← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

١- وجه اتفاق الشرائع السابقة: الإسلام دين جميع الأنبياء والمرسلين، وهو الملة التي أمر الأنبياء جميعًا بها، وقد بوب لذلك الإمام البخاري في صحيحه، فقال: "باب ما جاء في أن دين الأنبياء واحد" (١) . وقال ابن تيمية: ".........فصل في توحد الملة وتعدد الشرائع وتنوعها، وتوحد الدين الملي دون الشرعي.... قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فهذا نص في أنه إمام الناس كلهم. ثم قال: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] فأمر باتباع ملة إبراهيم، ونهى عن التهود والتنصر، وأمر بالإيمان الجامع كما أنزل على النبيين وما أوتوه، والإسلام له، وأن نصبغ بصبغة الله، وأن نكون له عابدين" (٢) . وقال أيضًا: "والأنبياء كلهم دينهم واحد، وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرهم، وطاعة بعضهم تستلزم طاعة سائرهم. وكذلك التكذيب والمعصية...... (٣) . ٢- وجه اختلاف الشرائع السابقة: شرائع الأنبياء مختلفة ومناهجهم متعددة، وذلك في تفاصيل العبادات ومفردات الأحكام. قال ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] : "فأمره أن يحكم بما أنزل الله على من قبله، لكل جعلنا من الرسولين

стр. 212

والكتابين شرعة ومنهاجًا؛ أي: سنة وسبيلاً، فالشرعة: الشريعة وهي السنة، والمنهاج: الطريق والسبيل، وكان هذا بيان وجه تركه لما جُعل لغيره من السنة والمنهاج إلى ما جعل له...." (١) . فالمقصود أن كل نبي إنما تعبده الله بشريعة خاصة به، أما الدين الجامع وهو الإسلام فإنه عام لجميع الأنبياء، وهذا معنى توحد الملة والدين، وتعدد الشرائع والمناهج. ٣- الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة (٢) . ٤- تحرير محل النزاع في مسألة: شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟: ذلك أن لهذه المسألة طرفين وواسطة (٣) . أ- طرف يكون فيه شرع من قبلنا شرعًا لنا إجماعًا. ب- وطرف يكون فيه شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إجماعًا. جـ- وواسطة هي محل الخلاف. أما الطرف الأول الذي يكون فيه شرع من قبلنا شرعًا لنا إجماعًا، فهو ما ثبت أولاً أنه شرع لمن قبلنا وذلك بطريق صحيح، وثبت ثانيًا أنه شرع لنا. وذلك كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] . وأما الطرف الثاني وهو الذي يكون فيه شرع من قبلنا غير حجة إجماعًا، فهو أحد أمرين: الأول: ما لم يثبت بطريق صحيح أصلاً، كالمأخوذ من الإسرائيليات. والثاني: ما ثبت بطريق صحيح أنه شرع لمن قبلنا وصرح في شرعنا بنسخه كالأصرار والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ

стр. 213

وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . والواسطة التي وقع فيها الخلاف هي ما اشتملت على ثلاثة ضوابط: (الأول: أن يثبت أنه شرع لمن قبلنا بطريق صحيح وهو الكتاب والسنة الصحيحة، ويكفي الآحاد في ذلك، فإن ورد بطريق غير صحيح لم يكن شرعًا لنا بلا خلاف. (الثاني: ألا يرد في شرعنا ما يؤيده ويقرره، فإن ورد في شرعنا ما يؤيده كان شرعًا لنا بلا خلاف. (الثالث: ألا يرد في شرعنا ما ينسخه ويبطله، فإن ورد في شرعنا ما ينسخه لم يكن شرعًا لنا بلا خلاف، ومن المعلوم أن ذلك لا يكون في أصول الدين وأمور العقيدة؛ لأنها مما اتفق عليه بين الأنبياء جميعًا كما تقدم. ٥- حكم الاحتجاج بشرع من قبلنا: اختلف العلماء في الاحتجاج بشرع من قبلنا، فذهب الأكثر إلى أنه يكون حجة (١) وذلك وفق الضوابط الثلاثة الموضحة في تحرير محل النزاع. ومما يقوي هذا المذهب: "أن الله تعالى أنزل علينا هذا الكتاب العزيز لنعمل بكل ما دل عليه من الأحكام سواء كان شرعًا لمن قبلنا أم لا. والله تعالى ما قص علينا أخبار الماضين إلا لنعتبر بها، فنجتنب الموجب الذي هلك بسببه الهالكون منهم، ونغتنم الموجب الذي نجا بسببه الناجون منهم، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] . والآيات الدالة على الاعتبار بأحوال الماضين كثيرة جدًا كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] ، وكقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] ، وكقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] (٢) .

стр. 214

٦- الخلاف في شرع من قبلنا خلاف لفظي: يمكن رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ دون الحقيقة إذا عُلم اتفاق الجميع على تقرير الحقائق التالية: أ- وجوب العمل بجميع نصوص الكتاب والسنة. ب- أن شريعة نبينا محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع، يوضح ذلك: جـ- أن العمل بشرع من قبلنا من حيث كونه شرعًا للأنبياء السابقين لا يجوز عند الجميع. ومن ذهب إلى تصحيح العمل بشرع من قبلنا فذلك من حيث كونه شرعًا لنبينا محمد ﷺ (١) ، يوضحه: د- أن شرط العمل بشرع من قبلنا عند القائلين بحجيته أن يثبت كونه شرعًا لمن قبلنا بطريق صحيح وهو: الكتاب والسنة الصحيحة، كما سبق التنبيه على ذلك عند تحرير محل النزاع. ****

стр. 215

المبحث الرابع: الاستحسان والكلام على هذا المبحث في ثلاث نقاط: ١- معنى الاستحسان عند الأصوليين. ٢- موقف الإمام الشافعي من الاستحسان. ٣- موقف الإمام أبي حنيفة من الاستحسان.

