الباطل والرأي الفاسد، وهذا هو الذي ذمه السلف ومنعوا من العمل والفتيا به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله (١) .
قال ابن عبد البر: "وأما القياس على الأصل والحكم للشيء بنظيره فهذا مما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من رُوي عنه ذم القياس قد وُجد له القياس الصحيح منصوصًا، لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام" (٢) .
وقبل ذكر الأدلة على حجية القياس، تحسن الإشارة إلى أن العمل بالقياس الصحيح والاحتجاج به لدي أهل السنة، أمر مبني على أصول شرعية ثابتة.
(الأصل الأول: إثبات الحكمة والتعليل في أحكام الله وشرعه وأمره ، وتنزيهه جل شأنه عن العبث، وسيأتي بيان ذلك – إن شاء الله – في مسألة التعليل (٣) .
(الأصل الثاني: شمول النصوص لجميع الأحكام وإحاطتها بأفعال المكلفين، فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله ﷺ بكلامه وكلام رسوله ﷺ جميع ما أمر به، وجميع ما نَهَى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون الدين كاملاً، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ، ولكن الناس يتفاوتون في معرفة النصوص والاطلاع عليها، ويتفاوتون أيضًا في فهمها:
فمنهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه، ومنهم من يضم إلى النص نصًا آخر متعلقًا به فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك النص بمفرده، وهذا مشروط بفهم يؤتيه الله عبده (٤) .
стр. 177
والمقصود أن دلالة القياس الصحيح لا تخرج عن دلالة النصوص؛ فقد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان؛ فإن ما ثبت بالقياس لا بد وأن يستند إلى الكتاب أو السنة أو الإجماع في ثبوت حكم الأصل المقيس عليه من جهة، وفي ثبوت علته من جهة أخرى، والقياس على كل حال مستند في ثبوت حجيته إلى نصوص الكتاب والسنة (١) .
فإذا علم ذلك وهو شمول النصوص للأحكام وتفاوت الناس في فهم النصوص:
- علم أولاً بطلان قول من قال: "إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة" (٢) .
- وعُلم ثانيًا أن النصوص كافية ويُستغنى بها عن القياس والرأي في كثير من المسائل. فمن ذلك (٣) :
الاكتفاء بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] عن إثبات قطع النباش بالقياس، إذ السارق يعم في لغة العرب وعرف الشارع سارق ثياب الأحياء والأموات.
والاكتفاء بقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤) في إبطال كل عقد نهى الله ورسوله ﷺ عنه وحرمه، وأنه لغو لا يعتد به.
- وعلم ثالثًا مقدار هذه الشريعة، وجلال مكانتها، وسعتها، وهيمنتها، وشرفها على جميع الشرائع (٥) .
- وعُلم رابعًا أن الرسول ﷺ قد بين لأمته كل شيء من الدين (٦) .
стр. 178
(الأصل الثالث: موافقة القياس الصحيح لنصوص الشريعة؛ إذ ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس. ومما يدل على ذلك:
١- أن القياس الصحيح من العدل، والنص الشرعي من العدل، فكلاهما عدل.
قال ابن تيمية: "وهو [أي القياس الصحيح] من العدل الذي بعث الله به رسوله" (١) .
٢- أن الشريعة لا تناقض فيها ولا تعارض بين شيء من أحكامها، والقياس الصحيح مما جاءت به الشريعة (٢) .
٣- أن الشريعة جاءت بالجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، والقياس من قبيل الجمع بين المتماثلين فيكون موافقًا للشريعة (٣) .
ولابن تيمية رسالة نفيسة في بيان أنه ليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا (٤) ، كما عقد ابن القيم في ذلك فصلاً في كتابه القيم "إعلام الموقعين"، فقال: "فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس......" (٥) .
وبذلك يتضح:
* خطأ من عنون لتلك المسألة بقوله: "ما حكم العمل بخبر الواحد إذا خالف القياس؟ ".
لأن هذا العنوان مبني على تصور وقوع الاختلاف بين الخبر والقياس، وهذا غير صحيح.
* وأن من ادعى وقوع اختلاف بين الخبر والقياس فالجواب عليه أن يقال: لا يخلو الحال من أمرين:
الأمر الأول: عدم ثبوت هذا الخبر المخالف للقياس.
стр. 179
والأمر الثاني: فساد هذا القياس.
قال ابن تيمية: " ... وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد.
فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس: علمنا قطعًا أنه قياس فاسد.....فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده" (١) .
* وأن الخبر يقدم على القياس دائمًا إذا ظهر للمجتهد بينهما تعارض، يوضحه:
* أن القياس المخالف للنص قياس فاسد، لا يجوز المصير إليه ولا الأخذ به، وهذا هو القياس الذي ثبت عن السلف ذمه والمنعُ منه.
أما الأدلة على حجية القياس فمنها:
أولاً: إجماع الصحابة ﵃ على الحكم بالقياس في وقائع كثيرة تصل بمجموعها إلى حد التواتر (٢) .
فمن ذلك قياس الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع منها بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام (٣) .
ولم يزل التابعون أيضًا ومن بعدهم من علماء الأمة على إجازة القياس وإثبات الأحكام به (٤) .
ثانيًا: حديث معاذ ﵁ (٥) المشهور أن الرسول ﷺ لما بعثه إلى
стр. 180
اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟» قال: اجتهد رأي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسوِل الله لما يرضي رسول الله» (١) .
قال ابن عبد البر عن هذا الحديث: "وهو الحجة في إثبات القياس عند جميع الفقهاء القائلين به" (٢) .
وقد وردت عن الصحابة ﵃ آثار تدل على هذا المعنى (٣) .
стр. 181
ثالثًا: ما ثَبَتَ في الكتاب والسنة من الأمر بالاعتبار والاتعاظ والاستفادة من الأمثال المضروبة وأخذ الأحكام منها، وأن للنظير حكم نظيره، وهذا معلوم أيضًا في فِطَرِ الناس ومستقر في عوائدهم وأحوالهم (١) .
