← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كموارد الاجتهاد في الأحكام، وأما ما اتفق العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه العلماء في الأحكام" (١) . القاعدة الرابعة: لا شك أن المعتبر في هذه القرائن المختصة بأحاديث النبي ﷺ هو ما يذكره أهل الحديث فهم أهل الاختصاص والشأن، أما أهل الكلام وأتباعهم فإنهم غاية في قلة المعرفة بالحديث؛ فلا يحصل لهم –بسبب ذلك– العلم بأحاديث النبي ﷺ فإنكار أهل الكلام لما علمه وقطع به أهل الحديث (٢) أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة الأربعة عند أتباعهم (٣) . * الفرع الثالث: الفرق بين مذهب هؤلاء الأئمة وغيرهم من أئمة السلف ومذهب من ذهب من أهل الكلام إلى أن خبر الواحد يفيد الظن يمكن تلخيصه في الأمور الآتية: ١- أن أهل السنة يثبتون بخبر الواحد الصحيح صفات الرب تعالى والعقائد الأخرى دون نظر إلى قضية القطع والظن. قال ابن القيم: "المقام الخامس أن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها؛ كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها، فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؟

стр. 142

وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة" (١) . ٢- أن أهل السنة يعملون بخبر الواحد في جميع المسائل دون النظر إلى قضية القطع والظن، فخبر الآحاد الثابت حجة مطلقة يجب العمل بها دون قيد أو شرط (٢) . ٣- أن خبر الواحد عند أهل السنة أصل مستقل بذاته، ولا يكون مخالفًا للقياس أو لشيء من الأصول، فلا يتصور عندهم تقديم القياس على خبر الواحد (٣) . قال ابن تيمية: "فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس علمنا قطعًا أنه قياس فاسد" (٤) . ٤- أن خبر الواحد عند أهل السنة يحصل به العلم إذا احتفت به القرائن، ولا يمنع من ذلك كونه من الأدلة السمعية؛ بل إن حصول العلم بالأدلة السمعية أكثر وأقوى من حصوله بالأدلة العقلية (٥) . ٥- أن أهل السنة هم أهل الحديث وهم أعلم الناس بالقرائن التي تحتف بخبر الواحد، أما أهل الكلام فهم من أبعد الناس عن الحديث وعن القرائن المحيطة به؛ لذلك ذهب بعض المتكلمين (٦) إلى القول بنفي القرائن مطلقًا وعدم اعتبارها، وهم بذلك يخبرون عن حالهم وواقعهم. قال ابن القيم: "وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله ﷺ قال هذه الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة، وعلمهم بذلك ضروري؛ لم

стр. 143

يكن قول من لا عناية له بالسنة والحديث: (إن (١) هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم) ، مقبولاً عليهم، فإنهم يدعون العلم الضروري. وخصومهم إما أن ينكروا حصوله لأنفسهم أو لأهل الحديث فإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث كانوا مكابرين لهم على ما يعلمونه من نفوسهم بمنزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه وخوفه وحبه" (٢) . ****

стр. 144

المبحث الثالث: الإجماع وفي هذا المبحث ست مسائل: المسألة الأولى: تعريف الإجماع. المسألة الثانية: أقسام الإجماع. المسألة الثالثة: حجية الإجماع. المسألة الرابعة: أهل الإجماع. المسألة الخامسة: مستند الإجماع. المسألة السادسة: الأحكام المترتبة على الإجماع.

стр. 145

المسألة الأولى: تعريف الإجماع الإجماع لغة: يطلق على العزم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] . ويطلق على الاتفاق، ومنه قولهم: أجمع القوم على كذا؛ أي: اتفقوا عليه (١) . وعند الأصوليين: "اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور من أمة محمد ﷺ بعد وفاته على أمر ديني" (٢) . وقد اشتمل هذا التعريف على خمسة قيود: الأول: أن يصدر الاتفاق عن كل العلماء المجتهدين، فلا يصح اتفاق بعض المجتهدين، وكذلك اتفاق غير المجتهدين كالعامة ومن لم تكتمل فيه شروط الاجتهاد، كما سيأتي. الثاني: المراد بالمجتهدين من كان موجودًا منهم دون من مات أو لم يولد بعد، وهذا هو المقصود بقيد "عصر من العصور" كما سيأتي الكلام على ذلك وعلى شرط انقراض العصر أيضًا (٣) . الثالث: لا بد أن يكون المجمعون من المسلمين، ولا عبرة بإجماع الأمم الأخرى غير المسلمة (٤) . الرابع: الإجماع إنما يكون حجة بعد وفاته ﷺ ، ولا يقع في حياته (٥) . الخامس: أن تكون المسألة المجمع عليها من الأمور الدينية، ويخرج بذلك الأمور الدنيوية والعقلية وغيرها (٦) .

стр. 146

المسألة الثانية: أقسام الإجماع ينقسم الإجماع إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة: ١- فباعتبار ذاته ينقسم الإجماع إلى إجماع قولي، وإلى إجماع سكوتي. فالإجماع القولي وهو الصريح: «أن يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم: هذا حلال، أو: حرام» ، ومثله أن يفعل الجميع الشيء، فهذا إن وجد حجة قاطعة بلا نزاع (١) . والإجماع السكوتي أو الإقراري هو: "أن يشتهر القول أو الفعل من البعض فيسكت الباقون عن إنكاره" (٢) . ومثله الإجماع الاستقرائي وهو: "أن تُستقرأ أقوال العلماء في مسألة فلا يُعلم خلاف فيها" (٣) . وقد اختلف العلماء في حجية الإجماع السكوتي، فبعضهم اعتبره حجة قاطعة، وبعضهم لم يعتبره حجة أصلاً، وبعضهم جعله حجة ظنية. وسبب الخلاف هو: أن السكوت محتمل للرضا وعدمه. فمن رجح جانب الرضا وجزم به قال: إنه حجة قاطعة. ومن رجح جانب المخالفة وجزم به قال: إنه لا يكون حجة. ومن رجح جانب الرضا ولم يجزم به قال: إنه حجة ظنية. لذلك فإن الإجماع السكوتي لا يمكن إطلاق الحكم عليه، بل لا بد من النظر في القرائن وأحوال الساكتين، وملابسات المقام.

