وذهب الإمام الشافعي (١) إلى أن السنة لا ينسخها إلا سنة مثلها، وأن القرآن قد يأتي ناسخًا للسنة، لكن لا بد من مجيء سنة تدل على أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة حتى تقوم الحجة بأن الشيء ينسخ بمثله، فلا ينسخ القرآن إلا قرآن مثله، ولا ينسخ السنة إلا سنة مثلها.
وقد استدل الفريقان بالأدلة التي مضى بيانها في المسألة السابقة (٢) .
وقد مثل الجمهور للوقوع بأمثلة كثيرة منها (٣) :
- التوجه إلى بيت المقدس وهو ثابت بالسنة، وناسخه في القرآن قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
٢- تحريم مباشرة النساء في رمضان ليلاً ثابت بالسنة، وناسخه في القرآن قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
٣- وجوب صوم عاشوراء ثابت بالسنة، فنسخ بوجوب صوم رمضان بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
وخلاصة القول في هاتين المسألتين:
أن الخلاف في جواز نسخ القرآن بالسنة والعكس خلاف لا يترتب عليه أثر كبير والخطب فيه يسير.
وذلك إذا تقرر - عند الجميع - ما يأتي:
أولاً: تعظيم نصوص الكتاب والسنة وتقديم جانب العمل بها مهما أمكن (٤) .
ثانيًا: أن الكتاب والسنة وحي من عند الله، وأنهما متفقان لا يختلفان، متلازمان لا يفترقان (٥) .
ثالثًا: أن النسخ لا يكون إلا بأمر من عند الله سبحانه: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] (٦) .
стр. 247
رابعًا: عدم التفريق في ذلك بين السنة المتواترة والآحادية (١) .
أما الخلاف في وقوع النسخ في هاتين المسألتين فإنه خلاف اعتباري، يعود - عند التحقيق إلى اللفظ: فمن قال بالجواز اعتبر القرآن ناسخًا للسنة والعكس، ومن منع اعتبر الناسخ للقرآن قرآنًا مثله، والناسخ للسنة سنة مثلها.
يوضح ذلك نقلان عن إمامين جليلين:
(النقل الأول: عن الإمام ابن تيمية، وهو يتعلق بمسألة نسخ القرآن بالسنة.
قال ﵀: "فإن الشافعي وأحمد وسائر الأئمة يوجبون العمل بالسنة المتواترة المحكمة، وإن تضمنت نسخًا لبعض أي القرآن.
لكن يقولون: إنما نسخ القرآن بالقرآن لا بمجرد السنة، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ، ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه إلا بقرآن" (٢) .
(والنقل الثاني: عن الإمام الشافعي، وهو يتعلق بمسألة نسخ السنة بالقرآن.
قال ﵀: "فإن قال قائل: هل تُنسخ السنة بالقرآن؟
قيل: لو نُسخت السنة بالقرآن كان للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة" (٣) .
المسألة الثالثة: نسخ المتواتر بالآحاد:
١- ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه لا يجوز نسخ المتواتر - من القرآن والسنة - بالآحاد من السنة.
واحتجوا بأن الآحاد ضعيف، والمتواتر أقوى منه فلا يُرفع الأقوى بما هو دونه (٤) . وقد تقدم بيان غلط الأصوليين - من وجهين - في هذه الحجة (٥) .
стр. 248
٢- وذهب الإمام الشافعي وأحمد وابن تيمية إلى أنه لا يجوز نسخ المتواتر من القرآن بالآحاد من السنة.
وهذا المذهب فرع عن القول بأن السنة لا تنسخ القرآن (١) .
٣- وذهب الأمين الشنقيطي إلى جواز نسخ القرآن بأخبار الآحاد (٢) .
وهذا المذهب مبني على:
أ- القول بجواز نسخ القرآن بالسنة، وقد تقدم بيان ذلك (٣) .
ب- القول بأنه لا يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ أو في درجته بل يكفي أن يكون صحيحًا ثابتًا، وقد تقدم بيان ذلك (٤) .
