← Тараджим

Тараджим · id 736

تاريخ بغداد - ت بشار

الخطيب البغدادي

Полный текст (9 517 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن يعقوب الإيادي، قال: أخبرنا أحمد بن يوسف بن خلاد، قال: حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن شرحبيل، عن ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير قال: قال كعب: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة، ونهر سيحان نهر الماء في الجنة، قال: فأطفأ الله نورهن ليصيرهن إلى الجنة. أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا أبو علي عيسى بن محمد الطوماري، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: حدثنا عبد المنعم بن إدريس، قال: حدثني أبي قال: ذكر وهب بن منبه أن في ربض الجنة ترا من أنهار الجنة، فهو أصل أنهار الأرض كلها التي أظهرها الله تعالى حيث ما أراد أن يظهرها، وأن النيل نهر العسل في الجنة، ودجلة نهر اللبن في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان وجيحان نهران بأرض الهند وهما نهرا الماء في الجنة. أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: حدثنا الفضل بن غانم، قال: حدثنا الهيثم بن عدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أوحى الله تعالى إلى دانيال الأكبر: أن فجر لعبادي نهرين، واجعل مغيضهما البحر، فقد أمرت الأرض أن تطيعك. قال: فأخذ قناة أو قصبة فجعل يخدها في الأرض ويتبعه الماء، فإذا مر بأرض شيخ كبير أو يتيم ناشده الله فيحيد عن أرضه، فعواقيل دجلة والفرات من ذلك. أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن حماد الواعظ مولى بني

стр. 72

هاشم، قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار إملاء، قال: حدثني أبو بكر محمد بن إدريس الشعراني، قال: حدثنا موسى بن إبراهيم الأنصاري، عن إسماعيل بن جعفر المدني، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: أوحى الله تعالى إلى دانيال: أن احفر لي سيبين نهرين بالعراق. قال دانيال: إلهي بأي مكاتل، وبأي مساحي، وبأي رجال، وبأي قوة، أحفر لك هذين النهرين؟ فأوحى الله تعالى: أن أعد سكة حديد وعرضها واجعلها في خشبة وألقها خلف ظهرك، فإني باعث إليك الملائكة يعينونك على حفر هذين السيبين. قال: ففعل، فحفر، فكان إذا انتهى إلى أرض أرملة أو يتيم حاد عنه، حتى حفر الدجلة والفرات، فهذه العواقيل التي في الدجلة والفرات من حفر دانيال. قلت: ذكر بعض من تقدم من العلماء بأخبار الأوائل، أن ملك الأردوان، وهم النبط، كان في السواد قبل ملك فارس، وأن النبط هم الذين استنبطوا الأرض، وعمروا السواد، وحفروا الأنهار العظام فيه. ويقال لهم: ملوك الطوائف. وحكى الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش المنتوف قال: كان حد ملك النبط الأنبار إلى عانات كسكر، إلى ما والاها من كور دجلة إلى جوخى وما حول ذلك من السواد. قال ابن عياش: وكانت سرة الدنيا في أيدي النبط، واعتبر ذلك أن الفرات ودجلة ينصبان من الشام والجزيرة، ولا ينتفع بهما حتى يأتيا بلادهم فيفجرونهما في كل موضع، ثم يسوقون بقيتهما إلى البحر. قال: وكان ملكهم ألف سنة، وإنما سموا نبطا لأنهم أنبطوا الأرض وحفروا الأنهار العظام، منها الصراة العظمى، ونهر أبا، ونهر سورا، ونهر الملك. حفر الصراة العظمى فيروز جشنس، وحفر نهر أبا أبا ابن الصامغان، وحفر نهر الملك أفقورشه وكان آخر ملوك النبط، ملك مائتي سنة.

стр. 73

قال: ثم وليت فارس فحفروا الأنهار الصغار، كوثا والصراة الصغرى التي عليها قصر ابن هبيرة وكل سيب بالعراق، ثم حفروا النهروان. قال: وكان يقال له: نهرواي لأنه إذا قل ماؤه عطش أهله، وإذا كثر ماؤه غرقوا. أخبرنا أبو القاسم الحسن بن الحسن بن علي بن المنذر القاضي وأبو القاسم علي بن محمد بن علي بن يعقوب الإيادي وأبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز، قال الإيادي: حدثنا، وقالا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، قال: حدثنا سعيد بن سابق - زاد ابن المنذر وابن شاذان: أبو عثمان من أهل رشيد، ثم اتفقوا - قال: حدثني مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل فرفع من الأرض القرآن - زاد ابن المنذر وابن شاذان: والعلم كله، ثم اتفقوا - والحجر من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين وخير الدنيا. وقال الإيادي: خير الدنيا والآخرة.

стр. 74

باب تعريب اسم بغداد أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر الكوفي النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: حدثني محمد بن أبي علي، عن محمد بن أبي السري، عن ابن الكلبي قال: إنما سميت بغداد بالفرس لأنه أهدي لكسرى خصي من المشرق فأقطعه بغداد، وكان لهم صنم يعبدونه بالمشرق يقال له: البغ. فقال بغ داد. يقول: أعطاني الصنم. والفقهاء يكرهون هذا الاسم من أجل هذا، وسماها أبو جعفر مدينة السلام؛ لأن دجلة كان يقال لها: وادي السلام. أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى. وأخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر ابن المنادي، قال: حدثني أبو موسى هارون بن علي بن الحكم المقرئ المعروف بالمزوق، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا داود بن منصور قاضي المصيصة: أن رجلا ذكر عند عبد العزيز بن أبي رواد بغداد، فسأله عن معنى هذا الاسم، فقال: بغ بالفارسية صنم، وداد عطيته. أخبرنا عبد الله بن علي بن حمويه الهمذاني بها، قال: أخبرنا أحمد بن

стр. 75

عبد الرحمن الشيرازي، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن بن علك، قال: حدثنا يحيى بن ساسويه، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن محمد بن حميد بن سليمان بن حفص بن عبد الله بن أبي جهم بن حذيفة العدوي المدني، قال: حدثني أسمر بن سورة المجاشعي الدارمي من أهل فارس، قال: حدثني كرماني بن عمرو الأزدي أخو معاوية بن عمرو صاحب زائدة، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: لا يقال بغداذ بالذال، فإن بغ شيطان وداذ عطيته، وإنها شرك، ولكن بغداد، وبغدان كما تقول العرب. أخبرنا علي بن أبي علي المعدل، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحيم المازني، قال: أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن بكير التميمي، قال: أخبرنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: كان الأصمعي لا يقول بغداد، وينهى عن ذاك ويقول: مدينة السلام، لأنه سمع في الحديث أن بغ صنم وداد عطيته بالفارسية، كأنها عطية الصنم. أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان، قال: حدثنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد قال: قال المبرد: قال الثوري، عن أبي عبيدة وأبي زيد وأشك في الأصمعي، يقال: بغداذ، وبغداد، ومغدان، وبغدان. أخبرنا الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى. وأخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد أبو الحسين، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن فرج النحوي البغدادي، قال: أخبرنا سلمة بن عاصم، عن أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء مولى بني عبس، قال: يقال: بغداد بالباء والدال، ويقال: بغدان أيضا بالباء