стр. 147

فإن غلب على الظن اتفاق الكل ورضا الجميع فهو حجة ظنية، وإن حصل القطع باتفاق الكل فهو حجة قطعية، وإن ترجحت المخالفة وعدم الرضا فلا يعتد به (١) . ٢- وينقسم الإجماع باعتبار أهله إلى إجماع عامة وخاصة (٢) . فإجماع العامة هو إجماع عامة المسلمين على ما عُلم من هذا الدين بالضرورة، كالإجماع على وجوب الصلاة والصوم والحج، وهذا قطعي لا يجوز فيه التنازع. وإجماع الخاصة دون العامة هو ما يُجمع عليه العلماءُ، كإجماعهم على أن الوطء مفسد للصوم، وهذا النوع من الإجماع قد يكون قطعيًا، وقد يكون غير قطعي، فلا بد من الوقوف على صفته للحكم عليه. ٣- وينقسم الإجماع باعتبار عصره إلى إجماع الصحابة ﵃، وإجماع غيرهم (٣) . فإجماع الصحابة يمكن معرفته والقطع بوقوعه، ولا نزاع في حجيته عند القائلين بحجية الإجماع. وأما إجماع غير الصحابة ممن بعدهم فإن أهل العلم اختلفوا فيه من حيث إمكان وقوعه، وإمكان معرفته والعلم به، أما القول بحجيته فهو مذهب جمهور الأمة كما سيأتي (٤) . ٤- وباعتبار نقله إلينا ينقسم الإجماع إلى إجماع ينقله أهل التواتر، وإجماع ينقله الآحاد (٥) ، وكلا القسمين يحتاج إلى نظر من جهتين: من جهة صحة النقل وثبوته، ومن جهة نوع الإجماع ومرتبته. ٥- وينقسم الإجماع باعتبار قوته إلى إجماع قطعي، وإجماع ظني (٦) .

стр. 148

فالإجماع القطعي (١) مثل إجماع الصحابة المنقول بالتواتر خاصة، والإجماع على ما عُلم من الدين بالضرورة. والإجماع الظني كالإجماع السكوتي الذي غلب على الظن فيه اتفاق الكل. وعلى كل فتقدير قطعي الإجماع وظنيه أمر نسبي، يتفاوت من شخص إلى آخر، إلا أن الأمر المقطوع به في قضية الإجماع شيئان: أولهما: أن الإجماع من حيث الجملة أصل مقطوع به وحجة قاطعة، وإن اختلف في بعض أنواعه وبعض شروطه. وثانيهما: أن بعض أنواع الإجماع لا يقبل فيها نزاع؛ بل هي إجماعات قطعية كما تقدم التمثيل لذلك آنفًا. المسألة الثالثة: حجية الإجماع اتفق أهل العلم على أن الإجماع حجة شرعية يجب اتباعها والمصير إليها (٢) . والدليل على ثبوت الإجماع إنما هو دليل الشرع لا العقل (٣) . فمن الأدلة على كون الإجماع حجة: ? أولاً: من الكتاب: أ- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ

стр. 149

سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] . وجه الاستدلال بهذه الآية أن الله توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين فدل على أنه حرام؛ فيكون اتباع سبيل المؤمنين واجبًا، إذ ليس هناك قسم ثالث بين اتباع سبيل المؤمنين واتباع غير سبيل المؤمنين (١) . ولا يصح في هذه الآية أن يكون الذم لاحقًا لمشاقة الرسول ﷺ فقط، أو لاتباع غير سبيل المؤمنين فقط، فإن ذلك باطل قطعًا؛ لئلا يكون ذكر الآخر لا فائدة فيه. وكذلك لا يصح أن يكون الذم لاحقًا للأمرين إذا اجتمعا فقط؛ لأن مشاقة الرسول ﷺ موجبة للوعيد قطعًا كما ثبت في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٣] . فلم يبق إلا قسمان: أحدهما: أن الذم لاحق لكل من الأمرين وإن انفرد عن الآخر. الثاني: أن الذم لاحق لكل من الأمرين لكونه مستلزمًا للآخر (٢) . قال ابن تيمية: "ولحوق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية؛ فإن الوعيد فيها إنما هو على المجموع. بقي القسم الآخر وهو أن كلاً من الوصفين يقتضي الوعيد لأنه مستلزم للآخر، كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول، ومخالفة القرآن والإسلام. فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار، ومثله قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ، فإن الكفر بكل من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره؛ فمن كفر بالله كفر بالجميع، ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرًا بالله؛ إذ كذب رسله وكتبه، وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل فكان كافرًا....

стр. 150

فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر. ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضًا؛ فإنه قد جعل له مدخلاً في الوعيد، فدل على أنه وصف مؤثر في الذم، فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعًا. والآية توجب ذم ذلك. وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول؟ قلنا: لأنهما متلازمان، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإن يكون منصوصًا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أُجمع عليه قد بينه الرسول وهذا هو الصواب" (١) . ب- قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ [آل عمران: ١١٠] ، فقد وصف الله تعالى هذه الأمة بأنهم يأمرون بكل معروفٍ وينهون عن كل منكرٍ، فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك ولم تنه عن المنكر فيه، فثبت أن إجماع هذه الأمة حق وأنها لا تجتمع على ضلالة (٢) . جـ- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، والوسط: العدل الخيار، وقد جعل الله هذه الأمة شهداء على الناس، ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض، وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول ﷺ (٣) . ? ثانيًا: من السنة: أ- قوله ﷺ : «فمن أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة» (٤) .

стр. 151

قال الشافعي مستدلاً بهذا الحديث: "إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحدٌ أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى؛ لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها. وإنما تكون الغفلة في الفُرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتابٍ ولا سنةٍ ولا قياس إن شاء الله" (١) . ب- وقوله ﷺ : «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» (٢) . والملاحظ أن هذه النصوص المتقدمة تدل على أصلين عظيمين: الأصل الأول: وجوب اتباع الجماعة ولزومها، وتحريم مفارقتها ومخالفتها. والأصل الثاني: عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة. وهذان الأصلان متلازمان: فإن قول الأمة مجتمعة لا يكون إلا حقًا، وكذلك فإن العصمة إنما تكون لقول الكل دون البعض. وههنا مسألتان: المسألة الأولى: أن هذه النصوص أفادت أن العصمة ثابتة للأمة دون اشتراط عدد معين، بل إن أهل الإجماع متى ثبت اتفاقهم وجب اتباع قولهم

стр. 152

وثبتت العصمة لهم، وبناءً على ذلك فلا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر (١) ؛ لأن الدليل الشرعي لم يشترط ذلك، بل إنه علق العصمة على الإجماع والاتفاق فقط (٢) . والمسألة الثانية: أن هذه النصوص تدل على أن الإجماع حجة ماضية في جميع العصور، سواء في ذلك عصر الصحابة وعصر من بعدهم (٣) .