جـ- الوقوع: ومثل له بنسخ إباحة الحمر الأهلية المنصوص عليها بالحصر في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وذلك بتحريمه ﷺ الحمر الأهلية، وكان ذلك في خيبر (٥) ، والآية من سورة الأنعام وهي مكية (٦) .
وحاصل الكلام في هذه المسألة:
أن قول جمهور الأصوليين مبني على أن الأقوى لا يُرفع بما هو دونه، وقد سبق بيان ضعف هذه الحجة. فيعود الخلاف – في هذه المسألة بين القولين الثاني والثالث – إلى قضية نسخ السنة للقرآن على وجه الخصوص، وهذه القضية سبق الكلام عليها، هذا فيما يتعلق بجانب الجواز.
أما بالنسبة للوقوع فإن المثال المذكور يمكن أن يعترض عليه بأن هذا ليس من باب النسخ وإنما هو من باب تخصيص عموم مفهوم الحصر.
стр. 249
المسألة الخامسة: الزيادة على النص
الزيادة على النص (١) نوعان:
أ- نوع متفق على أنه لا يكون نسخًا (٢) ، وذلك أن الزيادة المستقلة عن المزيد عليه إن كانت مخالفة لجنس المزيد عليه؛ كزيادة الصلاة على الزكاة فليست نسخًا إجماعًا، أما إن كانت الزيادة المستقلة من جنس المزيد عليه؛ كزيادة الصلاة على الصلاة فليست بنسخ عند الأئمة الأربعة.
ب- ونوع اختلف فيه (٣) ، وهو ما إذا كانت الزيادة غير مستقلة عن المزيد عليه كزيادة التغريب على الجلد مائة في حد الزاني غير المحصن، فإن التغريب لا يستقل بنفسه لأنه جزء من الحد.
والكلام على مسألة الزيادة على النص - إن كانت غير مستقلة - هل تكون نسخًا أو لا؟ في مقامين:
المقام الأول: أن " الزيادة على النص" لفظ مجمل ، فلا يجوز إطلاق الحكم عليه بالنسخ نفيًا ولا إثباتًا، لأن الزيادة على النص منها ما يكون نسخًا وذلك إذا تحقق معنى النسخ ووجدت شروطه في الزيادة، وما لم يكن كذلك فلا يكون نسخًا بحال من الأحوال إلا إن أريد بالنسخ معناه الخاص المعروف عند السلف
стр. 250
وهو مطلق البيان، فلا منازعة في الاصطلاح عند ذلك (١) .
والمقصود: أن الزيادة على النص إنما تكون نسخًا بالشروط الآتية (٢) :
١- أن ترفع هذه الزيادة أصل الحكم المزيد عليه وجملته، أما إن كانت رافعة لبعضه فإنها لا تكون نسخًا.
٢- أن تكون الزيادة نصًا صحيحًا ثابتًا، أما إن كانت الزيادة غير صحيحة فلا يلتفت إليها، ولا يشترط أن تكون الزيادة في درجة المزيد عليه أو أقوى منه.
٣- أن تكون الزيادة متأخرة وغير متصلة بالمزيد عليه، أما إن كانت متصلة به فإنها تكون تخصيصًا لا نسخًا.
٤- أن يكون حكم الزيادة منافيًا لحكم المزيد عليه من كل وجه، أما إن كان التنافي بين الزيادة والمزيد عليه من وجه دون وجه فإن النسخ ممتنع في هذه الحالة.
٥- أن تكون الزيادة والمزيد عليه في الأحكام لا في الأخبار؛ لأن الأخبار لا يدخلها النسخ.
المقام الثاني: أن الزيادة على النص إنما هي سنة من سنن المصطفى ﷺ ، وهذه السنة الزائدة لا تخلو من ثلاثة أحوال (٣) :
١- أن تكون بيانًا لما في القرآن، وهذه السنة يجب العمل بها، وذلك مثل تقييدها لمطلق القرآن، أو تخصيصها لعمومه، وهذه السنة ليست معارضة للقرآن بل هي موضحة ومفسرة له.
٢- أن تكون منشئة لحكم لم يتعرض له القرآن، وهذه السنة يجب العمل بها أيضًا؛ لأنها تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وهذه السنة لا تعارض القرآن بوجه ما.