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] ، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ، وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] .
وكذلك لو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأن فإنه يزيد في مادة المرض، لفهم كل عاقلٍ منه أن لحم الإبل والبقر كذلك، ولو أكل منهما لعد مخالفًا.
وكذلك لو من عليه غيره بإحسانه، فقال: والله لا أكلتُ له لقمةً ولا شربتُ له ماءً؛ يريد خلاصه من منته عليه، ثم قبل منه الدراهمَ، والذهبَ، والثيابَ، والشاةَ، ونحوها، لعده العقلاءُ واقعًا فيما هو أعظم مما حَلَفَ عليه (٢) .
стр. 182
المسألة الرابعة: شروط القياس
لا بد في صحة القياس واعتباره شرعًا من توفر الشروط الآتية فيه (١) :
الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل المقيس عليه ثابتًا، إما بنص، أو إجماع، أو باتفاق الخصمين عليه، أو بدليل يغلب على الظن صحته، وألا يكون منسوخًا.
الشرط الثاني: أن يكون حكم الأصل المقيس عليه معقول المعنى لتُمكن تعدية الحكم، أما ما لا يعقل معناه كعدد الركعات فلا سبيل إلى تعدية الحكم فيه.
الشرط الثالث: أن توجد العلة في الفرع بتمامها، وذلك بأن يقطع بوجودها - وهذا هو قياس الأولى أو المساواة - أو يغلب على الظن وجودها في الفرع.
الشرط الرابع: ألا يكون حكم الفرع منصوصًا عليه بنص مخالف لحكم الأصل، إذ القياس يكون حينئذ على خلاف النص وهو باطل، وأما إن كان النص موافقًا لحكم الأصل، فإن هذا يجوز من باب تكثير الأدلة؛ فيقال في حكم الفرع: دل عليه النص والقياس.
الشرط الخامس: أن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل، فلا يصح قياس واجب على مندوب، ولا مندوب على واجب مثلاً؛ لعدم مساواتهما في الحكم.
الشرط السادس: أن تكون العلة متعدية، فإن كانت قاصرة صح التعليل بها ولم يصح تعدية الحكم بها، مثال العلة القاصرة: الثمنية في الذهب والفضة، ومثال العلة المتعدية: الطعم في البر.
الشرط السابع: أن تكون العلة ثابتة بمسلك من مسالك العلة وهي النص
стр. 183
أو الإجماع أو الاستنباط (١) .
الشرط الثامن: ألا تخالف العلة نصًا ولا إجماعًا، وذلك إن كانت مستنبطة.
الشرط التاسع: أن تكون العلة -وذلك إن كانت مستنبطة- وصفًا مناسبًا وصالحًا لترتيب الحكم عليه، فلا يصح التعليل بالوصف الطردي كالطول والسواد.
الشرط العاشر: أن يكون القياس في الأحكام الشرعية العملية؛ إذ لا يصح إجراء القياس في العقائد والتوحيد إن أدى إلى البدعة والتعطيل (٢) .
المسألة الخامسة: أبحاث العلة
وتحت هذه المسألة الأبحاث التالية:
١- تعريف العلة وبيان أقسامها.
٢- مذهب أهل السنة في التعليل.
٣- مسالك العلة.
(البحث الأول: تعريف العلة وبيان أقسامها:
العلة لغة: بمعنى المرض (٣) .
وفي اصطلاح الأصوليين (٤) : هي أحد أركان القياس وهو الوصف الجامع بين الفرع والأصل المناسب لتشريع الحكم.
стр. 184
وتسمى العلة: بالمناط، والمؤثر، والمظنة، والسبب، والمقتضي، والمستدعي، والجامع (١) .
والأوصاف ثلاثة أقسام (٢) :
الأول: وصف يُعلم مناسبته لبناء الحكم الشرعي عليه، كمناسبة الإسكار لتحريم الخمر، فهذا يسمى: بالوصف المناسب، وهو صحيح يجوز فيه القياس (٣) .
الثاني: وصف لا يُتوهم أنه مناسب لبناء الحكم عليه؛ لعدم التفات الشارع إليه في حكم ما، كالطول والقصر، والسواد والبياض، فهذا يسمى: بالصوف الطردي، والقياس به باطل.
الثالث: وصف بين القسمين السابقين، متردد بين المناسبة وعدمها، وهذا يسمى: بقياس الشبه، فهو من حيث إنه لم تتحقق فيه المناسبة أشبه الطردي، ومن حيث إنه لم يتحقق فيه انتفاؤها أشبه المناسب، ولهذا سمي شبهًا.
وهو من أصعب مسالك العلة وأدقها فهما.
ومثاله: العبد إذا قتل هل تلزم فيه القيمة أو الدية؟
فمن حيث إنه يباع ويوهب ويورث أشبه المال ومن حيث إنه يثاب ويعاقب وينكح أشبه الحر، فيلحق بأكثرهما شبهًا (٤) .
- وقد تكون العلة (٥) وصفًا عارضًا كالشدة في الخمر، وقد تكون وصفًا لازمًا كالأنوثة في ولاية النكاح.
стр. 185
- وقد تكون حكمًا شرعيًا، كأن يقال: يحرم بيع الخمر فلا يصح بيعه كالميتة.
- وقد تكون فعلاً من أفعال المكلفين كالقتل والسرقة.
- وقد تكون وصفًا مجردًا كالكيل عند من يعلل به تحريم الربا، وقد تكون أوصافًا مركبة كالقتل العمد العدوان.
- وقد تكون إثباتًا، وقد تكون نفيًا، نحو: لم ينفذ تصرفه لعدم رشده.
- وقد تكون العلة قاصرة كالثمنية في الذهب والفضة، وقد تكون متعدية كالطعم في البر.