стр. 76

في أولها والنون في آخرها، ومغدان بالميم أولا وبالنون آخرا. قال أبو الحسين: وذلك كله راجع إلى ما فسره ابن أبي رواد: أنه عطية الصنم، وربما قيل: عطية الملك. أخبرنا القاضي علي بن أبي علي البصري التنوخي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد بن سويد المعدل، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: وقولهم: هذه بغداد، أصل هذا الاسم للأعاجم، والعرب تختلف في لفظه إذ لم يكن أصله من كلامها، ولا اشتقاقه من لغاتها. وبعض الأعاجم يزعم: أن تفسيره بالعربية بستان رجل، فبغ بستان، وداد رجل. وبعضهم يقول: بغ اسم صنم كان لبعض الفرس يعبده، وداذ رجل، ولذلك كره جماعة من الفقهاء أن تسمى هذه المدينة بغداد لعلة اسم الصنم، وسميت مدينة السلام لمقاربتها دجلة، وكانت دجلة تسمى قصر السلام، فمن العرب من يقول: بغدان بالباء والنون، وبعضهم يقول: بغداد بالباء والدالين، وهاتان اللغتان هما السائرتان في العرب المشهورتان. أنشدنا أبو بكر المخزومي في مجلس أبي العباس، يعني ثعلبا [من البسيط]: قل للشمال التي هبت مزعزعة … تذري مع الليل شفانا بصراد أقرأ سلاما على نجد وساكنه … وحاضر باللوى إن كان أو بادي سلام مغترب بغدان منزله … إن أنجد الناس لم يهمم بإنجاد قال أبو بكر ابن الأنباري: وأنشدنا أبو شعيب، قال: أنشدنا يعقوب بن السكيت [من الطويل]:

стр. 77

لعمرك لولا هاشم ما تغبرت … ببغدان في بوغائه القدمان قال: وقال الآخر [من الطويل]: يا ليلة خرس الدجاج طويلة … ببغدان ما كادت عن الصبح تنجلي قال: وقال الآخر [من الطويل]: ألا يا غراب البين ما لك واقفا … ببغدان لا تجلو وأنت صحيح فقال غراب البين وانهل دمعه … نقضي لبانات لنا ونروح ألا إنما بغدان سجن إقامة … أراحك من سجن العذاب مريح قال أبو بكر: وأنشدني أبي قال: أنشدنا أبو عكرمة [من الطويل]: ترحل فما بغداد دار إقامة … ولا عند من أضحى ببغداد طائل محل ملوك سمنهم في أديمهم … فكلهم من حلية المجد عاطل زادني القاضي أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن المهتدي بالله هاهنا بيتا ذكر لي أن أبا الفضل محمد بن الحسن بن المأمون أخبرهم به عن ابن الأنباري وهو [من الطويل]: سوى معشر قلوا وجل قليلهم يضاف إلى بذل الندى وهو باخل ثم رجع إلى رواية ابن سويد [من الطويل]: ولا غرو أن شلت يد المجد والعلى … وقل سماح من رجال ونائل إذا غضغض البحر الغطامط ماؤه … فليس عجيبا أن تغيض الجداول

стр. 78

أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، قال: أخبرنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الكاذي الزاهد، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى، يعني ثعلبا [من الطويل]: ترحل فما بغداذ دار إقامة … ولا عند من أضحى ببغداذ طائل هكذا في أصل كتابي عن ابن بشران بغداذ بالذال المعجمة في الموضعين، ثم ساق بقية الأبيات مثل ما تقدم عن ابن سويد. أخبرنا القاضي علي بن أبي علي التنوخي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد، قال: حدثنا أبو بكر ابن الأنباري، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرنا الطوسي وابن الحكم، عن اللحياني، فقال: يقال: بغدان، ومغدان، للمجانسة التي بين الباء والميم كما يقال: باسمك وما سمك، وعذاب لازم ولازب، في حروف كثيرة، وبعضهم يقول: بغداذ بالذال وهي أشد اللغات وأقلها. قال أبو بكر: وأنشدني أبي قال: أنشدنا الطوسي وابن الحكم، عن اللحياني لأعرابي يمدح الكسائي [من الطويل]: وما لي صديق ناصح أغتدي له .... ببغداذ إلا أنت بر موافق قال: وقال الآخر [من الرجز]: بغداد سقيا لك من بلاد … يا دار دار الأنس والإسعاد بدلت منك وحشة البوادي … وقطع واد وورود واد قال أبو بكر ابن الأنباري: وبغداد في جميع اللغات تذكر وتؤنث، فيقال: هذه بغدان، وهذا بغدان. أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبيد الله الصيرفي، قال: حدثنا عبيد الله بن

стр. 79

أحمد بن يعقوب المقرئ، قال: حدثنا أبو القاسم المظفر بن عاصم بن أبي الأغر، قال: دخلت إلى بغداد وهي أجمة ليس فيها إلا كوخ واحد وفيه رجل من الأولين ينطر مبقلة له، فلما أن جاء المنصور ووضع الأساس، قال: ما اسم هذا الموضع؟ قالوا له: لا ندري، ولكن هاهنا رجل من الأولين سله، فبعث إليه، فقال له: ما اسمك؟ فقال: اسمي داذ. فقال له: وما يقال لهذا الموضع؟ فقال: هذا باغ لي، يعني البستان. فقال: سموه باغ داذ، فسميت بغداذ. قلت: والمحفوظ أن هذا الاسم كان يعرف به الموضع قديما قبل أبي جعفر المنصور، وقول ابن أبي الأغر هذا أن المنصور هو الذي سمى الموضع بغداذ لم يتابعه عليه أحد، والله أعلم بالصواب. باب من أخبار أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن محمد بن البختري المادرائي، قال: حدثنا أبو قلابة الرقاشي. وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن داود الرزاز، قال: أخبرنا أحمد بن سلمان النجاد، قال: أخبرنا أبو قلابة الرقاشي قراءة عليه، قال: حدثنا أبو ربيعة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : منا السفاح، ومنا

стр. 80

المنصور، ومنا المهدي. قال النجاد: هكذا قرأه علينا أبو قلابة مرفوعا. قلت: وكذلك رواه يحيى بن غيلان عن أبي عوانة؛ أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، قال: حدثنا محمد بن الفرج الأزرق، قال: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ قال: منا السفاح والمنصور والمهدي. حدثني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ومحمد بن علي بن سهل الزعفراني ومحمد بن الحسين بن حميد بن الربيع الخزاز. وأخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: حدثنا محمد بن المظفر الحافظ، قال: حدثنا أبو سهل محمد بن علي الزعفراني قالوا: حدثنا أحمد بن رشد الهلالي، قال: حدثنا سعيد بن

стр. 81

خثيم، عن حنظلة، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: حدثتني أم الفضل بنت الحارث الهلالية، قالت: مررت بالنبي ﷺ وهو في الحجر، فقال: يا أم الفضل إنك حامل بغلام. قلت: يا رسول الله وكيف وقد تحالف الفريقان أن لا يأتوا النساء؟ قال: هو ما أقول لك، فإذا وضعتيه فائتيني به. قالت: فلما وضعته أتيت به رسول الله ﷺ ، فأذن في أذنك اليمنى وأقام في أذنك اليسرى، وقال: اذهبي بأبي الخلفاء. قالت: فأتيت العباس فأعلمته وكان رجلا جميلا لباسا، فأتى النبي ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قام إليه فقبل بين عينيه ثم أقعده عن يمينه، ثم قال: هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه. قلت: يا رسول الله، بعض هذا القول. فقال: يا عباس لم لا أقول هذا القول؟ وأنت عمي وصنو أبي وخير من أخلف بعدي من أهلي. فقلت: يا رسول الله ما شيء أخبرتني به أم الفضل عن مولودنا هذا؟ قال: نعم، يا عباس، إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك؛ منهم السفاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهدي، لفظ حديث الحسن.