٣- أن تكون مغيرة لحكم القرآن ناسخة له فهذه يجب العمل بها، ولكن لا بد من مراعاة شروط النسخ وضوابطه كما تقدم.
стр. 251
والمقصود: أن السنة الزائدة على القرآن يجب العمل بها على كل حال، سواء أكانت مبينة للقرآن، أو مستقلة عنه، أو ناسخة له، ولا يجوز التوقف في العمل بالزيادة وردها.
****
стр. 252
المبحث الثاني: التعارض
стр. 253
والكلام على هذا المبحث في النقاط الآتية:
١- المراد بتعارض الأدلة: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، وذلك إذا كان أحد الدليلين يدل على خلاف ما يدل عليه الآخر، كأن يدل أحد الدليلين على الجواز والآخر على المنع، فدليل الجواز يمنع التحريم ودليل التحريم يمنع الجواز؛ فكل منهما مقابل للآخر ومعارض له وممانع له (١) .
٢- قد يكون التعارض بين الدليلين كليًا أو جزئيًا فإن كان التعارض بين الدليلين من كل وجه بحيث لا يمكن الجمع بينهما فهذا هو التناقض، وهو التعارض الكلي. أما إذا كان التعارض بين الدليلين من وجه دون وجه بحيث يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه فهذا هو التعارض الجزئي.
وقد قرر العلماء أنه لا تناقض بين القضيتين إذا اختلف زمنهما لاحتمال صدق كل منهما في وقتها؛ لأنه يشترط في التناقض اتحاد القضيتين في الوحدات الثمان التي منها الزمان والمكان والشرط والإضافة.
فلا تناقض إذن بين الناسخ والمنسوخ، ولا بين العام والخاص، ولا بين المطلق والمقيد، وعلى وجه العموم حيث أمكن الجمع فلا تناقض، إذ التناقض هو الذي يستحيل معه الجمع بوجه من الوجوه، أما إن أمكن الجمع فإن هذا من قبيل التعارض الجزئي (٢) .
٣- كتاب الله سالم من الاختلاف والاضطراب والتناقض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، ولهذا مدح الله تعالى الراسخين في العلم حيث قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ؛ أي: محكمه ومتشابهه حق (٣) .
وقال ﷺ : «إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه
стр. 254
بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (١) .
٤- أحاديث النبي ﷺ الصحيحة مبرأة من التناقض والاختلاف؛ لأن النبي ﷺ معصوم من التناقض والاختلاف بإجماع الأمة، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] (٢) .
٥- وكذلك إجماع الأمة لا يمكن أن يتناقض، فلا ينعقد إجماع على خلاف إجماع أبدًا (٣) .
٦- أما القياس فما كان منه صحيحًا فإنه لا يتناقض أبدًا (٤) .
٧- إذا عُلم أن أدلة الشرع لا تتناقض في نفسها فإنها أيضًا لا تتناقض مع بعضها، بل إنها متفقة لا تختلف، متلازمة لا تفترق.
قال ابن تيمية: "وكذلك إذا قلنا: الكتاب، والسنة، والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد، فإن كل ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة؛ فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب.
وكذلك كل ما سنه الرسول ﷺ فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك.
وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا يكون إلا حقًا موافقًا لما في الكتاب والسنة.
لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول.
وأما الرسول فينزل عليه وحي القرآن، ووحي آخر هو الحكمة، كما قال ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» (٥) .
стр. 255
وقال أيضًا: "......... كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها؛ فإن ما دل عليه الإجماع قد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول ﷺ أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص" (١) .
وقال أيضًا: "وكذلك القياس الصحيح حق يوافق الكتاب والسنة" (٢) .
وذلك لأن أدلة الشرع حق، والحق لا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضًا (٣) .
٨- لا تعارض بين الأدلة الشرعية والعقل، بل إن العقل الصريح موافق للنقل الصحيح، إذ إن خالق هذا العقل هو الذي أنزل الشرع؛ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (٤) .
٩- إذا علم ذلك فما وجد من تعارض في أدلة الشرع فإنما هو بحسب ما يظهر للمجتهد (٥) .
