← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١- معنى القطع والظن (١) : القطع: بمعنى الجزم، والعلم، واليقين. وهو: اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا مطابقًا للواقع. والظن: خلاف اليقين، وقد يستعمل بمعنى اليقين. وهو: الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض. ٢- العمل بالظن نوعان (٢) : اتباع الظن قد يكون مذمومًا، وقد يكون حسنًا. ذلك أن اتباع الظن المجرد الخالي عن العلم هو الذي ورد في القرآن الكريم ذمه، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] ، ﴿إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] ، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] ، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩] ، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، ففي هذه الآيات ذم لمن عمل بغير علم وعمل بالظن. أما اتباع الظن المستند إلى علم فإنه لا يدخل في الظن المذموم في الآيات السابقة. إذ إن اتباع الظن المستند إلى علم اتباع للعلم لا للظن؛ لأن ترجيح ظن على ظن لا بد له من دليل، فيكون ترجيحه مستندًا إلى علم ودليل، فاتباعه لهذا الظن الراجح اتباع لما عُلم رجحانه فيكون متبعًا للعلم لا للظن وهو اتباع

стр. 72

الأحسن، لأنه إذا كان أحد الدليلين هو الراجح فاتباعه هو الأحسن وهذا معلوم. قال تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] ، وقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] ، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] . ٣- العمل بالعلم نوعان (١) : الواجب على المجتهدين العمل بالعلم، لكن هذا العلم إما ألا يحتمل النقيض، وهذا فيما إذا كان الدليل المتبع دليلاً قاطعًا، فهذا عمل باعتقاد الرجحان، لا برجحان الاعتقاد، وهو اعتقاد رجحان هذا على هذا. وإما أن يحتمل النقيض، وهو أن يكون الدليل المتبع خلاف الثابت في نفس الأمر، وهذا فيما إذا كان الدليل المتبع ظنيًا، لكن عمل به لكونه استند إلى دليل أفاد ترجيحه. والمقصود أن الذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس وما يوجد في جميع العلوم والصناعات، كالطب والتجارة، العمل بالعلم، فلا يعملون إلا بالعلم بأن هذا أرجح من هذا، فيعتقدون الرجحان اعتقادًا عمليًا، لكن لا يلزم إذ كان أرجح ألا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر. وذلك مثل الحكم بالبينة، فإذا أتى أحد الخصمين بحجة ولم يأت الآخر بشيء، كان الحاكم عالمًا بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم، مع أن الآخر قد تكون له حجة لا يعلمها أو لا يحسن أن يبينها، فيكون مضيعًا لحقه حيث لم يبين حجته، والحاكم لم يحكم إلا بعلم وعدل. وهكذا أدلة الأحكام فإذا تعارض خبران قدم الأقوى منهما، وإن جاز أن يكون في نفس الأمر الخبر المرجوح هو الحق، لكونه هو الأقوى في الحقيقة إلا أن المجتهد لم يعلم بذلك، فالمجتهد إنما عمل بعلم، وهو علمه برجحان هذا على هذا، فهو إذن ليس ممن لا يتبع إلا الظن. وليس للمجتهد أن يترك ما يعلمه إلى ما لا يعلمه لإمكان ثبوته في نفس

стр. 73

الأمر، فإذا كان لابد من ترجيح أحد القولين وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته، وإن لم يعلم انتفاءه من جهته، والواجب قطعًا ترجيح المعلوم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته، فهذا من رجحان الاعتقاد لا من اعتقاد الرجحان، إذ أنه رجح هذا الاعتقاد على هذا الاعتقاد وهو الظن لكن ليس من الظن الذي قال الله فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] ، بل هو ظن راجح، ورجحانه معلوم، فحكم المجتهد بما علمه من الظن الراجح والدليل الراجح، وهذا معلوم له لا مظنون عنده. قال ابن تيمية: "فقد تبين أن الظن له أدلة تقتضيه، وأن العالم إنما يعمل بما يوجب العلم بالرجحان لا بنفس الظن إلا إذا علم رجحانه. وأما الظن الذي لا يعلم رجحانه فلا يجوز اتباعه، وذلك هو الذي ذم الله به من قال فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] ، فهم لا يتبعون إلا الظن، ليس عندهم علم، ولو كانوا عالمين بأنه ظن راجح لكانوا قد اتبعوا علمًا لم يكونوا ممن لا يتبع (١) إلا الظن. والله أعلم (٢) . ٤- القطع والظن من الأمور النسبية (٣) : كون الشيء قطعيًا أو ظنيًا أمر إضافي، فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو النقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعًا ولا ظنًا، وقد يحصل القطع لإنسانٍ، ولا يحصل لغيره سوى الظن. وإنما اختلف الناس في ذلك بسبب اختلافهم في الاطلاع على الأدلة، والقدرة على الاستدلال، وتفاوتهم في الذكاء وقوة الذهن وسرعة الإدراك. قال ابن تيمية: "وقد تبين أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم، واتبعوا العلم، وأن الفقه من أجل العلوم، وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن، لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر.

стр. 74

إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر. وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] (١) . ٥- انقسام الأدلة الشرعية إلى قطعية وظنية (٢) : الأدلة الشرعية منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظني: فالدليل القطعي: ما كان قطعي السند والثبوت، وقطعي الدلالة أيضًا. وحكم هذا النوع من الأدلة وجوب اعتقاد موجبه علمًا وعملاً، وأنه لا يسوغ فيه الاختلاف، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة (٣) . قال الإمام الشافعي: "أما ما كان نص كتاب بين، أو سنة مجتمع عليها، فالعذر فيها مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منها، ومن امتنع من قبوله اسُتتيب" (٤) . وقال أيضًا: "كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصًا بينًا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه" (٥) . فقوله: (لمن علمه) يفيد أن الخلاف في هذا النوع يمكن أن يقع من جهة تحقيق المناط. يوضح ذلك ما قاله ابن تيمية: "وإنما قد يختلفون في بعض الأخبار هل هو قطعي السند أو ليس بقطعي؟ وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي؟ " (٦) . وقال أيضًا: "....... وكل من كان بالأخبار أعلم قد يقطع بصدق أخبار لا يقطع بصدقها من ليس مثله. وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث هل هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ظاهرًا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أو لا؟ وهذا أيضًا باب واسع، فقد يقطع قوم من العلماء