- وقد تكون العلة وصفًا مناسبًا، وقد تكون وصفًا غير مناسب، وقد تكون وصفًا مترددًا بين المناسبة وعدمها. وقد تقدم قريبًا التمثيل لهذه الأقسام الثلاثة.
- وقد تكون العلة مطردة بمعنى أن يوجد الحكم كلما وجدت العلة، وقد تكون غير مطردة فتوجد العلة ويتخلف عنها الحكم (١) .
(البحث الثاني: مذهب أهل السنة في التعليل:
يمكن بيان مذهب أهل السنة في الأسباب والحكمة والتعليل في القواعد الآتية:
стр. 186
- القاعدة الأولى: أن الله قادر على كل شيء، وأنه سبحانه له الإرادة التامة والمشيئة النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يجوز أن يكون شيء من الأعمال خارجًا عن قدرته ومشيئته.
وعلى ذلك أجمع الرسل والكتب المنزلة، وعليه دلت الفطرة التي فطر الله خلقه عليها، وهذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به، والمسلمون مجمعون على ذلك وخالفهم في ذلك من ليس منهم.
والقرآن مملوء بإثبات المشيئة لله وحده، لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] ، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] (١) .
- القاعدة الثانية: أن الله سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعًا وقدرًا، فجعل المعاصي سببًا لدخول النار (٢) .
وهذه الأسباب وما لها من تأثير وقوة هي طوع مشيئته سبحانه وإرادته وتجري تحت حكمه جل شأنه، فلا يجوز أن تستقل هذه الأسباب بالفعل والتأثير دون مشيئته (٣) ، بل التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت مع كونه سببًا.
فالواجب الصعودُ من الأسباب إلى مسببها والتعلق به سبحانه دونها.
فالالتفات إلى الأسباب بالكلية شرك منافٍ للتوحيد.
وإنكار أن تكون الأسباب أسبابًا بالكلية قدح في الشرع والحكمة.
والإعراض عن الأٍسباب مع العلم بكونها أسبابًا، نقصان في العقل (٤) .
والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا
стр. 187
أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] ، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩، يونس: ٥٢] ، وأهل السنة على إثبات باء السببية، ويقولون: إن الله يخلق الأشياء بالأسباب لا عندها (١) ، لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ٩- ١١] .
ومعلوم أن مجرد حصول الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مرسلة بإذن الله، ولا بد من انتفاء الموانع، فلا بد إذن من تمام الشروط وزوال الموانع مع تحصيل الأسباب، وكل ذلك بقضاء الله وقدره (٢) .
- القاعدة الثالثة: أن الله سبحانه حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا لغير مصلحة وحكمة؛ بل أفعاله صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل (٣) .
стр. 188
وهذه الحكمة يعلمها سبحانه على وجه التفصيل، وقد يُعلم بعض عباده من ذلك ما يُعلمه إياه؛ إذ لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء (١) .
والحكمة نوعان (٢) :
النوع الأول: حكمة تعود إليه سبحانه يحبها ويرضاها وهي رحمته بعباده، وتدبيره لأمر خلقه، وتصرفه في مملكته بأنواع التصرفات، وإثابته للمحسن على إحسانه، ومعاقبته للمسيء على إساءته؛ فيوجد أثر عدله وفضله وأن يعرف سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته، وأن يعرف خلقه أنه لا إله غيره ولا رب سواه.
والنوع الثاني: حكمة تعود إلى عباده، وهي نعمة عليهم يفرحون بها ويلتذون بها، ففي الجهاد مثلاً عاقبة محمودة للناس في الدنيا يحبونها؛ وهي النصر والفتح، وفي الآخرة الجنة والنجاة من النار.
وقد نزه الله أفعاله عن العبث، فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] ، وقال جل شأنه: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] .
وأنكر سبحانه أن يسوي بين المختلفين، وأن يفرق بين المتماثلين، وأن حكمته وعدله يأبى ذلك، فقال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ، وأخبر سبحانه عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] ، وقال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١] (٣) ، وإثبات الحكمة في أفعال الله لا يستلزم الحاجة والنقص،
стр. 189
فلا يقال: لو خلق الخلق لعلة وحكمة ومصلحة لكان ناقصًا بدونها مستكملاً بها (١) ؛ لأن الله له الغنى المطلق، فهو الغني عن كل ما سواه من كل وجه، وكل ما سواه فقير إليه من كل وجه (٢) .
- القاعدة الرابعة: أن أفعال الله معللة بالحكم ورعاية المصالح، فجميع الأوامر والنواهي مشتملة على حكم باهرة ومصالح عظيمة، كيف والقرآن والسنة مملوءان من تعليل الأحكام والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان (٣) .
فمن الأمثلة على ذلك في القرآن (٤) :
أنه تارة يذكر ذلك بلام التعليل الصريحة (٥) ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وتارة يذكر "كي" الصريحة في التعليل، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] .
وتارة يذكر «من أجل» الصريحة في التعليل كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] .
وتارة يذكر "لعل" المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
стр. 190
وتارة يذكر المفعول له، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .
وتارة ينبه على السبب بذكره صريحًا، كقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١] .
فكان ذكر الشارع للعلة والأوصاف المؤثرة والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية الشرعية والجزئية للدلالة على تعلق الحكم بها أين وجدت، واقتضائها لأحكامها، وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها ويوجب تخلف أثرها، ولتعدية الحكم بتعدي هذه العلل والأوصاف (١) .
وتعليل أفعال الله سبحانه لا يلزم منه – على مذهب السلف – القول بأنه يجب على الله رعاية مصالح العباد (٢) ؛ ذلك لأن السلف يثبتون لله كمال القدرة والحكمة، ولا يشبهونه بشيء من خلقه، ولأجل ذلك يقولون:
إن الله خالق كل شيء ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، ويفعل سبحانه ما يفعل بأسباب ولحكم وغايات محمودة، فله المشيئة العامة، والقدرة التامة، والحكمة البالغة (٣) .