أما في حقيقة الأمر فلا تعارض ألبتة بين الأدلة الشرعية، كما تقدم تقريره قريبًا.
١٠- إذا ظهر تعارض بين الأدلة الشرعية، فإن كان هذا التعارض بين خبرين فأحد المتعارضين باطل، إما لعدم ثبوته أو لكونه منسوخًا.
وإن كان التعارض بين الخبر والقياس فلا يخلو من أمرين:
إما أن يكون هذا الخبر غير صحيح.
وإما أن يكون القياس فاسدًا (٦) .
стр. 256
١١- لا يقع التعارض بين دليلين قطعيين، سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو أحدهما سمعيًا والآخر عقليًا، وهذا متفق عليه بين العقلاء؛ لأن تعارض القطعيين يلزم منه اجتماع النقيضين وهو محال (١) .
١٢- ولا يقع التعارض بين قطعي وظني، إذ الظني لغو، والعمل إنما يكون بالقطعي، فإن الظن لا يرفع اليقين (٢) .
١٣- محل التعارض هو الظنيات، فيقع التعارض بين دليلين ظنيين (٣) .
١٤- إذا ظهر التعارض – وذلك إنما يكون بين دليلين ظنيين – فالواجب على الترتيب (٤) :
أولاً: محاولة الجمع بينهما إن أمكن، ومن أوجه الجمع:
أ- حمل أحد الدليلين على حالة، وحمل الآخر على حالة أخرى، وهذا ما يُعرف بحمل العام على الخاص، أو حمل المطلق على المقيد.
ب- حمل أحد الدليلين على زمن، وحمل الآخر على زمن آخر، بحيث يكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم.
ثانيًا: إذا لم يمكن الجمع فيصار إلى الترجيح بينهما، بوجه من وجوه الترجيح الآتي بيانها في المبحث التالي.
ثالثًا: إذا تعذر الترجيح ولم يمكن، فقيل: يتخير بينهما، وهذا القول يُضعفه أن التخيير جمع بين النقيضين (٥) ، واطراح لكلا الدليلين (٦) ، وكلا الأمرين
стр. 257
باطل (١) .
ولعل الصواب هو التوقف في هذين الدليلين، والبحث عن دليل جديد (٢) . وهذا يوافق منهج السلف فإنهم كانوا يطلبون الدليل في القرآن، فإن لم يجدوه في القرآن طلبوه في السنة، فإن لم يجدوه في السنة طلبوه في الإجماع، وهكذا.... (٣) .
ومعلوم أنه لا تخلو مسألة عن دليل وبيان من الشرع (٤) ، علمه من علمه وجهله من جهله، والواجب على كلِّ تقوى الله بقدر المستطاع، والاجتهاد في طلب الحق ومعرفة الدليل.
١٥- الواجب درء التعارض بين أدلة الشرع ما أمكن.
ومن الطرق المعينة على ذلك (٥) :
أ- التثبت في صحة الدليل وثبوته، فالواجب الحذر من الأحاديث التي لا تقوم بها الحجة، والتنبه مما يدعي أنه إجماع وهو ليس كذلك، والتثبت من صحة الأقيسة.
ب- الاطلاع على مصادر الشريعة وتتبع الأدلة واستقراؤها، والنظر إليها مجتمعة. فلا بد من جمع العام مع الخاص، والمطلق مع المقيد، والناسخ مع المنسوخ، وهذا لا يتم إلا بتتبع نصوص الكتاب والسنة، ولو اقتصر على بعض ذلك لحصل التعارض، ولا بد من معرفة روايات الحديث وألفاظه فإن بعضها يفسر بعضًا، وكذلك القراءات الثابتة.
جـ- العلم بلغة العرب وما فيها من دلالات ومعانٍ، فإن فهم النص وسياقه، وعمومه وخصوصه، وحقيقته ومجازه مما يزيل كثيرًا من الإشكالات، ويدرأ كثيرًا من التعارضات.
стр. 258
المبحث الثالث: الترجيح
стр. 259
والكلام على هذا المبحث في النقاط الآتية:
١- المراد بالترجيح: تقوية أحد الدليلين على الآخر (١) .