стр. 216

١- معنى الاستحسان عند الأصوليين: الاستحسان (١) يطلق على عدة معانٍ، بعضها صحيح اتفاقًا، وبعضها باطل اتفاقًا. فالمعنى الصحيح باتفاق هو أن الاستحسان: ترجيح دليل على دليل، أو هو العمل بالدليل الأقوى أو الأحسن (٢) . وهذا ما يعبر عنه بـ"العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص" (٣) . أما المعنى الباطل للاستحسان فهو: "ما يستحسنه المجتهد بعقله" (٤) ؛ يعني: بهواه وعقله المجرد دون استناد إلى شيء من أدلة الشريعة المعتبرة. وإذا تبين أن للاستحسان معنيين متقابلين أحدهما صحيح اتفاقًا والآخر باطل اتفاقًا فلا بد من التنبيه على ما يأتي: (أولاً: أن لفظ الاستحسان من الألفاظ المجملة ، فلا يصح لذلك إطلاق الحكم عليه بالصحة أو البطلان. (ثانيًا: أن من أثبت الاستحسان من أهل العلم وأخذ به فإنما أراد المعنى الصحيح قطعًا. (ثالثًا: أن من أنكر الاستحسان من أهل العلم وشنع على من قال به فإنما أراد المعنى الباطل قطعًا.

стр. 217

(رابعًا: أن العمل بالاستحسان بالمعنى الصحيح أمر متفق على صحته، إذ لا نزاع في وجوب العمل بالدليل الراجح، وإنما اختُلف في تسمية ذلك استحسانًا. (خامسًا: أن العمل بالاستحسان بالمعنى الباطل أمر متفق على تحريمه، إذ الأمة مجمعة على تحريم القول على الله بدون دليل، ولا شك أن ما يستحسنه المجتهد بعقله وهواه من قبيل القول على الله بدون دليل فيكون محرمًا. ٢- موقف الإمام الشافعي من الاستحسان: أنكر الإمام الشافعي القول بالاستحسان وبالغ في رده. فمن ذلك قوله: "من استحسن فقد شرع" (١) . ووجهة نظر الشافعي تتضح في قوله الآتي: ".....ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم، وذلك الكتاب، ثم السنة، أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه، أو قياس على بعض هذا. ولا يجوز أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان؛ إذ لم يكن الاستحسان واجبًا ولا في واحد من هذه المعاني" (٢) . ومن هذا النص يتبين لنا أن الشافعي إنما ينكر الاستحسان الذي لا يعتمد على شيء من الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. وهذا حق بلا ريب إذ العلماء قاطبة مجمعون على تحريم القول في دين الله بلا علم، لا فرق في ذلك بين العالم والجاهل؛ إذ الجميع لم يرجع فيما قال إلا إلى هواه ونفسه، وهذا عين المحظور (٣) . وفي ذلك يقول الشافعي: "....لا أعلم أحدًا من أهل العلم رخص لأحد من أهل العقول والآداب في أن يفتي ولا يحكم برأي نفسه إذا لم يكن عالمًا بالذي تدور عليه أمور القياس من الكتاب والسنة والإجماع والعقل" (٤) .

стр. 218

ويجلي ابن القيم موقف الإمام الشافعي، فيقول: "الشافعي يبالغ في رد الاستحسان، وقد قال به في مسائل: أحدها: أنه استحسن في المتعة في حق الغني أن يكون خادمًا، وفي حق الفقير مقنعة (١) ، وفي حق المتوسط ثلاثين درهمًا" (٢) . وبذلك يتبين أن الشافعي إنما أنكر الاستحسان بمعنى القول بدون علم بالهوى والتشهي، أما إن كان الاستحسان بمعنى يوافق الكتاب والسنة، فإن الشافعي نفسه يقول به على النحو الذي يذكره ابن القيم. ٣- موقف الإمام أبي حنيفة من الاستحسان: نسب إلى الإمام أبي حنيفة القول بالاستحسان الذي بمعنى القول بدون علم، وهذه النسبة باطلة لا تصح، إذ العلماء كافة مجمعون على تحريم القول بدون علم، بل إن أبا يوسف (٣) يقول عن أبي حنيفة لما رحل بعد موته إلى الحجاز واستفاد سننًا لم تكن معلومة عندهم في الكوفة: "لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت". وذلك لعلم أبي يوسف بأن صاحبه ما كان يقصد إلا اتباع الشريعة، لكن قد يكون عند غيره من علم السنن ما لم يبلغه (٤) . فالمقصود أن أبا حنيفة يقول بالاستحسان الذي بمعنى تقديم النص على القياس، وهذا حق، وهو ينكر الأخذ بالاستحسان الذي بمعنى العمل بالرأي في مقابلة النص (٥) .

стр. 219

المبحث الخامس: المصالح المرسلة وفي هذا المبحث تمهيد وست مسائل: المسألة الأولى: تعريف المصلحة المرسلة. المسألة الثانية: أقسام المصلحة المرسلة. المسألة الثالثة: حكم الاحتجاج بالمصلحة المرسلة. المسألة الرابعة: ضوابط الأخذ بالمصلحة المرسلة عند القائلين بها. المسألة الخامسة: أدلة اعتبار المصلحة المرسلة. المسألة السادسة: سد الذرائع وإبطال الحيل.

стр. 220

التمهيد وفيه أمران: الأمر الأول: أوجه التلازم بين المصلحة والشريعة: وبيان ذلك في أمور أربعة بعضها مبني على بعض (١) : (الأمر الأول: أن هذه الشريعة مبنية على تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة، فالشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة. وهذا الأصل شامل لجميع الشريعة لا يشذ عنه شيء من أحكامها. (الأمر الثاني: أن هذه الشريعة لم تهمل مصلحة قط، فما من خير إلا وقد حثنا عليه النبي ﷺ ، وما من شر إلا وحذرنا منه. (الأمر الثالث: إذا عُلم ذلك فلا يمكن أن يقع تعارض بين الشرع والمصلحة، إذ لا يتصور أن ينهى الشارع عما مصلحته راجحة أو خالصة، ولا أن يأمر بما مفسدته راجحة أو خالصة. (الأمر الرابع: إذا عُلم ذلك فمن ادعى وجود مصلحة لم يرد بها الشرع فأحد الأمرين لازم له: إما أن الشرع دل على هذه المصلحة من حيث لا يعلم هذا المدعي. وإما أن ما اعتقده مصلحة ليس بمصلحة، فإن بعض ما يراه الناس من الأعمال مقربًا إلى الله ولم يشرعه الله فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا فلو كان نفعه أعظم لم يهمله الشارع.