стр. 153

ولا يصح حصر حجية الإجماع في عصر الصحابة دون غيرهم؛ لأن أدلة حجية الإجماع عامة مطلقة، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة أو تقييدها دون دليل شرعي معتبر، فإنه قد ثبت وجوب اتباع سبيل المؤمنين وعصمة الأمة وهذا عام في كل عصر. كما أنه لا يصح الاحتجاج لإبطال إجماع غير الصحابة بصعوبة أو تعذر وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة لتفرق المجتهدين في الآفاق وانتشارهم في الأقطار؛ إذ غاية ذلك هو القول بعدم صحة وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة وتعذر إمكانه. أما حجية الإجماع فأمر آخر، فلا بد إذن من التفريق بين حصول الإجماع وإمكان وقوعه وبين حجيته في كل عصر، وليس بين الأمرين تلازم. فالأمر الأول: محل نظر بين العلماء: إذ منع بعضهم وقوع إجماع بعد عصر الصحابة، ونقل البعض الآخر الإجماع في عصر الصحابة وفي عصر من بعدهم أيضًا (١) . أما الأمر الثاني وهو حجية الإجماع فلا شك أن الدليل الشرعي قاطع في ثبوت حجية الإجماع مطلقًا في كل عصر. والمقصود المحافظة على حجية الإجماع على مدى العصور عملاً بالدليل الشرعي، فتبقى الأمور القطعية قطعية كما هي، وتبقى قضية وقوع الإجماع وعدم وقوعه قضية أخرى بحاجة إلى تحقيق المناط فيها، وذلك يختلف من عصر لآخر ومن مسألة لأخرى (٢) .

стр. 154

المسألة الرابعة: أهل الإجماع يشترط في أهل الإجماع ما يأتي: • الشرط الأول: أن يكونوا من العلماء المجتهدين، ويكفي في ذلك الاجتهاد الجزئي (١) ؛ لأن اشتراط الاجتهاد المطلق في أهل الإجماع قد يؤدي إلى تعذر الإجماع لكون المجتهد المطلق نادر الوجود. والمعتبر في كل مسألة من له فيها أثر من أهل العلم المجتهدين. قال ابن قدامة: "ومن يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم -كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب- فهو كالعامي لا يعتد بخلافه؛ فإن كل أحد عامي بالنسبة إلى ما لم يُحصل علمه، وإن حصَّل علمًا سواه" (٢) . وبهذه القاعدة يتبين أن المعتبر في كل مسألةٍ أهلُ العلم فيها، دون غيرهم، فليس للإجماع طائفة محصورة من أهل العلم. بل يختلف ذلك باختلاف المسائل، فإن كانت المسألة في علم الحديث كان المحدثون هم أهل الإجماع، وإن كانت المسألة فقهية كان الفقهاء هم أهل الإجماع، وهكذا.... مع ملاحظة أنه قد تحتاج مسألة ما -لعلاقتها بعلوم شتى- إلى أهل هذا العلم وذاك. قال ابن القيم: "....فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم" (٣) . وأما العامي فلا يدخل باتفاق. ومن قال بدخوله فإنما أراد أنه يدخل حكمًا إذ هو تبع للمجتهد ومقلد له (٤) ، أو أنه أراد إجماع العامة الذي يدخل فيه عامة الأمة، كما تقدم (٥) .

стр. 155

• الشرط الثاني: اتفقوا على اشتراط الإسلام، فلا يعتبر في الإجماع قول المجتهد الكافر الأصلي والمرتد بلا خلاف، وأما المكفر بارتكاب بدعة فلا يعتبر عند مكفره. وذلك لأن الكافر لا يدخل تحت لفظ "المؤمنين" و"الأمة" في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ، وقوله ﷺ «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» (١) . أما الفاسق فإنه داخل تحت هذا العموم، ولأجل ذلك اختلف العلماء في العدالة: هل تشترط في أهل الإجماع أوْ لا تشترط؟ فذهب البعض إلى عدم الاشتراط وأن الفاسق داخل في أهل الإجماع لكونه داخلاً في عموم (المؤمنين) وعموم (الأمة) . وذهب آخرون إلى اشتراط العدالة وأن الفاسق لا يدخل في أهل الإجماع. وقيل: إن ذكر الفاسقُ مستندًا صالحًا اعتُد بقوله في الإجماع وإلا فلا (٢) . والمسألة على كل حالٍ محل اجتهاد ونظر، والظاهر أن الفاسق يدخل في أهل الإجماع لكونه من أهل الاجتهاد وليس هناك دليل يدل على إخراجه عن طائفة المجتهدين، فضلاً عن إخراجه عن لفظ "المؤمنين" ولفظ "الأمة" (٣) . • الشرط الثالث: يشترط في صحة الإجماع أن يكون قول جميع المجتهدين، ولا يعتد بقول الأكثر؛ فإذا خالف واحد أو اثنان من المجتهدين فإن قول الباقين لا يعتبر إجماعًا (٤) . والدليل على ذلك أن لفظ "المؤمنين" ولفظ "الأمة" عامان في الجميع (٥) ،

стр. 156

وبناءً على ذلك فإن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة لأنهم بعض الأمة لا كلها (١) . وقد حقق ابن تيمية القول في إجماع أهل المدينة فقال ما ملخصه: "والتحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة: أن منه ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين. ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: المرتبة الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وهذا حجة باتفاق. المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان ﵁ (٢) فهذا حجة عند جمهور العلماء؛ فإن الجمهور على أن سنة الخلفاء الراشدين حجة، وما يعلم لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة رسول الله ﷺ . المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين أو قياسين، وجهل أيهما أرجح، وأحدهما يَعمل به أهل المدينة، ففي هذا نزاع: فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة. ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح به. ولأصحاب أحمد وجهان، ومن كلامه أنه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثًا وعملوا به فهو الغاية.