٢- محل الترجيح: هو الظنيات ، فحيث وجد التعارض وجد الترجيح، وحيث إن التعارض لا يكون إلا بين الدليلين الظنيين فقط؛ فكذلك الترجيح لا يكون إلا بين دليلين ظنيين، إذ الترجيح فرع التعارض (٢) .
٣- لا يُصار إلى الترجيح بين الأدلة المتعارضة إلا بعد محاولة الجمع بينها، فإن الجمع مقدم على الترجيح، فإن أمكن الجمع وزال التعارض امتنع الترجيح، ومتى امتنع الجمع بين المتعارضين وجب الترجيح (٣) .
٤- لا يجوز ترجيح أحد الدليلين المتعارضين على الآخر بدون دليل، إذ إن ترجيح أحد الدليلين بلا دليل تحكم، وهو باطل، ولا يجوز في دين الله التخير بالتشهي والهوى بلا دليل ولا برهان (٤) .
٥- العمل بالراجح متعين ، سواء كان الراجح معلومًا أو مظنونًا، هذا هو الواجب على المجتهد إذا اجتهد في طلب الأقوى، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها وهو في هذه الحالة معذور إن أخطأ إصابة الأقوى والأرجح في الباطن، وله أجر على اجتهاده (٥) .
٦- عمل المجتهد بالظن الراجح ليس من باب العمل بالظن، بل هو عمل بالعلم، إذ ترجيح أحد الدليلين الظنيين على الآخر من باب تقوية ظن على ظن، والظن متفاوت، والمطلوب من المجتهد العمل بالظن الراجح. وكون هذا الظن هو
стр. 260
الراجح أمر معلوم ومقطوع به لدى المجتهد، فأمام المجتهد ظنان، ظن يعلم رجحانه، وظن لا يعلم رجحانه، فالعمل بالظن الذي يعلم رجحانه عمل بالعلم لا بالظن وأما العمل بالظن الذي لا يعلم رجحانه فلا يجوز؛ لأنه من اتباع الظن الذي ذمه الله بقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] (١) .
٧- أوجه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وذلك لأن ما يحصل به تغليب ظن على ظن كثير جدًا، والضابط فيه (٢) :
أنه متى اقترن بأحد الدليلين ما يقويه ويغلب جانبه وحصل بذلك الاقتران زيادة ظن أفاد ذلك ترجيحه على الدليل الآخر.
٨- الترجيح إما أن يكون بين دليلين نقليين، أو بين عقليين، أو بين نقلي وعقلي (٣) .
فإن كان الترجيح بين نقليين فيكون ذلك من ثلاثة أوجه:
الأول: منها ما يتعلق بالسند.
الثاني: بالمتن.
الثالث: بأمر خارجي.
وإن كان الترجيح بين عقليين فيكون من ثلاثة أوجه:
الأول: منها ما يعود إلى الأصل.
الثاني: إلى الفرع.
الثالث: إلى أمر خارج.
وإن كان الترجيح بين نقلي وعقلي فيكون ذلك بالنظر إلى الظن الأقوى بحسب ما يقع للناظر (٤) .
стр. 261
المبحث الرابع: ترتيب الأدلة
стр. 262
والكلام على هذا المبحث في النقاط التالية:
١- المراد بترتيب الأدلة: جعل كل دليلٍ في رتبته التي يستحقها بوجهٍ من الوجوه (١) .
٢- الأدلة الشرعية تنقسم إلى: متفق عليها ومختلف فيها، وإلى قطعية وظنية، وإلى نقلية وعقلية (٢) .
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا المقام (٣) :
أ- أن الأدلة المتفق عليها أربعة، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
ب- أن الأدلة المختلف فيها ترجع جميعها إلى الأدلة المتفق عليها من حيث أصلها والدليل على ثبوتها. وبذلك يعلم:
جـ- أن الأدلة الشرعية - المتفق عليها والمختلف فيها -ترجع إلى الأدلة الأربعة المتفق عليها.
د- أن الأدلة الأربعة ترجع إلى الكتاب والسنة والجميع يرجع إلى الكتاب.
