← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الثاني: السنة وفي هذا المبحث ست مسائل: المسألة الأولى: تعريف السنة. المسألة الثانية: أقسام السنة. المسألة الثالثة: حجية السنة. المسألة الرابعة: منزلة السنة من القرآن. المسألة الخامسة: الخبر المتواتر. المسألة السادسة: خبر الآحاد.

стр. 107

المسألة الأولى تعريف السنة ١- السنة في اللغة: السنة لغة: الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمية (١) . ٢- السنة عند الأصوليين: السنة في اصطلاح الأصوليين هي "ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن" (٢) . وهذا يشمل: قوله ﷺ ، وفعله، وتقريره، وكتابته، وإشارته، وهمه، وتركه (٣) . وهذه الأنواع قد يدخل بعضها في بعض (٤) . ٣- السنة هي الحكمة: إذا وردت الحكمة في القرآن مقرونة مع الكتاب فهي السنة بإجماع السلف (٥) ، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ، قال الشافعي: "فسمعتُ من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله" (٦) .

стр. 108

المسألة الثانية أقسام السنة للسنة عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة. * ف باعتبار ذاتها تنقسم السنة إلى: قولية، وفعلية، وتقريرية (١) ، وما سوى ذلك يمكن إدراجه تحت هذه الأقسام. * وباعتبار علاقتها بالقرآن الكريم تنقسم السنة إلى ثلاثة أقسام (٢) : القسم الأول: السنة المؤكدة، وهي الموافقة للقرآن من كل وجه، وذلك كوجوب الصلاة فإنه ثابت بالكتاب وبالسنة. القسم الثاني: السنة المبينة أو المفسرة لما أُجمل في القرآن، وهي ما عبر عنها الشافعي بقوله: "ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها" (٣) . القسم الثالث: السنة الاستقلالية، أو الزائدة على ما في القرآن، وهي التي تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، كأحكام الشفعة وميراث الجدة. وهذا القسم عبر عنه الشافعي بقوله: "ومنه ما سن رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص حكم" (٤) . * و باعتبار وصولها إلينا وعدد نقلتها ورواتها تنقسم السنة إلى: متواتر، وآحاد (٥) . المسألة الثانية حجية السنة في هذه المسألة سنتعرض لبيان حجية السنة على وجه العموم، ثم بيان

стр. 109

حجية السنة الاستقلالية، ثم حجية أفعاله ﷺ ، ثم حجية تقريره، ثم حجية تركه، فهذه أمور خمسة، أما الكلام على الخبر المتواتر وأخبار الآحاد فسيكون في المسألة الخامسة والسادسة إن شاء الله. أولاً: حجية السنة عمومًا: أجمع المسلمون على وجوب طاعة النبي ﷺ ، ولزوم سنته (١) . قال ابن تيمية: "وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها" (٢) . والأدلة على وجوب اتباع السنة كثيرة جدًا (٣) : فمن القرآن الكريم: * الأمر بطاعة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] (٤) . * ترتيب الوعيد على من يخالف أمر النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٥) . * نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكم عن رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٦) . * الأمر بالرد إلى الرسول ﷺ عند النزاع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] (٧) . * جعل الرد إلى الرسول ﷺ عند النزاع من موجبات الإيمان ولوازمه، قال

стр. 110

تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] (١) . ومن السنة قوله ﷺ : «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» (٢) . وقوله ﷺ : «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٣) . وقوله ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» (٤) . وقوله ﷺ : «ألا وإن ما حرم رسولُ الله مثلُ ما حرم الله» (٥) . هذه بعض النصوص الدالة على حجية السنة، وبذلك يعلم أن الاحتجاج بالسنة أصل ثابت من أصول هذا الدين وقاعدة ضرورية من قواعده. قال الإمام الشافعي: "لم أسمع أحدًا – نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم – يخالف في أن فرض الله اتباعُ أمر رسول الله ﷺ ، والتسليم لحكمه؛ بأن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من

стр. 111

بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى" (١) . ثانيًا: حجية السنة الاستقلالية: اتفق السلف على أن سنة النبي ﷺ يجب اتباعها مطلقًا، لا فرق في ذلك بين السنة الموافقة أو المبينة للكتاب، وبين السنة الزائدة على ما في الكتاب (٢) . والدليل على ذلك: النصوص المتقدمة الدالة على حجية السنة؛ فإنها عامة مطلقة. قال ابن عبد البر: "وقد أمر الله جل وعز بطاعته - أي: الرسول ﷺ واتباعه أمرًا مطلقًا مجملاً، لم يقيد بشيء، كما أمرنا باتباع كتاب الله ولم يقل: وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ. قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث، يعني: ما رُوي عنه ﷺ أنه قال: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله، وإنما أنا موافق كتاب الله وبه هداني الله» . وهذه الألفاظ لا تصح عنه ﷺ عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه. وقد عارض هذا الحديث قوم، من أهل العلم وقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك، قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفًا لكتاب الله؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال" (٣) .

стр. 112

وقال ابن القيم بعد أن ذكر أقسام السنة مع القرآن. "فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته. وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله؛ بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله، ولو كان رسول الله ﷺ لا يُطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] . وكيف يمكن أحدًا من أهل العلم ألا يقبل حديثًا زائدًا على كتاب الله (١) فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها (٢) ، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب (٣) ....." (٤) . ثالثًا: حجية أفعال الرسول ﷺ -: الأصل في حجية أفعاله ﷺ ما تقدم من الأدلة العامة الدالة على حجية السنة؛ إذ الأفعال قسم من أقسام السنة، ثم إن هناك أدلة تدل على وجوب الاقتداء به ﷺ ومتابعته في أفعاله على وجه الخصوص (٥) ، فمن ذلك: أ- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] . قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله" (٦) . ب- وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .

стр. 113

قال ابن تيمية: "وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل؛ فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك" (١) . وأفعاله ﷺ أقسام، لكل قسمٍ منها حكم يخصه، وقبل بيان هذه الأقسام لا بد من تقرير أصول أربعة: الأصل الأول: أن الواجب على هذه الأمة متابعة نبيها ﷺ والتأسي به في أفعاله وأقواله وأحواله، ولزوم أمره وطاعته (٢) ، هذا هو الأصل. ويدخل تحت هذا الأصل: ١- أمر الله لنبيه ﷺ ونهيه له، فإن الأمة تشاركه ما لم يثبت الاختصاص (٣) ، قال ابن تيمية: "....ولهذا كان جمهور علماء الأمة على أن الله إذا أمره بأمرٍ أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك، ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك" (٤) . ٢- ويدخل تحت هذا الأصل: أفعاله ﷺ فإن الأمة تتأسى بأفعاله إلا ما خصه الدليل (٥) . ٣- ويدخل تحت هذا الأصل أيضًا أمره ﷺ لأمته ونهيه لها، فإن طاعته ﷺ واجبة وجوبًا عامًا مطلقًا، بل إن طاعته في أوامره أوكد من الاقتداء به في أفعاله؛ لأن أفعاله قد تكون خاصة به ﷺ . قال ابن تيمية: "وطاعة الرسول فيما أمرنا به هو الأصل الذي على كل مسلم أن يعتمده وهو سبب السعادة، كما أن ترك ذلك سبب الشقاوة، وطاعته في أمره أولى بنا من موافقته في فعل لم يأمرنا بموافقته فيه باتفاق المسلمين. ولم يتنازع العلماء أن أمره أوكد من فعله؛ فإن فعله قد يكون مختصًا به، وقد يكون مستحبًا.

стр. 114

وأما أمره لنا فهو من دين الله الذي أمرنا به" (١) . الأصل الثاني: أن أفعاله ﷺ تدل على حكم هذه الأفعال بالنسبة له ﷺ ، ففعل النبي ﷺ يدل على إباحته في أدنى الدرجات، وقد يدل على الوجوب والاستحباب، ولا يدل على الكراهة فإنه ﷺ لا يفعل المكروه ليبين الجواز (٢) ، إذ يحصل التأسي به في أفعاله؛ بل فعله لشيء ينفي كراهته (٣) . الأصل الثالث: أن العلماء قد اختلفوا في أمور فعلها ﷺ هل هي من خصائصه أم للأمة أن تفعلها (٤) ؟ وذلك مثل تركه للصلاة على الغال (٥) ، ودخوله في الصلاة إمامًا بعد أن صلى بالناس غيره (٦) ، وكذلك فإن العلماء اختلفوا في بعض أفعاله هل الاقتداء بها يكون في نوع الفعل أو في جنسه؟ لأنه ﷺ قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره. مثال ذلك: احتجامه ﷺ (٧) ، فإن ذلك كان لحاجته إلى إخراج الدم الفاسد، ثم التأسي به هل هو مخصوص بالحجامة، أو المقصود إخراج الدم على الوجه النافع؟ ومن ذلك أن الغالب عليه ﷺ وعلى أصحابه لبس الرداء والإزار، فهل الأفضل لكل أحد أن يرتدي ويأتزر ولو مع القميص، أو الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء؟ فهذه مواضع تتعلق بمسألة الاقتداء به ﷺ في أفعاله؛ وهي بحاجة إلى اجتهاد ونظر واستدلال وفقه.

стр. 115

الأصل الرابع: التأسي برسول الله ﷺ هو أن تفعل كما فعل لأجل أنه فعل (١) . فالتأسي إذن لا بد فيه من أمرين: ١- المتابعة في صورة العمل. ٢- المتابعة في القصد. فإذا طاف ﷺ حول الكعبة واستلم الحجر وصلى خلف المقام، كان التأسي والاقتداء به أن يفعل هذا الفعل وأن يقصد به العبادة؛ لأنه ﷺ فعل ذلك وقصد به العبادة. أما ما فعله ﷺ بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه؛ لكونه نزله لا قصدًا منه ﷺ لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإن تخصيص ذلك المكان بالصلاة لا يكون تأسيًا به ﷺ ؛ لأنه لم يقصد ذلك المكان بالعبادة. قال ابن تيمية: "وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة: هل فعلها استحبابًا أو لحاجة عارضة؟ تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحُصب (٢) عند الخروج من منى لما اشتبه: هل فعله لأنه أسمح لخروجه أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك (٣) . ومن هذا وضع ابن عمر (٤) يده على مقعد النبي ﷺ (٥) .....فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة ولم يكن النبي ﷺ شرعه لأمته لم يمكن أن يقال: هذا

стр. 116

سنة مستحبة، بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي ﷺ لأمته، أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحيانًا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة. وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله، تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يُتخذ سنة. ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين، فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسوله الله ﷺ ، إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره؛ فهو من سننه، ولا يكون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروهًا إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه" (١) . أما أقسام أفعاله ﷺ فإنها على ثلاثة أقسام (٢) : ذلك أن فعله ﷺ لا يخلو إما أن يكون صدر منه بمحض الجبلة، أو صدر منه بمحض التشريع، وهذا قد يكون عامًا للأمة، وقد يكون خاصًا به ﷺ . فهذه ثلاثة أقسام (٣) : القسم الأول: الأفعال الجبلية: كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، فهذا

стр. 117

القسم مباح؛ لأن ذلك لم يقصد به التشريع ولم نتعبد به، ولذلك نسب إلى الجبلة وهي الخلقة. لكن لو تأسى به متأسٍ فلا بأس (١) ، وإن تركه لا رغبة عنه ولا استكبارًا فلا بأس. القسم الثاني: الأفعال الخاصة به ﷺ التي ثبت بالدليل اختصاصه بها كالجمع بين تسع نسوة، فهذا القسم يحرم فيه التأسي به. القسم الثالث: الأفعال البيانية التي يقصد بها البيان والتشريع، كأفعال الصلاة والحج، فحكم هذا القسم تابع لما بينه؛ فإن كان المبين واجبًا كان الفعل المبين له واجبًا، وإن كان مندوبًا فمندوب (٢) . رابعًا: حجية تقريره ﷺ - (٣) : والمقصود بتقريره ﷺ : أن يفعل أحدُ الصحابة بحضرته فعلاً أو يقول