стр. 221

الأمر الثاني: أقسام مطلق المصلحة (١) : تنقسم المصلحة (٢) بالإضافة إلى شهادة الشرع إلى ثلاثة أقسام: مصلحة معتبرة شرعًا، ومصلحة ملغاة شرعًا، ومصلحة مسكوت عنها. أ- أما المصلحة المعتبرة شرعًا: فهي المصلحة الشرعية التي جاءت الأدلة الشرعية بطلبها من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس، وذلك كالصلاة. ب- وأما المصلحة الملغاة شرعًا: فهي المصلحة التي يراها العبد - بنظره القاصر - مصلحة ولكن الشرع ألغاها وأهدرها ولم يلتفت إليها، بل جاءت الأدلة الشرعية بمنعها والنهي عنها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، وذلك كالمصلحة الموجودة في الخمر. فهذا النوع من المصالح في نظر الشارع يعتبر مفسدة، وتسميته مصلحة باعتبار الجانب المرجوح أو باعتبار نظر العبد القاصر، ثم هي موصوفة بكونها ملغاة من جهة الشرع. جـ- وأما المصلحة المسكوت عنها: فهي التي لم يرد في اعتبارها أو إبطالها دليلٌ خاص من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، لكنها لم تخل عن دليل عام كلي يدل عليها، فهي إذن لا تستند إلى دليل خاص معين، بل تستند إلى مقاصد الشريعة وعموماتها، وهذه تسمى بالمصلحة المرسلة. وإنما قيل لها مرسلة لإرسالها؛ أي: إطلاقها عن دليل خاص يقيد ذلك الوصف بالاعتبار أو بالإهدار. المسألة الأولى:تعريف المصلحة المرسلة (٣) مما مضى يمكن تعريف المصلحة المرسلة بأنها:

стр. 222

"ما لم يشهد الشرع لاعتباره ولا لإلغائه بدليل خاص"، وتسمى بالاستصلاح وبالمناسب المرسل. المسألة الثانية: أقسام المصلحة المرسلة أولاً: تنقسم المصلحة المرسلة باعتبار الأصل الذي تعود عليه بالحفظ إلى خمسة أقسام (١) : ١- مصلحة تعود إلى حفظ الدين. ٢- مصلحة تعود إلى حفظ النفس. ٣- مصلحة تعود إلى حفظ العقل. ٤- مصلحة تعود إلى حفظ النسب. ٥- مصلحة تعود إلى حفظ المال. وهذه الأمور الخمسة تسمى: "بالضروريات الخمس، وبمقاصد الشريعة، وهي الأمور التي عُرف من الشارع الالتفات إليها في جميع أحكامه، ويستحيل أن يفوتها في شيء من أحكامه، بل جميع التكاليف الشرعية تدور حولها بالحفظ والصيانة. والدليل على ذلك: هو الاستقراء التام الحاصل بتتبع نصوص الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات (٢) . ثانيًا: تنقسم المصلحة المرسلة أيضًا إلى ثلاثة أقسام، وذلك باعتبار قوتها (٣) :

стр. 223

(القسم الأول: المصلحة الضرورية، وتسمى درء المفاسد، وهي: ما كانت المصلحة فيها في محل الضرورة بحيث يترتب على تفويت هذه المصلحة تفويت شيء من الضروريات أو كلها، وهذه أعلى المصالح، وذلك كتحريم القتل، ووجوب القصاص. (القسم الثاني: المصلحة الحاجية، وتسمى جلب المصالح، وهي: ما كانت المصلحة فيها في محل الحاجة لا الضرورة فيحصل بتحقيق هذه المصلحة التسهيل وتحصيل المنافع، ولا يترتب على فواتها فواتُ شيء من الضروريات، وذلك كالإجارة والمساقاة. (القسم الثالث: المصلحة التحسينية، وتسمى التتميمات، وهي: ما ليس ضروريًا ولا حاجيًا، ولكنها من باب الجري على مكارم الأخلاق واتباع أحسن المناهج، وذلك كتحريم النجاسات. المسألة الثالثة: حكم الاحتجاج بالمصلحة المرسلة جلب المصالح ودرء المفاسد أصل متفق عليه بين العلماء، لكنهم اختلفوا في المصلحة المرسلة. فمن رأى أنها من باب جلب المصالح ودرء المفاسد اعتبرها دليلاً واحتج بها، ومن رأى أنها ليست من هذا الباب، بل رأي أن المصلحة المرسلة من باب وضع الشرع بالرأي وإثبات الأحكام بالعقل والهوى قال: إنها ليست من الأدلة الشرعية وأنه لا يجوز الاحتجاج بها ولا الالتفات إليها (١) . قال الشيخ الشنقيطي: "فالحاصل أن الصحابة ﵃ كانوا يتعلقون بالمصالح المرسلة التي لم يدل دليل على إلغائها، ولم تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية. وأن جميع المذاهب يتعلق أهلها بالمصالح المرسلة، وإن زعموا التباعد منها.

стр. 224

ومن تتبع وقائع الصحابة وفروع المذاهب علم صحة ذلك. ولكن التحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ وغاية الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها، أو مفسدة أرجح منها أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال" (١) . وبذلك يتبين أن الخلاف في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة خلاف لفظي؛ لأن الجميع متفق على أن تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها أصل شرعي ثابت إلا أن الخلاف وقع في تسمية العمل بهذا الأصل والالتفات إلى تحقيقه - فيما لم يرد باعتباره أو إلغائه دليل خاص - مصلحة مرسلة (٢) . فبعضهم يسمي ذلك مصلحة مرسلة، وبعضهم يسمي ذلك قياسًا (٣) ، أو عمومًا، أو اجتهادًا، أو عملاً بمقاصد الشريعة. ومما يقرر كون الخلاف لفظيًا أن المثبتين للمصلحة المرسلة إنما يقولون بها وفق الضوابط الآتية: المسألة الرابعة: ضوابط الأخذ بالمصلحة المرسلة عند القائلين بها الأول: ألا تكون المصلحة مصادمة لنص أو إجماع (٤) . الثاني: أن تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة (٥) .

стр. 225

الثالث: ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود، والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها، والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد (١) . الرابع: ألا تعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها، وألا يستلزم من العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها (٢) . قال ابن القيم: "فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة، وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة، وإما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها. فهذه أقسام خمسة: منها أربعة تأتي بها الشرائع. فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به أو مقتضية له. وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه. فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحة أو تكميلها بحسب الإمكان، وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلها بحسب الإمكان. فمدار الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة" (٣) .