стр. 75

بدلالة أحاديث لا يقطع بها غيرهم، إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى، أو لعلمهم بأن المعنى الآخر يمنع حمل الحديث عليه، أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع" (١) . أما النوع الثاني وهو الدليل الظني: فهو ما كانت دلالته ظاهرة غير قطعية، أو كان ثبوته غير قطعي. وحكم هذا النوع: وجوب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين، أما إن تضمن حكمًا علميًا عقديًا، فمذهب السلف أنه لا فرق بين الأمور العلمية والعملية وأن العقائد تثبت بالأدلة الظنية (٢) . قال ابن تيمية: "وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد. فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل، ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة. وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم. وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي تثبت بالأدلة الظاهرة تارة، وبالأدلة القطعية تارة أخرى. ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا، وأوعد فاعله بالعقوبة المجملة، واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة من حيث إن كلاً منهما إخبار عن الله، فكما جاز الإخبار عنه بالأول بمطلق الدليل فكذلك الإخبار عنه بالثاني، بل لو قال قائل: العمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحًا، ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب ما لا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام؛ لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك، فإن كان ذلك الوعيد حقًا كان الإنسان قد نجا، وإن لم يكن الوعيد حقًا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك

стр. 76

الوعيد لم يضر الإنسان إذا ترك ذلك الفعل خطؤه في اعتقاده زيادة العقوبة" (١) . وقال الشافعي: "فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه، فيكون الخبر محتملاً للتأويل، وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين، حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصًا منه، كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول" (٢) . ٦- إفادة نصوص الكتاب والسنة القطع (٣) : نصوص الكتاب والسنة تفيد القطع، والمراد من إفادتها القطع: أ- أن حصول العلم والقطع بها ممكن. ب- أن العلم بها لا يحصل لكل أحد. جـ- أن العلم بها إنما يحصل لمن اجتهد واستدل لا للمقلدين. د- أن العلم بها يحصل في غالب الأحكام، وأن الظن فيها إنما هو قليل جدًا ولبعض المجتهدين، وذلك غالبًا ما يكون في مسائل الاجتهاد والنزاع، أما مسائل الإيمان والإجماع فالعلم فيها أكثر قطعًا. ٧- بطلان القول بأن نصوص الكتاب والسنة لا تفيد اليقين: إذا علم ما سبق فإن القول بأن نصوص الكتاب والسنة أدلة لفظية لا يحصل بها اليقين قول باطل. وقبل ذكر الأدلة على بطلان هذا القول نشير إلى خطورته: ذلك أن المتكلمين (٤) قالوا: إن الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة: عصمة رواة تلك الألفاظ، وإعرابها وتصريفها، وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة، وعدم الإضمار، والتقديم والتأخير، والنسخ، وعدم المعارض العقلي.

стр. 77

هذا القول طاغوت من الطواغيت التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين، وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان. فأسقطت حرمة النصوص من القلوب، ونهجت طريق الطعن فيها لكل زنديق وملحد، فلا يحتج عليه المحتج بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، إلا لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت واعتصم به، واتخذه جنة يصد به عن سبيل الله (١) . ومما يوضح بطلان هذا القول ويكسر هذا الطاغوت: أ- أن جميع الاحتمالات التي ذكروها ترجع إلى أمر واحد، وهو احتمال اللفظ لمعنى آخر غير ما يظهر من الكلام. ولا خلاف أن غالب ألفاظ النصوص لها ظواهر، هي موضوعة لها ومفهومة عند الإطلاق منها. أما كون ذلك الظاهر يحتمل خلافه فهذا قد يقع بهذه الاحتمالات العشرة وبغيرها من القرائن التي يتفاوت الناس في الاطلاع عليها وفي فهمها، فهذا من لوازم الطبيعة الإنسانية، لكنه قليل جدًا بالإضافة إلى ما تيقنه الصحابة من مراد الرسول ﷺ بألفاظه، فلا يجوز أن يُدعي لأجله أن كلام الله ورسوله ﷺ لا يفيد اليقين بمراد، وأنه لا سبيل إلى اقتباس العلم واليقين منه (٢) . ب- أن الصحابة ﵃ كانوا يعلمون أحوال النبي ﷺ بالاضطرار وكانوا لا يتوقفون على هذه الأمور العشرة في حصول اليقين لهم بمراد الرسول ﷺ ، فإنهم جازمون متيقنون لمراد الله ورسوله ﷺ يقينًا لا ريب فيه، فكيف يقال مع ذلك لا يحصل اليقين بكلام الله ورسوله ﷺ ، بل كان التابعون وتابعوهم أيضًا ومن بعدهم كذلك (٣) . جـ- أن قولهم: إن كلام الله ورسوله ﷺ لا يستفاد منه اليقين، إما أن يراد به نفي اليقين في باب الأسماء والصفات، وباب المعاد، وباب الأمر والنهي، أو في بعضها دون بعض. فإن قالوا: إنها لا تفيد اليقين لا في باب الأسماء والصفات، ولا في المعاد،

стр. 78

ولا في الأمر والنهي، فقد انسلخوا من الإيمان والعقل انسلاخًا تامًا، وهذا قدح في النبوات والشرائع، بل قدح في العقل الصحيح. وإن فرقوا وقالوا: إن اليقين يحصل في كلام الله ورسوله ﷺ في باب المعاد، والأمر والنهي، دون باب الخبر عن الله وصفاته. فجوابهم ما يجيبون به من قال: إن اليقين لا يحصل حتى في باب المعاد (١) . د- أن دلالة الأدلة اللفظية لا تختص بالقرآن والسنة، بل جميع بني آدم يدل بعضهم بعضًا بالأدلة اللفظية، فالنطق ذاتي، والإنسان مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده، فلا بد أن يعرف بعضهم مراد بعض ليحصل التعاون. وهذا التفاهم والتعاون أمر ضروري لابد منه في حياة بني آدم، ثم إننا نعلم قطعًا أن جميع الأمم يعرف بعضها مراد بعض ويقطع به بلفظه. وكذلك فإن معرفة الناس لمراد بعضهم بواسطة الكلام أعظم من المعرفة بواسطة العلوم العقلية. بل إن العلوم العقلية لا يعرفها كل أحد، بخلاف الكلام الذي يعرف به كل أحد مراد غيره. وكذلك فإن التعريف بالأدلة اللفظية أصل للتعريف بالأدلة العقلية، فمن لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول الألفاظ لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول الأدلة العقلية، وحينئذٍ فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بالأدلة العقلية، فلا يحصل العلم إذن (٢) . ٨- بطلان القول بأن الفقه كله أو أكثره ظنون: القول بأن الفقه أكثره ظنون، قول باطل، بل الصواب أن الفقه أكثره قطعي، والقليل منه ظني، وبيان ذلك من وجوه (٣) : أ- أن جمهور مسائل الفقه التي يحتاج إليها الناس ويفتون بها ثابتة بالنص أو الإجماع، وإنما يقع الظن والنزاع في قليل مما يحتاج إليه الناس، بل كثير من المسائل المختلف فيها إما قليلة الوقوع أو مقدرة.