стр. 82

أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن شيخ، عن يزيد بن الوليد الخزاعي، عن كعب، قال: المنصور والمهدي والسفاح من ولد العباس. أخبرني علي بن أحمد الرزاز، قال: أخبرنا أحمد بن سلمان الفقيه النجاد، قال: حدثنا أبو قلابة الرقاشي، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا زهير بن معاوية، عن ميسرة، يعني ابن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فذكرنا المهدي وكان منضجعا، فاستوى جالسا، فقال: منا السفاح، ومنا المنصور، ومنا المهدي. أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الحافظ، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي، قال: حدثني أبي عبد الصمد، قال: حدثني أبي موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، عن أبيه محمد بن إبراهيم، قال: قال المنصور يوما ونحن جلوس عنده: أتذكرون رؤيا كنت رأيتها ونحن بالشراة؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين ما نذكرها، فغضب من ذلك. وقال: كان ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذهب وتعلقوها في أعناق الصبيان. فقال عيسى بن علي: إن كنا قصرنا في ذلك فنستغفر الله يا أمير المؤمنين، فليحدثنا

стр. 83

أمير المؤمنين بها. قال: نعم، رأيت كأني في المسجد الحرام وكأن رسول الله ﷺ في الكعبة وبابها مفتوح، والدرجة موضوعة، وما أفقد أحدا من ا هاشميين ولا من القرشيين، إذا مناد ينادي أين عبد الله؟ فقام أخي أبو العباس يتخطى الناس حتى صار على الدرجة، فأخذ بيده فأدخل البيت فما لبث أن خرج علينا ومعه قناة عليها لواء قدر أربعة أذرع أو أرجح، فرجع حتى خرج من باب المسجد. ثم نودي أين عبد الله؟ فقمت أنا وعبد الله بن علي نستبق حتى صرنا إلى الدرجة فجلس، وأخذ بيدي فأصعدت فأدخلت الكعبة، وإذا رسول الله ﷺ جالس ومعه أبو بكر وعمر وبلال. فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني، فكان كورها ثلاثة وعشرين كورا، وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة. أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ الزاهد، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس الرفاء، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن صالح، قال: حدثني أبو مسعود الرياحي، قال: حدثني عبيد الله بن العباس، قال: ولد أبو جعفر سنة خمس وتسعين. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني حمدون بن سعد المؤذن، قال: رأيت أبا جعفر يخطب على المنبر معرق الوجه، يخضب بالسواد، وكان أسمر طويلا نحيفا خفيف العارضين، وأمه أم ولد يقال لها: سلامة. أخبرنا محمد بن علي الوراق، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول الصولي النديم، قال: توفي المنصور بمكة، وكان حاجا، في سنة ثمان وخمسين ومائة، ودفن ما بين الحجون وبئر ميمون بن الحضرمي، وله يوم

стр. 84

توفي أربع وستون سنة. قال الصولي: ويروى أنه ولد سنة خمس وتسعين في اليوم الذي مات فيه الحجاج. حدثني الحسن بن محمد الخلال، قال: حدثنا عمر بن محمد ابن الزيات إملاء، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز. وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد البزاز، واللفظ له، قال: حدثنا محمد بن المظفر الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا الحارث بن محمد؛ قالا: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثني أبو سهل الحاسب، قال: حدثني طيفور مولى أمير المؤمنين، قال: حدثتني سلامة أم أمير المؤمنين، قالت: لما حملت بأبي جعفر، رأيت كأنه خرج من فرجي أسد فزأر ثم أقعى فاجتمعت حوله الأسد، فكلما انتهى إليه أسد سجد له. أخبرنا الحسن بن أبي طالب، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عروة بن الجراح، قال: حدثنا أبو بكر الصولي، قال: قال رجل من ولد الربيع: لما أراد أبو جعفر أن يبني لنفسه، كان يؤتى من كل مدينة بتراب فيعفنه فيصير عقارب وهوام، حتى أتي بتربة بغداد فخرج صرارات، وأتى الخلد فنظر إلى دجلة والفرات فأعجبه، فرآه راهب كان هناك وهو يقدر بناءها، فقال: لا تتم، فبلغه فأتاه. فقال: نعم، نجد في كتبنا أن الذي يبنيها ملك يقال له: مقلاص، قال أبو جعفر: كانت والله أمي تلقبني في صغري مقلاصا.

стр. 85

باب ذكر خبر بناء مدينة السلام أخبرنا القاضي علي بن أبي علي المعدل التنوخي، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: أخبرني محمد بن جرير إجازة: أن أبا جعفر المنصور بويع له سنة ست وثلاثين ومائة، وأنه ابتدأ أساس المدينة سنة خمس وأربعين ومائة، واستتم البناء سنة ست وأربعين ومائة، وسماها مدينة السلام. قلت: وبلغني أن المنصور لما عزم على بنائها، أحضر المهندسين وأهل المعرفة بالبناء والعلم بالذرع والمساحة وقسمة الأرضين، فمثل لهم صفتها التي في نفسه، ثم أحضر الفعلة والصناع من النجارين والحفارين والحدادين وغيرهم، وأجرى عليهم الأرزاق، وكتب إلى كل بلد بحمل من فيه ممن يفهم شيئا من أمر البناء، ولم يبتدئ في البناء حتى تكامل بحضرته من أهل المهن والصناعات ألوف كثيرة، ثم اختطها وجعلها مدورة. ويقال: لا يعرف في أقطار الدنيا كلها مدينة مدورة سواها، ووضع أساسها في وقت اختاره له نوبخت المنجم. أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب؛ قالا: أخبرنا

стр. 86

محمد بن جعفر النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: قال محمد بن خلف: أنبأني محمد بن موسى القيسي، عن محمد بن موسى الخوارزمي الحاسب: أن أبا جعفر تحول من الهاشمية إلى بغداد، وأمر ببنائها، ثم رجع إلى الكوفة بعد مائة سنة وأربع وأربعين سنة وأربعة أشهر وخمسة أيام من الهجرة، قال: وفرغ أبو جعفر من بنائها ونزلها مع جنده وسماها مدينة السلام بعد مائة سنة وخمس وأربعين سنة وأربعة أشهر وثمانية أيام من الهجرة. قال محمد بن خلف: قال الخوارزمي: واستتم حائط بغداد وجميع عملها بعد مائة سنة وثمان وأربعين سنة وستة أشهر وأربعة أيام من الهجرة. أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: سنة ست وأربعين ومائة، فيها فرغ أبو جعفر من بناء مدينة السلام ونزوله إياها، ونقل الخزائن وبيوت الأموال والدواوين إليها. وفي سنة تسع وأربعين ومائة استتم بناء سور خندق مدينة السلام وجميع أمورها. أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، قال: حكي عن بعض المنجمين قال: قال لي المنصور لما فرغ من مدينة السلام: خذ الطالع. فنظرت في مطالعها وكان المشتري في القوس، فأخبرته بما تدل عليه النجوم من طول زمانها وكثرة عمارتها وانصباب الدنيا إليها، وفقر الناس إلى ما فيها، ثم قلت له: وأبشرك يا أمير المؤمنين أكرمك الله بخلة أخرى من دلائل النجوم: لا يموت فيها خليفة من الخلفاء أبدا. فرأيته تبسم لذلك، ثم قال: الحمد لله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فلذلك

стр. 87

قال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى عند تحول الخلفاء من بغداد [من الطويل]: أعاينت في طول من الأرض والعرض … كبغداد دارا إنها جنة الأرض صفا العيش في بغداد واخضر عوده … وعيش سواها غير صاف ولا غض تطول بها الأعمار إن غذاءها … مريء وبعض الأرض أمرأ من بعض قضى ربها أن لا يموت خليفة … بها إنه ما شاء في خلقه يقضي تنام بها عين الغريب ولن ترى … غريبا بأرض الشام يطمع في غمض فإن خربت بغداد منهم بقرضها … فما أسلفت إلا الجميل من القرض وإن رميت بالهجر منهم وبالقلى … فما أصبحت أهلا لهجر ولا بغض وقد رويت هذه الأبيات لمنصور النمري، والله أعلم. أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن محمد مولى بني هاشم يعرف بابن متيم، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: قال أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح: ولم يمت بمدينة السلام خليفة مذ بنيت إلا محمد الأمين، فإنه قتل في شارع باب الأنبار وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين وهو في معسكره بين بطاطيا وباب الأنبار. فأما المنصور، وهو الذي بناها، فمات حاجا وقد دخل الحرم، ومات المهدي بماسبذان، ومات الهادي بعيساباذ، ومات هارون بطوس، ومات المأمون بالبذندون من بلاد الروم وحمل فيما قيل إلى طرطوس فدفن بها، ومات المعتصم بسر من رأى. وكل من ولي الخلافة بعده من ولده وولد ولده إلا المعتمد والمعتضد والمكتفي فإنهم ماتوا بالقصور من الزندورد، فحمل المعتمد ميتا إلى سر من رأى، ودفن المعتضد في موضع من دار محمد بن عبد الله بن طاهر، ودفن المكتفي في موضع من دار ابن طاهر.