стр. 118

قولاً فيمسك ﷺ عن الإنكار ويسكت (١) ، كإقراره ﷺ إنشاد الشعر المباح (٢) . والأصل في حجية إقراره ﷺ (٣) هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة (٤) ، إذ سكوته يدل على جواز ذلك الفعل أو القول، بخلاف سكوت غيره، لذلك بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة لا من غير الرسول" (٥) . وكذلك فإن من خصائصه ﷺ أن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٦) . وإنما يكون سكوته ﷺ وعدم إنكاره حجة فيدل على الجواز بشرطين (٧) : أ- أن يعلم ﷺ بوقوع الفعل أو القول، فإما أن يقع ذلك بحضرته، أو في غيبته لكن ينقل إليه، أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلمه ﷺ . ب- ألا يكون الفعل الذي سكت عنه ﷺ صادرًا من كافر، لأن إنكاره ﷺ لما يفعله الكفار معلوم ضرورة، فالعبرة في فعل أحد المسلمين. خامسًا: حجية تركه ﷺ -: و المقصود بالترك: تركه ﷺ فعل أمر من الأمور (٨) . وهو نوعان بالنسبة لنقل الصحابة ﵃ له (٩) : ١- التصريح بأنه ﷺ ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقول الصحابي في صلاة العيد: "إن رسول الله ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة" (١٠) .

стр. 119

٢- عدم نقل الصحابة للفعل الذي لو فعله ﷺ لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحدٍ منهم على نقله للأمة، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن. وذلك كتركه ﷺ التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهو يؤمنون على دعائه، بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات. وتركه ﷺ لفعل من الأفعال يكون حجة، فيجب ترك ما ترك كما يجب ما فعل بشرطين (١) : الشرط الأول: أن يوجد السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده ﷺ ، وأن تقوم الحاجة إلى فعله، فإذا كان الحال كذلك وتركه ﷺ ولم يفعله كان تركه لهذا الفعل سنة (٢) يجب الأخذ بها ومتابعته في ترك هذا الفعل. أما إن انتفى المقتضي ولم يوجد السبب الموجب لهذا الفعل فإن ترك النبي ﷺ حينئذ لا يكون سنة؛ لأن تركه كان بسبب عدم وجود المقتضي إذ لو وجد المقتضي لفعله ﷺ وذلك كتركه ﷺ قتال مانعي الزكاة فقط؛ إذ إن هذا الترك كان لعدم وجود السبب وعدم قيام المقتضي، فلما فعل أبو بكر ﵁ (٣) ذلك وقاتل مانعي الزكاة فقط (٤) لم يكن مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ . أما ما أحدثه بعض الأمراء من الأذان للعيدين فإن هذا من البدع؛ لأن رسول الله ﷺ ترك ذلك مع وجود ما يعتقد فاعل ذلك أنه مقتضٍ (٥) ، فإنه ﷺ

стр. 120

لما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات. ومثل ذلك ما حدثت الحاجة إليه بتفريط الناس كتقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه قد فعل ذلك بعض الأمراء (١) واعتذر بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضون حتى يسمعوا، أو أكثرهم. ولا يكفي أن يترك ﷺ الفعل مع وجود المقتضي لا مع انتفائه، بل لا بد من شرط ثانٍ وهو: انتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه ﷺ قد يترك فعلاً من الأفعال -مع وجود المقتضي له- بسبب وجود مانع يمنع من فعله. وذلك كتركه ﷺ قيام رمضان مع أصحابه في جماعة -بعد ليالٍ- وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم (٢) ، فلما كان في عهد عمر ﵁ جمعهم على قارئ واحد (٣) ، ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ . وهكذا جَمْع القرآن (٤) ، فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله ﷺ أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويُحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه. أما تركه ﷺ للأذان في العيدين فلم يكن لوجود مانع، لذا كان هذا الترك سنة نبوية يجب اتباعه فيها ﵊. وخلاصة القول: أن تركه ﷺ لا يخلو من ثلاث حالات . الحالة الأولى: أن يترك ﷺ الفعل لعدم وجود المقتضي له، وذلك

стр. 121

كتركه قتال مانعي الزكاة، فهذا الترك لا يكون سنة، بل إذا قام المقتضي ووجد (١) كان فعل ما تركه ﷺ مشروعًا غير مخالف لسنته، كقتال أبي بكر ﵁ لمانعي الزكاة، بل إن هذا العمل يكون من سنته لأنه عمل بمقتضى سنته ﷺ . الحالة الثانية: أن يترك ﷺ الفعل مع وجود المقتضي له بسبب قيام مانع، كتركه ﷺ فيما بعد قيام رمضان جماعة بسبب خشيته أن يُكتب على أمته؛ فهذا الترك لا يكون سنة، بل إذا زال المانع بموته ﷺ كان فعل ما تركه ﷺ مشروعًا غير مخالف لسنته كما فعل عمر ﵁ في جمعه للناس على إمام واحد في صلاة التراويح، بل إن هذا العمل من سنته ﷺ لأنه عمل بمقتضاها. الحالة الثالثة: أن يترك ﷺ الفعل مع وجود المقتضي له وانتفاء الموانع فيكون تركه ﷺ والحالة كذلك– سنة، كتركه ﷺ الأذان لصلاة العيدين. وهذا القسم من سنته ﷺ وهو السنة التركية أصل عظيم وقاعدة جليلة، به تحفظ أحكام الشريعة ويوصد به باب الابتداع في الدين. قال ابن القيم: "فإن تركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق. فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيدًا جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ ...... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ " (٢) . وتجدر الإشارة إلى أن سنة الترك مبنية على مقدمات ثابتة راسخة (٣) :

стр. 122

المقدمة الأولى: كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين، فقد أتم الله هذا الدين فلا ينقصه أبدًا، ورضيه فلا يسخطه أبدًا (١) . ومن الأدلة على هذه المقدمة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . وقوله ﷺ «وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (٢) . المقدمة الثانية: بيانه ﷺ لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يترك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] ، وقد امتثل ﷺ لهذا الأمر وقام به أتم القيام. وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حجة الوداع (٣) . المقدمة الثالثة: حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهيأ الله له من الأٍسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، والواقع المشاهد يصدق ذلك فإن الله قد حفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ ، ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد اللغة العربية.