стр. 79

ب- أن ما يعلم من الدين بالضرورة وهو مما اتفق عليه جزء من الفقه، وإخراجه من الفقه قول لم يعلم عن أحد المتقدمين، بل جميع الفقهاء يذكرون في كتب الفقه وجوب الصلاة، والزكاة، والحج، واستقبال القبلة، ووجوب الوضوء، والغسل من الجنابة، وتحريم الخمر والفواحش. كما أن كون الشيء معلومًا من الدين بالضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام قد لا يعلم شرائع الدين فضلاً عن كونه يعلمه بالضرورة، وكثير من العلماء يعلم بالضرورة مسائل لا يعلمها الناس ألبتة. جـ- أن الفقه لا يكون فقهًا إلا من المجتهد المستدل، الذي يعلم أن هذا الدليل أرجح، وأن هذا الظن أرجح، فالفقه هو علمه برجحان هذا الدليل وهذا الظن، وهذا الفقه الذي يختص به الفقيه علم قطعي لا ظني، فبذلك يكون المقلد للأئمة لا علم عنده، فيكون اعتقاد المقلد ليس بفقه. ٩- العوامل التي ساعدت على انتشار القول بأن الفقه أكثره ظنون: مما يوضح بطلان هذا القول ذكر بعض العوامل التي ساعدت على انتشاره وشيوعه، فمن هذه العوامل (١) : أ- انتشار التقليد فأصبح غالب المتفقهة أكثر ما لديهم ظن أو تقليد، إذ ينقل أحدهم مذهب إمامه ودليله بحروفه، فالعالم والإمام يكون لديه دليل يفيد القطع، وليس عند هؤلاء ذلك الدليل مفيدًا للقطع لكونهم مقلدين. فاستطال المتكلمون لما رأوا كثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى حتى أخرجوا الفقه من أصل العلم. ب- تجريد مسائل النزاع وتأليف كتب خاصة في مسائل الخلاف، فاقتصر من صنف في هذا الباب على ما اختلف فيه الأئمة. واشتهار أصحاب هذه التصانيف بعلم الفقه كان من الشبهة التي أوجبت للمتكلمين القول بأن الفقه من باب الظنون. جـ- انتشار البدع، وتغير أمور الإسلام، وضعف الخلافة الإسلامية،

стр. 80

فظهر حينئذٍ مذاهب المبتدعة وأصحاب الأهواء، فكثر اتباع الظن وما تهوي الأنفس، وصار الفقه يطلب لغير وجه الله. د- أن المتكلمين بنوا هذه المقالة على أصل فاسد، وهو: أنه ليس لله في الأحكام حكم معين، بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده، فكل مجتهد مصيب عندهم في الفروع، أما أصول الدين فالمصيب عندهم فيه واحد، فهم يعظمون علم الكلام ويسمونه أصول الدين، ويجعلون مسائله قطعية، وفي المقابل يوهنون أمر الفقه حتى يجعلوه من باب الظنون. هـ- ما حصل من اختلاف بين الأئمة الأعلام لسبب من الأسباب الموجبة للخلاف، كعدم سماع الحديث، أو عدم ثبوته، أو الاختلاف في الفهم والاستدلال، فقد يحصل لبعضهم القطع بأمر والآخر يجهله، أو يفهم خلافه. فنتج عن هذا الاختلاف -مع كونه اختلافًا سائغًا- تقليد بلا علم، واشتباهُ ما يمكن علمُه وما هو معلوم لفقهاء الدين بغيره. ١٠- بيان أن الأدلة الظنية متفاوتة فيما بينها (١) : الذي عليه السلف والأئمة الأربعة والجمهور: أن الأدلة الظنية تتفاوت، وأن بعضها أقوى من بعض، وأن الأقوى عليه أدلة. فعلى المجتهد أن يطلب الدليل الأقوى وأن يعمل به، وإذا كان في الباطن ما هو أقوى منه فهو مخطئ معذور، وله أجر على اجتهاده وعمله بما ظهر له رجحانه، وذلك الباطن هو الحكم، لكن بشرط القدرة على معرفته، أما مع العجز عن معرفته بعد بذل الجهد فإن مخالفه لا يؤاخذ، وخطؤه مغفور له. قال الشافعي: "قل ما اختلفوا فيه إلا وجدنا فيه عندنا دلالة من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو قياسًا عليهما، أو على واحد منهما" (٢) .

стр. 81

١١- هل يكفي في مسائل أصول الدين الظن ؟: قال ابن تيمية في الجواب على سؤال، نصه: هل يكفي في ذلك (أي: مسائل أصول الدين) ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن، أو لا بد من الوصول إلى القطع؟ قال ﵀: "الصواب في ذلك التفصيل........... فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك، كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] ، وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] ، وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به. وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد، كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقوله ﵇: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ، أخرجاه في الصحيحين (١) . فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند كثير من الناس مشتبهًا، لا يقدر فيه على دليل يفيد اليقين، لا شرعي ولا غيره؛ لم يجب على مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه، من اعتقاد قول غالب على ظنه لعجزه عن اليقين بل ذلك هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقًا للحق، فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه، ويثاب عليه ويسقط به الفرض؛ إذا لم يقدر على أكثر منه. لكن ينبغي أن يُعرف أن عامة من ضل في هذا الباب، أو عجز فيه عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا......... فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلاً، أو

стр. 82

لتعديه حدود الله بسلوك السبيل التي نُهي عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد. بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، الذي يطلب الحق باجتهاده، كما أمره الله ورسوله، فهذا مغفور له خطؤه......" (١) .

стр. 83

المبحث الثالث: الأدلة الشرعية من حيث النقل والعقل وفي هذا المبحث النقاط الآتية: ١- انقسام الأدلة الشرعية إلى نقلية وعقلية. ٢- السمع أصل لجميع الأدلة. ٣- بيان موافقة المعقول للمنقول. ٤- مكانة العقل عند أهل السنة.