هـ- أن الأدلة الأربعة متفقة لا تختلف، متلازمة لا تفترق؛ إذ الجميع حق، والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضًا.
٣- الأدلة الشرعية من حيث وجوب العمل بها في مرتبة واحدة، إذ الجميع يجب اتباعه والاحتجاج به.
٤- ترتيب الأدلة من حيث المنزلة والمكانة: الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس (٤) .
стр. 263
٥- ترتيب الأدلة من حيث النظر فيها -وهو المقصود بحثه في هذا المقام- على النحو الآتي (١) :
الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس.
هذه طريقة السلف، وقد نُقلتْ عن عدد من الصحابة ﵃ (٢) .
والأصل في ذلك حديث معاذ المشهور (٣) .
وقد فصل الشافعي هذا الترتيب، فقال:
"نعم يحُكم بالكتاب.
والسنة المجتمع عليها التي لا اختلاف فيها، فنقول لهذا: حكمنا بالحق في الظاهر والباطن.
ويُحكم بالسنة قد رويت من طريق الانفراد، لا يجتمع الناس عليها، فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر؛ لأنه يمكن الغلط فيمن روى الحديث.
ونحكم بالإجماع.
ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود" (٤) .
وقد قرر ابن تيمية هذا الترتيب وعلله بأن السنة لا تنسخ الكتاب فلا يكون شيءٌ منه منسوخٌ بالسنة، ثم لا يكون في السنة شيءٌ منسوخٌ إلا والسنة نسخته (٥) .
стр. 264
ويستقيم هذا الترتيب أيضًا على مذهب من جوز نسخ القرآن بالسنة والعكس، فعند هؤلاء يُنظر أولاً في الكتاب ثم في السنة، ولكون الناظر من أهل العلم بالناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، ولكون الكتاب والسنة متلازمين متفقين، فإن النظر في الكتاب أولاً لا يعني إقصاءَ السنة، أو التفريقَ بينها وبين الكتاب.
****
стр. 265
الباب الثاني: القواعد الأصولية عند أهل السنة والجماعة
وفي هذا الباب ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الحكم الشرعي.
الفصل الثاني: دلالات الألفاظ وطرق الاستنباط.
الفصل الثالث: الاجتهاد والتقليد والفتوى.
стр. 266
الفصل الأول: الحكم الشرعي
وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث
المبحث الأول: تعريف الحكم الشرعي وأقسامه.
المبحث الثاني: لوازم الحكم الشرعي.
المبحث الثالث: قواعد في الحكم الشرعي.
стр. 267
المبحث الأول:تعريف الحكم الشرعي وأقسامه
وفي هذا المبحث ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الحكم الشرعي.
المطلب الثاني: الحكم التكليفي.
المطلب الثالث: الحكم الوضعي.
стр. 268
المطلب الأول
تعريف الحُكم الشرعي
الحُكم في اللغة: المنع، ومنه قيل للقضاء: حُكم؛ لأنه يمنع من غير المقضي به (١) .
واصطلاحًا: إثبات أمرٍ لأمر، أو نفيه عنه.
مثل: زيد قائم، وعمرو ليس بقائم.
وهذا تعريف لمطلق الحكم؛ إذ إن الحكم بالاستقراء ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٢) :
١- حكم عقلي، وهو ما يَعرف فيه العقلُ نسبة أمر لأمر أو نفيه عنه.
مثل: الكل أكبر من الجزء، والجزء ليس أكبر من الكل.
٢- حكم عادي، وهو ما عُرفت فيه النسبة بالعادة، مثل: الماء مُروٍ.
٣- حكم شرعي.
وهو المقصود في هذا المقام، ويمكن تعريفه بأنه: "خطاب الله المتعلقُ بالمكلف من حيث إنه مكلف به".
وفي هذا التعريف ثلاثة قيود (٣) :
القيد الأول: "خطاب الله" إذ التشريع والحكم لا يكون إلا بخطاب الله، وكل تشريع من غيره فهو باطل قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠، ٦٧] (٤) وخطاب الله كلامه ذو اللفظ والمعنى، وليس هو المعنى النفسي المجرد عن اللفظ والصيغة (٥) .