стр. 123

المسألة الرابعة منزلة السنة من القرآن والمقصود بهذه المسألة الجواب على السؤال الآتي: أيهما يقدم على الآخر الكتاب أم السنة؟ ويتضح هذا الجواب من خلال اعتبارات أربعة: ١- باعتبار المصدرية فلا شك أن القرآن والسنة في منزلة واحدة إذ الكل وحي من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] . أ- وقد ذهب بعض أهل العلم (١) إلى أن الرسول ﷺ لم يسن سنة إلا بوحي احتجاجًا بهذه الآية. ب- وقيل: بل جعل الله لرسوله ﷺ بما افترض من طاعته أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ [النساء: ١٠٥] . فخصه الله بأن يحكم برأيه لأنه معصوم وأن معه التوفيق. جـ- وقيل: أُلقي في روعه ﷺ كل ما سنه لقوله ﷺ : «إن الروح الأمين قد ألقى في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فأجملوا في الطلب» (٢) . د- وقيل: لم يسن ﷺ سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، فجميع سنته بيان للكتاب، فما سنه ﷺ من البيوع فهو بيان لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ، * وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] . قال الشافعي بعد ذكر هذه الأقوال أو بعضها: "وأي هذا كان فقد بين الله

стр. 124

أنه فرض فيه طاعة رسوله....." (١) . ٢- باعتبار الحجية ووجوب الاتباع فالقرآن والسنة في ذلك سواء. وقد بوب لذلك الخطيب البغدادي، فقال: "باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى وحُكم سنة رسول الله ﷺ في وجوب العمل ولزوم التكليف" (٢) ، وذكر تحت ذلك قوله ﷺ : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (٣) ، وقوله: «وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله» (٤) . ٣- باعتبار أن القرآن دل على وجوب العمل بالسنة ، وأن السنة إنما تثبت حجيتها بالقرآن. فالقرآن بهذا الاعتبار أصل للسنة، والأصل مقدم على الفرع. ٤- باعتبار البيان فإن السنة مبينة لما أجمل في القرآن، وهي مخصصة لعمومه، مقيدة لمطلقه، والبيان والخاص والمقيد مقدم على المجمل والعام والمطلق، إذ العمل بهذه الثلاثة متوقف على تلك. فصح بهذا النظر تقديم السنة على الكتاب (٥) ، إلا أن الإمام أحمد كره أن يقال: السنة تقضي على الكتاب، وقال: «ما أجسر على هذا أن أقول: إن السنة قاضية على الكتاب! إن السنة تفسر الكتاب وتبينه» (٦) . والمقصود أن الكتاب والسنة متلازمان لا يفترقان، متفقان لا يختلفان ؛ كما قال بعض السلف: "إنما هو الكتاب والسنة، والكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب" (٧) .

стр. 125

المسألة الخامسة الخبر المتواتر والكلام على هذه المسألة يمكن ضبطه في ست نقاط: ١- تعريف المتواتر: المتواتر لغة: المتتابع (١) . وفي اصطلاح الأصوليين: "خبر جماعة مفيد بنفسه العلم" (٢) . وفي هذا التعريف احتراز عن خبر الواحد؛ فإن المتواتر لا بد فيه من العدد والكثرة، وهذا ما عبر عنه في التعريف بقيد "جماعة". أما قيد "مفيد بنفسه العلم" فالمقصود به الاحتراز عما أفاد العلم بواسطة القرائن؛ إذ إن خبر التواتر يفيد العلم بمجرد العدد والكثرة لا بالقرائن (٣) . ٢- أقسام المتواتر: * ينقسم المتواتر باعتبار متنه إلى قسمين (٤) : الأول: المتواتر اللفظي، وهو ما اتفق فيه الرواة على اللفظ والمعنى، كتواتر القرآن الكريم، وقوله ﷺ : «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٥) . والثاني: المتواتر المعنوي، وهو ما اتفق رواته على معناه دون ألفاظه، وذلك كأحاديث الشفاعة، والحوض، والصراط، والميزان. * وينقسم باعتبار أهله إلى قسمين (٦) : تواتر عند العامة، وتواتر عند الخاصة.

стр. 126

قال ابن تيمية: ".... ولهذا كان التواتر ينقسم إلى: عام وخاص، فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما لم يتواتر عند العامة، كسجود السهو، ووجوب الشفعة، وحمل العاقلة العقل، ورجم الزاني المحصن، وأحاديث الرؤية، وعذاب القبر، والحوض، والشفاعة، وأمثال ذلك. وإذا كان الخبر قد تواتر عند قوم دون قوم، وقد يحصل العلم بصدقه لقوم دون قوم؛ فمن حصل له العلم به وجب عليه التصديق به والعمل بمقتضاه، كما يجب ذلك في نظائره. ومن لم يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإجماع الذين أجمعوا على صحته، كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إلى من أجمع عليها من أهل العلم، فإن الله عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وإنما يكون إجماعها بأن يسلم غير العالم للعالم؛ إذ غير العالم لا يكون له قول، وإنما القول للعالم. فكما أن من لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقوله، فمن لا يعرف طرق العلم بصحة الحديث لا يعتد بقوله، بل على كل من ليس بعالم أن يتبع إجماع أهل العلم" (١) . وقال ابن القيم: "..... فإن ما تلقاه أهل الحديث بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم مفيد لليقين، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين. فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم دون غيرهم، كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها دون المتكلمين والنحاة والأطباء. وكذلك لا يعتبر في الإجماع على صحة الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله، وهم علماء الحديث العالمون بأحوال نبيهم، الضابطون لأقواله وأفعاله" (٢) .