стр. 88

قلت: ذكرت هذا الخبر للقاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي ﵀، فقال: محمد الأمين أيضا لم يقتل في المدينة، وإنما كان قد نزل في سفينة إلى دجلة يتنزه فقبض عليه في وسط دجلة وقتل هناك، ذكر ذلك الصولي وغيره. وقال أحمد بن أبي يعقوب الكاتب: قتل الأمين خارج باب الأنبار عند بستان طاهر. عدنا إلى خبر بناء مدينة السلام: ذكر خط مدينة المنصور وتحديدها ومن جعل إليه النظر في ترتيبها أخبرنا أبو عمر الحسن بن عثمان بن أحمد بن الفلو الواعظ، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي، قال: حدثني أبو الفضل العباس بن أحمد الحداد، قال: سمعت أحمد البربري يقول: مدينة أبي جعفر ثلاثون ومائة جريب، خنادقها وسورها ثلاثون جريبا، وأنفق عليها ثمانية عشر ألف ألف، وبنيت في سنة خمس وأربعين ومائة. وقال أبو الفضل: حدثني أبو الطيب البزاز قال: قال لي خالي وكان قيم بدر: قال لنا بدر غلام المعتضد: قال أمير المؤمنين: انظروا كم هي مدينة أبي جعفر؟ فنظرنا وحسبنا فإذا هي ميلين مكسر في ميلين. قلت: ورأيت في بعض الكتب أن أبا جعفر المنصور أنفق على مدينته وجامعها وقصر الذهب فيها والأبواب والأسواق إلى أن فرغ من بنائها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين درهما، مبلغها من الفلوس مائة

стр. 89

ألف فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس؛ وذلك أن الأستاذ من الصناع كان يعمل يومه بقيراط إلى خمس حبات، والروزجاري يعمل بحبتين إلى ثلاث حبات. قلت: وهذا خلاف ما تقدم ذكره من مبلغ النفقة على المدينة، وأرى بين القولين تفاوتا كثيرا، والله أعلم. أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزق البزاز، قال: حدثنا جعفر الخلدي إملاء، قال: حدثنا الفضل بن مخلد الدقاق، قال: سمعت داود بن صغير بن شبيب بن رستم البخاري يقول: رأيت في زمن أبي جعفر كبشا بدرهم، وحملا بأربعة دوانق، والتمر ستين رطلا بدرهم، والزيت ستة عشر رطلا بدرهم، والسمن ثمانية أرطال بدرهم، والرجل يعمل بالروزجار في السور كل يوم بخمس حبات. قلت: وشبيه بهذا الخبر ما أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا الحسن بن سلام السواق، قال: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: كان ينادى على لحم البقر في جبانة كندة تسعين رطلا بدرهم، ولحم الغنم ستين رطلا بدرهم، ثم ذكر العسل، فقال: عشرة أرطال، والسمن اثني عشر رطلا. قال الحسن بن سلام: فقدمت بغداد فحدثت به عفان، فقال: كانت في تكتي قطعة فسقطت على ظهر قدمي

стр. 90

فأحسست بها؛ فاشتريت بها ستة مكاكيك دقيق الأرز. أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف قال: قال يحيى بن الحسن بن عبد الخالق: خط المدينة ميل في ميل، ولبنها ذراع في ذراع. قال محمد بن خلف: وزعم أحمد بن محمود الشروي أن الذي تولى الوقوف على خط بغداد: الحجاج بن أرطاة وجماعة من أهل الكوفة. وزعم أبو النضر المروزي أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: بغداد من الصراة إلى باب التبن. قلت: عنى أحمد بهذا القول مدينة المنصور وما لاصقها واتصل ببنائها خاصة؛ لأن أعلى البلد قطيعة أم جعفر دونها الخندق يقطع بينها وبين البناء المتصل بالمدينة، وكذلك أسفل البلد من محال الكرخ وما يتصل به يقطع بينه وبين المدينة الصراة، وهذا حد المدينة وما اتصل بها طولا. فأما حد ذلك عرضا، فمن شاطئ دجلة إلى الموضع المعروف بالكبش والأسد، وكل ذلك كان متصل الأبنية متلاصق الدور والمساكن، والكبش والأسد الآن صحراء مزروعة، وهي على مسافة من البلد، وقد رأيت ذلك الموضع مرة واحدة خرجت فيها لزيارة قبر إبراهيم الحربي وهو مدفون هناك، فرأيت في الموضع أبياتا كهيأة القرية يسكنها المزارعون والحطابون، وعدت إلى الموضع بعد ذلك فلم أر فيه أثرا لمسكن. وقال لي أبو الحسين هلال بن المحسن الكاتب:

стр. 91

حدثني أبو الحسن بشر بن علي بن عبيد الكاتب النصراني، قال: كنت أجتاز بالكبش والأسد مع والدي، فلا أتخلص في أسواقها من كثرة الزحمة. بلغني عن محمد بن خلف وكيع: أن أبا حنيفة النعمان بن ثابت، كان يتولى القيام بضرب لبن المدينة وعدده حتى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة مما يلي الخندق. وكان أبو حنيفة يعد اللبن بالقصب، وهو أول من فعل ذلك فاستفاده الناس منه. وذكر محمد بن إسحاق البغوي: أن رباحا البناء حدثه، وكان ممن تولى بناء سور مدينة المنصور، قال: وكان بين كل باب من أبواب المدينة إلى الباب الآخر ميل، في كل ساف من أسواف البناء مائة ألف لبنة واثنتان وستون ألف لبنة من اللبن الجعفري، فلما بنينا الثلث من السور لقطناه، فصيرنا في الساف مائة ألف لبنة وخمسين ألف لبنة، فلما جاوزنا الثلثين لقطناه، فصيرنا في الساف مائة ألف لبنة وأربعين ألف لبنة إلى أعلاه. أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: قال ابن الشروي: هدمنا من السور الذي يلي باب المحول قطعة، فوجدنا فيها لبنة مكتوب عليها بمغرة: وزنها مائة وسبعة عشر رطلا. قال: فوزناها فوجدناها كذلك. قال محمد بن خلف: قالوا: وبنى المنصور مدينته وبنى لها أربعة أبواب؛ فإذا جاء أحد من الحجاز دخل من باب الكوفة، وإذا جاء من المغرب دخل من باب الشام، وإذا جاء أحد من الأهواز والبصرة وواسط واليمامة