ولا يجب عليه سبحانه شيء فيما يحكم ويقضي؛ إذ لا يجوز قياسه على خلقه (٤) : ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ، لذا فإن القول: بأن العلة مجرد علامة محضة لا يصح ، لكونه مبنيًا على إنكار التعليل في أفعال الله، بل العلة هي الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم (٥) .
стр. 191
البحث الثالث: مسالك العلة:
والمراد بمسالك العلة: طرق إثبات العلة، وهي ما دل على كون الوصف علة.
وطرق إثبات العلة هي: النص، والإجماع، والاستنباط.
أو يقال مسالك العلة نوعان:
مسالك نقلية هي النص والإجماع.
ومسالك عقلية هي الاستنباط وما تحته من أضرب (١) .
وفيما يأتي بيان موجز لهذه المسالك:
المسلك الأول: النص (٢) ، ومنه ما هو صريح في العلية، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] ، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على التعليل صراحة.
ومنه ما ليس صريحًا في التعليل، وهذا يسمى ب الإيماء والتنبيه على العلة (٣) .
وهو: أن يقترن الحكم بوصفٍ على وجهٍ لو لم يكن علة لكان هذا الاقتران بعيدًا عن الفصاحة ومعيبًا عند العقلاء، وكلام الشارع ينزه عن ذلك.
والإيماء والتنبيه أنواع:
منها: أن يذكر الحكمُ عقب وصف بالفاء فيدل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
ومنها: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ؛ أي: لتقواه.
стр. 192
ومنها: أن يذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، المطففين: ٢٢] ؛ أي: لبرهم.
المسلك الثاني: الإجماع (١) ، والمراد بهذا المسلك: أن تجمع الأمة على أن هذا الحكم علته كذا، كالإجماع على أن الصغر علة الولاية في المال، أو في الإجبار على النكاح.
المسلك الثالث: الاستنباط ، وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول (٢) : السبر والتقسيم ، وقد يسمى بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبهما معًا وهو الأكثر.
والسبر والتقسيم مبني على أمرين:
(أحدهما: حصر الأوصاف، وهو المعبر عنه بالتقسيم، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ، فيقال: لا يخلوا الحال من ثلاثة أمور:
الأول: أن يكونوا قد خُلقوا من غير شيء؛ أي: بدون خالق.
والثاني: أن يكونوا خلقوا أنفسهم.
والثالث: أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم.
(والأمر الثاني: إبطال ما هو باطل من الأوصاف المحصورة، وإبقاء ما هو صحيح منها، وهذا ما يعبر عنه بالسبر، فيقال في المثال السابق: لا شك أن القسمين الأولين باطلان ضرورة، والقسم الثالث هو الحق الذي لا شك فيه، فإن الله هو خالقهم المستحق وحده للعبادة.
وهذا الحصر وما يتبعه من الإبطال متى كان قطعيًا كان التعليل به قطعيًا.
ومتى كان ذلك ظنيًا كان التعليل كذلك، وهكذا....
стр. 193
النوع الثاني (١) : الدوران الوجودي والعدمي ، ويسمى بالدوران فقط، وبالطرد والعكس.
والمراد بهذا المسلك أن اقتران الحكم بوصف ما وجودًا وعدمًا دليل على أنه علته، فلا يكفي اقترانه به في الوجود فقط أو في العدم فقط.
وذلك مثل الشدة في الخمر فإنها علة تحرميه.
النوع الثالث (٢) : المناسبة والإخالة ، والمراد بهذا المسلك عند الأصوليين:
أن يكون الحكم مقترنًا بوصف مناسب لبناء الحكم عليه، فيجعل هذا الوصف علة لهذا الحكم؛ لاشتمال هذا الوصف على مصلحة معتبرة.
وذلك كالإسكار فإنه مناسب للتحريم؛ لأن المنع من الإسكار فيه مصلحة حفظ العقل. وقد تقدم بيان أن الأوصاف منها ما هو مناسب لبناء الحكم عليه، وهو المقصود في هذا المقام؛ إذ الوصف المناسب هو "ما كان في إثبات الحكم عقبه مصلحة" (٣) فيدل ذلك على التعليل به.
ومن الأوصاف ما لا يكون مناسبًا لبناء الحكم عليه، وهذا ما يسمى بالوصف الطردي، ومن الأوصاف ما هو متردد بين الوصف المناسب والوصف الطردي (٤) .
والوصف المناسب للعلية ينقسم من حيث اعتبار الشرع له في ربط الأحكام به وعدم اعتباره إلى أربعة أقسام:
مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل.
لأن الوصف المناسب إما أن يدل الدليل على اعتباره في الحكم، وإما أن يدل على عدم اعتباره فيه، وإما ألا يدل على اعتباره فيه ولا على عدمه، فهذه
стр. 194
ثلاثة أقسام لا رابع لها، وواحد منها ينقسم إلى قسمين، وهو ما دل الدليل على اعتبار الوصف في الحكم، لأنه مؤثر أو ملائم.
(فالمؤثر: ما دل الدليل فيه على اعتبار عين الوصف في عين الحكم، كتعليل ولاية المال بالصغر؛ فإنه اعتبر عين الصغر في عين الولاية في المال إجماعًا، وسُمي هذا القسم مؤثرًا لحصول التأثير فيه عينًا وجنسًا فظهر تأثيره في الحكم.
(والملائم: ما دل الدليل على اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، كتأثير القتل بالمثقل في القصاص؛ فإنه اعتبر جنس الجناية في جنس القصاص.
وكذلك ما دل الدليل على اعتبار عين الوصف في جنس الحكم، كتقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في الميراث، فاعتبر ذلك في جنس الولاية، ومنها ولاية النكاح.