стр. 226

المسألة الخامسة: أدلة اعتبار المصلحة المرسلة من الأدلة على اعتبار المصلحة المرسلة (١) : أ- عمل الصحابة ﵃ بها في وقائع كثيرة مشتهرة (٢) . ب- أن العمل بالمصالح المرسلة مما لا يتم الواجب إلا به فيكون واجبًا (٣) . وذلك أن المحافظة على مقاصد الشريعة الخمسة ثبت بالاستقراء اعتبارها ووجوبها، وهذه المحافظة إنما تتم بالأخذ بالمصلحة المرسلة وبناء الأحكام عليها. المسألة السادسة: سد الذرائع وإبطال الحيل مما يدخل تحت الضابط الرابع من ضوابط الأخذ بالمصلحة المرسلة -السابق ذكرها (٤) - ألا يؤدي العمل بها إلى مفسدة أرجح منها أو مساوية لها في المآل وثاني الحال. والمقصود بهذا القيد التنبيه على أصلين من أصول الشريعة وقواعدها الكلية، هذان الأصلان هما سد الذرائع وإبطال الحيل: لقد جاءت هذه الشريعة بسد الذرائع وهو تحريم ما يتذرع ويتوصل بواسطته إلى الحرام، كما جاءت بإبطال الحيل التي تفتح باب الحرام.

стр. 227

قال ابن القيم: " وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس باب الحيل الموصلة إليها. فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم التناقض. والشارع حرم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه" (١) ؛ يعني: بذلك الحيل. مثال سد الذرائع: نهي الله عن سب آلهة المشركين مع كون ذلك أمرًا واجبًا من مقتضيات الإيمان بألوهيته سبحانه، وذلك لكون هذا السب ذريعة إلى أن يسبوا الله عدوًا وكفرًا على وجه المقابلة (٢) . قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . ومثال الحيل المحرمة التي يتوصل بها إلى فعل الحرام: فعل بني إسرائيل لما حرم عليهم صيد الحيتان يوم السبت، إذ نصبوا البرك والحبائل للحيتان قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل، فلما انقضى السبت أخذوها، فمسخهم إلى صورة القردة (٣) . قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] . وعلاقة سد الذرائع وإبطال الحيل بالمصلحة يجليه ابن القيم بقوله: "وبالجملة فالمحرمات قسمان: مفاسد، وذرائع موصلة إليها مطلوبة الإعدام، كما أن المفاسد مطلوبة الإعدام. والقربات نوعان: مصالح للعباد، وذرائع موصلة إليها.

стр. 228

ففتح باب الذرائع في النوع الأول كسد باب الذرائع في النوع الثاني، وكلاهما مناقض لما جاءت به الشريعة، فبين باب الحيل وباب سد الذرائع أعظم التناقض. وكيف يظن بهذه الشريعة العظيمة الكاملة التي جاءت بدفع المفاسد وسد أبوابها وطرقها أن تجوز فتح باب الحيل وطرق المكر على إسقاط واجباتها واستباحة محرماتها، والتذرع إلى حصول المفاسد التي قصدت دفعها" (١) . ****

стр. 229

الفصل الرابع: النسخ والتعارض والترجيح وترتيب الأدلة وفي هذا الفصل أربعة مباحث: المبحث الأول: النسخ. المبحث الثاني: التعارض. المبحث الثالث: الترجيح. المبحث الرابع: ترتيب الأدلة.

стр. 230

المبحث الأول: النسخ وفي هذا المبحث خمس مسائل: المسألة الأولى: تعريف النسخ. المسألة الثانية: شروط النسخ. المسألة الثالثة: حكم النسخ والحكمة منه. المسألة الرابعة: أقسام النسخ. المسألة الخامسة: الزيادة على النص.

стр. 231

المسألة الأولى: تعريف النسخ النسخ لغة (١) : النقل، يقال: نسخت الكتاب؛ أي: نقلته. والنسخ الإزالة: يقال نسخت الشمس الظل؛ أي: أزالته. (وفي اصطلاح المتقدمين - عند السلف - معناه: البيان (٢) . فيشمل تخصيص العام (٣) ، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ورفع الحكم بجملته وهو ما يعرف - عند المتأخرين - بالنسخ. قال ابن القيم: "قلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم بجملته تارة -وهو اصطلاح المتأخرين- ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد. فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو: بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر" (٤) . (والنسخ في اصطلاح المتأخرين (٥) : "رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخٍ عنه"، أو يقال: "رفع الحكم الشرعي بخطاب متراخٍ"، لأن الحكم

стр. 232

الثابت بخطاب متقدم إنما هو الحكم الشرعي. وقد اشتمل هذا التعريف على القيود الآتية (١) : الأول: أن النسخ رفْع لأصل الحكم وجملته بحيث يبقى الحكم بمنزلة ما لم يُشرع ألبتة، وليس تقييدًا أو استثناءً أو تخصيصًا. الثاني: أن النسخ رفع للحكم الشرعي الثابت بخطاب متقدم، وليس رفعًا لحكم البراءة الأصلية الثابت بدليل العقل، كإيجاب الصلاة فإنه رافع لحكم البراءة الأصلية وهو عدم وجوبها، فهذا لا يسمى نسخًا. الثالث: أن النسخ رفع للحكم الشرعي بخطاب شرعي ثان، وهذا احتراز عما رفع بغير خطاب؛ كزوال الحكم الشرعي بالموت، أو الجنون، ونحو ذلك. الرابع: أن النسخ رفع بخطاب شرعي ثانٍ متراخٍ عن الخطاب الأول، أما إذا اتصل الخطاب الثاني بالخطاب الأول ولم يتراخ عنه فإنه يكون تخصيصًا له وبيانًا ولا يكون نسخًا، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، فالتقييد بالمستطيع ليس نسخًا لوجوب الحج على الناس: المستطيع منهم وغير المستطيع؛ إنما هو استثناء وتخصيص. وهذه القيود إن وجدت، وُجدتْ حقيقةُ النسخ ومعناه، أما إذا اختل شيء من هذه القيود فإن حقيقة النسخ ترتفع، وهذه الحالة: * إما أن تكون تقييدًا وبيانًا: وذلك إذا لم يرفع أصلُ الحكم وجملتُه بل رُفع بعضه أو تغيرت صفته بزيادة شرط، أو قيد، أو مانع. * أو حكمًا جديدًا: وذلك إذا لم يكن المرفوع حكمًا شرعيًا، بل كان المرفوع حكم البراءة الأصلية. * أو إسقاطًا وإلغاءً: وذلك إذا ارتفع الحكم بدون خطاب ثانٍ بل ارتفع بسبب الموت ونحوه.