القيد الثاني: "المتعلق بفعل المكلف" خرج به خمسة أشياء:
стр. 269
١- ما تعلق بذاته سبحانه، نحو قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] .
٢- ما تعلق بصفته سبحانه، نحو قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
٣- ما تعلق بفعله سبحانه، نحو قوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] .
٤- ما تعلق بذات المكلفين، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] .
٥- ما تعلق بالجمادات، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧] .
وفعل المكلف ههنا يشمل القول والاعتقاد والعمل.
والمراد بالمكلف: البالغ العاقل الذاكر غير المكره.
القيد الثالث: "من حيث إنه مكلف به" خرج بذلك خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] ، فهذا خطاب من الله متعلق بفعل المكلف من حيث إن الحفظة يعلمون، وهذا ما يسمى بخطاب التكوين (١) .
والخطاب المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به لا يخلو عن ثلاثة أمور:
الأول: أن يرد فيه اقتضاء وطلب. وهذا يشمل الأقسام الأربعة: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه.
الثاني: أن يرد فيه التخيير. وهذا هو القسم الخامس لأحكام التكليف: المباح.
الثالث: ألا يرد فيه اقتضاء ولا تخيير فهذا هو خطاب الوضع، وذلك بأن يرد الخطاب بنصب سبب أو مانع أو شرط، أو كون الفعل رخصة أو عزيمة، وغير ذلك.
стр. 270
ويسمى ما ورد بالاقتضاء أو التخيير خطاب التكليف. فتبين بذلك أن الحكم الشرعي قسمان: حكم تكليفي، وحكم وضعي.
لذا عبر البعض عن هذا القيد بقوله: "خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع" (١) .
****
стр. 271
المطلب الثاني: الحكم التكليفي
وفيه تمهيد وخمسة أقسام:
القسم الأول: الواجب.
القسم الثاني: الحرام.
القسم الثالث: المندوب.
القسم الرابع: المكروه.
القسم الخامس: المباح.
стр. 272
التمهيد: وفيه تعريف الحكم التكليفي
وانقسامه إلى خمسة أقسام (١)
أولاً: تعريفه: الحكم التكليفي هو "خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير".
ثانيًا: للحكم التكليفي خمسة أقسام هي: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
ووجه الحصر في هذه الأقسام الخمسة:
أن الخطاب الشرعي إما أن يكون طلبًا أو تخييرًا.
فإن كان طلبًا فهذا يشمل طلب الفعل وطلب الترك، والطلب قد يكون جازمًا وغير جازم، فطلب الفعل يشمل الواجب والمندوب.
فالواجب: ما كان طلب الفعل فيه على سبيل الجزم بحيث يتعلق الذم بتاركه.
والمندوب: ما كان طلب فعله بدون جزم بحيث لا يتعلق بتاركه ذم.
وطلب الترك يشمل المحرم والمكروه.
فالمحرم: ما كان طلب تركه على سبيل الجزم بحيث يتعلق بفاعله الذم.
والمكروه: ما كان طلب الترك فيه بدون جزم بحيث لا يتعلق الذم بفاعله، أما إن كان الخطاب الشرعي تخييرًا لا طلب فيه، فهذا هو المباح، فصارت بذلك الأقسام خمسة:
الواجب: وهو ما يمدح فاعله ويذم تاركه، فهذا وجوده راجح على عدمه بالنسبة للشارع.
стр. 273
والمندوب: وهو ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه، فهذا وجوده راجح على عدمه أيضًا.
والمحرم: وهو ما يمدح تاركه ويذم فاعله، فهذا عدمه راجح على وجوده.
والمكروه: وهو ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله، فهذا عدمه راجح على وجوده أيضًا.
والمباح: وهو ما لا يتعلق بفعله أو تركه مدح ولا ذم، فهذا وجوده وعدمه سواء، هذا ما يمكن بيانه إجمالاً بالنسبة لهذه الأقسام الخمسة، وهنالك تفاصيل يمكن بيانها على النحو الآتي:
القسم الأول
الواجب
وفي هذا القسم ست مسائل:
المسألة الأولى: هل الفرض والواجب بمعنى واحد ؟
المسألة الثانية: ألفاظ الوجوب.