стр. 84

١- انقسام الأدلة الشرعية إلى نقلية وعقلية: الدليل إما أن يكون شرعيًا، أو غير شرعي (١) . فالدليل (٢) الشرعي (٣) : هو ما أمر به الشرع، أو دل عليه، أو أذن فيه. وبذلك يعلم أن الدليل الشرعي على أقسام ثلاثة: الأول: ما أثبته الشرع وجاء به مما لا يعلم إلا بطريق السمع والنقل، ولا يعلم بطريق العقل، فهذا دليل شرعي سمعي. وذلك كالخبر عن الملائكة والعرش، وتفاصيل أمور العقيدة، وتفاصيل الأوامر والنواهي، فهذا لا سبيل إلى معرفته بغير خبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الثاني: ما دل عليه الشرع ونبه عليه، وأرشد فيه إلى الأدلة العقلية والأمثلة المضروبة، فهذا دليل شرعي عقلي. وذلك مثل إثبات التوحيد ونفي الشرك، وإثبات النبوة، والبعث، وسيأتي بيان الأمثلة على ذلك (٤) . الثالث: ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل تحت هذا ما أخبر به الصادق ﷺ ، وما دل عليه القرآن ونبه عليه، وما دلت عليه الموجودات وعرف بالتجربة؛ وهذا مثل الأمور الدنيوية، كالطب والحساب، والفلاحة والتجارة. إذا علم ذلك فإن الدليل الشرعي يتصف بالآتي (٥) :

стр. 85

أ- أنه لا يكون إلا حقًا، إذ كونه شرعيًا صفة مدح. ب- أنه يقدم على غيره، فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليل غير شرعي، فإن شرعة الله مقدمة على غير شرعته. جـ- أن الدليل الشرعي قد يكون سمعيًا، وقد يكون عقليًا. د- أن الدليل الشرعي يقابله الدليل غير الشرعي، أو الدليل البدعي، وكونه بدعيًا صفة ذم، ولا يقابل الدليل الشرعي بكونه عقليًا. وإذا علم ذلك فالواجب معرفة الأدلة الشرعية ما يدخل فيها وما لا يدخل، فبعض الناس يدخل في الأدلة الشرعية ما ليس منها، وبعضهم يخرج منها ما هو داخل فيها (١) . ٢- السمع أصل لجميع الأدلة: الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله ﷺ هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا. إذ هو الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال، وهو طريق السعادة والنجاة، فهو الحق الذي يجب اتباعه. وما سواه من كلام الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل (٢) . ذلك أن لفظ العقل والسمع صار من الألفاظ المجملة، فكل من وضع شيئًا برأيه سماه عقليات، والآخر يبين خطأه فيما قاله ويدعي أنه العقل، ويذكر أشياء أخرى تكون أيضًا خطأً. وهذا نظير من يحتج في السمع بأحاديث ضعيفة، أو موضوعة، أو ثابتة لكن لا تدل على مطلوبه، فلا بد إذن من معرفة صريح العقل وصحيح النقل (٣) .

стр. 86

٣- بيان موافقة المعقول للمنقول: وذلك من وجوه (١) : أ- أن الدليل العقلي لا يمكن أن يستدل به على باطل أبدًا: وبيان ذلك أن الحجج السمعية مطابقة للمعقول، والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح؛ بل هما أخوان نصيران وصل الله بينهما وقرن أحدهما بصاحبه، وأقام بهما حجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلاً. فالكتاب المنزل والعقل المدرك؛ حجة الله على خلقه (٢) . ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا قال أحد منهم: قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلاً عن أن يقول: فيجب تقديم العقل على النقل (٣) . فالمقصود أن السلف كانوا متفقين جميعًا على (٤) : - أن العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح. - أن العقل الصريح موافق للنقل الصحيح. - أن العقل المعارض للنقل الصحيح باطل ولا يكون صحيحًا. ب- أن العلوم ثلاثة أقسام (٥) : منها ما لا يعلم إلا بالأدلة العقلية، وذلك كثبوت النبوة وصدق الخبر، وأحسن هذه الأدلة ما بينه القرآن وأرشد إليه. ومنها ما لا يعلم إلا بالأدلة السمعية، وذلك كتفاصيل الأمور الإلهية وتفاصيل العبادات، وذلك إنما يكون بطريق خبر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- المجرد.

стр. 87

ومنها ما يعلم بالسمع والعقل، وذلك مثل كون رؤية الله ممكنة أو ممتنعة. جـ- أن ما جاء به السمع لا يخلو من أمرين (١) : إما أن يدركه العقل، فلا بد والحالة كذلك أن يحكم بجوازه وصحته، وإما ألا يدركه العقل فيعجز عن الحكم عليه بنفي أو إثبات، فيبقى العقل حائرًا، والواجب عليه والحالة كذلك التسليم لما جاء به السمع. د- أن ما يدركه العقل لا يخلو من أمرين (٢) : إما أن يثبته السمع ويدل عليه، وإما أن يأذن فيه ويسكت عنه، وبذلك يعلم أن السمع والعقل لا يتعارضان أبدًا. ٤- مكانة العقل عند أهل السنة: للعقل عند أهل السنة مكانته اللائقة به، وهم في ذلك وسط بين طرفين (٣) . الطرف الأول: من جعل العقل أصلاً كليًا أوليًا، يستغني بنفسه عن الشرع. الطرف الثاني: من أعرض عن العقل، وذمه وعابه، وخالف صريحه، وقدح في الدلائل العقلية مطلقًا. والوسط في ذلك: أ- أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، لذلك كان سلامة العقل شرطًا في التكليف فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، وقد أمر الله باستماع القرآن وتدبره بالعقول ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] ، و [محمد: ٢٤] ، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] . فالعقل هو المدرك لحجة الله على خلقه (٤) .