стр. 233

* أو بيانًا وتخصيصًا: وذلك إذا لم يحصل التراخي بين الخطابين بل كانا متصلين. المسألة الثانية: شروط النسخ يشترط في صحة النسخ الشروط الآتية: * الشرط الأول: أن توجد حقيقة النسخ ومعناه، وقد تقدم بيان ذلك في المسألة السابقة. * الشرط الثاني: أن يكون الناسخ وحيًا، من كتاب أو سنة (١) . والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] . وبذلك يعلم: (أن النسخ بمجرد الإجماع لا يجوز؛ فإن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته ﷺ ، وبعد وفاته ينقطع النسخ لأنه تشريع، ولا تشريع ألبتة بعد وفاته ﷺ (٢) . (وإذا وجد في كلام العلماء أن الإجماع نسخ نصًّا، فالمراد بالإجماع الناسخ، النص الذي استند إليه الإجماع لا نفس الإجماع، فيكون من قبيل نسخ النص بنص مثله (٣) .

стр. 234

(وأن النسخ لا يجوز بالقياس؛ لأن القياس إنما يعتبر فيما لا نص فيه وحيث وجد النص بطل القياس المخالف له (١) . (وأنه لا يجوز النسخ بأدلة العقل؛ لأن دليل العقل ضربان: ضرب لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه فلا يتصور نسخ الشرع به. وضرب يجوز أن يرد الشرع بخلافه –وهو البقاء على حكم الأصل– فهذا إنما يجب العمل به عند عدم الشرع (٢) . ولا يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، أو في مرتبته، بل يكفي أن يكون الناسخ وحيًا صحيح الثبوت (٣) خلافًا لما ذهب إليه الأصوليون من قولهم: "لا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، لأن المتواتر أقوى من الآحاد والأقوى لا يرفع بما هو دونه" (٤) . ويمكن بيان غلط الأصوليين في هذا من وجهين: الوجه الأول: ما ذكره الشيخ محمد الأمين الشنقيطي إذ يقول: "أما قولهم: إن المتواتر أقوى من الآحاد، والأقوى لا يرفع بما هو دونه فإنهم قد غلطوا فيه غلطًا عظيمًا مع كثرتهم وعلمهم، وإيضاح ذلك: أنه لا تعارض ألبتة بين خبرين مختلفي التاريخ؛ لإمكان صدق كل منهما في وقته، وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها (٥) . فلو قلت: النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس، وقلت أيضًا: لم يصل إلى بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ، وبالثانية ما بعده؛ لكانت كل منهما صادقة في وقتها" (٦) .

стр. 235

الوجه الثاني: "أن الناسخ في الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني وإن كان دليله قطعيًا، فالمنسوخ إنما هو هذا الظني لا ذلك القطعي" (١) . * الشرط الثالث: أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ، وذلك يثبت بطرق، منها (٢) : الإجماع: وهو أن تُجمع الأمة على خلاف ما ورد من الخبر فيُستدل بذلك على أنه منسوخ لئلا تجتمع على الخطأ، فالإجماع في مثل هذا بين أن النص المتأخر ناسخ للنص المتقدم، لا أن الإجماع هو الناسخ كما تقدم التنبيه على ذلك قريبًا. وقوله ﷺ وفعله. وقول الراوي: كان كذا ونُسخ، أو رُخَّص في كذا ثم نُهي عنه. وأن يضبط تاريخ القصص؛ فيُعلم الناسخُ بتأخره مع وجود ما يعارضه. والحاصل أن الناسخ والمنسوخ إنما يعرفان بمجرد النقل الدال على ذلك، ولا يعرف ذلك بدليل عقلي ولا بقياس (٣) . * الشرط الرابع: أن يمتنع اجتماع الناسخ والمنسوخ؛ بأن يكونا متنافيين قد تواردا على محل واحد (٤) ، يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه أو بالعكس (٥) . * الشرط الخامس: أن يكون المنسوخ حكمًا لا خبرًا (٦) ، إذ الأخبار لا

стр. 236

يدخلها النسخ، كأخبار ما كان وما يكون، وأخبار الجنة والنار، وما ورد من أسماء الله وصفاته (١) . المسألة الثالثة: حُكم النسخ والحكمة منه للنسخ أحكام كثيرة باعتبار أنواعه وأقسامه، وليس المراد في هذا المقام بيان هذه الأحكام (٢) ، إنما المراد في هذه المسألة: بيان حكم النسخ من حيث الجملة وذلك من جهتين: الجهة الأولى: حكم وقوع النسخ بين الشرائع السماوية . وفي ذلك يقول ابن كثير (٣) : "ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نَسخَ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم" (٤) . وبذلك يتبين (٥) : أ- أن هذه الشريعة ناسخة لجميع الشرائع السابقة (٦) .

стр. 237

ب- وأن القرآن الكريم آخرُ الكتب السماوية وأعظمها وأكملها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] . جـ- وأن محمدًا ﷺ خاتمُ الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . د- ولذلك كانت هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان وهي للناس كافة إلى قيام الساعة. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] . هـ- وبذلك كانت هذه الشريعة خير الشرائع السماوية، وهذه الأمة وسطًا بين الأمم. والجهة الثانية: حكم وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية. لقد أجمعت الأمة على جواز النسخ ووقوعه في هذه الشريعة (١) . ومن الأدلة على ذلك: ١- قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . ٢- وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] . ٣- وقوع النسخ. فمن ذلك تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس، ونسخ العدة بأربعة أشهر وعشر للحول، ونسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفار إلى مصابرة الاثنين (٢) . ٤- أن الله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وله سبحانه الحكمة البالغة والملك التام، كما قال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٣) .