стр. 92

والبحرين دخل من باب البصرة، وإذا جاء الجائي من المشرق دخل من باب خراسان - وذكر باب خراسان كان قد سقط من الكتاب فلم يذكره محمد بن جعفر عن السكوني، وإنما استدركناه من رواية غيره - وجعل، يعني المنصور، كل باب مقابلا للقصر وبنى على كل باب قبة، وجعل بين كل بابين ثمانية وعشرين برجا، إلا بين باب البصرة وباب الكوفة فإنه يزيد واحدا، وجعل الطول من باب خراسان إلى باب الكوفة ثمانمائة ذراع، ومن باب الشام إلى باب البصرة ستمائة ذراع، ومن أول أبواب المدينة إلى الباب الذي يشرع إلى الرحبة خمسة أبواب حديد. وذكر وكيع فيما بلغني عنه: أن أبا جعفر بنى المدينة مدورة؛ لأن المدورة لها معان سوى المربعة، وذلك أن المربعة إذا كان الملك في وسطها كان بعضها أقرب إليه من بعض، والمدور من حيث قسم كان مستويا لا يزيد هذا على هذا ولا هذا على هذا، وبنى لها أربعة أبواب، وعمل عليها الخنادق، وعمل لها سورين وفصيلين بين كل بابين فصيلان، والسور الداخل أطول من الخارج. وأمر أن لا يسكن تحت السور الطويل الداخل أحد ولا يبني منزلا، وأمر أن تبنى في الفصيل الثاني مع السور المنازل لأنه أحصن للسور، ثم بنى القصر والمسجد الجامع. وكان في صدر قصر المنصور إيوان طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وفي صدر الإيوان مجلس عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وسمكه عشرون ذراعا؛ وسقفه قبة وعليه مجلس مثله فوقه القبة الخضراء؛ وسمكه إلى أول حد عقد القبة عشرون ذراعا؛ فصار من الأرض إلى رأس القبة الخضراء ثمانين ذراعا، وعلى رأس القبة تمثال فرس وعليه فارس. وكانت القبة الخضراء ترى من أطراف بغداد.

стр. 93

حدثني القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: سمعت جماعة من شيوخنا يذكرون: أن القبة الخضراء كان على رأسها صنم على صورة فارس في يده رمح، فكان السلطان إذا رأى أن ذلك الصنم قد استقبل بعض الجهات ومد الرمح نحوها، علم أن بعض الخوارج يظهر من تلك الجهة فلا يطول الوقت حتى ترد عليه الأخبار بأن خارجيا قد نجم من تلك الجهة، أو كما قال. أنبأنا إبراهيم بن مخلد القاضي، قال: أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي قال: سقط رأس القبة الخضراء، خضراء أبي جعفر المنصور، التي في قصره بمدينته يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وكان ليلتئذ مطر عظيم ورعد هائل وبرق شديد، وكانت هذه القبة تاج بغداد وعلم البلد ومأثرة من مآثر بني العباس عظيمة، بنيت أول ملكهم وبقيت إلى هذا الوقت، فكان بين بنائها وسقوطها مائة ونيف وثمانون سنة. قال وكيع فيما بلغني عنه: إن المدينة مدورة عليها سور مدور، قطرها من باب خراسان إلى باب الكوفة ألفا ذراع ومائتا ذراع، ومن باب البصرة إلى باب الشام ألفا ذراع ومائتا ذراع، وسمك ارتفاع هذا السور الداخل وهو سور المدينة في السماء خمسة وثلاثون ذراعا؛ وعليه أبرجة سمك كل برج منها فوق السور خمسة أذرع، وعلى السور شرف، وعرض السور من أسفله نحو عشرين ذراعا. ثم الفصيل بين السورين وعرضه ستون ذراعا. ثم السور الأول وهو سور الفصيل ودونه خندق. وللمدينة أربعة أبواب: شرقي وغربي وقبلي وشمالي، لكل باب منها بابان، باب دون باب، بينهما دهليز ورحبة يدخل إلى الفصيل الدائر بين السورين، فالأول باب الفصيل، والثاني باب المدينة، فإذا دخل الداخل من باب خراسان الأول عطف على يساره في دهليز أزج معقود بالآجر والجص، عرضه عشرون ذراعا وطوله ثلاثون ذراعا، المدخل إليه في

стр. 94

عرضه والمخرج منه من طوله مخرج إلى رحبة مادة إلى الباب الثاني طولها ستون ذراعا وعرضها أربعون ذراعا، ولها في جنبتيها حائطان من الباب الأول إلى الباب الثاني طولها ستون ذراعا وعرضها أربعون ذراعا، في صدر هذه الرحبة في طولها الباب الثاني وهو باب المدينة، وعن يمينه وشماله في جنبتي هذه الرحبة بابان إلى الفصيل؛ فالأيمن يؤدي إلى فصيل باب الشام، والأيسر يؤدي إلى فصيل باب البصرة، ثم يدور من باب البصرة إلى باب الكوفة، ويدور الذي انتهى إلى باب الشام إلى باب الكوفة، على نعت واحد وحكاية واحدة. والأبواب الأربعة على صورة واحدة، في الأبواب والفصلان والرحاب والطاقات. ثم الباب الثاني وهو باب المدينة وعليه السور الكبير الذي وصفنا، فيدخل من الباب الكبير إلى دهليز أزج معقود بالآجر والجص طوله عشرون ذراعا، وعرضه اثني عشر ذراعا، وكذلك سائر الأبواب الأربعة. وعلى كل أزج من آزاج هذه الأبواب مجلس له درجة على السور يرتقى إليه منها. على هذا المجلس قبة عظيمة ذاهبة في السماء سمكها خمسون ذراعا مزخرفة، وعلى رأس كل قبة منها تمثال تديره الريح لا يشبه نظائره. وكانت هذه القبة مجلس المنصور إذا أحب النظر إلى الماء وإلى من يقبل من ناحية خراسان. وقبة على باب الشام كانت مجلس المنصور إذا أحب النظر إلى الأرباض وما والاها. وقبة على باب البصرة كانت مجلسه إذا أحب النظر إلى الكرخ ومن أقبل من تلك الناحية. وقبة على باب الكوفة كانت مجلسه إذا أحب النظر إلى البساتين والضياع. وعلى كل باب من أبواب المدينة الأوائل والثواني باب حديد عظيم جليل المقدار، كل باب منها فردان. أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد

стр. 95

ابن خلف قال: قال أحمد بن الحارث، عن العتابي: أن أبا جعفر نقل الأبواب من واسط، وهي أبواب الحجاج، وأن الحجاج وجدها على مدينة كان بناها سليمان بن داود ﵉ بإزاء واسط، كانت تعرف بزندورد، وكانت خمسة. وصير على باب خراسان بابا جيء به من الشام من عمل الفراعنة، وعلى باب الكوفة الخارج بابا جيء به من الكوفة من عمل القسري. وعمل هو لباب الشام بابا فهو أضعفها. وابتنى قصره الذي يسمى الخلد على دجلة، وتولى ذلك أبان بن صدقة والربيع، وأمر أن يعقد الجسر عند باب الشعير، وأقطع أصحابه خمسين في خمسين. قلت: إنما سمي قصر المنصور الخلد تشبيها له بجنة الخلد، وما يحويه من كل منظر رائق، ومطلب فائق، وغرض غريب، ومراد عجيب، وكان موضعه وراء باب خراسان، وقد اندرس الآن فلا عين له ولا أثر. حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن عبيد الزجاج الشاهد وكان مولده في شهر رمضان من سنة أربع وتسعين ومائتين، قال: أذكر في سنة سبع وثلاثمائة، وقد كسرت العامة الحبوس بمدينة المنصور، فأفلت من كان فيها، وكانت الأبواب الحديد التي للمدينة باقية، فغلقت وتتبع أصحاب الشرط من أفلت من الحبوس، فأخذوا جميعهم حتى لم يفتهم منهم أحد. عدنا إلى كلام وكيع المتقدم، قال: ثم يدخل من الدهليز الثاني إلى رحبة مربعة عشرون ذراعا في مثلها، فعلى يمين الداخل إليها طريق وعلى يساره طريق، يؤدي الأيمن إلى باب الشام والأيسر إلى باب البصرة. والرحبة كالرحبة التي وصفنا، ثم يدور هذا الفصيل على سائر الأبواب بهذه الصورة، وتشرع في هذا الفصيل أبواب السكك، وهو فصيل ماد مع السور، وعرض كل فصيل من هذه الفصلان من السور إلى أفواه السكك خمسة وعشرون ذراعا،

