجرته ولا لهم في رقبته شيء وإنما لهم ذمته فمتى أفاد مالا قاموا عليه بديونهم وقسم ما وجد بيده بينم عند كل سيد يملكه وكذلك ان أعتق وإذا أدين العبد بغير إذن سيده وأفلس فلسيده ان يأخذ ما كان في يده ولا يلتفت إلى إقرار العبد فمن قامت له عليه بينة في شيء بعينه ووجد قائما أخذه وإلا فلا حق له في رقبة العبد واقرار العبد المفلس لسيده ولغير سيده لا يقبل وإن كان مأذونا له ولسيده ان يفسخ عن العبد ما أدان به بغير إذنه وإن لم يفسخه عنه السيد اتبعت به ذمته متى ما عتق ومن زرع زرعا فأصابته جائحة فاستقرض من رجل مالا فأنفقه عليهفلم يكفه ثم استقرض من آخر مالا فأنفقه عليه ثم أفلس فالثاني أحق بالزرع من الأول ثم الأول أحق بما بقي من سائر غرماء المفلس ولا يدخل الغرماء على من حاز شيئا من مال المفلس وصار بيده كالمكري منه دابته حتى تنقضي اجارته والقصار والصباغ والحمال كل واحد من هؤلاء أحق بما بقي في يده من الغرماء في الموت والفلس كالرهن سواء وكذلك الأجير في الزرع والحائط يقوم بأباره وتذليل عراجينه وتفجير مياهه وهو بمنزلة الصناع للتأثير الذى له في الزرع والنخل وأما الراعي والدلال فهما في اجرتهما اسوة الغرماء ولا سبيل
стр. 854
للراعي على الغنم ولا للدلال على السلعة وكذلك من استؤجر على حفظ شيء ليس هو أحق به في الموت ولا فلس وهو أسوة الغرماء فيما في يده على ذلك وصاحب الأرض إذا أفلس الزارع أحق بما في أرضه في الفلس دون الموت حتى يستوفي كراء أرضه ومن استأجر دارا لسنة ولم ينقد اجرتها وسكنها بعض السنة ثم أفلس أو مات فرب الدار أحق بما بقي من مدة الإجارة ويحاص غرماءه باجرة ما مضى وقال ابن القاسم تحاص المرأة غرماء زوجها إذا أفلس بصداقها في حياته ولا تحاصصهم بصداقها بعد مماته وسائر أصحاب مالك يرون أنها تحاصهم بصداقها في الموت والفلس ومن خلع من ماله لغرمائه ترك له ما يعيش به هو وعياله الشهر ونحوه ولا يباع ما على ظهره من كسوة إذا كانت كسوة مثله فإن زاد على كسوة مثله بيع الفضل ومن صح عدمه لم يسجن فإن سجن وثبت ذلك أطلق ومن أكثر العقود بأموال الناس مرة بعد مرة منع من الجلوس في أسواقهم ونودي عليه ليلا يغتر به وليس للمريض أن يقضي بعض غرمائه دون بعض كالمفلس الذي وقف الحاكم ماله
стр. 855
باب الحجر
كل صغير فيحجر عليه حتى يبلغ ويؤنس منه
стр. 856
الرشد ويجب الحجر على السفيه المتلف لماله صغيرا كان أو كبيرا شيخا كان أو شبابا والسفيه أن يبذر ماله في المعاصي أو في الإسراف فأما أن يكون محرزا لماله غير مضيع له غير أنه فاسق مسرف على نفسه في الذنوب فهذا لا يجوز عليه بل ينطلق من الولاية لحسن نظره في ماله ولا بأس بالتجارة في مال اليتيم ولا ضمان على الوصي وإن كان الفضل لليتيم في خلط ماله معه جاز ذلك ومن أراد الحجر على ولده البالغ فليأت به الحاكم حتى يشهده عنده على حاله ويمنع الناس من مداينته ومعاملته وما باعه السفيه فبيعه باطل ويرد عليه ما باع ولا يرجع عليه بشيء من ثمنه ان كان أتلفه ومن دفع إلى محجور حر أو عبد بالغ أو صغير مالا أو شيئا فقد أتلفه على نفسه ان لم يدركه بعينه وكذلك أن أقرضه قرضا ولا يتبع المحجور بشيء من ذلك كله لا في حال سفهه ولا بعد حسن حاله ولا تتبع ذمته وانما للذى يعامله ما وجده عنده من عين ماله ويقضي للسفيه بعد رشده بالرجوع فيما باعه أيام سفهه كما يحكم له به قبل ويفسخ عند الحاكم ما أتلفه وأن أدرك بيده شيء أخذ منه والبكر وإن عنست بمنزلة المحجور حتى يبنى بها زوجها ويعلم صلاح حالها هذا تحصيل مذهب مالك ومن اصحابه من يخالف في ذلك وان دفع الوصي إلى المحجور شيئا من ماله ليختبره به فداين عليه فالدين باطل عن ماله وعن ذمته وعن مال الوصي وليس كالعبد اذا دفع غليه سيده مالا ليختبره به فهو مأذون له وقد قيل:
стр. 857