стр. 157

المرتبة الرابعة: العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعه أو لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. وهو قول المحققين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه وليس معه للأئمة نص ولا دليل، بل هم أهل تقليد. ولم أرَ في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في الموطأ إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم. فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا.... وإذا تبين أن إجماع أهل المدينة تفاوت فيه مذاهب جمهور الأئمة عُلم بذلك أن قولهم أصح أقوال أهل الأمصار رواية ودراية. وأنه تارة يكون حجة قاطعة. وتارة حجة قوية. وتارة مرجحًا للدليل، إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين (١) . وقال الشيخ الأمين الشنقيطي: " ... لأن الصحيح عنه [أي مالك] أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان: أحدهما: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه. الثاني: أن يكون من الصحابة أو التابعين، لا غير ذلك؛ لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع فألحق بهم مالك التابعين من أهل المدينة فيما لا اجتهاد فيه (٢) لتعلمهم ذلك عن الصحابة. أما في مسائل الاجتهاد، فأهل المدينة عند مالك -فالصحيح عنه- كغيرهم من الأمة، وحكي عنه الإطلاق.

стр. 158

وعلى القول بالإطلاق يتوجه عليه اعتراض المؤلف [يعني ابن قدامة في روضة الناظر] بأنهم بعض من الأمة كغيرهم" (١) . وكذلك فإن قول الخلفاء الراشدين واتفاقهم وحدهم لا يكون إجماعًا لأنهم بعض الأمة، والإجماع إنما هو قول جميع الأمة، لما تقدم من عموم لفظ "المؤمنين" و"الأمة" (٢) . فلا بد إذن من دخول جميع المجتهدين؛ سواء كان هذا المجتهد مشهورًا أو خاملاً، وسواء كان من أهل عصر المجمعين أو كان من أهل العصر الذي يليهم لكنه لحق بهم وصار من أهل الاجتهاد ساعة انعقاد الإجماع. وذلك كالتابعي إذا أدرك الصحابة وقت الحادثة المجمع عليها وهو من أهل الاجتهاد (٣) . (الشرط الرابع: يشترط في أهل الإجماع أن يكونوا أحياء موجودين، أما الأموات فلا يعتبر قولهم، وكذلك الذين لم يوجدوا بعد، أو وجُدوا ولم يبلغوا درجة الاجتهاد حال انعقاد الإجماع. فالقاعدة: أن الماضي لا يعتبر والمستقبل لا ينتظر. فالمعتبر في كل إجماع أهل عصره من المجتهدين الأحياء الموجودين، ويدخل في ذلك الحاضر منهم والغائب. لأن الإجماع قول مجتهدي الأمة في عصر من العصور، أما اعتبار جميع مجتهدي الأمة في جميع العصور فغير ممكن؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم الانتفاع بالإجماع أبدًا (٤) . ويتصل بهذا الشرط مسألة انقراض العصر. فهل من شرط صحة الإجماع أن ينقرض عصر المجمعين بموتهم، أو بمرور

стр. 159

زمن طويل على إجماعهم (١) ؟ ذهب الجمهور إلى أن انقراض العصر ليس شرطًا في صحة الإجماع بل المعتبر في إجماع مجتهدي العصر الواحد اتفاقهم ولو في لحظة واحدة. فلا يشترط أن يمضي على اتفاقهم زمن أو أن ينقرض عصر المجمعين، بل متى ما اتفقت كلمتهم واستقرت آراؤهم وعلم ذلك منهم حصل بذلك الإجماع وانعقد. أما اشتراط انقراض العصر فإنه يؤدي إلى تعذر وقوع الإجماع لتلاحق المجتهدين فيدخل مجتهد جديد وهكذا ... ثم إن الأدلة الدالة على حجية الإجماع عامة مطلقة، لم تتعرض لذكر هذا الشرط. وقد ذهب بعض العلماء إلى القول باشتراط انقراض العصر، ولعل هؤلاء أرادوا بهذا الاشتراط زيادة التثبت في نسبة قول المجمعين إليهم، وشدة التأكد من استقرار أهل المذاهب على مذاهبهم. وعلى كل حالٍ فلا بد في هذه المسألة من تحرير قضية مهمة: ألا وهي التثبت في نقل الاتفاق والتأكد من حصول الإجماع، وذلك بمعرفة أقوال المجمعين والاطلاع على أحوالهم للعلم باستقرارهم على مذاهبهم. فإذا حصل التأكد من وقوع الاتفاق والعلمُ بموافقة جميع المجتهدين، ولو في لحظة واحدة، فلا يلتفت بعد حصول الإجماع إلى مخالفة مخالف من أهل الإجماع أو من غيرهم. أما في حالة نقل الاتفاق دون التأكد من موافقة جميع المجتهدين أو من غير علم باستقرار مذاهبهم – انقرض العصر أو لم ينقرض – فالإجماع المنقول – والحالة كذلك – لا يكون صحيحًا، ويمكن أن يقال في مثل هذه الحالة: يشترط في صحة الإجماع استقرار المذاهب. وهذا قد يحصل في لحظة واحدة، وقد يحتاج إلى أزمنة مديدة، وقد لا يحصل أصلاً.

стр. 160

المسألة الخامسة: مستند الإجماع والكلام على هذه المسألة في نقاط ثلاث: أ- اتفق جمهور الأمة على أن هذه الأمة لا تجتمع إلا بدليل شرعي، ولا يمكن أن يكون إجماعها عن هوى، أو قولاً على الله بغير علم، أو دون دليل. ذلك لأن الأمة معصومة عن الخطأ، إذ القول على الله بدون دليل خطأ (١) . ب- الأكثر على جواز أن يستند المجمعون في إجماعهم إلى الكتاب والسنة (٢) ، بل إن هذا هو الصواب كما قرر ذلك ابن تيمية بقوله: "ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص" (٣) ، فلا يجوز عنده أن يوجد إجماع لا يستند إلى نص. وقد بنى ابن تيمية هذا الحكم على مقدمات عامة وقواعد كلية (٤) : أولاها: أن الرسول قد بين أتم البيان فما من مسألة إلا وللرسول ﷺ فيها بيان. ثانيها: شمول النصوص الشرعية وعموم دلالتها على المسائل والوقائع، فإنه ما من مسألة إلا ويمكن الاستدلال عليها بنص خفي أو جلي. ثالثها: أن بعض العلماء قد يخفي عليه النص فيستدل بالاجتهاد والقياس، وبعضهم يعلم النص فيستدل به.