стр. 96

ثم يدخل من الرحبة التي وصفنا إلى الطاقات، وهي ثلاثة وخمسون طاقا سوى طاق المدخل إليها من هذه الرحبة، وعليه باب ساج كبير فردين، وعرض الطاقات خمسة عشر ذراعا، وطولها من أولها إلى الرحبة التي بين هذه الطاقات والطاقات الصغرى مائتا ذراع، وفي جنبتي الطاقات بين كل طاقين منها غرف كانت للمرابطة، وكذلك لسائر الأبواب الباقية، فعلى هذه الصفة سواء، ثم يخرج من الطاقات إلى رحبة مربعة عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، فعن يمينك طريق يؤدي إلى نظيرتها من باب الشام، ثم تدور إلى نظيرتها من باب الكوفة، ثم إلى نظيرتها من باب البصرة. ثم نعود إلى وصفنا لباب خراسان: كل واحدة منهن نظيرة لصواحباتها، وفي هذا الفصيل تشرع أبواب لبعض السكك، وتجاهك الطاقات الصغرى التي تلي دهليز المدينة الذي يخرج منه إلى الرحبة الدائرة حول القصر والمسجد. حدثني علي بن المحسن قال: قال لي القاضي أبو بكر بن أبي موسى الهاشمي: انبثق البثق من قبين وجاء الماء الأسود فهدم طاقات باب الكوفة، ودخل المدينة فهدم دورنا، فخرجنا إلى الموصل وذلك في سني نيف وثلاثين وثلاثمائة، وأقمنا بالموصل سنين عدة ثم عدنا إلى بغداد فسكنا طاقات العكي. قلت: بلغني عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، قال: قد رأيت المدن العظام، والمذكورة بالإتقان والإحكام، بالشامات وبلاد الروم وفي

стр. 97

غيرهما من البلدان، لم أر مدينة قط أرفع سمكا، ولا أجود استدارة، ولا أنبل نبلا، ولا أوسع أبوابا، ولا أجود فصيلا، من الزوراء، وهي مدينة أبي جعفر المنصور، كأنما صبت في قالب وكأنما أفرغت إفراغا، والدليل على أن اسمها الزوراء قول سلم الخاسر [من الخفيف]: أين رب الزوراء إذ قلدته الـ … ـملك عشرين حجة واثنتان أخبرنا الحسين بن المؤدب، قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الله الشطي، قال: حدثنا أبو إسحاق الهجيمي، قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء قال: قال الربيع: قال لي المنصور: يا ربيع هل تعلم في بنائي هذا موضعا إن أخذني فيه الحصار خرجت خارجا منه على فرسخين؟ قال: قلت: لا. قال: بلى، في بنائي هذا ما إن أخذني فيه الحصار خرجت خارجا منه على فرسخين. حدثت عن أبي عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني قال: دفع إلي العباس بن العباس بن محمد بن عبد الله بن المغيرة الجوهري كتابا ذكر أنه بخط عبد الله بن أبي سعد الوراق فكان فيه: حدثنا عبد الله بن محمد بن عياش التميمي المروروذي، قال: سمعت جدي عياش بن القاسم يقول: كان على أبواب المدينة مما يلي الرحاب ستور وحجاب، وعلى كل باب قائد، فكان على باب الشام سليمان بن مجالد في ألف، وعلى باب البصرة أبو الأزهر التميمي في ألف، وعلى باب الكوفة خالد العكي في ألف، وعلى باب خراسان مسلمة بن صهيب الغساني في ألف. وكان لا يدخل أحد من عمومته، يعني عمومة المنصور، ولا غيرهم من هذه الأبواب إلا راجلا، إلا داود بن علي عمه فإنه كان منقرسا، فكان يحمل في محفة، ومحمد المهدي ابنه،

стр. 98

وكانت تكنس الرحاب في كل يوم يكنسها الفراشون، ويحمل التراب إلى خارج المدينة، فقال له عمه عبد الصمد: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب، فلم يأذن له. فقال: يا أمير المؤمنين عدني بعض بغال الروايا التي تصل إلى الرحاب. فقال: يا ربيع، بغال الروايا تصل إلى رحابي؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: تتخذ الساعة قني بالساج من باب خراسان حتى تجيء إلى قصري، ففعل. أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسن المؤدب، قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الشطي بجرجان، قال: حدثنا أبو إسحاق الهجيمي قال: قال أبو العيناء: بلغني أن المنصور جلس يوما فقال للربيع: انظر من بالباب من وفود الملوك فأدخله. قال: قلت وافد من قبل ملك الروم. قال: أدخله. فدخل، فبينا هو جالس عند أمير المؤمنين، إذ سمع المنصور صرخة كادت تقلع القصر، فقال: يا ربيع، ينظر ما هذا؟ قال: ثم سمع صرخة هي أشد من الأولى، فقال: يا ربيع، ينظر ما هذا؟ قال: ثم سمع صرخة هي أشد من الأوليين. فقال: يا ربيع، اخرج بنفسك. قال: فخرج الربيع ثم دخل، فقال: يا أمير المؤمنين بقرة قربت لتذبح، فغلبت الجازر وخرجت تدور في الأسواق، فأصغى الرومي إلى الربيع يتفهم ما قال، ففطن المنصور لإصغاء الرومي، فقال: يا ربيع، أفهمه. قال: فأفهمه. فقال الرومي: يا أمير المؤمنين إنك بنيت

стр. 99

بناء لم يبنه أحد كان قبلك، وفيه ثلاثة عيوب. قال: وما هي؟ قال: أما أول عيب فيه فبعده عن الماء، ولا بد للناس من الماء لشفاههم، وأما العيب الثاني فإن العين خضرة وتشتاق إلى الخضرة وليس في بنائك هذا بستان، وأما العيب الثالث فإن رعيتك معك في بنائك، وإذا كانت الرعية مع الملك في بنائه فشا سره. قال: فتجلد عليه المنصور، فقال له: أما قولك في الماء فحسبنا من الماء ما بل شفاهنا، وأما العيب الثاني فإنا لم نخلق للهو واللعب، وأما قولك في سري فما لي سر دون رعيتي. قال: ثم عرف الصواب فوجه بشميس وخلاد، وخلاد هو جد أبي العيناء، فقال: مدا لي قناتين من دجلة، واغرسوا لي العباسية، وانقلوا الناس إلى الكرخ. قلت: مد المنصور قناة من نهر دجيل الآخذ من دجلة، وقناة من نهر كرخايا الآخذ من الفرات، وجرهما إلى مدينته في عقود وثيقة من أسفلها، محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها، فكانت كل قناة منهما تدخل المدينة وتنفذ في الشوارع والدروب والأرباض، وتجري صيفا وشتاء لا ينقطع ماؤها في وقت، وجر لأهل الكرخ وما اتصل به نهرا يقال له: نهر الدجاج، وإنما سمي بذلك لأن أصحاب الدجاج كانوا يقفون عنده، ونهرا يقال له: نهر القلائين حدثنا من أدركه جاريا يلقي في دجلة تحت الفرضة، ونهرا يسمى نهر طابق، ونهرا يقال له نهر البزازين فسمعت من يذكر أنه توضأ منه، ونهرا في مسجد الأنباريين رأيته لا ماء فيه. وقد تعطلت هذه الأنهار ودرس أكثرها حتى لا يوجد له أثر. وأنهارا نذكرها بعد إن شاء الله تعالى