وكذلك ما دل الدليل على اعتبار جنس الوصف في عين الحكم، كتأثير جنس المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض، وفي التخفيف عن المسافر، فاعتبرت هذه المشقة المشتركة في عين إسقاط القضاء عن الحائض.
(والغريب: هو ما دل الدليل على عدم اعتبار هذا الوصف في الحكم، وهو المعروف بالمصلحة الملغاة التي أهدرها الشارع.
(والمرسل هو ما لم يقم دليل خاص على اعتبار مناسبته أو إهدارها، وهذا ما يعرف بالمصلحة المرسلة (١) .
و حاصل القول في الوصف المناسب:
- أنه مبني على أن أحكام الله سبحانه مشتملة على مصالح ومنافع (٢) .
- وأن أحكامه معللة بهذه المصالح (٣) .
- وأن هذه المصالح ترجع إلى: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال (٤) .
стр. 195
- وأن هذه المصالح الخمس تكون على ثلاث مراتب (١) :
المرتبة الأولى: أن تكون هذه المصلحة في محل الضرورة.
المرتبة الثانية: أن تكون هذه المصلحة في محل الحاجة.
المرتبة الثالثة: أن تكون هذه المصلحة في محل التحسين.
- وأن المعتبر في هذه المصالح غلبة الظن، فقد يقطع بحصول المصلحة كحصول الملك من البيع، وقد يظن كحصول الانزجار بالقصاص عن القتل، وقد يشك، وقد يتوهم.
- وأن من شرط اعتبار هذه المصالح أوصافًا مناسبة السلامة من القوادح.
- وأن الوصف المناسب قد يكون منصوصًا أو مجمعًا على عليته وهذا هو المؤثر والملائم، وقد لا يكون كذلك كما هو في المناسب المرسل.
- وأن الأوصاف منها ما هو مناسب تُناط به الأحكام، وهذا الوصف المناسب منه ما يكون مصلحة ضرورية، أو حاجية، أو تحسينية، فهذه أنواع الوصف على وجه العموم ثم الخصوص.
стр. 196
الفصل الثالث: الأدلة المختلف فيها
وفي هذا الفصل خمسة مباحث:
المبحث الأول: الاستصحاب.
المبحث الثاني: قول الصحابي.
المبحث الثالث: شرع من قبلنا.
المبحث الرابع: الاستحسان.
المبحث الخامس: المصالح المرسلة.
стр. 197
المبحث الأول: الاستصحاب
وفي هذا المبحث خمس مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الاستصحاب.
المسألة الثانية: أنواع الاستصحاب وحكم كل نوع.
المسألة الثالثة: شرط العمل بالاستصحاب.
المسألة الرابعة: حكم الأشياء قبل ورود السمع.
المسألة الخامسة: هل النافي يلزمه الدليل؟
стр. 198
المسألة الأولى: تعريف الاستصحاب
الاستصحاب لغة: طلب الصحبة، وهي الملازمة (١) .
وفي اصطلاح الأصوليين: "استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًا" (٢) .
والملاحظ من خلال هذا التعريف أن الاستصحاب:
إما أن يكون استدامة إثبات أمر، أو استدامة نفي أمر، فهو استدامة على كلا الحالين.
المسألة الثانية: أنواع الاستصحاب وحكم كل نوع
إذا أطلق الاستصحاب فالمراد به: البقاء على الأصل فيما لم يُعلم ثبوته وانتفاؤه بالشرع، وهذا يسمى بدليل العقل المبقي على النفي الأصلي (٣) ، وهو النوع الأول من أنواع الاستصحاب الآتي بيانها.
ولما كان للاستصحاب صور أخرى - اصطلح البعض على إدخالها تحت مسماه - صح بذلك أن يُجعل للاستصحاب أنواع متعددة، وذلك على النحو الآتي:
النوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية ، أو استصحاب دليل العقل، أو استصحاب العدم الأصلي، وذلك مثل نفي وجوب صلاة سادسة (٤) .
وهذا النوع لا خلاف في اعتباره (٥) ، بل جعله البعض من الأدلة المتفق
стр. 199
عليها (١) .
النوع الثاني: استصحاب دليل الشرع، وهذا النوع له فرعان:
الأول: استصحاب عموم النص حتى يرد تخصيص.
الثاني: استصحاب العمل بالنص حتى يرد ناسخ.
والاتفاق واقع على صحة العمل بهذا النوع، إذ الأصل عمومُ النص وبقاء العمل به، لكن وقع نزاع في تسمية ذلك استصحابًا (٢) .
النوع الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته واستمراره لوجود سببه حتى يثبت خلافه، كاستمرار المُلْك بعد ثبوته - وذلك لحصول سببه وهو البيع مثلاً - حتى يثبت الناقل والمزيل لهذا الدوام والاستمرار من بيع، أو هبة، أو تنازل.
وهذا النوع من الاستصحاب لا نزاع في صحته (٣) .
النوع الرابع: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع .
مثال ذلك: أن يقال - في الرجل الذي تيمم لعدم الماء ثم رآه بعد دخوله في الصلاة-: أجمع العلماء على صحة ابتداء الصلاة وذلك قبل رؤية الماء فيستصحب هذا الإجماع وينقل إلى موضع النزاع وهو رؤية الماء أثناء الصلاة، فيحكم بصحة صلاته في ابتدائها إجماعًا وفي استمرارها وبقائها استصحابًا لهذا الإجماع.
وهذا النوع من الاستصحاب محل خلاف بين العلماء:
فالأكثر على أنه ليس بحجة لأنه يؤدي إلى تكافؤ الأدلة؛ إذ يصح لكل من الخصمين أن يستصحب الإجماع في محل النزاع على النحو الذي يوافق مذهبه.
ففي المثال المتقدم يقول أحدهما: أجمع العلماء على صحة صلاته قبل رؤية
стр. 200
الماء فأنا أستصحب ذلك إلى ما بعد رؤية الماء أثناء الصلاة؛ فتكون صلاته صحيحة.