стр. 238

ومن حكمته في النسخ (١) : أولاً: الرحمة لخلقه والتخفيف عنهم والتوسعة عليهم، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] ، وهذه الحكمة تتضح في نسخ الأثقل بالأخف، مثل نسخ وجوب مصابرة المسلم عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ، بمصابرة المسلم اثنين من الكفار المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] . ثانيًا: تكثير الأجر للمؤمنين وتعظيمه لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، وهذه الحكمة تتضح في نسخ الأخف بالأثقل، كنسخ التخيير بين الصوم والإطعام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، بتعيين إيجاب الصوم في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ثالثًا: أن يكون النسخ مستلزمًا لحكمة خارجة عن ذاته، وذلك فيما إذا كان الناسخ مماثلاً للمنسوخ، كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام وهما جهتان كلتاهما تُماثل الأخرى ولا فرق بينهما في حد ذاتيهما، إلا أن الناسخ الذي هو استقبال بيت الله الحرام يستلزم حكمة بالغة وهي دفع حجة اليهود وحجة المشركين على النبي ﷺ . فاليهود يحتجون عليه بقولهم: تعيب ديننا وتصلي لقبلتنا، ويحتجون أيضًا بأن عندهم في كتابهم أنه ﷺ يؤمر باستقبال بيت المقدس ثم يحول إلى بيت الله الحرام. والمشركون يقولون: تدعي أنك على ملة إبراهيم ﵊ وتصلي لغير قبلته، وقد أشار الله سبحانه إلى هذه الحكم بقوله: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] .

стр. 239

ومن الحكم في ذلك أيضًا تمييز قوي الإيمان من ضعيفه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] . رابعًا: الامتحان بكمال الانقياد، والابتلاءُ بالمبادرة إلى الامتثال، وذلك فيما إذا أمر الله عبده بأمر فامتثله ثم أمره بنقيض ذلك الأمر فامتثله أيضًا، فيكون هذا دليلاً على كمال الانقياد والاستسلام. وتتضح هذه الحكمة في نسخ الأمر قبل التمكن من فعله (١) ، وذلك مثل أمر الله إبراهيم ﵊ أن يذبح ابنه ثم نسخ الله عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل، والحكمة من ذلك الابتلاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] . فابتلى الله نبيه في محبته له سبحانه وتقديمها على محبته لابنه حتى تتم خلته، فكان المقصود الابتلاء لا نفس الفعل؛ لأن الله لا يأمر بفعل لا مصلحة ولا منفعة ولا حكمة فيه (٢) ، بل أوامره سبحانه ونواهيه وجميع شرائعه مبنية على حكم ومصالح ومنافع كما سبق بيان ذلك (٣) . فالحكمة هنا ناشئة من نفس الأمر، والمصلحة حاصلة به، أما الفعل فلا مصلحة فيه ألبتة، لذلك كان المقصود من الأمر الحكمة منه وهي الابتلاء دون الفعل (٤) .

стр. 240

و حاصل القول في الحكمة من النسخ: * أن الناسخ خير من المنسوخ كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] . فالناسخ خير سواء كان هو الأخف أو الأثقل أو كان مساويًا للمنسوخ. * وأن أوامر الله ونواهيه مشتملة على الحكم والمصالح، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن. فالمنسوخ - وقت العمل به - كانت فيه المصلحة والحكمة، والناسخُ هو المشتمل على الحكمة والمصلحة بعد النسخ (١) . المسألة الرابعة: أقسام النسخ للنسخ تقسيمات متعددة باعتبارات مختلفة، وبيان ذلك على النحو الآتي:

стр. 241

أولاً: ينقسم النسخ إلى ثلاثة أقسام: نسخ الأخف بالأثقل، ونسخ الأثقل بالأخف، ونسخ المساوي بالمساوي. وقد تقدم التمثيل لهذه الأقسام وبيان الحكمة في الكل (١) . ثانيًا: ينقسم النسخ بالنظر إلى وقته إلى نسخ بعد التمكن من الفعل، وهذا هو الغالب في الأحكام المنسوخة، كاستقبال بيت المقدس، وعدة المتوفي عنها زوجها حولاً كاملاً. وإلى نسخ قبل التمكن من الفعل كقصة إبراهيم ﵊ وأمره بذبح ولده. وقد تقدم بيان مذهب السلف في هذه المسألة ومأخذهم في ذلك (٢) . ثالثًا: ينقسم النسخ بالنظر إلى بدله إلى قسمين: نسخ إلى غير بدل –عند القائلين به– ونسخ إلى بدل، كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام، فهذا القسم متفق عليه بين العلماء، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ، فالآية تدل دلالة صريحة على أن النسخ لا بد فيه من البدل؛ إذ إن الله وعد أنه لا بد للمنسوخ من بدل مماثل أو خيرٍ، فلا يزال المؤمنون في نعمة من الله لا تنقص بل تزيد، فإنه إذا أتى بخير منها زادت النعمة، وإذا أتى بمثلها كانت النعمة باقية (٣) . ومتابعة لهذه الآية ذهب بعض أهل السنة إلى أن النسخ لا يكون إلا إلى بدل (٤) . وذهب جمهور الأصوليين (٥) إلى أن النسخ قد يكون إلى غير بدل، ومثلوا لذلك

стр. 242

بنسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي المناجاة (١) . والظاهر أن الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى اللفظ دون الحقيقة، وبيان ذلك: أن الجميع متفق على أن الله إذا نسخ حكمًا عوض المؤمنين عنه بحكم آخر هو خير من الحكم المنسوخ أو مثله، فلا يتركهم هملاً بلا حكم (٢) . وإنما اختلفوا في تسمية الحكم المنتقل إليه بدلاً إذا كان رجوعًا وردًا إلى الحكم السابق الذي كانوا عليه؟ فعند جمهور الأصوليين – وهم القائلون بالنسخ إلى غير بدل – لا يسمى هذا بدلاً، إذ البدل عندهم خاص بما هو حكم شرعي آخر ضد المنسوخ كاستقبال الكعبة بدلاً من بيت المقدس، أما الرد إلى ما كانوا عليه قبل شرع المنسوخ – كما في المناجاة – فليس هذا بدلاً عند هؤلاء. أما النافون للنسخ إلى غير بدل فمرادهم بالبدل ما هو أعم من حكم آخر ضد المنسوخ فيشمل – إضافة إليه – الرد إلى ما كانوا عليه قبل شرع المنسوخ، لذا فإن الحكم المنتقل إليه يسمى – عند هؤلاء – بدلاً ولو كان رجوعًا إلى الحكم السابق (٣) . يوضح ذلك قول ابن القيم: "......فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأساً، بل لا بد أن يُبقي بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس للصلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها" (٤) . والأولى على كلِّ أن يقال: إن النسخ لا بد فيه من البدل، وإن هذا البدل قد يكون حكمًا شرعيًا جديدًا كما في استقبال القبلة، وقد يكون رجوعًا إلى