стр. 161

رابعها: ثبت باستقراء موارد الإجماع أن جميع الإجماعات منصوصة. جـ- اختلف العلماء في جواز استناد الإجماع إلى الاجتهاد أو القياس، فمنعه البعض وأجازه البعض (١) . وبناءً على ما قرره ابن تيمية فإن هذا الخلاف يمكن إرجاعه إلى اللفظ؛ إذ كل مستدل يتكلم بحسب ما عنده من العلم، فمن رأى دلالة النص ذكرها ومن رأى دلالة القياس ذكرها، والأدلة الصحيحة لا تتناقض، إلا أنه قد يخفي وجه اتفاقها أو ضعف أحدها على البعض، ومن ادعى أن من المسائل ما لا يمكن الاستدلال عليها إلا بالرأي والقياس فقد غلط، وهو على كل حال مخبر عن نفسه (٢) . وقد استدل من قال بالجواز بوقوع ذلك وذكر أمثلة على استناد الإجماع إلى الاجتهاد (٣) ، إلا أن جميع هذه المسائل يمكن إرجاعها إلى دلالة النصوص العامة فتكون من قبيل المنصوص عليه، وهذا مما يعزز القول بأن الخلاف لفظي إذ الجميع متفق على ضرورة استناد الإجماع إلى دليل، وهذا الدليل - في مسألة ما - قد يعتبره البعض اجتهادًا، ولكن البعض يعتبره نصًا (٤) . المسألة السادسة: الأحكام المترتبة على الإجماع إذا ثبت الإجماع فإن هناك أحكامًا تترتب عليه: أولاً: وجوب اتباعه وحرمة مخالفته. وهذا معنى كونه حجة. قال ابن تيمية: "وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن

стр. 162

لأحد أن يخرج عن إجماعهم" (١) . ويترتب على هذا الحكم ما يأتي: أ- لا يجوز لأهل الإجماع أنفسهم مخالفة ما أجمعوا عليه (٢) . ب- ولا تجوز المخالفة لمن يأتي بعدهم (٣) . ثانيًا: أن هذا الإجماع حق وصواب، ولا يكون خطأ (٤) . ويترتب على هذا الحكم ما يأتي: أ- لا يمكن أن يقع إجماع على خلاف نص أبدًا (٥) . فمن ادعى وقوع ذلك فلا يخلو الحال من أمرين: الأول: عدم صحة وقوع هذا الإجماع؛ لأن الأمة لا تجتمع على خطأ، ومخالفة النص خطأ. والثاني: أن هذا النص منسوخ، فأجمعت الأمة على خلافه استنادًا إلى النص الناسخ. قال ابن القيم: "ومحال أن تجمع الأمة على خلاف نص إلا أن يكون له نص آخر ينسخه" (٦) . ب- ولا يمكن أيضًا أن يقع إجماع على خلاف إجماع سابق، فمن ادعى ذلك فلا بد أن يكون أحد الإجماعين باطلاً، لاستلزام ذلك تعارض دليلين قطعيين (٧) وهو ممتنع (٨) . جـ- ولا يجوز ارتداد أمة محمد ﷺ كافة، لأن الردة أعظم الخطأ، وقد ثبت بالأدلة السمعية القاطعة امتناع إجماع هذه الأمة على الخطأ والضلالة (٩) .

стр. 163

د- ولا يمكن للأمة أيضًا تضييع نص تحتاج إليه، بل الأمة معصومة عن ذلك، لكن قد يجهل بعض الأمة بعض النصوص، ويستحيل أن يجهل ذلك كل الأمة (١) . قال الشافعي: "لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جُمع علم أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره" (٢) . وقال أيضًا: ".....ونعلم أنهم إذا كانت سنن رسول الله لا تعزب عن عامتهم وقد تعزب عن بعضهم" (٣) . وتتعلق بهذا الحكم مسألتان في باب الإجماع (٤) : (المسألة الأولى: إذا اختلف الصحابة على قولين فلا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث يخرج عن قولهم (٥) . لأن في ذلك نسبة الأمة إلى ضياع الحق والغفلة عنه، وهو باطل قطعًا كما تقدم آنفًا، وفيه أيضًا القول بخلو العصر عن قائم لله بحجته، وأنه لم يبق من أهل ذلك العصر على الحق أحد، وهذا باطل كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى (٦) . أما إحداث تفصيل لا يرفع ما اتفق عليه القولان فليس هذا من قبيل مسألتنا إذ لا يعد هذا التفصيل قولاً جديدًا (٧) .

стр. 164

وإذا كان لا يجوز إحداث قول ثالث فيما إذا اختلفت الأمة على قولين، فألا يجوز إحداث تأويل ثالث في معنى آية أو حديث فيما إذا اختلفت الأمة في تأويلها أو تأويله على قولين أولى. إذ تجويز ذلك معناه أن الأمة كانت مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وأن الله قد أنزل الآية وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون، لأن كلا القولين خطأ والصواب هو القول الثالث الذي لم يقولوه، اللهم إلا إن كان المراد من إحداث تأويل ثالث إيراد معنى تحتمله الآية أو الحديث من غير حكم بأنه المراد، فهذا جائز؛ إذ ليس فيه نسبة الأمة إلى تضييع الحق والغفلة عن الصواب والإجماع على الضلالة والخطأ. فالمحذور هو أن تكون الأمة قد قالت: إن هذه الآية أو الحديث لا يراد بها أو به إلا هذا المعنى أو هذا المعنى، فيكون القول الثالث تجويزًا لخفاء مراد الله عن كافة الأمة وهذا ممتنع قطعًا (١) . أما إحداث دليل لم يستدل به السابقون فإن هذا جائز لأن الاطلاع على جميع الأدلة ليس شرطًا في معرفة الحق، إذ يمكن معرفة الحق بدليل واحد وليس في إحداث دليل جديد نسبة الأمة إلى تضييع الحق بخلاف مسألة إحداث قول ثالث (٢) . (المسألة الثانية: إذا اختلف الصحابة (٣) في مسألة على قولين، لم يجز