ويقول الآخر: أجمع العلماء على بطلان صلاته -لو صلى- وذلك عند رؤية الماء قبل الصلاة، فأنا أستصحب ذلك إلى أثناء الصلاة؛ فتكون صلاته باطلة (١) .
المسألة الثالثة: شرط العمل بالاستصحاب
يشترط لصحة العمل بالاستصحاب البحثُ الجاد عن الدليل المغير والناقل، ثم القطع أو الظن بعدمه وانتفائه (٢) . وبناء على ذلك: فالعمل بالاستصحاب قد يكون قطعيًّا وقد يكون ظنيًا، وذلك على النحو الآتي:
١- يكون العمل بالاستصحاب قطعيًّا: إذا قُطع بانتفاء الدليل الناقل والمغير، كنفي وجوب صلاة سادسة.
٢- يكون العمل بالاستصحاب ظنيًّا: إذا ظن انتفاء الدليل الناقل.
وفي المقابل فإن الدليل الناقل إذا علم أو ظن ثبوته ترجح العمل به على العمل بالاستصحاب، وهذا ظاهر حالة الصحابة ﵃ (٣) .
وبناء على ذلك: فترك العمل بالاستصحاب قد يكون قطعيًّا، وقد يكون ظنيًا؛ وذلك على النحو الآتي:
٣- يكون ترك العمل بالاستصحاب قطعيًّا إذا قُطع بثبوت الدليل الناقل والمغير، كوجوب صيام رمضان.
стр. 201
٤- يكون ترك العمل بالاستصحاب ظنيًّا إذا ظن ثبوت الدليل الناقل.
فهذه أربع حالات للعمل بالاستصحاب أو تركه.
إلا أنه لا بد من ملاحظة الأمور الآتية:
أ- أن الاستصحاب آخر مدار الفتوى ، إذ لا يُلجأ إليه إلا عند انتفاء جميع الأدلة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وغير ذلك مما يصح الاستدلال به.
فإذا انتفت هذه الأدلة ولم توجد صح عند ذلك الأخذ بالاستصحاب، ولذلك قال ابن تيمية: "فالاستصحاب في كثير من المواضع من أضعف الأدلة" (١) .
ب- أن الاستصحاب قد يوافقه دليل خاص آخر فيقويه ، وقد لا يوافقه دليل آخر فيكون مستند الاستصحاب حينئذٍ انتفاء الدليل الناقل، وهذا الانتفاء قد يكون قطعيًا وقد يكون ظنيًا، فيكون الاستصحاب كذلك (٢) .
جـ- عند العمل بالاستصحاب بناءً على انتفاء الدليل الناقل لا بد من الحذر من تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه.
وذلك بتوسعة العمل بالاستصحاب مع وجود النص، فإن كثيرًا ممن توسعوا في الاستصحاب فهموا من النص حكمًا أثبتوه، ولم يبالوا بما وراءه من إشارة وإيماء وإلحاق، وحيث لم يفهموا منه نفوه وحملوا الاستصحاب وجزموا بموجبه لعدم علمهم بالناقل، وعدمُ العلم ليس علمًا بالعدم، وهذا يتأتى غالبًا من نفاة القياس (٣) .
المسألة الرابعة: حكم الأشياء قبل ورود السمع
مذهب أهل السنة في هذه المسألة التوقف، وسيأتي بيان هذه المسألة - إن شاء الله - عند الكلام على الإباحة (٤) .
стр. 202
المسألة الخامسة: هل النافي يلزمه الدليل ؟
علاقة هذه المسألة بموضوع الاستصحاب هي أن من نفى حكمًا هل يكفيه كونه نافيًا أو أنه يكلف بإقامة الدليل على ما ادعاه من النفي (١) ؟
الصواب في هذه المسألة أنه لا فرق بين المثبت والنافي، إذ يلزم كل صاحب دعوى إقامة الدليل على دعواه سواء كانت دعواه دعوى نفي أو إثبات (٢) .
ومن الأدلة على ذلك (٣) :
١- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ، فطالب الله سبحانه -وهو أعدل الحاكمين- أصحاب هذه الدعوى بالبرهان والدليل، ودعواهم دعوى نفي.
٢- أن المثُبْبِت لا يعجزه أن يعبر عن مذهبه بأسلوب النفي تخلصًا من الدليل، فيقول بدلاً من "عاجز" "غير قادر" وهكذا، ولا شك أن هذا يفضي إلى سقوط الدليل عن الجميع وهو باطل.
стр. 203
المبحث الثاني: قول الصحابي
والكلام على هذا المبحث في النقاط الآتية:
١- قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه.
٢- قول الصحابي إذا خالفه غيره من الصحابة.
٣- قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف.
٤- قول الصحابي فيما عدا ذلك.
٥- تحرير محل النزاع.
٦- قول الصحابي لا يخالف النص.
٧- قول الصحابي إذا خالف القياس.
٨- الأدلة على حجية قول الصحابي.
стр. 204
١- قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه:
قول الصحابي فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد له حكم الرفع إلى النبي ﷺ (١) في الاستدلال به والاحتجاج، أو يكون ذلك في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ لكن من باب الرواية بالمعنى؛ فإن الصحابة يروون السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها.
ولا يصح بناءً على ذلك أن يقال فيه: هذا قول رسول الله ﷺ (٢) .
٢- قول الصحابي إذا خالفه غيره من الصحابة:
إذا اختلف الصحابة ﵃ فيما بينهم لم يكن قول بعضهم حجة على بعض، ولم يجز للمجتهد بعدهم أن يقلد بعضهم، بل الواجب في هذه الحالة التخير من أقوالهم بحسب الدليل (٣) -عند الأكثر (٤) - ولا يجوز الخروج عنها (٥) .