стр. 100

خبر بناء الكرخ أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: سنة سبع وخمسين ومائة فيها نقل أبو جعفر الأسواق من المدينة ومدينة الشرقية إلى باب الكرخ وباب الشعير والمحول، وهي السوق التي تعرف بالكرخ، وأمر ببنائها من ماله على يدي الربيع مولاه. وفيها وسع طرق المدينة وأرباضها ووضعها على مقدار أربعين ذراعا، وأمر بهدم ما شخص من الدور عن ذلك القدر. أخبرني أبو القاسم الأزهري قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي قال: فلما دخلت سنة سبع وخمسين، وكان أبو جعفر قد ولى الحسبة يحيى بن زكريا، فاستغوى العامة، وزين لهم الجموع، فقتله أبو جعفر بباب الذهب، وحول أسواق المدينة إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحول، وأمر ببناء الأسواق على يد الربيع، وأوسع الطرق بمدينة السلام وجعلها على أربعين ذراعا وأمر بهدم ما شخص من الدور عن ذلك المقدار. وفي سنة ثمان وخمسين بنى المنصور قصره على دجلة وسماه الخلد. أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني قال: قال محمد بن خلف: قال الخوارزمي، يعني محمد بن موسى: وحول أبو جعفر

стр. 101

الأسواق إلى الكرخ وبناها من ماله بعد مائة سنة وست وخمسين سنة وخمسة أشهر وعشرين يوما، ثم بدأ بعد ذلك في بناء قصر الخلد على شاطئ دجلة بعد شهر وأحد عشر يوما. قال محمد بن خلف: وأخبرني الحارث بن أبي أسامة قال: لما فرغ أبو جعفر المنصور من مدينة السلام، وصير الأسواق في طاقات مدينته من كل جانب، قدم عليه وفد ملك الروم، فأمر أن يطاف بهم في المدينة ثم دعاهم، فقال للبطريق: كيف رأيت هذه المدينة؟ قال: رأيت أمرها كاملا إلا في خلة واحدة. قال: ما هي؟ قال: عدوك يخترقها متى شاء وأنت لا تعلم، وأخبارك مبثوثة في الآفاق لا يمكنك سترها. قال: كيف؟ قال: الأسواق فيها، والأسواق غير ممنوع منها أحد فيدخل العدو كأنه يريد أن يتسوق، وأما التجار فإنها ترد الآفاق فيتحدثون بأخبارك. قال: فزعموا أنه أمر المنصور حينئذ بإخراج الأسواق من المدينة إلى الكرخ، وأن يبنى ما بين الصراة إلى نهر عيسى، وولى ذلك محمد بن حبيش الكاتب، ودعا المنصور بثوب واسع فحد فيه الأسواق، ورتب كل صنف منها في موضعه، وقال: اجعلوا سوق القصابين في آخر الأسواق، فإنهم سفهاء وفي أيديهم الحديد القاطع. ثم أمر أن يبنى لأهل الأسواق مسجد يجتمعون فيه يوم الجمعة لا يدخلون المدينة ويفرد لهم ذلك، وقلد ذلك رجلا يقال له: الوضاح بن شبا، فبنى القصر الذي يقال له: قصر الوضاح والمسجد فيه، وسميت الشرقية لأنها في شرقي الصراة، ولم يضع المنصور على الأسواق غلة حتى مات. فلما استخلف المهدي أشار عليه أبو عبيد الله بذلك، فأمر فوضع على الحوانيت الخراج، وولى

стр. 102

ذلك سعيدا الخرسي سنة سبع وستين ومائة. أخبرنا محمد بن علي وأحمد بن علي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني قال: قال محمد بن خلف: كانت سوق دار البطيخ قبل أن تنقل إلى الكرخ في درب يعرف بدرب الأساكفة، ودرب يعرف بدرب الزيت، ودرب يعرف بدرب العاج، فنقلت السوق إلى داخل الكرخ في أيام المهدي، ودخل أكثر الدروب في الدور التي اشتراها أحمد بن محمد الطائي. وكانت القطائع التي من جانب الصراة مما يلي باب المحول لعقبة بن جعفر بن محمد بن الأشعث، من ولد أهبان بن صيفي مكلم الذئب، إقطاعا من المنصور، ثم خرج عقبة إلى المأمون فنهبت داره، ثم أقطعها المأمون ولد عيسى بن جعفر. وكانت الدور التي بين الخندق مما يلي باب البصرة وشط الصراة وإزاء دور الصحابة للأشاعثة، وهي دور آل حماد بن زيد اليوم. وكانت دار جعفر بن محمد بن الأشعث الكندي مما يلي باب المحول ثم صارت للعباس ابنه. حدثني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، قال: حدثنا أبو عبيد الناقد، قال: حدثنا محمد بن غالب، قال: سمعت عبد الرحمن بن يونس أبا مسلم يذكر عن الواقدي، قال: الكرخ مغيض السفل. قلت: إنما عنى الواقدي بقوله هذا مواضع من الكرخ مخصوصة يسكنها الرافضة دون غيرهم، ولم يرد سائر نواحي الكرخ، والله أعلم. أنشدنا الحسن بن أبي بكر بن شاذان، قال: أنشدنا أبي، قال: أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه لنفسه [من الطويل]:

стр. 103

سقى أربع الكرخ الغوادي بديمة … وكل ملث دائم الهطل مسبل منازل فيها كل حسن وبهجة … وتلك لها فضل على كل منزل خبر بناء الرصافة أخبرنا محمد بن علي بن مخلد الوراق وأحمد بن علي بن الحسين التوزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف قال: قال أحمد بن محمد السري، عن أبيه: قدم المهدي من المحمدية بالري سنة إحدى وخمسين ومائة في شوال، ووفدت إليه الوفود وبنى له المنصور الرصافة، وعمل لها سورا وخندقا وميدانا وبستانا، وأجرى لها الماء. قال محمد بن خلف: وقال يحيى بن الحسن: كان بناء المهدي بالرهوص إلا ما كان يسكنه هو، واستتم بناء الرصافة وجميع ما فيها سنة تسع وخمسين ومائة، هكذا قال يحيى بن الحسن. وأخبرنا ابن مخلد وابن التوزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: فرغ من بناء الرصافة سنة أربع وخمسين ومائة. قرأت على الحسن بن أبي بكر، عن أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثني محمد بن موسى، عن محمد بن أبي السري، عن الهيثم بن عدي، قال: لما بنى المهدي قصره بالرصافة دخل يطوف فيه ومعه أبو البختري وهب بن وهب. قال: فقال له: هل تروي في هذا شيئا؟ قال: نعم، حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: خير صحونكم ما سافرت فيه أبصاركم. أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله المعدل، قال: حدثنا عثمان

стр. 104

ابن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال: قال علي بن يقطين: خرجنا مع المهدي، فقال لنا يوما: إني داخل ذلك البهو فنائم فيه فلا يوقظني أحد حتى أستيقظ. قال: فنام ونمنا فما أنبهنا إلا بكاؤه، فقمنا فزعين، فقلنا: ما شأنك يا أمير المؤمنين؟ قال: أتاني الساعة آت في منامي شيخ والله لو كان في مائة ألف شيخ لعرفته، فأخذ بعضادتي الباب وهو يقول [من الطويل]: كأني بهذا القصر قد باد أهله … وأوحش منه ركنه ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجة … وملك إلى قبر عليه جنادله أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري، قال: حدثنا محمد بن عمران المرزباني، قال: أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني محمد بن موسى المنجم: أن المعتصم وابن أبي دؤاد اختلفا في مدينة أبي جعفر والرصافة أيما أعلى، قال: فأمرني المعتصم فوزنتهما، فوجدت المدينة أعلى من الرصافة بذراعين ونحو من ثلثي ذراع. قلت: وربع الرصافة يسمى عسكر المهدي، وإنما سمي بذلك لأن المهدي عسكر به عند شخوصه إلى الري. ذكر محال مدينة السلام وطاقاتها وسككها ودروبها وأرباضها ومعرفة من نسبت إليه من ذلك نواحي الجانب الغربي أخبرنا محمد بن علي بن مخلد وأحمد بن علي بن الحسين التوزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي النحوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف وكيع، قال: طاقات العكي، هو مقاتل بن حكيم أصله من الشام.