стр. 127

٣- درجته: الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني، وهذا أمر متفق عليه بين العقلاء، إذ حصول العلم بالخبر المتواتر أمر يضطر إليه الإنسان، لا حيلة له في دفعه (١) . هذا بالنسبة للمتواتر من الأخبار. أما المتواتر من الحديث: فإنه كذلك يفيد العلم ويوجب العمل، والعبرة في التواتر بأهل العلم بالحديث والأثر، كما قرر ذلك ابن تيمية وابن القيم في النصين السابقين. أما حكم العمل به: فلا شك أن الحديث المتواتر قسم من أقسام السنة، والسنة حجة على ما تقدم (٢) . ٤- اختلف العلماء في العلم الحاصل بالتواتر هل هو ضروري أو نظري ؟: وهذا الخلاف – إذا تأملناه – خلاف لفظي، إذ الجميع متفق على أن المتواتر يفيد العلم واليقين، وإنما اختلفوا في نوع هذا العلم: فمن نظر إلى أن العقل يضطر إلى التصديق به قال: إنه ضروري. ومن نظر إلى افتقار المتواتر إلى مقدمات – وإن كانت تلك المقدمات بدهية – قال: إنه نظري (٣) . ٥- شروط المتواتر: للمتواتر شروط خمسة (٤) : أ- أن يخبر المخبرون عن علم ويقين، لا عن ظن أو شك.

стр. 128

ب- أن يستند المخبرون في خبرهم إلى الحس، لا إلى العقل أو غيره. جـ- أن يكون المخبرون كثرة لا قلة، وليس هناك عدد معين يحدد هذه الكثرة، بل ضابط الكثرة ما حصل العلم بخبرهم. د- أن تكون هذه الكثرة مما تحيل العادة تواطؤهم على الكذب أو الكتمان. هـ- أن توجد الشروط المتقدمة في جميع طبقات السند. ولا يخفي أن هذه الشروط للمتواتر العام، أما المتواتر الخاص (١) فيضاف إلى هذه الشروط أن يكون ناقلوه من أهل العلم والتخصص، وذلك على النحو الذي تقدم بيانه من خلال النقل عن ابن تيمية وابن القيم (٢) . ٦- العلم يحصل بعدة طرق (٣) : أ- يحصل العلم تارة بالعدد الكثير دون قرائن، وهذا ما يسمى بالعدد الكامل الذي يحصل العلم به مجردًا عن القرائن. وإذا كان الأمر كذلك فإن العدد الذي حصل به العلم في واقعة من الوقائع دون قرائن لا بد وأن يحصل به العلم في كل واقعة ولكل أحد. ب- ويحصل العلم تارة بالقرائن وحدها، كالعلم بخوف شخص أو خجله، لظهور علامات ذلك عليه (٤) . جـ- ويحصل تارة بمجموع الأمرين: بالمخبرين وبالقرائن معًا، وهذا ما يسمى بالعدد الناقص الذي احتفت به القرائن، فحصل العلم بالأمرين معًا (٥) .

стр. 129

والمصطلح عليه عند أهل الأصول: أن المتواتر ما حصل فيه العلم بكثرة العدد فقط؛ يعني بالعدد الكامل. أما ما عدا ذلك فهو وإن كان مفيدًا للعلم لكنه لا يسمى عندهم متواترًا، وعندهم أيضًا – كما تقدم – أن كل عدد أفاد العلمَ في واقعة أفاد مثلُ هذا العدد العلمَ في كل واقعة، إذا خلا الخبر عن القرائن. وهذا إنما يكون العدد الكامل (١) . المسألة السادسة خبر الآحاد وفي هذه المسألة بيان أمور أربعة: ١- تعريف خبر الآحاد. ٢- حجية خبر الواحد.

стр. 130

٣- شروط قبول خبر الواحد. ٤- هل يفيد خبر الواحد العلم أو الظن؟ الأمر الأول: تعريف خبر الآحاد: الآحاد جمع أحد بمعنى واحد، والواحد هو الفرد (١) . وفي اصطلاح الأصوليين هو: ما عدا المتواتر (٢) . فيشمل كل خبر لم تتوفر فيه شروط المتواتر. الأمر الثاني: حجية خبر الواحد: والكلام على ذلك ينتظم في ست فقرات: أ- أجمع أهل العلم (٣) على وجوب العمل بخبر الواحد (٤) : قال الشافعي: "ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يُعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي. ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد، بما وصفتُ من أن ذلك موجود على كلهم" (٥) . وقال الخطيب البغدادي: "وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين، ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا اعتراض عليه. فثبت أن من دين جميعهم وجوبه، إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل

стр. 131

به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه. والله أعلم" (١) . ب- الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد: ١- ما تواتر عنه ﷺ من إنفاذه أمراءَه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف لتبليغ الأحكام وأخذ الصدقات ودعوة الناس (٢) . قال الشافعي: "ولم يكن رسول الله ﷺ ليبعث إلا واحدًا؛ الحجة قائمة بخبره على من بعثه إن شاء الله" (٣) . ٢- إجماع الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد عن رسول الله ﷺ واشتهار ذلك عنهم في وقائع كثيرة، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها (٤) . ومن ذلك تحول أهل قباء إلى القبلة بخبر واحد (٥) . قال الشافعي: "ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله ﷺ في تحويل القبلة -وهو فرض- مما يجوز لهم؛ لقال لهم -إن شاء الله- رسول الله: قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة، من سماعكم مني، أو خبر عامة، أو أكثر من خبر واحد عني" (٦) . ٣- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . وذلك من وجهين (٧) : الأول: أن الله أمر الطائفة –وهي تقع على القليل والكثير– إنذار قومهم،