قال ابن تيمية: "وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء" (٦) .
٣- قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف:
قول الصحابي إذا اشتهر ولم يخالفه أحد من الصحابة صار إجماعًا وحجة
стр. 205
عند جماهير العلماء (١) .
قال ابن تيمية: "وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء" (٢) .
٤- قول الصحابي فيما عدا ذلك "وهذا هو المقصود بحثه في هذا المقام":
قول الصحابي إذا لم يخالفه أحد من الصحابة ولم يشتهر بينهم، أو لم يُعلم هل اشتهر أو لا؟ وكان للرأي فيه مجال، فقول الأئمة الأربعة وجمهور الأمة: أنه حجة خلافًا للمتكلمين (٣) .
قال ابن تيمية:
"وإن قال بعضهم قولاً ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد – في المشهور عنه – والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول: هذا هو القول القديم" (٤) .
٥- تحرير محل النزاع:
يمكن تحرير محل النزاع في قول الصحابي من خلال النقاط الماضية فيما يأتي:
أ- أن يكون في المسائل الاجتهادية، أما قول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه فله حكم الرفع.
ب- ألا يخالفه غيره من الصحابة، فإن خالفه غيره اجتهد في أرجح القولين بالدليل.
стр. 206
جـ- ألا يشتهر هذا القول، فإن اشتهر –ولم يخالفه أحد من الصحابة– كان إجماعًا عند جماهير العلماء.
يضاف إلى ذلك شرطان:
(أولهما: ألا يخالف نصًا.
(ثانيهماً: ألا يكون معارضًا بالقياس.
بتلك الضوابط وبهذين الشرطين ذهب الأئمة إلى الاحتجاج بقول الصحابي.
٦- قول الصحابي لا يخالف النص:
قول الصحابي الذي ذهب الأئمة إلى الاحتجاج به لا يكون مخالفًا للنص، إذ من المستبعد أن يخالف الصحابي نصًا ولا يخالفه صحابي آخر.
قال ابن القيم: "من الممتنع أن يقولوا -أي الصحابة- في كتاب الله الخطأ المحض؛ ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها [يعني قول الصحابي المخالف للنص] قد تكلم فيها غيرهم بالصواب.
والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب، واشتماله على ناطق بغيره فقط، فهذا هو المحال" (١) .
فلدينا إذن أمران متلازمان، وهما شرطان وقيدان للاحتجاج بقول الصحابي:
الأول: ألا يخالف الصحابي نصًا.
والثاني: ألا يخالف الصحابي صحابي آخر.
فإن خالف الصحابي نصًا فلا بد أن يخالفه بعضُ الصحابة، فلا يكون حينئذ قول بعضهم حجة؛ إذ كلا القولين يحتمل الصواب.
وإن لم يخالف الصحابي أحدٌ من الصحابة فذلك لكونه نطق بالصواب فأمسك بقية الصحابة عن الكلام في المسألة.
стр. 207
٧- قول الصحابي إذا خالف القياس:
قول الصحابي الذي اتفق الأئمة على الاحتجاج به لا يكون مخالفًا للقياس.
أما إن كان مخالفًا للقياس:
فالأكثر على أنه يحمل على التوقيف؛ لأنه لا يمكن أن يخالف الصحابي القياس باجتهاد من عنده.
وقول الصحابي المخالف للقياس – عند هؤلاء – مقدم على القياس؛ لأنه نص والنص مقدم على القياس، وقد تعارض دليلان والأخذ بأقوى الدليلين متعين.
وذهب بعض الأئمة إلى أن قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالف القياس؛ لأنه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس، وهو لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض (١) .
٨- الأدلة على حجية قول الصحابي:
من الأدلة على ذلك:
(الدليل الأول: ما ورد من النصوص الدالة على عدالتهم وتزكية الله تعالى لهم وبيان علو منزلتهم (٢) ، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
وقوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٣) .
(الدليل الثاني: أن الصحابة ﵃ انفردوا بما جعلهم أبر الأمة قلوبًا وأعمقهم علمًا وأقلهم تكلفًا، فقد خصهم الله بتوقد الأذهان وفصاحة اللسان، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم
стр. 208
وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله.
فليس في حقهم إلا أمران:
أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسول الله ﷺ كذا.
والثاني: معناه كذا وكذا.
وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما؛ لذلك كان قولهم أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ؛ فإنهم حضروا التنزيل، وسمعوا كلام رسول الله ﷺ منه، وهم أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد، وأقرب عهدًا بنور النبوة، وأكثر تلقيًا من المشكاة النبوية (١) .
(الدليل الثالث: أن فتوى الصحابي لا تخرج عن ستة أوجه (٢) :
الوجه الأول: أن يكون سمعها من النبي ﷺ .
الوجه الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه ﷺ ، فإن الصحابة ﵃ كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ، ويعظمونها، ويقللونها خوف الزيادة والنقصان.
الوجه الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهمًا خفي علينا.
الوجه الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.
الوجه الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان من رؤية النبي ﷺ ، ومشاهدة أفعاله، وأحواله، وسيرته، وسماع كلامه، والعلم بمقاصده، وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فهم ما لا نفهمه نحن.
стр. 209
وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.
الوجه السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول ﷺ ، وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه.
وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة.
ومعلوم قطعًا أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين.
****
стр. 210
المبحث الثالث: شرع من قبلنا
والكلام على هذا المبحث في النقاط التالية:
١- وجه اتفاق الشرائع السابقة.
٢- وجه اختلاف الشرائع السابقة.
٣- الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة.
٤- تحرير محل النزاع في مسألة شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟
٥- حكم الاحتجاج بشرع من قبلنا.
٦- الخلاف في شرع من قبلنا خلاف لفظي.