стр. 243

الحكم السابق كما في المناجاة، ففي هذا التفصيل تأدب مع الآية القرآنية الكريمة ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] . وفيه أيضًا ملاحظة للأحكام التي نُسخت فأبقيت على حكمها السابق، أو على حكم البراءة الأصلية. رابعًا: ينقسم النسخ إلى ثلاثة أقسام (١) : القسم الأول: نسخ التلاوة والحكم معًا. وذلك مثل آية التحريم بعشر رضعات (٢) ، فإنها منسوخة التلاوة والحكم معًا. القسم الثاني: نسخ التلاوة وبقاء الحكم. وذلك كنسخ آية الرجم. القسم الثالث: نسخ الحكم وبقاء التلاوة. وهو غالب ما في القرآن من المنسوخ، كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] . خامسًا: ينقسم النسخ بالنظر إلى دليله إلى أقسام متعددة، يمكن جمعها في قسمين: قسم متفق على جوازه، وقسم وقع فيه الخلاف. أما القسم المتفق عليه فهو (٣) : - نسخ القرآن بالقرآن. - نسخ السنة المتواترة والآحادية بمتواتر السنة. - نسخ الآحاد من السنة بالآحاد من السنة. وأما القسم المختلف فيه فيمكن بيانه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: نسخ القرآن بالسنة.

стр. 244

ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة (١) ، وهو اختيار الأمين الشنقيطي (٢) . وذهب الإمام الشافعي (٣) وأحمد (٤) إلى أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، بل لا ينسخ القرآن إلا قرآن مثله، وهذا اختيار ابن قدامة وابن تيمية (٥) . وهذا الخلاف في الجواز وفي الوقوع. حجة الجمهور أن الجميع وحي من الله تعالى، فالناسخ والمنسوخ من عند الله، والله هو الناسخ حقيقة، لكنه أظهر النسخ على لسان رسوله ﷺ (٦) . ومثل الجمهور للوقوع بأن آية التحريم بعشر رضعات نُسخت بالسنة (٧) . ١- وحجة الإمام الشافعي (٨) قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] ، وقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] . وجه الدلالة: أنه قد تبين من مجموع الآيتين أن المبتدئ لفرض الكتاب إنما هو الله ولا يكون ذلك لأحد من خلقه، وإنما جعل لرسوله ﷺ أن يقول من تلقاء نفسه - بتوفيقه سبحانه - فيما لم ينزل به كتابًا، ومعلوم أن موقع سنته ﷺ من الكتاب إنما هو البيان له والتفسير لمجمله دون النسخ. ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾

стр. 245

[البقرة: ١٠٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] . ٢- واستدل الشافعي (١) على عدم جواز نسخ القرآن بالسنة - وهي هذه المسألة - ونسخ السنة بالقرآن - وهي المسألة اللاحقة - بأن القول بتجويز النسخ في المسألتين يؤدي إلى مفسدة، ألا وهي جواز أن يقال: إن ما بينه رسول الله ﷺ في سنته كتحريم بعض البيوع، ورجم الزناة يحتمل أن يكون ذلك قبل أن ينزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، فيكون القرآن ناسخًا للسنة، ويجوز بناءً على ذلك رد كل سنة عن رسول الله ﷺ فيها بيان لمجمل القرآن لمجرد وجود وجه مخالفة بين مجمل القرآن وبيان السنة. ٣- وقد ذكر ابن تيمية أن منهج السلف في الحكم هو النظر في الكتاب أولاً ثم في السنة ثانيًا (٢) ، وبين أن هذا المنهج إنما ينسجم مع القول بمنع نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن. قال ﵀: "وهم إنما كانوا يقضون بالكتاب أولاً؛ لأن السنة لا تنسخ الكتاب فلا يكون في القرآن شيء منسوخ بالسنة، بل إن كان فيه منسوخ كان في القرآن ناسخه، فلا يقدم غير القرآن عليه، ثم إذا لم يجد ذلك طلبه في السنة ولا يكون في السنة شيء منسوخ إلا والسنة نسخته، لا ينسخ السنة إجماع ولا غيره.....فيجوز له إذا لم يجده في القرآن أن يطلبه في السنة. وإذا كان في السنة لم يكن ما في السنة معارضًا لما في القرآن" (٣) . المسألة الثانية: نسخ السنة بالقرآن: ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن (٤) ، وهذا اختيار ابن النجار الفتوحي والأمين الشنقيطي (٥) .

стр. 246

وذهب الإمام الشافعي (١) إلى أن السنة لا ينسخها إلا سنة مثلها، وأن القرآن قد يأتي ناسخًا للسنة، لكن لا بد من مجيء سنة تدل على أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة حتى تقوم الحجة بأن الشيء ينسخ بمثله، فلا ينسخ القرآن إلا قرآن مثله، ولا ينسخ السنة إلا سنة مثلها. وقد استدل الفريقان بالأدلة التي مضى بيانها في المسألة السابقة (٢) . وقد مثل الجمهور للوقوع بأمثلة كثيرة منها (٣) : - التوجه إلى بيت المقدس وهو ثابت بالسنة، وناسخه في القرآن قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . ٢- تحريم مباشرة النساء في رمضان ليلاً ثابت بالسنة، وناسخه في القرآن قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] . ٣- وجوب صوم عاشوراء ثابت بالسنة، فنسخ بوجوب صوم رمضان بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] . وخلاصة القول في هاتين المسألتين: أن الخلاف في جواز نسخ القرآن بالسنة والعكس خلاف لا يترتب عليه أثر كبير والخطب فيه يسير. وذلك إذا تقرر - عند الجميع - ما يأتي: أولاً: تعظيم نصوص الكتاب والسنة وتقديم جانب العمل بها مهما أمكن (٤) . ثانيًا: أن الكتاب والسنة وحي من عند الله، وأنهما متفقان لا يختلفان، متلازمان لا يفترقان (٥) . ثالثًا: أن النسخ لا يكون إلا بأمر من عند الله سبحانه: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] (٦) .