انه إذا إذن الولي للسفيه في التجارة في مال بعينه فاستدان دينا فهو في ماله ذلك دون سائر ماله ولا يكون شيء من ذلك الدين في ذمة الوصي وولي السفيه مصدق فيما ذكر من نفقة اليتيم إذا كان ما يمكن ولا يصدق الوصي في رد مال اليتيم إليه بعد بلوغه الا ببينة تشهد له وإذا بلغ المحجور مبلغ الرجال وانس منه الرشد دفع إليه ماله وان طلب ترشيد نفسه سمع من بينته فإذا شهد له شهادة فيها بعض الاستفاضة بالرشد وحسن النظر والضبط لماله أطلق من الولاية وجاز أمره وفعله وان أطلقه وصيه بما بان له من حسن حاله ونظره وأشهد على ذلك جاز ونفذ ويوسع على الأيتام بالمعروف في أموالهم والله من فضله يرزقهم وغيرهم لا شريك له وينفق على أم اليتيم من ماله إذا كانت محتاجة وينفق عليه منه في تأديبة وتؤدي عنه منه زكاة الفطر وتخرج زكاته إذا وجبت وان ضحى عنه وصيه جاز ذلك وحمد له ان كانت له سعة ولا يجوز للمرأة ذات الزوج وان كانت رشيدة عند مالك وأصحابه ان تهب ولا تتصدق باكثر من ثلثها إلا بإذن زوجها فإن تصدقت بأكثر من ثلثها فزوجها بالخيار في غجازة ما زاد على الثلث من عطيتها أو رده وقد قيل له رد هبتها أو صدقتها كلها إذا زادت على ثلثها وكل وكل ذلك مذهب مالك وإلى هذا ذهب ابن القاسم فإن لم يعلم زوج المرأة بما أعطيته من مالها وذلك حتى ماتت أو طلق نفذ فعلها وصح وكذلك العبد عند مالك يتصدق أو يهب مما بيده من ماله فإن لم يعلم بذلك سيده حتى أعتقه ينفذ فعله
стр. 858
كتاب اللقطة
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وصلى الله على ما لا نبي بعده ليس أخذ اللقطة بواجب عند مالك إلا أن يخاف ذهابها وتلفها ان تركها فإن كان كذلك أو كانت شيئا له بال أخذه ولم يتركه وان كان شيئا يسيرا فليتركه ومن التقط لقطة على الحرز لها ثم ردها إلى موضعها بعد أخذه لها فهو ضامن وان التقطها وهو يظنها لقوم يراهم أمامه فلحقهم فلم يتعرفها أحد منهم فهو مخير منهم فهو مخير بين امساكها وتعريفها وبين امساكها وتعريفها وبين ردها إلى الموضع الذى وجدها فيه ولا ضمان عليه وقد روي عنه ان كان يعرف رب اللقطة فحسن أن يأخذها وليس بواجب عليه وان لم يعرف ربها فله تركها وان كانت دنانير أو دراهم أو شيئا ذا بال فأخذها أحب إليه من تركها ومن التقط شيئا غير الحيوان ذهبا أو فضة أو ثوبا أو غير ذلك من العروض
стр. 859
كلها والطعام الذى له بقاء وسائر الأموال غير الحيوان ولو درهما واحدا فإنه يلزمه تعريف ذلك سنة كاملة على أبواب المساجد والجوامع بالموضع الذى وجدها وبقربه ويشهرها فإن لم يعرفها أحد بعد انقضاء السنة فهو مخير بين تركها عنده باقية حتة يأتى ربها وبين الصدقة بها وبين أكلها إن كان محتاجا إليها فإن جاء صاحبها وعرف علاماتها عفاصها وهو الخرقة ووكاءها وهو الخيط ونحو ذلك من اماراتها واستحقها أخذها ان وجدها والا كان مخيرا بين أن يجيز الصدقة بها وبين أن يضمنه اياها كما لو أهلكها وقد قيل ان الدرهم والدرهمين ونحو ذلك يعرف أياما ويعرف الدينار شهرا ونحوه وهذا عندى لا وجه له لأن السنة الواردة بتعريف اللقطة لم تفرق بين القليل والكثير من ذلك إذا كان مما له بقاء لا يلحقه تغير ولا فساد والله اعلم وتدفع اللقطة إلى متعرفها ان عرف عفاصها ووكاءها وان لم يعرف عدد دنانيرها ودراهمها ولا صفة سكتها ومن عرفها ثم حبسها على ربها فتلفت لم يكن عليه ضمانها ولو تنازعها رجلان فوصف أحدهما الدنانير والدراهم وذكر وزنها وعددها ووصف الآخر العفاص والوكاء والعدد والوزن وتداعياهما رفعا إلى الحاكم حتى يحلفهما ويقسمهما بينهما وان دفع الملتقط إلى من عرف عفاصها ووكاءها ثم جاء آخر يصفها فلا ضمان عليه لأنه قد دفعها بعد اجتهاده كما أمره ومن التقط طعاما لا بقاء له ولم يتعرفه أحد
стр. 860