стр. 88

ب- أن العقل لا يستقل بنفسه، بل هو محتاج إلى الشرع الذي عرفناه ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبدًا، إذ العقل غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها (١) . جـ- أن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به دال على صدق الرسول ﷺ دلالة عامة مطلقة، فالعقل مع الشرع كالعامي مع المفتي، فإن العامي إذا علم عين المفتي ودل غيره عليه وبين له أنه عالم مفتٍ، ثم اختلف العامي الدال والمفتي، وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي، فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ فإذا قدمت قوله على قولي عند التعارض، قدحت في الأصل الذي به علمت أنه مفتٍ، قال له المستفتي: أنت لما شهدت بأنه مفتٍ ودللت على ذلك، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، وموافقتي لك في قولك إنه مفتٍ، لا يستلزم أن أوافقك في جميع أقوالك، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ. هذا مع أن المفتي يجوز عليه الخطأ، أما الرسول ﷺ فإنه معصوم في خبره عن الله تعالى لا يجوز عليه الخطأ، فتقديم قول المعصوم على ما يخالفه من استدلال عقلي، أولى من تقديم العامي قول المفتي على قول الذي يخالفه. وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله ﷺ ، وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه (٢) . د- أن الشرع دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها (٣) . وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه، التي قال فيها: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] ، فإن الأمثال المضروبة هي

стр. 89

الأقيسة العقلية، فمن ذلك إثبات التوحيد بقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] ، وإثبات النبوة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] ، وإثبات البعث بقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] . والناس في الأدلة العقلية التي بينها القرآن وأرشد إليها الرسول ﷺ على طرفين (١) : فمنهم من يذهل عن هذه الأدلة ويقدح في الأدلة العقلية مطلقًا؛ لأنه قد صار في ذهنه أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه المتكلمون. ومنهم من يعرض عن تدبر القرآن وطلب الدلائل اليقينية العقلية منه؛ لأنه قد صار في ذهنه أن القرآن إنما يدل بطريق الخبر فقط. والذي عليه أهل العلم والإيمان (٢) : أن الأدلة العقلية التي بينها الله ورسوله ﷺ أجل الأدلة العقلية وأكملها وأفضلها. هـ- أن العقل لا يمكن أن يعارض الكتاب والسنة، فالعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبدًا، فلا يصح أن يقال: إن العقل يخالف النقل، ومن ادعى ذلك فلا يخلو من أمور (٣) : أولها: أن ما ظنه معقولاً ليس معقولاً، بل هو شبهات توهم أنه عقل صريح وليس كذلك. ثانيها: أن ما ظنه سمعًا ليس سمعًا صحيحًا مقبولاً، إما لعدم صحة نسبته، أو لعدم فهم المراد منه على الوجه الصحيح. ثالثها: أنه لم يفرق بين ما يحيله العقل وما لا يدركه، فإن الشرع يأتي بما يعجز العقل عن إدراكه، لكنه لا يأتي بما يعلم العقل امتناعه.

стр. 90

الفصل الثاني: الأدلة المتفق عليها وفي هذا الفصل أربعة مباحث: المبحث الأول: الكتاب. المبحث الثاني: السنة. المبحث الثالث: الإجماع. المبحث الرابع: القياس.

стр. 91

المبحث الأول: الكتاب وفي هذا المبحث خمس مسائل: المسألة الأولى: تعريف الكتاب. المسألة الثانية: هل في القرآن لفظ غير عربي؟ المسألة الثالثة: المحكم والمتشابه في القرآن الكريم. المسألة الرابعة: حكم العمل بالقراءة الشاذة. المسألة الخامسة: هل في القرآن مجاز؟

стр. 92

المسألة الأولى: تعريف الكتاب الكتاب هو القرآن (١) ، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ، ويمكن تعريف الكتاب بأنه: (كلام الله المنزل على محمد ﷺ ، المعجز بنفسه، المتعبد بتلاوته) (٢) . وقد جمع هذا التعريف أربعة قيود: * القيد الأول: أن القرآن كلام الله حقيقة، وهو اللفظ والمعنى جميعًا (٣) ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] ، قال ابن تيمية: "والقرآن هو القرآن الذي يعلم المسلمون أنه القرآن حروفه ومعانيه، والأمر والنهي هو اللفظ والمعنى جميعًا، ولهذا كان الفقهاء المصنفون في أصول الفقه من جميع الطوائف - الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية - إذا لم يخرجوا عن مذاهب الأئمة والفقهاء إذا تكلموا في الأمر والنهي ذكروا ذلك وخالفوا من قال: إن الأمر هو المعنى المجرد" (٤) . * القيد الثاني: أنه منزل من عند الله، نزل به جبريل ﵇ على محمد رسول الله ﷺ ليكون من المنذرين (٥) ، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] ، وتقييد الكلام بكونه

стр. 93

منزلاً ليس المقصود منه إثبات الكلام النفسي والاحتراز عنه كما ذهب الأشاعرة إلى ذلك (١) . * القيد الثالث: كونه معجزًا، ويخرج بذلك الأحاديث القدسية؛ إذ القرآن معجز في لفظه ونظمه ومعناه (٢) . * القيد الرابع: كونه متعبدًا بتلاوته، ويخرج بذلك الآيات المنسوخة اللفظ، سواء بقي حكمها أم لا، لأنها صارت بعد النسخ غير قرآن؛ لسقوط التعبد بتلاوتها فلا تعطي حكم القرآن (٣) . وقد جمع هذه القيود قول الشيخ حافظ الحكمي في منظومته الأصولية: "أما الكتاب فهو القرآن ... بين الضلال والهدى فرقان المعجز المفحم للأضداد ... برهان حق أبد الآباد كلام ربي منزل تنزيلاً ... لا يقبل الخلف ولا التبديل به الإله خلقه تعبدًا ... تلاوة تدبرًا ثم اهتدى" (٤) المسألة الثانية: هل في القرآن لفظ غير عربي ؟ ذهب الإمام الشافعي (٥) إلى أن القرآن محض بلسان العرب، لا يخلطه فيه غيره. واستدل لذلك: بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ

стр. 94

لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ – ١٩٥] . وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧] ، وبغير ذلك من الآيات، ثم قال: "فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه جل ثناؤه كل لسانٍ غير لسان العرب، في آيتين من كتابه: فقال ﵎: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] " (١) ، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم (٢) . ولا يُشكل على كون القرآن عربيًا وجود بعض الكلمات الأعجمية فيه، مثل: المشكاة، والإستبرق؛ إذ يمكن حمل هذه الألفاظ التي يقال: إنها أعجمية على واحدٍ من الوجوه الآتية: أولاً: أن هذه الألفاظ إنما هي عربية لكن قد يجهل بعض الناس كون هذه الألفاظ عربية، ذلك أن لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولا يمتنع أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلاً من لسان العرب، كما يتفق القليل من ألسنة العجم المتباينة في أكثر كلامها مع تنائي ديارها واختلاف لسانها (٣) . ثانيًا: أن هذه الألفاظ التي يقال: إنها أعجمية لا يمتنع أن تكون عربية، وأن يكون لها معنى آخر في لغة أخرى، فمن نسبها إلى العربية فهو محق، ومن نسبها إلى غيرها فهو محق (٤) . ثالثًا: أن هذه الألفاظ أصلها غير عربي ثم عربتها العرب واستعملتها؛ فصارت من لسانها وإن كان أصلها أعجميًا (٥) .