стр. 165

للتابعين الإجماع على أحدهما؛ لأن في انعقاد هذا الإجماع نسبة الأمة إلى تضييع الحق والغفلة عن الدليل الذي أوجب الإجماع. ولأن نزاع الصحابة واختلافهم لا يمكن أن يكون على خلاف الإجماع، فلا يصح انعقاد إجماع يخالفه بعض الصحابة، لأن المسائل على نوعين: نوع للصحابة فيه قول أو أقوال، فيجب في مثل هذا النوع اتباع ما عليه الصحابة من إجماع واختلاف، ولذلك بوب الخطيب البغدادي بقوله: «باب القول في أنه يجب اتباع ما سنه أئمة السلف من الإجماع والخلاف، وأنه لا يجوز الخروج عنه» (١) . والنوع الآخر من المسائل هو المسائل الحادثة بعد الصحابة، والتي لم ينقل فيها للصحابة كلام، ففي مثل هذا النوع يجوز لمن بعدهم الإجماع، ويجوز لهم الاختلاف في إطار الدليل الشرعي. ولأجل ذلك كان الموقف الصحيح من اختلاف الصحابة هو التخير من أقوالهم بالدليل، واعتبار هذه المسألة التي اختلف فيها الصحابة من مسائل الاجتهاد التي ترد إلى الدليل. قال ابن تيمية: "فإنهم [يعني السلف] أفضل ممن بعدهم، ومعرفة إجماعهم، ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم. وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه" (٢) . إذا تقرر ذلك فإنه لا يُسلم وقوع إجماع على أحد قولي الصحابة، فمن ادعى وقوع ذلك فلا يخلو الحال من أمرين: الأول: أن هذا الخلاف لم يستقر بين الصحابة ﵃ ولم يشتهر عنهم، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإجماع على أحد قولي الصحابة يكون صحيحًا

стр. 166

إذ الممتنع هو وقوع الإجماع على مسألة استقر فيها الخلاف بين الصحابة (١) . الثاني: أن المسألة التي اختلف فيها الصحابة غير المسألة التي أجمع عليها المتأخرون بعدهم؛ لأن اختلاف الزمان قد يؤدي إلى تغير بعض الظروف والأحوال مما يجعل حقيقة المسألة التي اختلف فيها الصحابة تختلف عن حقيقة المسألة التي وقعت بعدهم وأجمع عليها المتأخرون فيكون هذا من قبيل الأحكام التي تختلف باختلاف الزمان والمكان على ما سيأتي (٢) ، فلا بد إذن من التثبت من حقيقة المسألة المجمع عليها: هل هي المسألة نفسها التي اختلف فيها الصحابة؟ ثالثًا: حكم مُنْكِر الحكم المجمع عليه (٣) . قال ابن تيمية: "والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه، كما يكفر مخالف النص بتركه،...........وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره" (٤) . وقد تقدم بيان الإجماع القطعي والظني في أقسام الإجماع (٥) . رابعًا: حرمة الاجتهاد؛ إذ يجب اتباع الإجماع، فإن الإجماع لا يكون إلا على نص، ووجود النص - كما هو معلوم - مسقط للاجتهاد (٦) . خامسًا: سقوط نقل دليل الإجماع، والاستغناء بنقل الإجماع عن نقل دليله، ويسقط أيضًا البحث عن الدليل اكتفاءً بالإجماع (٧) . سادسًا: أن في الإجماع تكثيرًا للأدلة، خاصة وأن الحكم المجمع عليه قد دل عليه النص أيضًا. قال ابن تيمية: "...... وكذلك الإجماع دليل آخر؛ كما يقال: قد دل

стр. 167

على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة" (١) . سابعًا: أن الإجماع قد يجعل الدليل المجمع عليه قطعيًا بعد أن كان في الأصل ظنيًا، كحديث الآحاد الذي أجمعت الأمة على قبوله والعمل به (٢) . والإجماع سبب للترجيح؛ فيقدم النص المجمع عليه على غيره، ولأجل ذلك قدم الأصوليون الإجماع على الكتاب والسنة (٣) . ****

стр. 168

المبحث الرابع: القياس وفي هذا المبحث خمس مسائل: المسألة الأولى: تعريف القياس. المسألة الثانية: أقسام القياس. المسألة الثالثة: حجية القياس. المسألة الرابعة: شروط القياس. المسألة الخامسة: أبحاث العلة.

стр. 169

المسألة الأولى: تعريف القياس القياس لغة (١) : التقدير، ومنه قولهم: قست الثوب بالذراع، إذا قدرته به. والقياس: المساواة، يقال: فلان لا يقاس بفلان؛ أي: لا يساويه. وفي اصطلاح الأصوليين يمكن تعريفه بأنه: "حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما" (٢) . وبهذا التعريف يتضح أن للقياس أربعة أركان (٣) : الركن الأول: الأصل، وهو المقيس عليه. الركن الثاني: الفرع، وهو المراد إلحاقه بالأصل المقيس عليه وحمله عليه. الركن الثالث: حكم الأصل، وهو الوصف المقصود حمل الفرع عليه. الركن الرابع: الوصف الجامع، وهو العلة الجامعة بين الأصل والفرع المقتضية للحمل. المسألة الثانية: أقسام القياس ينقسم القياس إلى أقسام متعددة بعدة اعتبارات: أولاً: باعتبار قوته وضعفه ينقسم القياس إلى جلي وخفي (٤) .