بحضرة وجوده فليس عليه ان يعرفه منتظرا لربه ولا يمسكه حتى يفسد ولكن هو مخير في الصدقة به أو أكله إن كان فقيرا محتاجا إليه فإن تعرفه ربه بعد ذلك ضمنه ان كان أكله وان كان تصدق به فربه مخير بين الأجر والضمان كسائر اللقطة وان تلف عنده فلا ضمان عليه وقد قيل انه لا ضمان عليه في شيء من الطعام الذي يسرع الفساد إليه كالشاة في الفلاة والاول أصح وأما التافه النزر اليسير الحقير مثل التمرة والفتاتة والزبيبة فيؤكل ذلك ولا تبعة فيه ولو باع ماله بال وثمن من الطعام الذى لا بقاء له ووقف ثمنه لعل صاحبه يتعرفه كان حسنا ولا أحب لغني أكل شيء من اللقطة فإن أكله بعد الحول فلا حرج قال مالك وصاحبها أن استحقها بعد ذلك مخير على ما تقدم ذكره وأما الطعام الذي لا يسرع إليه الفساد ويحتمل الادخار من الحبوب كلها ويابس الفاكهة فسبيله سبيل غيره من اللقطة فإن حبسه بعد السنة زمانا فخشي عليه فيه التغيير وذهاب المنفعة فأكله أو تصدق به لخوف دخول الفساد والتلف عليه ثم تعرفه ربه فحكمه إذا آلت حاله غلى ما ذكرت لك حكم الطعام الذى لا بقاء له ويتعجل فساده ومن التقط شاة فى فلاة من الأرض حيث يخاف عليها السباع فلا تعريف عليه فيها عند مالك وهو مخير بين الصدقة بها أو أكلها أو تصدق بها ثم جاء ربها فلا ضمان عليه فيها عند مالك في المشهور عنه وقد قال بعض أصحابه انه يضمنها ان أكلها وهو قول جماعة
стр. 861
من أهل العلم وقد روي ذلك أيضا عن مالك ولو وجدها لحما قد ذبحها واجدها أخذ اللحم ان شاء ولو باعها ملتقطها نفذ البيع ولم يكن لربها نقضه وحسبه أخذ الثمن لأن ملتقطها قد احتاط واجتهد فيها وبيعه لها أحوط من أكلها ولو التقط الشاة بقرب القرى ضمها إلى أقرب القرى وعرفها فإن لم يتعرفها أحد دفعها إلى من يثق به فيحبسها لربها وبرىء منها وان شاء حبسها هو لربها وان تصدق بها عند اليأس من ربها مسكين كان حسنا والبقرة ان خيف عليها التلف من السبع أو عدم الكلاء فهي بمنزلة الشاة وان لم يخف ذلك عليها فهي بمنزلة البعير والبعير إذا وجد في الفلاة بموضع يرد فيه الماء ويأكل الكلاء والشجر فهو مخير في أخذه أو تركه فإن أخذه عرفه فإن لم يجد له طالبا رده إلى الموضع الذى وجده فيه ولو رفعه إلى الحاكم فباعه أو باعه هو بنفسه وحبس على ربه ثمنه كان وجها حسنا معمولا به وتعريف الضالة من الحيوان كله على قدر الاجتهاد ليس في ذلك عن مالك حد كحد اللقطة وواجدها إذا عرفها واجتهد في ذلك ولم تعرف تصدق بها ان شاء على أنه يضمنها وليس عليه رفع أمرها إلى الحاكم غلا أن لا يكون عدلا ويخاف عاقبة أمرها وما أنفقه الملتقط على اللقطة والضالة مما لا غنى لها عنه فهو على مستحقها والملتقط مصدق فيما ادعاه من النفقة إذا جاء بما يشبه فإن اتهم حلف وسواء انفق بإذن حاكم أو بغير إذنه وعلى ربها أن يؤدي إليه جميع ما أنفق إلا أن يشاء أن يسلم إليه ذلك الشيء الملتقط
стр. 862
بما أنفق فلا يكون عليه غير ذلك تجاوزت النفقة قيمته أم لا وليس على من وجد آبقا أن يأخذه فإن كان لجار أو لمن يعرفه فحسن أن يجوزه له وليس ذلك بواجب عليه ومن وجد آبقا دفعه إلى الحاكم فعرفه سنة وأنفق عليه من بيت المال أو من مال نفسه فإن لم يستحقه أحد باعه وأخذ ما أنفق عليه فإن فضل شيء حفظه لربه حتة يستحقه السنة قبل بيع الحاكم لم يكن عليه من النفقة أكثر من قيمته وبيع الحاكم فيه نافد بعد السنة لا يرده ربه فإن ادعى ربه انه كان قد اعتقه أو دبره قبل اباقه لم يقبل قوله ولم ينقض بيع الحاكم فيه إلا أن يأتى ببينة على ما ذكر فينقض البيع ومن أرسل آبقا بعدما أخذه فهو ضامن لقيمته ومن لم ينصب نفسه لأخذ الاباق والضوال فلا أجرة له من عرف بذلك أعطى أجرة مثله على قدر نصبه وما يستحق في حفظه وكذلك الذين يجمعون ما يلفظ البحر ان نصبوا أنفسهم لذلك والا فلا أجرة لهم ومثل ما يلفظ البحر شأن اللقطة لا يدفع الا بما تدفع له اللقطة ويرفع ذلك إلى الحاكم يتولى النظر فيه لربه وإذا التقط الصبي أو المجنون اللقطة فاستهلكها قبل السنة ضمنها في ماله ويضمنها العبد في رقبته يسلمه بها سيده أو يفتكه فإن استهلكها بعد السنة فهي في ذمته ان أعتق أتبع بها