стр. 247

رابعًا: عدم التفريق في ذلك بين السنة المتواترة والآحادية (١) . أما الخلاف في وقوع النسخ في هاتين المسألتين فإنه خلاف اعتباري، يعود - عند التحقيق إلى اللفظ: فمن قال بالجواز اعتبر القرآن ناسخًا للسنة والعكس، ومن منع اعتبر الناسخ للقرآن قرآنًا مثله، والناسخ للسنة سنة مثلها. يوضح ذلك نقلان عن إمامين جليلين: (النقل الأول: عن الإمام ابن تيمية، وهو يتعلق بمسألة نسخ القرآن بالسنة. قال ﵀: "فإن الشافعي وأحمد وسائر الأئمة يوجبون العمل بالسنة المتواترة المحكمة، وإن تضمنت نسخًا لبعض أي القرآن. لكن يقولون: إنما نسخ القرآن بالقرآن لا بمجرد السنة، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ، ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه إلا بقرآن" (٢) . (والنقل الثاني: عن الإمام الشافعي، وهو يتعلق بمسألة نسخ السنة بالقرآن. قال ﵀: "فإن قال قائل: هل تُنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نُسخت السنة بالقرآن كان للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة" (٣) . المسألة الثالثة: نسخ المتواتر بالآحاد: ١- ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه لا يجوز نسخ المتواتر - من القرآن والسنة - بالآحاد من السنة. واحتجوا بأن الآحاد ضعيف، والمتواتر أقوى منه فلا يُرفع الأقوى بما هو دونه (٤) . وقد تقدم بيان غلط الأصوليين - من وجهين - في هذه الحجة (٥) .

стр. 248

٢- وذهب الإمام الشافعي وأحمد وابن تيمية إلى أنه لا يجوز نسخ المتواتر من القرآن بالآحاد من السنة. وهذا المذهب فرع عن القول بأن السنة لا تنسخ القرآن (١) . ٣- وذهب الأمين الشنقيطي إلى جواز نسخ القرآن بأخبار الآحاد (٢) . وهذا المذهب مبني على: أ- القول بجواز نسخ القرآن بالسنة، وقد تقدم بيان ذلك (٣) . ب- القول بأنه لا يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ أو في درجته بل يكفي أن يكون صحيحًا ثابتًا، وقد تقدم بيان ذلك (٤) . جـ- الوقوع: ومثل له بنسخ إباحة الحمر الأهلية المنصوص عليها بالحصر في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وذلك بتحريمه ﷺ الحمر الأهلية، وكان ذلك في خيبر (٥) ، والآية من سورة الأنعام وهي مكية (٦) . وحاصل الكلام في هذه المسألة: أن قول جمهور الأصوليين مبني على أن الأقوى لا يُرفع بما هو دونه، وقد سبق بيان ضعف هذه الحجة. فيعود الخلاف – في هذه المسألة بين القولين الثاني والثالث – إلى قضية نسخ السنة للقرآن على وجه الخصوص، وهذه القضية سبق الكلام عليها، هذا فيما يتعلق بجانب الجواز. أما بالنسبة للوقوع فإن المثال المذكور يمكن أن يعترض عليه بأن هذا ليس من باب النسخ وإنما هو من باب تخصيص عموم مفهوم الحصر.

стр. 249

المسألة الخامسة: الزيادة على النص الزيادة على النص (١) نوعان: أ- نوع متفق على أنه لا يكون نسخًا (٢) ، وذلك أن الزيادة المستقلة عن المزيد عليه إن كانت مخالفة لجنس المزيد عليه؛ كزيادة الصلاة على الزكاة فليست نسخًا إجماعًا، أما إن كانت الزيادة المستقلة من جنس المزيد عليه؛ كزيادة الصلاة على الصلاة فليست بنسخ عند الأئمة الأربعة. ب- ونوع اختلف فيه (٣) ، وهو ما إذا كانت الزيادة غير مستقلة عن المزيد عليه كزيادة التغريب على الجلد مائة في حد الزاني غير المحصن، فإن التغريب لا يستقل بنفسه لأنه جزء من الحد. والكلام على مسألة الزيادة على النص - إن كانت غير مستقلة - هل تكون نسخًا أو لا؟ في مقامين: المقام الأول: أن " الزيادة على النص" لفظ مجمل ، فلا يجوز إطلاق الحكم عليه بالنسخ نفيًا ولا إثباتًا، لأن الزيادة على النص منها ما يكون نسخًا وذلك إذا تحقق معنى النسخ ووجدت شروطه في الزيادة، وما لم يكن كذلك فلا يكون نسخًا بحال من الأحوال إلا إن أريد بالنسخ معناه الخاص المعروف عند السلف

стр. 250

وهو مطلق البيان، فلا منازعة في الاصطلاح عند ذلك (١) . والمقصود: أن الزيادة على النص إنما تكون نسخًا بالشروط الآتية (٢) : ١- أن ترفع هذه الزيادة أصل الحكم المزيد عليه وجملته، أما إن كانت رافعة لبعضه فإنها لا تكون نسخًا. ٢- أن تكون الزيادة نصًا صحيحًا ثابتًا، أما إن كانت الزيادة غير صحيحة فلا يلتفت إليها، ولا يشترط أن تكون الزيادة في درجة المزيد عليه أو أقوى منه. ٣- أن تكون الزيادة متأخرة وغير متصلة بالمزيد عليه، أما إن كانت متصلة به فإنها تكون تخصيصًا لا نسخًا. ٤- أن يكون حكم الزيادة منافيًا لحكم المزيد عليه من كل وجه، أما إن كان التنافي بين الزيادة والمزيد عليه من وجه دون وجه فإن النسخ ممتنع في هذه الحالة. ٥- أن تكون الزيادة والمزيد عليه في الأحكام لا في الأخبار؛ لأن الأخبار لا يدخلها النسخ. المقام الثاني: أن الزيادة على النص إنما هي سنة من سنن المصطفى ﷺ ، وهذه السنة الزائدة لا تخلو من ثلاثة أحوال (٣) : ١- أن تكون بيانًا لما في القرآن، وهذه السنة يجب العمل بها، وذلك مثل تقييدها لمطلق القرآن، أو تخصيصها لعمومه، وهذه السنة ليست معارضة للقرآن بل هي موضحة ومفسرة له. ٢- أن تكون منشئة لحكم لم يتعرض له القرآن، وهذه السنة يجب العمل بها أيضًا؛ لأنها تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وهذه السنة لا تعارض القرآن بوجه ما. ٣- أن تكون مغيرة لحكم القرآن ناسخة له فهذه يجب العمل بها، ولكن لا بد من مراعاة شروط النسخ وضوابطه كما تقدم.
следующие страницы →