стр. 211
١- وجه اتفاق الشرائع السابقة:
الإسلام دين جميع الأنبياء والمرسلين، وهو الملة التي أمر الأنبياء جميعًا بها، وقد بوب لذلك الإمام البخاري في صحيحه، فقال: "باب ما جاء في أن دين الأنبياء واحد" (١) .
وقال ابن تيمية: ".........فصل في توحد الملة وتعدد الشرائع وتنوعها، وتوحد الدين الملي دون الشرعي....
قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فهذا نص في أنه إمام الناس كلهم.
ثم قال: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] فأمر باتباع ملة إبراهيم، ونهى عن التهود والتنصر، وأمر بالإيمان الجامع كما أنزل على النبيين وما أوتوه، والإسلام له، وأن نصبغ بصبغة الله، وأن نكون له عابدين" (٢) .
وقال أيضًا: "والأنبياء كلهم دينهم واحد، وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرهم، وطاعة بعضهم تستلزم طاعة سائرهم.
وكذلك التكذيب والمعصية...... (٣) .
٢- وجه اختلاف الشرائع السابقة:
شرائع الأنبياء مختلفة ومناهجهم متعددة، وذلك في تفاصيل العبادات ومفردات الأحكام.
قال ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] :
"فأمره أن يحكم بما أنزل الله على من قبله، لكل جعلنا من الرسولين
стр. 212
والكتابين شرعة ومنهاجًا؛ أي: سنة وسبيلاً، فالشرعة: الشريعة وهي السنة، والمنهاج: الطريق والسبيل، وكان هذا بيان وجه تركه لما جُعل لغيره من السنة والمنهاج إلى ما جعل له...." (١) .
فالمقصود أن كل نبي إنما تعبده الله بشريعة خاصة به، أما الدين الجامع وهو الإسلام فإنه عام لجميع الأنبياء، وهذا معنى توحد الملة والدين، وتعدد الشرائع والمناهج.
٣- الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة (٢) .
٤- تحرير محل النزاع في مسألة: شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟:
ذلك أن لهذه المسألة طرفين وواسطة (٣) .
أ- طرف يكون فيه شرع من قبلنا شرعًا لنا إجماعًا.
ب- وطرف يكون فيه شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إجماعًا.
جـ- وواسطة هي محل الخلاف.
أما الطرف الأول الذي يكون فيه شرع من قبلنا شرعًا لنا إجماعًا، فهو ما ثبت أولاً أنه شرع لمن قبلنا وذلك بطريق صحيح، وثبت ثانيًا أنه شرع لنا. وذلك كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
وأما الطرف الثاني وهو الذي يكون فيه شرع من قبلنا غير حجة إجماعًا، فهو أحد أمرين:
الأول: ما لم يثبت بطريق صحيح أصلاً، كالمأخوذ من الإسرائيليات.
والثاني: ما ثبت بطريق صحيح أنه شرع لمن قبلنا وصرح في شرعنا بنسخه كالأصرار والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
стр. 213
وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
والواسطة التي وقع فيها الخلاف هي ما اشتملت على ثلاثة ضوابط:
(الأول: أن يثبت أنه شرع لمن قبلنا بطريق صحيح وهو الكتاب والسنة الصحيحة، ويكفي الآحاد في ذلك، فإن ورد بطريق غير صحيح لم يكن شرعًا لنا بلا خلاف.
(الثاني: ألا يرد في شرعنا ما يؤيده ويقرره، فإن ورد في شرعنا ما يؤيده كان شرعًا لنا بلا خلاف.
(الثالث: ألا يرد في شرعنا ما ينسخه ويبطله، فإن ورد في شرعنا ما ينسخه لم يكن شرعًا لنا بلا خلاف، ومن المعلوم أن ذلك لا يكون في أصول الدين وأمور العقيدة؛ لأنها مما اتفق عليه بين الأنبياء جميعًا كما تقدم.
٥- حكم الاحتجاج بشرع من قبلنا:
اختلف العلماء في الاحتجاج بشرع من قبلنا، فذهب الأكثر إلى أنه يكون حجة (١) وذلك وفق الضوابط الثلاثة الموضحة في تحرير محل النزاع.
ومما يقوي هذا المذهب:
"أن الله تعالى أنزل علينا هذا الكتاب العزيز لنعمل بكل ما دل عليه من الأحكام سواء كان شرعًا لمن قبلنا أم لا.
والله تعالى ما قص علينا أخبار الماضين إلا لنعتبر بها، فنجتنب الموجب الذي هلك بسببه الهالكون منهم، ونغتنم الموجب الذي نجا بسببه الناجون منهم، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] .
والآيات الدالة على الاعتبار بأحوال الماضين كثيرة جدًا كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] ، وكقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ، وكقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] (٢) .
стр. 214
٦- الخلاف في شرع من قبلنا خلاف لفظي:
يمكن رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ دون الحقيقة إذا عُلم اتفاق الجميع على تقرير الحقائق التالية:
أ- وجوب العمل بجميع نصوص الكتاب والسنة.
ب- أن شريعة نبينا محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع، يوضح ذلك:
جـ- أن العمل بشرع من قبلنا من حيث كونه شرعًا للأنبياء السابقين لا يجوز عند الجميع.
ومن ذهب إلى تصحيح العمل بشرع من قبلنا فذلك من حيث كونه شرعًا لنبينا محمد ﷺ (١) ، يوضحه:
د- أن شرط العمل بشرع من قبلنا عند القائلين بحجيته أن يثبت كونه شرعًا لمن قبلنا بطريق صحيح وهو: الكتاب والسنة الصحيحة، كما سبق التنبيه على ذلك عند تحرير محل النزاع.
****
стр. 215
المبحث الرابع: الاستحسان
والكلام على هذا المبحث في ثلاث نقاط:
١- معنى الاستحسان عند الأصوليين.
٢- موقف الإمام الشافعي من الاستحسان.
٣- موقف الإمام أبي حنيفة من الاستحسان.