стр. 132

وهذا دليل على أن على قومهم المنذرين قبوله. والثاني: أن قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ معناه إيجاب الحذر، ولولا قيام الحجة عليهم ما استوجبوا الحذر. ٤- قوله ﷺ : «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (١) . قال الشافعي: "فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرءًا يؤديها -والامرؤ واحد- دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدي عنه حلال، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطي، ونصيحة في دين ودنيا" (٢) . جـ- أن خبر الواحد حجة في الأحكام والعقائد، دون تفريق بينهما: وهذا أمر مجمع عليه عند السلف (٣) . قال ابن عبد البر: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة. وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا

стр. 133

يناظر فيه" (١) . والدليل على وجوب قبول خبر الواحد في أبواب الاعتقاد الأدلة الموجبة للعمل بخبر الواحد؛ فإنها عامة مطلقة، لم تفرق بين باب وباب ومسألة وأخرى (٢) ، ثم إنه يترتب على القول برد خبر الواحد في العقائد رد كثير من العقائد الإسلامية الصحيحة (٣) . قال ابن القيم: "وأما المقام الثامن وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث وإثبات صفات الرب تعالى بها، فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول. فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول ولم ينكرها أحد منهم على من رواها. ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك. وكذلك تابعوا التابعين مع التابعين. وهذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم وأمانتهم ونقلهم ذلك عن نبيهم ﷺ ، كنقلهم الوضوء، والغسل من الجنابة، وأعداد الصلوات وأوقاتها، ونقل الأذان والتشهد، والجمعة والعيدين. فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات؛ فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه، وحينئذٍ فلا وثوق لنا بشيء نُقل لنا عن نبينا ﷺ ألبتة. وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل" (٤) .

стр. 134

والتفريق بين أحاديث الأحكام والعقائد أمر حادث فهو بدعة في دين الله؛ لأن هذا الفرق لا يعرف عن أحد من الصحابة ﵃ ولا عن أحد من التابعين ولا عن تابعيهم، ولا عن أحد من أئمة الإسلام، وإنما يعرف عن رؤوس أهل البدع ومن تبعهم (١) . د- خبر الواحد حجة في جميع الأحكام ومختلف الأبواب والمسائل: لا فرق في ذلك بين ما عمت به البلوى وما لم تعم البلوى به، وبين ما يسقط بالشبهات وما لا يسقط بها، وبين ما زاد على القرآن وما كان مبينًا له أو موافقًا، وبين ما يقال: إنه مخالف للقياس أو موافق له، فالمقصود أن أهل السنة يأخذون بالحديث إذا صح ولم يوجد حديث صحيح ناسخ له. والدليل على ذلك: عموم الأدلة الدالة على وجوب الأخذ بخبر الواحد؛ فإنها لم تقيد ذلك بمسألة أو بشرط، بل إن الثابت عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المهتدين العملُ بأحاديث الآحاد الصحيحة وقبولها دون شرط أو تفريق بين مسألة وأخرى (٢) . نعم قد ترك بعض السلف الأخذ ببعض الأحاديث، إلا أن هذا ليس اتفاقًا منهم جميعًا على ذلك، بل الذين قبلوه أضعاف أضعاف الذين ردوه. والراجح قطعًا قول الأكثرين دون قول الآخرين، فإن حديث رسول الله ﷺ إذا صح لا يرد بشيء أبدًا؛ إلا بحديث مثله ناسخ له، ولا يجوز رده بغير ذلك البته (٣) . قال الإمام الشافعي: "إذا وجدتم سنة رسول الله ﷺ فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى أحد" (٤) . وقال الإمام أحمد: "من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة" (٥) .

стр. 135

وأما الاستشهاد ببعض ما يُنقل عن بعض الأئمة: أنهم تركوا الأخذ بالحديث في بعض المسائل؛ فهذا لا يستقيم؛ لأن ما نُقل عن بعض الأئمة لا يطرد؛ إذ من ترك من الأئمة الأخذ بالحديث في مسألةٍ ما فذلك لسببٍ ما، لذا فقد عمل هؤلاء الأئمة أنفسهم بالحديث وأخذوا به في مسائل أخرى مماثلة. فالإمام أبو حنيفة مثلاً حُكي عنه رد خبر الواحد فيما عمت به البلوى (١) ، والواقع أن أبا حنيفة ربما ترك الأخذ بحديثٍ ما لأسباب: منها عدم وصوله إليه، أو عدم ثبوته لديه، أو لوجود معارض له أقوى منه في نظره، ونجد أن أبا حنيفة يعمل بخبر الواحد في مسائل كثيرة مما عمت به البلوى (٢) . فنسبةُ هذا القول لأبي حنيفة لا تصح بل هو كذب عليه وعلى صاحبيه، إذ لم يقل ذلك أحد منهم ألبتة، وإنما هو قول متأخريهم (٣) . وعلى كل فإن الاحتجاج لرد خبر الواحد بما نُقل عن بعض الأئمة – فيما لو ثبت ذلك عن بعضهم – لا يقاوم الأدلة القاطعة الموجبة للأخذ المطلق والعمل التام بخبر الواحد في جميع المسائل دون تفريق أو تخصيص. ثم يقال: إن التفريق قول البعض، والأكثرون على خلاف ذلك، إذ عامة أهل العلم لا يفرقون بين مسألة وأخرى (٤) . هـ- تقسيم السنة النبوية إلى قسمين: متواتر وآحاد، له اعتباران: بالاعتبار الأول يكون هذا التقسيم صحيحًا مقبولاً لا غبار عليه، وبالاعتبار الثاني يكون هذا التقسيم باطلاً مردودًا. أما الاعتبار الصحيح: فهو بالنظر إلى عدد الرواة، فالحديث الذي رواه عدد كبير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم، فهو متواتر، وما لم يكن بهذه الصفة فهو آحاد. فهذا التقسيم بهذا الاعتبار يرجع إلى الاصطلاح، فما استوفى شروط التواتر