стр. 863
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الغصب
باب القول في الغاصب ووجه تضمينه
ما غصبه مما يوجد بعينه
زائدا أو ناقصا عنده أو لا يوجد
الغاصب وأن كان في الظلم كالسارق فإنه لا قطع عليه ولا على المختلس كما أنه لا قطع على الخائن وأن كان ظالما وهذه أصول قد تعبدنا الله بها وعلينا التسليم لامره وعلى من عرف بالغصب العقوبة والمبالغة في أدبه على قدر ما يعرف من ظلمه وتعديه مع أخذ الحق منه صاغرا لأهله ويؤخذ منه ان وجد بعينه فيرد إلى ربه وان ذهب وتلف عنده فالمغصوبات إذا تلفت عند مالك على وجهين أحدهما يجب رد مثله في صفته ومبلغه والآخر فيه قيمته يوم غصبه
стр. 864
لا يوم تلفه عنده ولاأكثر القيمتين وذلك في الوجهين جميعا إذا عدم عين الشيء المغصوب فأما إذا وجد فصاحبه أولى به على كل حال زاد أو نقص حالت سوقه أو لم تحل لأنه ملكه وماله وليس على الغاصب ضمان ما نقصت السوق الشيء المغصوب حيوانا كان أو غيره إذا وجده بعينه فإن نقصه عيب دخله وفساد عرض له فله حكم ياتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى وان وجده بعينه قد نقصت قيمته عما كانت عليه يوم الغصب لعيب حدث به عند الغاصب وأراد أخذه وأخذ ما نقصه العيب فليس ذلك له وهو مخير بين أخذه ولا أرش له فيما حدث به ونقصه وبين تركه وأخذ قيمته يوم غصبه والأعيان التي يجب رد مثلها عند فقدها كل مكيل أو موزون أو معدود من الطعام كله والأدام وكذلك الذهب والفضة مضروبا كان أو مسبوكا وكذلك كل مكيل أو موزون من غير الطعام كالنوى والعصفر والحديد والرصاص والقطن وما شاكل ذلك كله ولا يؤخذ منه في شيء من هذا كله قيمته إلا أن يوجد مثله فإن لم يوجد مثله انصرف الى قيمته يوم غصبه وفي الموزون مما لا يؤكل ولا يشرب اختلاف من قول مالك وأصحابه وتحصيل مذهبه ما ذكرت لك ومن غصب شيئا يقضى فيه بالمثل وكان غصبه له في وقت يوجد مثله ولم يخاصم فيه المغصوب منه ولا استحقه حتى خرج ابانه وعدم مثله فهو بالخيار بين أن ينتظر وجود مثله فيأخذه وبين أن يضمن الغاصب قيمته يوم غصبه وأما العروض
стр. 865
كلها سوى ما تقدم وصفه فعلى مغتصب شيء منها إن أفسده افسادا يسيرا رد ما نقصه الافساد وأن أفسده افسادا يذهب جل منافعه أو جماله أو استهلاكه بأسره فهو ضامن لقيمته كاملة يوم اغتصبه لا ينظر إلى زيادة السلعة في نفسها ولا في سوقها وإنما له قيمتها يوم غصبت إذا فاتت لا أقل ولا أكثر عند مالك وأصحابه فإذا ضمنها كانت له دون ربها بما أدى وسواء كان الفساد كثيرا أو قليلا كان بفعله او بغير فعله كالعبد تذهب عينه أو الدابة تعجف أو تعطب فربها في ذلك مخير بين أخذها على ما وجدها عليه وبين أخذ قيمتها يوم اغتصبت وليس له أخذها وأخذ ما نقصها الفساد وهذا هو المشهور من مذهب مالك وقال بعض أصحابه وهو محمد بن مسلمة انه إذا افسد الغاصب ما اغتصب افسادا كثيرا كرجل ذبح لرجل بعيرا فربه مخير بين أخذه لحما وما نقصه الذبح وبين تضمينه الغاصب قيمته حيا وإذا أفسده افسادا يسيرا رده وما نقصه دون تخيير وقال بهذا جماعة من اهل العلم أيضا فإن أتلف السلعة متلف في يد الغاصب فعليه قيمتها يوم أتلفها وتكون القيمة لربها إلا ان تكون أقل من ثمنها يوم غصبت فيكون على الغاصب تمام ذلك ان شاء ربها وان شاء ضمن الغاصب قيمتها يوم الغصب وكانت قيمتها للغاصب على المتلف وليس على الغاصب إلا قيمة ما تلف عنده من الأشياء كلها يوم غصبها سواء أتلفها هو أو تلفت من السماء الا أن يجدها ربها بحالها لم تتغير عند الغاصب بحال فإن كان ذلك فليس له غيرها ولو كان
стр. 866