стр. 105

وطاقات الغطريف بن عطاء، وهو أخو الخيزران خال الهادي والرشيد ولي اليمن، ويقال: إنه من بني الحارث بن كعب، وإن الخيزران كانت لسلمة بن سعيد اشتراها من قوم قدموا من جرش مولدة. طاقات أبي سويد، اسمه الجارود مما يلي مقابر باب الشام. ربض العلاء بن موسى، عند درب أبي حية. ربض أبي نعيم موسى بن صبيح من أهل مرو عند درب شيرويه. ويقال: إن أبا نعيم خال الفضل بن الربيع. قلت: يقال شيرويه، هو اسم موضع في هذا الربض. وربض أبي عون عبد الملك بن يزيد، الدرب النافذ إلى درب طاهر. وربض أبي أيوب الخوزي، وربض الترجمان يتصل بربض حرب، وهو الترجمان بن بلج. مربعة شبيب بن روح المروروذي. كذا ذكر لي ابن مخلد وابن التوزي، وإنما هو شبيب بن واج، قال ذلك أحمد بن أبي طاهر وإبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي ومحمد بن عمر الجعابي. مربعة أبي العباس، وهو الفضل بن سليمان الطوسي، وهو من أهل أبيورد. قال محمد بن خلف: وقال أحمد بن أبي طاهر: حدثني أبو جعفر محمد بن موسى بن الفرات الكاتب: أن القرية التي كانت في مربعة أبي العباس كانت قرية جده من قبل أمه وأنه من دهاقين يقال لهم بنو زرارى،

стр. 106

وكانت القرية التي تسمى الوردانية وقرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلي مربعة أبي قرة. قال محمد بن خلف: ومربعة أبي قرة، هو عبيد بن هلال القاساني من أصحاب الدولة. وزعم أحمد بن الحارث، عن إبراهيم بن عيسى قال: كان في الموضع الذي هو اليوم معروف بدار سعيد الخطيب قرية يقال لها: شرقانية ولها نخل قائم إلى اليوم مما يلي قنطرة أبي الجوز، وأبو الجوز من دهاقين بغداد من أهل القرية. قال محمد بن خلف: وربض سليمان بن مجالد. وربض إبراهيم بن حميد. وربض حمزة بن مالك الخزاعي. وربض رداد بن سنان أحد القواد. وربض حميد بن قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان بن شمس الطائي، وقرية معدان بعمان على ساحل البحر يقال لها: بوسن.

стр. 107

وربض نصر بن عبد الله، وهو شارع دجيل يعرف بالنصرية. وربض عبد الملك بن حميد، كاتب المنصور قبل أبي أيوب. وربض عمرو بن المهلب. وربض حميد بن أبي الحارث، أحد القواد. وربض إبراهيم بن عثمان بن نهيك عند مقابر قريش. وربض زهير بن المسيب. وربض الفرس ومربغتهم أقطعهم المنصور. ثم قال محمد بن خلف: وقال الفراسي أحمد بن الهيثم: إقطاع المسيب بن زهير في شارع باب الكوفة ما بين حد دار الكندي إلى حد سويقة عبد الوهاب إلى داخل المقابر. وإقطاع القحاطبة من شارع باب الكوفة إلى باب الشام. أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: وأما شارع القحاطبة، فمنسوب إلى الحسن بن قحطبة وهنالك منزله، وكان الحسن من رجالات الدولة ومات سنة إحدى وثمانين ومائة. أخبرنا ابن مخلد وابن التوزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا السكوني قال: قال محمد بن خلف: وأقطع المأمون طاهر بن الحسين داره، وكانت قبله لعبيد الخادم مولى المنصور. قال: والبغيين إقطاع المنصور لهم، وهو من درب سوار إلى آخر ربض

стр. 108

البرجلانية، وفي البرجلانية منازل حمرة بن مالك. الخوارزمية جند من جند المنصور. الحربية، نسبت إلى حرب بن عبد الله صاحب حرس المنصور. الزهيرية، إلى زهير بن محمد قائد من أهل أبيورد. منارة حميد الطوسي الطائي. قال محمد بن خلف: قال أبو زيد الخطيب: سمعت أبي يقول: شهارسوج الهيثم، هو الهيثم بن معاوية القائد. وقال أبو زيد الخطيب: المنارة التي في شارع الأنبار بناء طاهر وقت دخوله. قال محمد بن خلف: بستان القس، قس كان ثم قبل بناء بغداد.

стр. 109

سويقة عبد الوهاب بن محمد بن إبراهيم الإمام، أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: حدثنا علي بن أبي مريم قال: مررت بسويقة عبد الوهاب وقد خربت منازلها وعلى جدار منها مكتوب [من البسيط]: هذي منازل أقوام عهدتهم … في رغد عيش رغيب ما له خطر صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا … إلى القبور فلا عين ولا أثر أخبرنا ابن مخلد وابن التوزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا السكوني قال: قال محمد بن خلف: ودور الصحابة؛ منهم أبو بكر الهذلي وله مسجد ودرب، ومحمد بن يزيد، وشبة بن عقال، وحنظلة بن عقال، ولهم درب ينسب إلى الاستخراجي اليوم. ولعبد الله بن عياش دار على شاطئ الصراة. ولعبد الله بن الربيع الحارثي دار في دور الصحابة. ولابن أبي سعلى الشاعر. ولأبي دلامة زيد بن جون إقطاع. هكذا في رواية محمد بن جعفر عن السكوني زيد بالياء؛ وقد أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، قال: أخبرنا أبو العباس بن عمار، قال: أخبرنا ابن أبي سعد قال: قال أحمد بن كلثوم: رأيت أبا عثمان المازني والجماز عند جدي محمد بن أبي رجاء، فقال لهم: ما اسم أبي دلامة؟ فلم يردوا عليه شيئا. فقال جدي: هو زند، إياك أن تصحف فتقول زيد. قال أبو أحمد العسكري: أبو دلامة هو زند بن الجون مولى

стр. 110

قصاقص الأسدي، صحب السفاح والمنصور ومدحهما، وفي أجداد النبي ﷺ في نسب إسماعيل زند بن يرى بن أعراق الثرى. أخبرني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أيوب، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي قال: قال أبو أيوب، يعني سليمان بن أبي شيخ: كان أبو جعفر المنصور أمر بدور من دور الصحابة أن تهدم أو تقبض وفيها دار لأبي دلامة، فقال [من الخفيف]: يا بني وارث النبي الذي حـ … ـل بكفيه ماله وعقاره لكم الأرض كلها فأعيروا … عبدكم ما احتوى عليه جداره وكأن قد مضى وخلف فيكم … ما أعرتم وحل ما لا يعاره أخبرنا ابن مخلد وابن التوزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا السكوني قال: قال محمد بن خلف: كان موضع السجن الجديد إقطاعا لعبد الله بن مالك، نزلها محمد بن يحيى بن خالد بن برمك ثم دخلت في بناء أم جعفر أيام محمد الذي سمته القرار. وكانت دار سليمان بن أبي جعفر قطيعة لهشام بن عمرو الفزاري. ودار عمرو بن مسعدة للعباس بن عبيد الله بن جعفر بن المنصور. دار صالح المسكين أقطعه إياها أبو جعفر. وسويقة الهيثم بن شعبة بن ظهير مولى المنصور توفي سنة ست وخمسين ومائة، وهو على بطن جارية.
следующие страницы →