стр. 136

فهو متواتر وإلا فآحاد (١) . أما الاعتبار الباطل: فهو بالنظر إلى الاحتجاج والعمل، فيقال: يقبل المتواتر دون الآحاد، في بعض المسائل والأبواب، وذلك كتجويز النسخ بالمتواتر دون الآحاد (٢) ، وكرد الآحاد دون المتواتر فيما عمت به البلوى وغير ذلك، فهذا التفريق باطل؛ إذ المتواتر والآحاد من السنة الواجب اتباعها، والأدلة الدالة على حجية السنة لم تفرق بين المتواتر والآحاد. فقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] عام في كل ما ثَبَتَ عن النبي ﷺ وجاء به سواء كان من المتواتر أو الآحاد، وكذا الآيات الآمرة بطاعته ﷺ . وكذلك قوله ﷺ : «فعليكم بسنتي» (٣) عام في كل ما صح نسبته إليه ﷺ وصار من سنته، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد. وقد أجمعت الأمة على وجوب العمل بالحديث الصحيح دون تفريق بين المتواتر والآحاد، ثم إن التفريق بين المتواتر والآحاد في العمل والحجية أمر حادث لا أصل له في الكتاب، ولا في السنة، ولم يكن معروفًا لدى سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين. كما أن هذا التفريق يترتب عليه رد الكم الهائل من الأحاديث النبوية وتعطيلُ العمل بها دون دليل شرعي معتبر (٤) . و حديث الآحاد الذي يجب العمل به إنما هو الذي توفرت فيه الشروط المذكورة في الفقرة الآتية: أما الأحاديث الضعيفة فإنه لا يجوز الاحتجاج بها ولا إثبات شيء من الأحكام الشرعية بها (٥) .

стр. 137

الأمر الثالث: شروط قبول خبر الواحد: يشترط في حديث الآحاد للاحتجاج به أن تتوفر فيه تسعة شروط (١) تتعلق بأمور ثلاثة: * الأول: الراوي، ويشترط فيه أربعة شروط. الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط ولا يشترط غير ذلك. ف لا يشترط في الراوي أن يكون فقيهًا (٢) لقوله ﷺ : «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» (٣) . * الثاني: السند، ويشترط فيه ثلاثة شروط: الاتصال وعدم الانقطاع، وعدم الشذوذ، وعدم العلة. ? الثالث: المتن، ويشترط فيه شرطان: عدم الشذوذ، وعدم العلة. الأمر الرابع: هل يفيد خبر الواحد العلم أو الظن؟ والمراد بهذا السؤال معرفة مدى مطابقة خبر الواحد للواقع، فهل يُقطع ويجزم بصدقه، أو أن صدق خبر الواحد أمر ظني فيحتمل الخطأ أو الكذب ولو بنسبة قليلة؟ أما حجية خبر الواحد فقد تقدم أنها أمر قاطع وثابت، وذلك معلوم بأدلة قاطعة (٤) . ولعل الإجابة على السؤال المقصود تتضح في ثلاثة فروع: الفرع الأول: أقوال الناس في هذه المسألة.

стр. 138

الفرع الثاني: مذهب أهل السنة في هذه المسألة. الفرع الثالث: الفرق بين مذهب أهل السنة ومذهب من وافقهم من أهل الكلام. * الفرع الأول: الناس في إفادة خبر الواحد العلم أو الظن طرفان (١) : طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يميز بين الصحيح والضعيف، فيشك في صحة أحاديث أو في القطع بها مع كونها معلومة مقطوعًا بها عند أهل العلم بالحديث. والطرف الثاني ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به، فيجعل كل حديث وكل لفظ روي بإسناد ظاهره الصحة مقطوعًا به من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، فيؤدي به ذلك إلى معارضة الحديث الصحيح والتماس التأويلات المتكلفة للجمع بينها أو أن يستدل به في مسائل علمية، مع أن أهل الحديث يعرفون غلط هذا الصنيع. والصواب في هذه المسألة التفصيل، وترك الإجمال. فيقال: إن خبر الواحد قد يفيد العلم وذلك إذا احتفت به القرائن، وقد يفيد الظن وذلك إذا تجرد عن القرائن، وهذا ما ذهب إليه الإمام الشافعي، والخطيب البغدادي، وابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم، والأمين الشنقيطي (٢) . * الفرع الثاني: مذهب أهل السنة في هذه المسألة يمكن بيانه في أربع قواعد: القاعدة الأولى: أن خبر الواحد إذا احتفت به القرائن أفاد العلم القاطع (٣) ،

стр. 139

وهذا ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وجمهور الأمة (١) . قال ابن تيمية: "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملاً به أنه يوجب العلم. وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك؛ ولكن كثيرًا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك" (٢) . القاعدة الثانية: أن خبر الواحد إذا تجرد عن القرائن (٣) ولم يتصل به ما يدل على إفادته العلم، لا يحصل به اليقين ولا يفيد العلم باتفاق، وهذا أمر لا نزاع فيه (٤) ، إذ أن الخبر قد تحتف به قرائن تدل على كذبه، وقد تحتف به تارة أخرى قرائن تدل على صدقه، وقد يتجرد تارة ثالثة عن جميع القرائن فيبقى محتملاً للصدق وللكذب. قال ابن القيم: "خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه، فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه، وتارة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنيًا، وتارة يتوقف فيه فلا يترجح صدقه ولا كذبه إذا لم يقم دليل أحدهما، وتارة يترجح صدقه ولا يجزم به، وتارة يجزم بصدقه جزمًا لا يبقى معه شك، فليس خبر كل واحد يفيد العلم ولا الظن" (٥) . فتبين بذلك أن الحديث المقبول إما أن يترجح صدقه، وهذا معنى كونه