стр. 95

المسألة الثالثة: المحكم والمتشابه في القرآن الكريم والكلام على هذه المسألة في النقاط الآتية: ١- معنى المحكم والمتشابه بالاعتبار العام الكلي (١) : ورد وصف القرآن كله بأنه محكم فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] ، بمعنى: أنه متقن غاية الإتقان في أحكامه وألفاظه ومعانيه، فهو غاية في الفصاحة والإعجاز. وورد وصف القرآن كله بأنه متشابه، فقال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] ، بمعنى: أن آياته يشبه بعضها بعضًا في الإعجاز والصدق والعدل (٢) . ٢- معنى المحكم والمتشابه بالاعتبار الخاص النسبي: "وهذا الاعتبار هو المقصود في هذه المسألة". ورد أيضًا أن من القرآن ما هو محكم ومنه ما هو متشابه: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ، فذهب بعض السلف (٣) إلى أن المحكم: هو ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه: ما احتمل من التأويل أكثر من وجه. وذهب بعضهم إلى أن المحكم: ما يُعمل به، والمتشابه: ما يُؤمن به ولا يعمل به.

стр. 96

وقال بعضهم: إن المحكم هو ما اتضح معناه، والمتشابه، هو ما لم يتضح معناه، إما لاشتراك أو إجمال. وكل هذه الأقوال تدل على معنى واحد، وهو أن التشابه أمر إضافي، فقد يشتبه على هذا ما لا يشتبه على هذا (١) . ٣- طريقة السلف في التعامل مع المحكم والمتشابه: الواجب على كل أحد أن يعمل بما استبان له، وأن يؤمن بما اشتبه عليه، وأن يرد المتشابه إلى المحكم، ويأخذ من المحكم ما يفسر له المتشابه ويبينه، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره. هذه طريقة الصحابة والتابعين في التعامل مع المحكم والمتشابه (٢) . قال ابن تيمية: "والمقصود هنا أن الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقل....ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا. وتجعل أقول الناس التي قد توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحاب هذه الألفاظ: يَحتمل كذا وكذا، ويَحتمل كذا وكذا؛ فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول ﷺ قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رُد" (٣) . وفي هذا المقام تنبهات مهمة: ١- اتفق العلماء على أن ليس في القرآن ما لا معنى له (٤) . ٢- اتفق السلف على أن جميع ما في القرآن مما يفهم معناه، ويمكن إدراكه بتدبر وتأمل، وأنه ليس في القرآن ما لا يمكن أن يعلم معناه أحد. قال ابن تيمية: "ولا يجوز أن يكون الرسول ﷺ وجميع الأمة لا يعلمون

стр. 97

معناه، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ" (١) . وقال أيضًا: "والدليل على ما قلناه إجماع السلف؛ فإنهم فسروا جميع القرآن.....وكلام أهل التفسير من الصحابة والتابعين شامل لجميع القرآن، إلا ما قد يشكل على بعضهم فيقف فيه، لا لأن أحدًا من الناس لا يعلمه، لكن لأنه هو لا يعلمه. أيضًا فإن الله قد أمر بتدبر القرآن مطلقًا، ولم يستثن منه شيئًا لا يتدبر، ولا قال: لا تدبروا المتشابه.... ولأن من العظيم أن يقال: إن الله أنزل على نبيه كلامًا لم يكن يفهم معناه، لا هو ولا جبريل ﵇.... وأيضًا فالكلام إنما المقصود به الإفهام؛ فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثًا وباطلاً، والله تعالى قد نزه نفسه عن فعل الباطل والعبث.... وبالجملة فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها الرسول ولا غيره. نعم قد يكون في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء فضلاً عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا، وذلك تارة يكون لغرابة اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب" (٢) . ٣- اتفق السلف على أن في القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله، كالروح، ووقت الساعة، والآجال، وهذا قد يسمى بالمتشابه (٣) . والمراد بالتأويل (٤) الذي لا يعلمه إلا الله: معرفة الشيء على حقيقته وما يؤول إليه، أما التأويل بالمعنى الآخر: وهو تفسير الشيء ومعرفة معناه، فهذا مما

стр. 98

يعلمه أهل العلم، فإنهم يعلمون معنى الكلام الذي أخبر به عن الساعة (١) . قال ابن تيمية: "وعلى هذا فالراسخون في العلم يعلمون تأويل هذا المتشابه الذي هو تفسيره، وأما التأويل الذي هو الحقيقة الموجودة في الخارج فتلك لا يعلمها إلا الله" (٢) . ٤- ولذلك فإن أسماء الله تعالى وصفاته تكون من المتشابه باعتبار كيفيتها، وليست من المتشابه باعتبار معناها (٣) . ٥- وكذلك فإن الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ﴾ [آل عمران] ، يصح بناءً على أن التأويل بمعنى معرفة الشيء على حقيقته ويجوز الوصل وترك الوقف بناءً على أن التأويل بمعنى التفسير والبيان (٤) . ٤- طريقة المبتدعة في التعامل مع المحكم والمتشابه: الواجب الحذر من طريقة أهل البدع والأهواء؛ فإن لهم طريقين في رد السنن (٥) : أحدهما: رد السنن الثابتة عن النبي ﷺ بالمتشابه من القرآن أو من السنة. والثاني: جعل المحكم متشابهًا ليعطلوا دلالته. وقد ورد في آية آل عمران أن موقف المؤمنين الراسخين في العلم من المتشابه هو الإيمان به ورده إلى الله، وأن موقف الزائغين أصحاب القلوب المريضة هو اتباع المتشابه والاستدلال به على مقالاتهم الباطلة طلبًا للفتنة وتحريفًا لكتاب الله (٦) .