стр. 170

فالقياس الجلي: ما قُطع فيه بنفي الفارق المؤثر، أو كانت العلة فيه منصوصًا أو مجمعًا عليها، فهذه ثلاث صور. وهذا النوع من القياس لا يُحتاج فيه إلى التعرض لبيان العلة الجامعة، لذلك سُمي بالجلي، وذلك مثل قياس إحراق مال اليتيم وإغراقه على أكله في الحرمة الثابتة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] . وهذا النوع من القياس متفق عليه، وهو أقوى أنواع القياس لكونه مقطوعًا به، وقد اختلف في تسميته قياسًا كما سيأتي بيان ذلك في الكلام على مفهوم الموافقة (١) . والقياس الخفي: ما لم يُقطع فيه بنفي الفارق ولم تكن علته منصوصًا أو مجمعًا عليها، وذلك مثل قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص. فهذا النوع لا بد فيه من التعرض لبيان العلة وبيان وجودها في الفرع، فيحتاج إلى مقدمتين: المقدمة الأولى: أن السكر مثلاً علة التحريم في الخمر، فهذه المقدمة إنما تثبت بأدلة الشرع، وهي مسالك العلة الآتي بيانها (٢) . المقدمة الثانية: أن السكر موجود في النبيذ، فهذه المقدمة يجوز أن تثبت بالحس والعقل والعرف وأدلة الشرع. وهذا النوع متفق على تسميته قياسًا. ثانيًا: باعتبار علته ينقسم القياس إلى ثلاثة أقسام (٣) :

стр. 171

القسم الأول: قياس العلة، وهو: ما صرح فيه بالعلة فيكون الجامع هو العلة، وذلك كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] . يعني: هم الأصل، وأنتم الفرع، والعلة الجامعة التكذيب، والحكم الهلاك. والقسم الثاني: قياس الدلالة، وهو: ما لم تُذكر فيه العلة، وإنما ذُكر فيه لازم من لوازمها؛ كأثرها أو حكمها فيكون الجامع هو دليل العلة، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] . فالأصل القدرة على إحياء الأرض، والفرع القدرة على إحياء الموتى، والعلة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة. والقسم الثالث: القياس في معنى الأصل، وهو: ما كان بإلغاء الفارق فلا يحتاج إلى التعرض إلى الجامع، وذلك كإلحاق الضرب بالتأفيف، وهذا القسم هو القياس الجلي؛ ويسمى: بمفهوم الموافقة. ثالثًا: وينقسم القياس إلى: قياس طرد، وقياس عكس (١) . فقياس الطرد: ما اقتضى إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه (٢) . وقياس العكس: ما اقتضى نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه. ومثال هذين القسمين يوضحه ابن تيمية بقوله: "وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس؛ فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يُعلم أن من فعل

стр. 172

مثل ما فعلوا، أصابه مثل ما أصابهم، فيتقي تكذيب الرسل حذرًا من العقوبة، وهذا قياس الطرد، ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس" (١) . رابعًا: ينقسم القياس باعتبار محله إلى الأقسام التالية: أ- القياس في التوحيد والعقائد (٢) : اتفق أهل السنة على أن القياس لا يجري في التوحيد إن أدى إلى البدعة والإلحاد، وتشبيه الخالق بالمخلوق، وتعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله. وإنما يصح القياس في باب التوحيد إذا استدل به على معرفة الصانع وتوحيده، ويستخدم في ذلك قياس الأولى، لئلا يدخل الخالق والمخلوق تحت قضية كلية تستوي أفرادها (٣) ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] ، ولئلا يتماثلان أيضًا في شيء من الأشياء (٤) ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . بل الواجب أن يُعلم أن كل كمالٍ –لا نقص فيه بوجه– ثبت للمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص وجب نفيه عن المخلوق فالخالق أولى بنفيه عنه. ب- القياس في الأحكام الشرعية (٥) : منع البعض إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية، لأن في الأحكام ما لا يعقل معناه فيتعذر إجراء القياس في مثله. وهذا غير صحيح؛ بل كل ما جاز إثباته بالنص جاز إثباته بالقياس، لأنه ليس في هذه الشريعة شيء يخالف القياس.

стр. 173

قال ابن تيمية: "ومن كان متبحرًا في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة" (١) . وقال ابن القيم: ".... فهذه نبذة يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف، وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجودًا وعدمًا" (٢) . خامسًا: باعتبار الصحة والبطلان ينقسم القياس إلى صحيح وفاسد ومتردد بينهما: فالصحيح: هو ما جاءت به الشريعة في الكتاب والسنة، وهو الجمع بين المتماثلين، مثل أن تكون العلة موجودة في الفرع من غير معارض يمنع حكمها، ومثل القياس بإلغاء الفارق. والفاسد ما يضاده (٣) . قال ابن تيمية: "وكل قياس دل النص على فساده فهو فاسد، وكل من ألحق منصوصًا بمنصوص يخالف حكمه فقياسه فاسد، وكل من سوى بين شيئين أو فرق بين شيئين بغير الأوصاف المعتبرة في حكم الله ورسوله فقياسه فاسد" (٤) . والقسم الثالث: هو القياس المتردد بين الصحة والفساد فلا يقطع بصحته ولا بفساده، فهذا يتوقف فيه حتى يتبين الحال فيقوم الدليل على الصحة أو الفساد (٥) . - فلفظ القياس إذن لفظ مجمل يدخل فيه الصحيح والفاسد (٦) . - لذلك لا يصح إطلاق القول بصحته أو ببطلانه (٧) . - ولهذا أيضًا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم أيضًا استعماله والاستدلال به، وهذا حق وهذا حق.

стр. 174

فمراد من ذمه: القياسُ الباطل، ومراد من استعمله واستدل به: القياس الصحيح (١) . - ولهذا أيضًا لم يجئ في القرآن الكريم مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد (٢) . المسألة الثالثة: حجية القياس اتفق جمهور العلماء على إثبات القياس والاحتجاج به من حيث الجملة (٣) ، بل ذكره كثير من علماء أهل السنة ضمن الأدلة المتفق عليها (٤) . و الناس في القياس طرفان ووسط (٥) . فطرف أنكر القياس أصلاً، وطرف أسرف في استعماله حتى رد به النصوص الصحيحة، والحق هو التوسط بين الطرفين، وهو مذهب السلف، فإنهم لم ينكروا أصل القياس ولم يثبتوه مطلقًا، بل أخذوا بالقياس واحتجوا به ولكن وفق الضوابط الآتية: الضابط الأول: ألا يوجد في المسألة نص (٦) ؛ لأن وجود النص يسقط القياس، فلا بد أولاً من البحث عن النص قبل استعمال القياس حتى لا يُصار إلى القياس إلا عند عدم النص (٧) .