المغصوب عبدا فأعتقه الغاصب رد عتقه ولو مات العبد بيد الغاصب أو قتل عمدا فقتل أو جنى جناية فأقيد بها فتلفت نفسه ضمن الغاصب في هذا كله قيمته يوم غصبه لا يوم هلك فيه العبد ولو قتل العبد عند الغاصب قاتل كان سيده بالخيار بين تضمين الغاصب قيمته يوم غصبه فإن أخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه كان للغاصب على القاتل قيمته يوم قتله ولو قتله الغاصب فلسيده قيمته يوم غصبه إن شاء وان شاء يوم قتله الخيار في ذلك إليه ولو كانت أمة فغصبها ووطئها حد فإن أحبلها كان ولدها لسيدها رقيقا وكان عليه ما نقصها الوطء ان كانت بكرا فإن مات من ولدها أحد لم يكن على الغاصب فيه شيء ولو ملك الغاصب منهم أحدا لم يثبت نسبه منه أبدا لأنه زان فإن ماتت الأمة وبقي ولدها وأراد المغصوب منه أخذ الولد وقيمة أمهم لم يكن له ذلك عند مالك وإنما له أخذ ما وجد من الولد دون قيمة أمهم أو قيمة أمهم دونهم ويكونون للغاصب إذا أعطى قيمة أمهم ولو زوجها الغاصب فأولدها الزوج ثم استحقها ربها فسخ نكاحها وثبت نسب ولدها من زوجها وكانوا رقيقا مع أمهم لسيدهم وغرم الزوج صداق مثلها لسيدها ورجع على الغاصب بما أخذ منه من صداقها ولو تزوجها على أنها حرة كان ولدها أحرارا وكان عليه قيمتهم للسيد مع صداق المثل ولو غصب نخلا صغارا فكبر او صبيا فشب أو دابة عجفاء فسمنت كان لرب ذلك أخذه كما وجده ولا شيء عليه من نفقة ولا مؤنة ولا غذاء ولو غصبت
стр. 867
نخل او كرم فأثمرت وأطعم الكرم أو دارا فسكنها الغاصب أو عبدا فاغتله أو غنما فاحتلبها أو حزها فعليه قيمة ما اغتل من ذلك كله أو مثله أن كان له مثل وإن كانت دابة فركبها أو عبدا فاستخدمه لم يكن عليه قيمة الركوب ولا قيمة الخدمة فإن أخد للدابة كراء وللعبد أجرة رد ذلك كله معهما ومن غصب دارا أو حيوانا أو غير ذلك فاستغله فعليه رد غلته على ربه واختلف قول مالك في غاصب الدار يسكنها والأرض يزرعها فقال مرة ليس عليه في سكناها ولا في زراعتها كراء وقال بذلك جماعة من أصحابه وقال مرة أخرى عليه كراء ما سكن وما زرع كما لو اكراها وقبض الكراء وقال به بعض أصحابه وهو القياس وبه آخذ وتحصيل مذهبه ان من غصب سكنى دار فسكنها لزمه كراؤها ولو غصب رقبتها لم يلزمه كراؤها إذا لم يسكنها ولم يأخذ لها كراء فإن كان الغاصب بعد انتفاعه بخراج العبد واجارة الدواب وبخراج الأرض وثمار الشجر ولبن الغنم وصوفها قد هلكت عنده أصول ذلك فعليه قيمة الأصول والثمار التي باع بها ما باع من الفروع وقيم ما أكل واتنفع به منها إلا ما قدمت لك عن مالك في الاستخدام العبد وركوب الدواب وقد قال ابن القاسم انه ليس له أخذ الغلات إذا اخذ قيمة الامهات عند الفوات قياسا على قول مالك في أخذ الولد عند فقد الأم أو أخذ قيمة الأم دون الولد ليس له غير ذلك عنده والصحيح ما قدمت لك وعليه جمهور أهل المدينة وغيرها من اصحاب مالك وغيرهم
стр. 868
باب جامع الحكم فيما يحدثه الغاصب
من غصب حليا من فضة واستهلكه رجع عليه ربه بقيمته مصوغا من الذهب والاشياء كلها حاشى الفضة وكذلك ان كان الحلي ذهبا رجع عليه بقيمته مصوغا من الفضة والاشياء كلها حاشى الذهب وان كان الغاصب معسرا يوم حكم عليه بقيمة ذلك اتبع به دينا ولا يدخل في ذلك النظرة في الصرف الا ترى انه يأخذ قيمة الذهب فضة وقيمة الفضة ذهبا بعد طول الزمان للغصب ولو أفسد الغاصب الحلي بكسر أو هشم غير مفسد ضمن قيمة ما نقصه فعله مما شاء من الذهب والفضة والعروض كلها معجلا أو مؤجلا وسواء كان الحلي في المسألة ذهبا أو فضة ولو كانت دنانير أو دراهم فاذهب الغاصب نقوشها لم يجز لربها أن يأخذها ويأخذ قيمتها التي نقصها الحدث وإنما له دنانير مثل دنانيره او دراهم مثل دراهمه ولو غصب دنانير أو دراهم فخلطها بمثلها لم يكن ربها له شريكا وكان عليه لربها أن يأتيه بمثل عيون دنانيره أو دراهمه في وزنها ومن غصب خشبة فبنى عليها أو دعم بها أو بنى حولها او خرقة فرقع ثوبه بها كان لربها أخذها وان أضر ذلك بالغاصب في هدم بنائه وخرق ثوبه الا أن يشاء ربها أخذ قيمتها يوم الغصب فيكون ذلك له وكذلك حكمه لو وجد عند المشتري ذلك من الغاصب بخلاف ما تقدم وقد قيل ان هذا حكم من أدخل الخشبة في بنائه وكان نزعها لا يضر بالباني في هدم بنائه وأما إذا كان نزع