стр. 99

المسألة الرابعة حكم العمل بالقراءة الشاذة القراءة الشاذة عند الأصوليين هي: ما لم يتواتر (١) . وقد اختلف العلماء في العمل بالقراءة الشاذة بعد أن اتفقوا على أنها لا تكون قرآنًا، فذهب البعض إلى أنها حجة، وذهب البعض الآخر إلى عدم الاحتجاج بها. والمسألة اجتهادية على كل حال. ومما يرجح جانب الاحتجاج بها: أن القراءة الشاذة لا تكون أقل من خبر الواحد أو قول الصحابي، وكلاهما حجة، فلذلك يكون العمل بها واجبًا، وهذا المذهب ذكره ابن عبد البر إجماعًا (٢) . ومما يجدر التنبيه عليه في هذا المقام هو أنه لا يصح الاحتجاج في رد القراءة الشاذة بأن يقال: يحتمل أن يكون هذا مذهبًا للصحابي نقله خطأً، أو أن الصحابي يجوز القراءة بالمعنى (٣) . قال ابن قدامة: "وقولهم: يجوز أن يكون مذهبًا، قلنا: لا يجوز ظن مثل هذا بالصحابة ﵃ فإن هذا افتراء على الله وكذب عظيم؛ إذ جعل

стр. 100

رأيه ومذهبه الذي ليس هو عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ قرآنا، والصحابة ﵃ لا يجوز نسبة الكذب إليهم في حديث النبي ﷺ ولا في غيره، فكيف يكذبون في جعل مذاهبهم قرآنا، هذا باطل يقينًا" (١) . أما بالنسبة لتجويز الصحابي القراءة بالمعنى، فمعلوم أن ذلك يجوز في الحديث دون القرآن، ومعلوم حرص الصحابة وضبطهم -رضوان الله عليهم (٢) . لكن من الممكن الاستدلال لرد القراءة الشاذة بأدلة أخرى غير ما تقدم. المسألة الخامسة هل في القرآن مجاز ؟ يمكن ضبط الكلام على هذه المسألة في ست فقرات: ١- تعريف المجاز (٣) : المجاز هو اللفظ المستعمل في غير موضعه على وجهٍ يصح. كاستعمال لفظ "أسد" في الرجل الشجاع. ٢- شرط حمل الكلام على المجاز (٤) : القاعدة في حمل الكلام على المعنى المجازي: أن المجاز لا يصار إليه إلا عند امتناع حمل اللفظ على الحقيقة. فمتى أمكن حمل اللفظ على الحقيقة امتنع حمله على المجاز، ووجب حمله على الحقيقة، ومتى امتنع حمله على الحقيقة حُمل على المجاز مع وجود القرينة

стр. 101

الدالة على هذا الامتناع. قال ابن النجار: "كالأسد مثلاً فإنه للحيوان المفترس حقيقة، وللرجل الشجاع مجازًا، فإذا أطلق ولا قرينة كان للحيوان المفترس، لأن الأصل الحقيقية، والمجاز خلاف الأصل" (١) . ٣- المجاز منتفٍ عن آيات الصفات (٢) : إذا علم ما مضى فإن المجاز لا يدخل آيات الصفات؛ إذ من الممكن حملها على حقيقتها – إذ لا يلزم منه محال – فوجب لأجل ذلك حمل هذه الصفات على الحقيقة وامتنع حملها على المجاز، وهذا مذهب السلف. ٤- المجاز واقع في القرآن فيما عدا آيات الصفات (٣) : إذا علم أن المجاز غير واقع في آيات الصفات، فإن ما عدا آيات الصفات يدخله المجاز بشرطه، وهو أن يتعذر حمل الكلام على الحقيقة. وهذا مذهب طائفة من أهل السنة. قال الإمام الشافعي: "باب الصنف الذي يبين سياقُه معناه: قال الله ﵎: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] . فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآية؛ دل على أنه إنما أراد أهل القرية؛ لأن القرية لا

стр. 102

تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون" (١) . وقال الخطيب البغدادي مستدلاً لوقوع المجاز في القرآن: ".....لأن المجاز لغة العرب وعادتها؛ فإنها تسمى باسم الشيء إذا كان مجاورًا له، أو كان منه بسبب، وتحذف جزءًا من الكلام طلبًا للاختصار إذا كان فيما أبقي دليل على ما ألقي، وتحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه، وتعربه بإعرابه، وغير ذلك من أنواع المجاز، وإنما نزل القرآن بألفاظها ومذاهبها ولغاتها، وقد قال الله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] ، ونحن نعلم ضرورة أن الجدار لا إرادة له" (٢) . ٥- إثبات المجاز لا يلزم منه تأويل الصفات أو نفيها: علم مما تقدم أن آيات القرآن الكريم قسمان: قسم لا يجوز دخول المجاز فيه وهو آيات الصفات. وقسم يجوز دخول المجاز فيه وهو ما عدا آيات الصفات كما تقدم في النقل عن الشافعي والخطيب البغدادي، وكقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] ، وقوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] . فهذا كله مجاز لأنه استعمال للفظ في غير موضوعه (٣) ، لوجود قرينة منعت من استعماله في حقيقته (٤) . وإذا عُلم ذلك فلا تلازم بين القسمين، إذ يمكن إثباتُ صفات الله تعالى على حقيقتها ووجهها اللائق به سبحانه ونفي المجاز عنها، وفي الوقت نفسه يمكن إثبات المجاز فيما عدا آيات الصفات، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾

стр. 103

[يوسف: ٨٢] ، إذ لا يلزم من إثبات المجاز في أحد القسمين إثباته في القسم الآخر؛ لأن إثبات المجاز يحتاج إلى قرينة، وهذه القرينة عند أهل السنة منتفية عن آيات الصفات (١) ، أما من عدا أهل السنة فإنهم يثبتون المجاز في آيات الصفات لوجود القرينة المانعة من حمل اللفظ على حقيقته (٢) . وبذلك يعلم أن المثبتين للمجاز في القرآن فريقان: فريق لم يحمله إثباته للمجاز في القرآن على نفي الصفات أو تأويلها، بل أثبت صفات الله الواردة في القرآن الكريم على حقيقتها اللائقة به سبحانه ومنع من دخول المجاز فيها. وهذا مذهب المثبتين للمجاز من أهل السنة. والفريق الآخر حمله ما تقرر لديه من شبهات عقلية وغيرها على تأويل صفات الله سبحانه الواردة في القرآن الكريم، أو نفي حقيقتها فأثبت المجاز فيها. وهذا مذهب المثبتين للمجاز من المتكلمين ومن وافقهم، ومن هنا كان القول بالمجاز – عند هؤلاء فقط – ذريعة إلى تأويل الصفات أو نفيها. وبذلك تتبين خطورة إثبات المجاز في القرآن الكريم مطلقًا دون تفصيل (٣) . ويعلم أيضًا أن الخلاف لفظي بين أهل السنة في إثبات المجاز في القرآن الكريم ونفيه. وهذا ما سيأتي توضيحه في الفقرة اللاحقة. ٦- الخلاف بين أهل السنة في إثبات المجاز ونفيه خلاف لفظي: وبيان ذلك:

стр. 104

أن تأويل صفات الله تعالى ونفيها باب واسع، يمكن الدخول إليه عن طريق المجاز – كما فعل ذلك أهل التعطيل والتأويل – ويمكن ذلك عن طريق التأويل، وعن طريق القول بأن نصوص الكتاب والسنة أدلة لفظية، لا تفيد اليقين فلا تثبت بها العقائد، وغير ذلك (١) . ولما كان المجاز من أعظم الطرق وأكثرها استعمالاً، ومن أوسع الأبواب التي ولج منها المؤولون للصفات والنافون لها، قام بسد هذا الباب، وقطع هذا الطريق، وقال بمنع وقوع المجاز مطلقًا في القرآن الكريم وفي اللغة بعض علماء أهل السنة، لذلك عد ابن القيم المجاز طاغوتًا، فقال: "فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات وهو طاغوت المجاز" (٢) . قال ابن رجب: "ومن أنكر المجاز من العلماء فقد ينكر إطلاق اسم المجاز لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد، ويصير ذريعة لمن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة ومدلولاتهما. ويقول: غالب من تكلم بالحقيقة والمجاز هم المعتزلة، ونحوهم من أهل البدع، وتطرفوا بذلك إلى تحريف الكلم من مواضعه، فيمتنع من التسمية بالمجاز، ويجعل جميع الألفاظ حقائق (٣) . ويقول: اللفظ إن دل بنفسه فهو حقيقة لذلك المعنى، وإن دل بقرينة فدلالته بالقرينة حقيقة للمعنى الآخر، فهو حقيقة في الحالين" (٤) . وقد صرح ابن قدامة بكون هذا الخلاف لفظيًا، فقال بعد أن ذكر أمثلة على وقوع المجاز واستعماله في القرآن الكريم:

стр. 105

"....وذلك كله مجاز؛ لأنه استعمال للفظ في غير موضوعه، ومن منع فقد كابر، ومن سلم وقال: لا أسميه مجازًا (١) ؛ فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه. والله أعلم" (٢) .

стр. 106

المبحث الثاني: السنة وفي هذا المبحث ست مسائل: المسألة الأولى: تعريف السنة. المسألة الثانية: أقسام السنة. المسألة الثالثة: حجية السنة. المسألة الرابعة: منزلة السنة من القرآن. المسألة الخامسة: الخبر المتواتر. المسألة السادسة: خبر الآحاد.

стр. 107

المسألة الأولى تعريف السنة ١- السنة في اللغة: السنة لغة: الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمية (١) . ٢- السنة عند الأصوليين: السنة في اصطلاح الأصوليين هي "ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن" (٢) . وهذا يشمل: قوله ﷺ ، وفعله، وتقريره، وكتابته، وإشارته، وهمه، وتركه (٣) . وهذه الأنواع قد يدخل بعضها في بعض (٤) . ٣- السنة هي الحكمة: إذا وردت الحكمة في القرآن مقرونة مع الكتاب فهي السنة بإجماع السلف (٥) ، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ، قال الشافعي: "فسمعتُ من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله" (٦) .

стр. 108

المسألة الثانية أقسام السنة للسنة عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة. * ف باعتبار ذاتها تنقسم السنة إلى: قولية، وفعلية، وتقريرية (١) ، وما سوى ذلك يمكن إدراجه تحت هذه الأقسام. * وباعتبار علاقتها بالقرآن الكريم تنقسم السنة إلى ثلاثة أقسام (٢) : القسم الأول: السنة المؤكدة، وهي الموافقة للقرآن من كل وجه، وذلك كوجوب الصلاة فإنه ثابت بالكتاب وبالسنة. القسم الثاني: السنة المبينة أو المفسرة لما أُجمل في القرآن، وهي ما عبر عنها الشافعي بقوله: "ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها" (٣) . القسم الثالث: السنة الاستقلالية، أو الزائدة على ما في القرآن، وهي التي تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، كأحكام الشفعة وميراث الجدة. وهذا القسم عبر عنه الشافعي بقوله: "ومنه ما سن رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص حكم" (٤) . * و باعتبار وصولها إلينا وعدد نقلتها ورواتها تنقسم السنة إلى: متواتر، وآحاد (٥) . المسألة الثانية حجية السنة في هذه المسألة سنتعرض لبيان حجية السنة على وجه العموم، ثم بيان

стр. 109

حجية السنة الاستقلالية، ثم حجية أفعاله ﷺ ، ثم حجية تقريره، ثم حجية تركه، فهذه أمور خمسة، أما الكلام على الخبر المتواتر وأخبار الآحاد فسيكون في المسألة الخامسة والسادسة إن شاء الله. أولاً: حجية السنة عمومًا: أجمع المسلمون على وجوب طاعة النبي ﷺ ، ولزوم سنته (١) . قال ابن تيمية: "وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها" (٢) . والأدلة على وجوب اتباع السنة كثيرة جدًا (٣) : فمن القرآن الكريم: * الأمر بطاعة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] (٤) . * ترتيب الوعيد على من يخالف أمر النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٥) . * نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكم عن رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٦) . * الأمر بالرد إلى الرسول ﷺ عند النزاع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] (٧) . * جعل الرد إلى الرسول ﷺ عند النزاع من موجبات الإيمان ولوازمه، قال

стр. 110

تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] (١) . ومن السنة قوله ﷺ : «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» (٢) . وقوله ﷺ : «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٣) . وقوله ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» (٤) . وقوله ﷺ : «ألا وإن ما حرم رسولُ الله مثلُ ما حرم الله» (٥) . هذه بعض النصوص الدالة على حجية السنة، وبذلك يعلم أن الاحتجاج بالسنة أصل ثابت من أصول هذا الدين وقاعدة ضرورية من قواعده. قال الإمام الشافعي: "لم أسمع أحدًا – نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم – يخالف في أن فرض الله اتباعُ أمر رسول الله ﷺ ، والتسليم لحكمه؛ بأن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من
следующие страницы →