стр. 175

قال الشافعي: "ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز" (١) . الضابط الثاني: أن يصدر هذا القياس من عالمٍ مؤهل (٢) ، قد استجمع شروط الاجتهاد (٣) . الضابط الثالث: أن يكون القياس في نفسه صحيحًا، قد استكمل شروط القياس الصحيح الآتي بيانها في المسألة اللاحقة (٤) . بهذه الضوابط الثلاثة يكون القياس صحيحًا ومعتبرًا في الشريعة، وهذا هو القياس الذي أشار إليه السلف واستعملوه، وعملوا به وأفتوا به، وسوغوا القول به (٥) ، وهو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] ، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥] . قال ابن تيمية: "وكذلك القياس الصحيح حق، فإن الله بعث رسله بالعدل، وأنزل الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل وما يُعرف به العدل" (٦) . وقال ابن القيم: "فالصحيح [يعني من القياس] هو الميزان الذي أنزله مع كتابه" (٧) . وهذا القياس من العدل الذي جاءت به الشريعة، ولا يمكن أن يقع بينهما شيء من التعارض أو التناقض (٨) . أما القياس الذي خلا من هذه الضوابط، أو من واحد منها فهو القياس

стр. 176

الباطل والرأي الفاسد، وهذا هو الذي ذمه السلف ومنعوا من العمل والفتيا به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله (١) . قال ابن عبد البر: "وأما القياس على الأصل والحكم للشيء بنظيره فهذا مما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من رُوي عنه ذم القياس قد وُجد له القياس الصحيح منصوصًا، لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام" (٢) . وقبل ذكر الأدلة على حجية القياس، تحسن الإشارة إلى أن العمل بالقياس الصحيح والاحتجاج به لدي أهل السنة، أمر مبني على أصول شرعية ثابتة. (الأصل الأول: إثبات الحكمة والتعليل في أحكام الله وشرعه وأمره ، وتنزيهه جل شأنه عن العبث، وسيأتي بيان ذلك – إن شاء الله – في مسألة التعليل (٣) . (الأصل الثاني: شمول النصوص لجميع الأحكام وإحاطتها بأفعال المكلفين، فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله ﷺ بكلامه وكلام رسوله ﷺ جميع ما أمر به، وجميع ما نَهَى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون الدين كاملاً، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ، ولكن الناس يتفاوتون في معرفة النصوص والاطلاع عليها، ويتفاوتون أيضًا في فهمها: فمنهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه، ومنهم من يضم إلى النص نصًا آخر متعلقًا به فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك النص بمفرده، وهذا مشروط بفهم يؤتيه الله عبده (٤) .

стр. 177

والمقصود أن دلالة القياس الصحيح لا تخرج عن دلالة النصوص؛ فقد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان؛ فإن ما ثبت بالقياس لا بد وأن يستند إلى الكتاب أو السنة أو الإجماع في ثبوت حكم الأصل المقيس عليه من جهة، وفي ثبوت علته من جهة أخرى، والقياس على كل حال مستند في ثبوت حجيته إلى نصوص الكتاب والسنة (١) . فإذا علم ذلك وهو شمول النصوص للأحكام وتفاوت الناس في فهم النصوص: - علم أولاً بطلان قول من قال: "إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة" (٢) . - وعُلم ثانيًا أن النصوص كافية ويُستغنى بها عن القياس والرأي في كثير من المسائل. فمن ذلك (٣) : الاكتفاء بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] عن إثبات قطع النباش بالقياس، إذ السارق يعم في لغة العرب وعرف الشارع سارق ثياب الأحياء والأموات. والاكتفاء بقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤) في إبطال كل عقد نهى الله ورسوله ﷺ عنه وحرمه، وأنه لغو لا يعتد به. - وعلم ثالثًا مقدار هذه الشريعة، وجلال مكانتها، وسعتها، وهيمنتها، وشرفها على جميع الشرائع (٥) . - وعُلم رابعًا أن الرسول ﷺ قد بين لأمته كل شيء من الدين (٦) .

стр. 178

(الأصل الثالث: موافقة القياس الصحيح لنصوص الشريعة؛ إذ ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس. ومما يدل على ذلك: ١- أن القياس الصحيح من العدل، والنص الشرعي من العدل، فكلاهما عدل. قال ابن تيمية: "وهو [أي القياس الصحيح] من العدل الذي بعث الله به رسوله" (١) . ٢- أن الشريعة لا تناقض فيها ولا تعارض بين شيء من أحكامها، والقياس الصحيح مما جاءت به الشريعة (٢) . ٣- أن الشريعة جاءت بالجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، والقياس من قبيل الجمع بين المتماثلين فيكون موافقًا للشريعة (٣) . ولابن تيمية رسالة نفيسة في بيان أنه ليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا (٤) ، كما عقد ابن القيم في ذلك فصلاً في كتابه القيم "إعلام الموقعين"، فقال: "فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس......" (٥) . وبذلك يتضح: * خطأ من عنون لتلك المسألة بقوله: "ما حكم العمل بخبر الواحد إذا خالف القياس؟ ". لأن هذا العنوان مبني على تصور وقوع الاختلاف بين الخبر والقياس، وهذا غير صحيح. * وأن من ادعى وقوع اختلاف بين الخبر والقياس فالجواب عليه أن يقال: لا يخلو الحال من أمرين: الأمر الأول: عدم ثبوت هذا الخبر المخالف للقياس.

стр. 179

والأمر الثاني: فساد هذا القياس. قال ابن تيمية: " ... وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد. فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس: علمنا قطعًا أنه قياس فاسد.....فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده" (١) . * وأن الخبر يقدم على القياس دائمًا إذا ظهر للمجتهد بينهما تعارض، يوضحه: * أن القياس المخالف للنص قياس فاسد، لا يجوز المصير إليه ولا الأخذ به، وهذا هو القياس الذي ثبت عن السلف ذمه والمنعُ منه. أما الأدلة على حجية القياس فمنها: أولاً: إجماع الصحابة ﵃ على الحكم بالقياس في وقائع كثيرة تصل بمجموعها إلى حد التواتر (٢) . فمن ذلك قياس الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع منها بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام (٣) . ولم يزل التابعون أيضًا ومن بعدهم من علماء الأمة على إجازة القياس وإثبات الأحكام به (٤) . ثانيًا: حديث معاذ ﵁ (٥) المشهور أن الرسول ﷺ لما بعثه إلى

стр. 180

اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟» قال: اجتهد رأي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسوِل الله لما يرضي رسول الله» (١) . قال ابن عبد البر عن هذا الحديث: "وهو الحجة في إثبات القياس عند جميع الفقهاء القائلين به" (٢) . وقد وردت عن الصحابة ﵃ آثار تدل على هذا المعنى (٣) .
следующие страницы →