стр. 140

مفيدًا للظن، وإما أن يُجزم بصدقه، وهذا معنى كونه مفيدًا للعلم. وهذا إنما يعرف بالقرائن. القاعدة الثالثة: القرائن نسبية، فما هو قرينة عند شخص قد لا يكون قرينة عند غيره، ورب قرينة أفادت القطع واليقين عند شخص، ولم تفد سوى الظن عند غيره، وهكذا ... فالقرائن تختلف بحسب حال المخبر، وحال المخبر عنه، وحال الخبر، وحال السامع الذي هو المخبر (١) . قال ابن القيم: "وأما المقام السابع: وهو أن كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبي، يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل في نفسه، فهذا أمر لا ينازع فيه عاقل، فقد يكون قطعيًا عند زيد ما هو ظني عند عمرو" (٢) . ومن الأمثلة على اختلاف القرائن: أن الحديث المقبول ليس على درجة واحدة، بل إنه متفاوت. فمنه الحديث الصحيح: الذي تواتر لفظه أو تواتر معناه. ومنه ما تلقاه المسلمون بالقبول: فعملوا به، فكانت الأمة مجمعة على التصديق والعمل بموجبه، والأمة لا تجتمع على ضلالة. ومنه الحديث الصحيح: الذي تلقاه بالقبول أهل العلم بالحديث، كجمهور أحاديث الصحيحين. ومنه ما قد يسمى صحيحًا: لتصحيح بعض المحدثين له، وقد يخالفهم غيرهم في تصحيحهم، فيقولون: هو ضعيف ليس بصحيح. ومنه ما قد يسمى بالحسن: وهو دون الصحيح الذي عرفت عدالة ناقليه وضبطهم (٣) . قال ابن تيمية: "ومثل هذا من موارد الاجتهاد في تصحيح الحديث،

стр. 141

كموارد الاجتهاد في الأحكام، وأما ما اتفق العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه العلماء في الأحكام" (١) . القاعدة الرابعة: لا شك أن المعتبر في هذه القرائن المختصة بأحاديث النبي ﷺ هو ما يذكره أهل الحديث فهم أهل الاختصاص والشأن، أما أهل الكلام وأتباعهم فإنهم غاية في قلة المعرفة بالحديث؛ فلا يحصل لهم –بسبب ذلك– العلم بأحاديث النبي ﷺ فإنكار أهل الكلام لما علمه وقطع به أهل الحديث (٢) أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة الأربعة عند أتباعهم (٣) . * الفرع الثالث: الفرق بين مذهب هؤلاء الأئمة وغيرهم من أئمة السلف ومذهب من ذهب من أهل الكلام إلى أن خبر الواحد يفيد الظن يمكن تلخيصه في الأمور الآتية: ١- أن أهل السنة يثبتون بخبر الواحد الصحيح صفات الرب تعالى والعقائد الأخرى دون نظر إلى قضية القطع والظن. قال ابن القيم: "المقام الخامس أن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها؛ كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها، فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؟

стр. 142

وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة" (١) . ٢- أن أهل السنة يعملون بخبر الواحد في جميع المسائل دون النظر إلى قضية القطع والظن، فخبر الآحاد الثابت حجة مطلقة يجب العمل بها دون قيد أو شرط (٢) . ٣- أن خبر الواحد عند أهل السنة أصل مستقل بذاته، ولا يكون مخالفًا للقياس أو لشيء من الأصول، فلا يتصور عندهم تقديم القياس على خبر الواحد (٣) . قال ابن تيمية: "فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس علمنا قطعًا أنه قياس فاسد" (٤) . ٤- أن خبر الواحد عند أهل السنة يحصل به العلم إذا احتفت به القرائن، ولا يمنع من ذلك كونه من الأدلة السمعية؛ بل إن حصول العلم بالأدلة السمعية أكثر وأقوى من حصوله بالأدلة العقلية (٥) . ٥- أن أهل السنة هم أهل الحديث وهم أعلم الناس بالقرائن التي تحتف بخبر الواحد، أما أهل الكلام فهم من أبعد الناس عن الحديث وعن القرائن المحيطة به؛ لذلك ذهب بعض المتكلمين (٦) إلى القول بنفي القرائن مطلقًا وعدم اعتبارها، وهم بذلك يخبرون عن حالهم وواقعهم. قال ابن القيم: "وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله ﷺ قال هذه الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة، وعلمهم بذلك ضروري؛ لم

стр. 143

يكن قول من لا عناية له بالسنة والحديث: (إن (١) هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم) ، مقبولاً عليهم، فإنهم يدعون العلم الضروري. وخصومهم إما أن ينكروا حصوله لأنفسهم أو لأهل الحديث فإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث كانوا مكابرين لهم على ما يعلمونه من نفوسهم بمنزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه وخوفه وحبه" (٢) . ****

стр. 144

المبحث الثالث: الإجماع وفي هذا المبحث ست مسائل: المسألة الأولى: تعريف الإجماع. المسألة الثانية: أقسام الإجماع. المسألة الثالثة: حجية الإجماع. المسألة الرابعة: أهل الإجماع. المسألة الخامسة: مستند الإجماع. المسألة السادسة: الأحكام المترتبة على الإجماع.

стр. 145

المسألة الأولى: تعريف الإجماع الإجماع لغة: يطلق على العزم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] . ويطلق على الاتفاق، ومنه قولهم: أجمع القوم على كذا؛ أي: اتفقوا عليه (١) . وعند الأصوليين: "اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور من أمة محمد ﷺ بعد وفاته على أمر ديني" (٢) . وقد اشتمل هذا التعريف على خمسة قيود: الأول: أن يصدر الاتفاق عن كل العلماء المجتهدين، فلا يصح اتفاق بعض المجتهدين، وكذلك اتفاق غير المجتهدين كالعامة ومن لم تكتمل فيه شروط الاجتهاد، كما سيأتي. الثاني: المراد بالمجتهدين من كان موجودًا منهم دون من مات أو لم يولد بعد، وهذا هو المقصود بقيد "عصر من العصور" كما سيأتي الكلام على ذلك وعلى شرط انقراض العصر أيضًا (٣) . الثالث: لا بد أن يكون المجمعون من المسلمين، ولا عبرة بإجماع الأمم الأخرى غير المسلمة (٤) . الرابع: الإجماع إنما يكون حجة بعد وفاته ﷺ ، ولا يقع في حياته (٥) . الخامس: أن تكون المسألة المجمع عليها من الأمور الدينية، ويخرج بذلك الأمور الدنيوية والعقلية وغيرها (٦) .
следующие страницы →