стр. 869
الخشبة يهدم البنيان وكان لذلك مال فليس لربها إلا أخذ قيمتها يوم الغصب فإن أراد الغاصب رد الخشبة بعينها وهدم بنيانها كان ذلك له ولم يكن لرب الخشبة اخذه بالقيمة فلو عمل من الخشبة أبوابا أو غصب ترابا فعمل منها طوبا أو طينا وبنى به كان لمستحق ذلك قيمته يوم الغصب لا غير لما دخله من التغيير وقال عبد الملك لربها أخذها وليس شق الخشبة وقطعها فوتا لها ومن غصب غزلا فنسجه ثوبا فعليه قيمة الغزل لربه وقد قيل عليه رد مثله ولو غصب جلدا فقطعه نعالا أو خفافا ضمن قيمته ومن غصب حنطة فزرعها لزمه رد مثلها والزرع له دون ربها ومن غصب بيضة فحضنها فأفرخت فعليه بيضة مثلها والفرخ له وقد قيل إن الفرخ لرب البيضة وعليه لرب الدجاجة كراء مثلها ان كان لذلك كراء ولو غصب فضة فضربها دراهم كان عليه وزن ما اغتصب منها ولو غصب دراهم او دنانير فوجدها ربها بعينها وأراد أخذها فأبى الغاصب أن يردها وأراد أن يرد مثلها كان ذلك له عند ابن القاسم وخالفه أشهب وغيره فقال لصاحبها أن يأخذ دراهمه أو دنانيره بعينها ولو غصب ثوبا فخاطه بعد قطعه لم يكن لربه الا قيمته يوم غصبه ولو غصب براحا وبناه كان له ولربه قلع بنيانه الا ان يختار ان يعطيه قيمة بنيانه منقوضا مقلوعا وقيمة غرسه إن كان غرسه ولا شيء للغاصب فيما لا
стр. 870
منفعة له فيه من تحصيص او تزويق ولا يعطى لشيء من ذلك قيمة هذا مخالف لما ينفقه الغاصب على الدواب والرقيق لأن هذا يمكن أخذه وذلك مستهلك وهو أتلفه عن نفسه ولما لم يكن على المستخدم للعبيد وراكب الدواب أجرة فكذلك ليس له قيمة مؤنة ولا نفقة وان كان بنيانه كله مثل التزويق والطلي بالجص فلا شي له فيه لانه لو أخذه لم ينتفع به ولو زرع الغاصب الأرض كان لربها قلع زرعها إن كان في أوان الزراعة وان فات وقت الانتفاع بالأرض للزراعة كان لربها كراء مثلها لا غير ويعاقب الغاصب قال ابن عبد الحكم وقيل ان له قلع الزرع في كلتا الحالتين وقال والأول أحب الينا وقال طائفة من أهل المدينة يعطيه مكيلة بذره ونفقته في الزراعة ويأخذ الزرع ومن استعار عبدا في عمل يعمله بغير اذن سيده فعطبه لزمه ضمانه وان سلم كان لسيده عليه أجرة مثله ان ابتغاه ومن غصب ثوبا فلبسه ضمن ما نقصه لبسه وان ابلاه اللباس فربه بالخيار بين أخذه وما نقصه اللباس وبين تركه وأخذ قيمته كلها وقد قيل ليس له الا ما نقصه لبسه فقط وقيل انه يغرم له كراء الثوب ومدة لباسه لأنه لا يوقف على مقدار ما ينقصه اللباس ومن غصب ثوبا فصبغه صبغا ينقص كان لربه أخذه ناقصا أو تركه وأخذ قيمته يوم غصبه فإن كان صبغ يزيده في ثمنه كان ربه مخيرا بين أن يدفع الى الغاصب ما زاد في ثمنه وبين تركه وأخذ قيمته فإن
стр. 871
أبى ربه أن يأخذه ويعطي زيادة الصبغ وأبى الغاصب أن يعطي قيمته بيع الثوب ودفع الى ربه قيمته غير مصبوغ من ثمنه وكان الفضل لغاصبه في صبغه
стр. 872
باب استحقاق الغصوب بيد من لم يغصبها
فلو باع الغاصب ما غصب ووجده ربه بيد المبتاع بحاله لم يدخله تغيير لم يكن له أخذ قيمته من الغاصب وإنما له أحد وجهين اما أن يأخذه بعينه ويرجع المبتاع على الغاصب بثمنه وأما أن يجيز بيع الغاصب ويأخذ منه الثمن فإن وجده بيد المبتاع قد حال وتغير كان مخيرا ثلاث خيارات بين أخذه كما هو وبين إجازة البيع وأخذ الثمن وبين أخذ قيمته من الغاصب يوم غصبه فإن اغتل المبتاع شيئا مما ابتاعه من الغاصب فرضي رب الغلات والمنافع فهي له بالضمان فلو كانت أمة فباعها الغاصب وأعتقها المبتاع واختار ربها أخذها كان ذلك له وردت رقيقا فإن كان المبتاع قد وطئها فأحبلها ثم استحقها ربها بيده كان له ثلاث خيارات ان شاء أخذها وأخذ قيمة ولدها من مشتريها يوم الحكم لا يوم سقطوا وإن شاء تركها في يده وأخذ قيمتها من الغاصب يوم غصبها وان شاء أجاز البيع وأخذ الثمن من الغاصب هذا كله تحصيل مذهب مالك وقد قال مالك ليس لربها إذا وجدها بيد مبتاع أولدها الا أخذ
стр. 873
قيمتها وقيمة ولدها ولا يأخذها وبهذا قال محمد بن مسلمة وقد روي عن مالك فيها أنه ليس له الا أخذ قيمتها يوم غصبها وتطيب هي وولدها لمبتاعها إذا أخذ ربها قيمتها يوم غصبها ولو استحقت الجارية بيد المبتاع وقد حدث بها عيب من غير جناية كان ربها أيضا مخيرا بين أن يأخذها كما هي أو يجيز البيع ويأخذ ثمنها أو يتركها ويرجع على الغاصب بقيمتها يوم غصبها وإذا لم يكن لربها أن يأخذ من الغاصب ما نقصها العيب الحادث عنده إذا كان من غير فعله فأحرى أن لا يكون له ذلك على المشتري بموت أو غيره مما ليس فيه عمل ولا سبب انقطعت تباعة ربها عنه ورجع على غاصبها بما شاء من أخذ الثمن أو قيمتها يوم الغصب ولو كان عبدا فقتله المشتري أو دابة فعقرها أو ثوبا فلبسه وأبلاه أو طعاما فأكله ثم استحقه ربه رجع على المشتري بقيمته يوم استهلكه ورجع المشتري على البائع منه بما أخذ منه من الثمن فإن كان ما أخذه من المشتري دون قيمته يوم غصبه رجع بفضل ذلك على الغاصب
стр. 874
باب جامع الغصوب
ومن غصب حرا نفسه فاستخدمه فعليه أجرة مثله وكذلك هو إن اغتصب خدمة عبد أو صنعة يده وهو مقر بالرقبة لسيده كان عليه أجرة مثله وكذلك إن غصب
стр. 875
دارا فسكنها وهو مقر بالرقبة لربها كان عليه كراؤها فإن انهدمت من غير فعله لم يكن عليه شيء الا كراء ما سكن ولو هدمها ضمنها ومن اكترى دابة أو دارا أو أرضا أو سفينة فغصب ذلك منه سلطان أو من لا يستطيع أن يستعري عليه فالمصيبة من ربه وإن كان ممن ينفذ عليه حكم ولم يطالبه فالمصيبة منه دون ربه ومن استهلك كلب صيد أو ماشية أو سائر الجوارح التي يصاد بها وينتفع كان عليه قيمتها وكذلك من قتل ام ولد كان عليه قيمتها على تلك الحال ولو استهلك زرعا لم يبد صلاحه كان عليه قيمته على الرجاء والخوف وما اختلف فيه الغاصب والمغصوب منه في جنس الشيء المغصوب منه او مبلغ كيله أو وزنه أو صفته فالبينة في ذلك كله على ربه والا حلف الغاصب على ما ذكره ولو حلف الغاصب على صفة فضمن قيمتها ورد ما اخذ وكذلك ان صح انه غطاه ليغرم قيمته ويحول بين ربه وبينه وان كان بخلاف هذين الشرطين فهي للغاصب ولربها ما قبض من ثمنها أو قيمتها
стр. 876
باب حكم ما أفسدت المواشي وصول الفحل
ما أفسدت المواشي بالليل من الزرع والكروم والثمار وسائر الحرث والغراسات فضمان ذلك كله إذا أفسدته ليلا كان على اربابها وما أفسدت بالنهار فلا ضمان عليهم
стр. 877
فيه وسواء أرسلها أربابها بالنهار للرعي أو انفلتت فأفسدت زرعا أو غيره لا ضمان على صاحبها في شيء من ذلك إلا ان يكون معها فإن كان معها وهو يقدر على منعها فلم يفعل فهو ضامن وأما الليل فسواء انفلتت أو أرسلت مع القدرة على منعها فإن على صاحبها في ذلك ضمان ما أفسدت وأتلفت وعلى أرباب الزرع حفظها نهارا وسواء كان الزرع محظرا عليه أو مكشوفا عنه يضمن أرباب المواشي قيمة كل ما أفسدت على الرجاء والخوف عليه فإن انفلتت الدابة بالليل فوطئت رجل رجل لم يضمن ربها شيئا وإنما هذا في الزرع والحرث لا غير ذكر ذلك ابن عبد الحكم وغيره عن مالك وهو تحصيل مذهبه وقد قيل ان كل ما أفسدت البهائم بالليل فضمانه على أربابها من الأموال دون الدماء وقد روي ذلك عن مالك وغيره من أهل المدينة فإن كان مع الدابة راكب أو سائق أو قائد ضمن ما كان من سببه لا ما كان منها خاصة وسنزيد هذا المعنى بيانا في كتاب الجنايات ان شاء الله ولو صال جمل على رجل فخشيه على نفسه يقينا فقتله لم يضمن لربه شيئا وان لم يبين ما ذكره ضمن الجمل فإن تقدم الى رب الجمل الصائل والكلب العقور والدابة الضارية المعتادة للانفلاتات على الزرع نهي فلم ينته ضمن ما كان من ذلك في ليل او نهار
стр. 878
كتاب الشفعة
باب ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه
...
كتاب الشفعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه
لا شفعة فيما قد قسم وحدت فيه الحدود وهذا ينفي الشفعة للجار قريبا كان أو بعيدا وإنما الشفعة في المشاع من العقار كله الدور والأرضين والحوانيت والبساتين والجنات والكروم وكل ما يصلح فيه القسم ويضرب فيه الحدود من الرباع والحوائط والأرض كلها وما اتصل بها مما يثبت أصلا فيها واختلف عن مالك في الشفعة في الحمامات وفيما لا يحتمل القسمة أو يحتملها هي ضرر أحد المتقاسمين من صغار الحوانيت والدور والبيوت وسائر الرباع والأشهر عن مالك ايجابه الشفعة في الحمام وفي ذلك كله وهو الصحيح على أصله لأنه لم يختلف قوله في وجوب قسمة ذلك كله صغيرا كان أو كبيرا كان في
стр. 879
قسمة ذلك ضرر على أحد المتقاسمين أو لم يكن وقال بقول مالك في ذلك طائفة من أصحابه وطائفة منهم تأبى ذلك وهو مذهب ابن القاسم وعلى مذهب ابن القاسم في ابايته من قسمة ما يدخله الضرر على أحدهما لا يجب في ذلك شفعة لأنه يبطل الحمام بقسمته فلا يكون حماما وقوله في النخلة بين الرجلين ببيع أحدهما حصته منها انه لا شفعة فيها لأنها لا تنقسم وأكثر أصحاب مالك يرون الشفعة في ذلك
ويدخل في الأصول التي ذكرنا عيون الماء المبيعة مع الأرض والبئر كذلك ولا شفعة في بئر مفردة ولا طريق ولا فحل نخل ولا مسيل ماء فإن كانت البئر لها أرض تزرع مشاعة فالشفعة فيها إذا بيعت مع الأرض وكذلك لو بيعت مع السواد الذي يسقى مع بساتينها ولو باع حصته من الأرض ثم باع حصته بعد من البئر لم يكن فيها لشركائه شفعة وكذلك لو اقتسموا الأرض والنخل ثم باع أحدهم حصته من البئر لم يكن لشركائه شفعة وروى يحيى عن ابن القاسم عن مالك أنه قال الشفعة في الماء التي يقتسمها الورثة بالاقلاد وأن لم يكونوا شركاء في الأرضين التي تسقى بتلك العيون قال مالك وأهل كل قلد يتشافعون فيما بينهم دون فجماعة الورثة كالدور والأرضين سواء وفحل النخل لا شفعة فيه في المشهور من مذهب مالك وقال طائفة من أصحابه فيه الشفعة ومثل فحل النخل الفرصة يتركها أهلها للارتفاق والاستطراق فلا شفعة فيها إلا على
стр. 880
ما ذكرت لك ولا شفعة في طريق وأما الرحا فقد اختلف قول مالك وأصحابه في الشفعة فيها ففي قياس قول مالك فيها الشفعة لأنه يوجب الشفعة فيما لا ينقسم من الدور والأرضين وسائر الأصول والعقار الا فحل النخل والطريق وما يرتفق به ويستطرق من العراض وفي المدونة عن ابن القاسم لا شفعة في الرحا وسواء بيعت مع أرض مشتركة أو وحدها قال ولو كان فيها شفعة إذا بيعت مع أرض لكان فيها شفعة إذا بيعت وحدها لأن ما لا شفعة فيه لا يكون فيه الشفعة إذا بيع مع ما فيه الشفعة وقال أشهب وسحنون إذا بيعت الرحا مع الأرض فللشريك الشفعة في جميع ذلك كله كما في رقيق الحائط يباع بعضه وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم لا شفعة فيها إذا لم يكن لها من الأرض شيء وكانت سدا وحجارة في النهر لا غير وأما البيت الذي فيه الرحا والجدران والسقف والأرض ففي ذلك كله الشفعة وروى أبو زيد عن ابن القاسم في رجل باع بيتا فيه رحى فأراد الشفيع أن يأخذ ذلك بالشفعة فإنه يقوم البيت وتقوم الرحا باداتها فيفض الثمن عليها فما صار على البيت بالقيمة من الثمن أخذه به الشفيع ان شاء قال وذلك بمنزلة ما لو اشترى شقصا من دار أو دابة سواء وانما لم تجب الشفعة في الرحا لأنه لا يصلح فيها القسم ولان قسمتها ضرر وابطال لها فإن كان عدة أرحاء وصار لأقلهم سهم منها رحا على
следующие страницы →