المسألة الثالثة: تقسميات الواجب.
المسألة الرابعة: حكم الزيادة على الواجب.
المسألة الخامسة: التفاضل بين الواجبات.
المسألة السادسة: الأمر بالشيء أمر بلوازمه.
المسألة الأولى
هل الفرض والواجب بمعنى واحد؟
اختلف في الفرض والواجب هل هما بمعنى واحد أو بينهما فرق (١) ؟.
стр. 274
ويمكن اعتبار هذا الخلاف لفظيًا بالنظر إلى ما يأتي:
أ- المعنى اللغوي: فقد يختلف المعنى اللغوي للفظين؛ إذ الفرض يأتي بمعنى القطع، ويأتي الوجوب بمعنى السقوط (١) .
وقد يتفق اللفظان في المعنى اللغوي؛ إذ كلاهما يأتي بمعنى الحتم والإلزام (٢) .
ب- أن المأمور به ليس على درجة واحدة، إذ هو متفاضل متفاوت (٣) ، فتسمية الآكد منه فرضًا وما عداه واجبًا أمر يعود إلى اللفظ.
جـ- أن الأحكام إنما تتعلق بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والأسامي (٤) ، فسواءٌ سُمي المأمور به فرضًا أو سُمي واجبًا، وسواءٌ قيل بالتفريق بين الفرض والواجب، أو قيل: إنهما مترادفان فلا بد من النظر على جميع الأحوال في الحقيقة والمعنى، وهل يصح بناء تلك الأحكام عليهما أوْ لا؟
المسألة الثانية
ألفاظ الوجوب
قال ابن القيم: "ويستفاد الوجوب بالأمر تارة، وبالتصريح بالإيجاب والفرض والكتب، ولفظة "على"، ولفظة "حق" على العباد، وعلى المؤمنين،
стр. 275
وترتيب الذم والعقاب على الترك، وإحباط العمل بالترك، وغير ذلك" (١) .
المسألة الثالثة
تقسيمات الواجب
ينقسم الواجب ثلاثة تقسيمات (٢) :
أ- باعتبار ذاته إلى واجب معين لا يقوم غيره مقامه كالصلاة والصوم، وإلى مبهم في أقسام محصورة فهو واجب لا بعينه، كواحدة من خصال الكفارة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، فالواجب منها واحد لا بعينه، وهذا هو الواجب المخير.
ب- باعتبار وقته إلى مضيق وموسع. فالواجب المضيق: هو ما لا يسع وقته أكثر من فعل مثله، كصوم رمضان.
والواجب الموسع: هو ما كان الوقت فيه متسعًا لأكثر من فعله، كالصلوات الخمس، فجميع أجزاء الوقت صالح لإيقاع الواجب فيه.
قال ابن تيمية: "الوقت يعم أول الوقت وآخره، والله يقبلها [أي الصلاة] في جميع الوقت لكن أوله أفضل من آخره، إلا حيث استثناه الشارع كالظهر في شدة الحر، وكالعشاء إذا لم يشق على المأمومين. والله أعلم" (٣) .
ولا يجوز تأخير الواجب إلى آخر وقته إلا بشرط العزم على فعله فيه (٤) .
جـ- باعتبار فاعله إلى واجب عيني وواجب على الكفاية.
أما الواجب العيني: فهو ما وجب على كل شخص بعينه، كالصلاة والصوم. فمقصود الشارع فيه: النظر إلى فاعله وصدق امتثاله (٥) .
وأما الواجب الكفائي: فقد وضحه الإمام الشافعي، فقال: " ... وهكذا كل ما كان الفرض فيه مقصودًا به قصد الكفاية فيما ينوب، فإذا قام به من
стр. 276
المسلمين من فيه الكفاية خرج من تخلف عنه من المأثم، ولو ضيعوه معًا خفتُ ألا يخرج واحد منهم مطيق فيه من المأثم، بل لا شك إن شاء الله لقوله: ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] .
قال: فما معناها؟
قلت: الدلالة عليها: أن تخلفهم عن النفير كافة لا يسعهم، ونفير بعضهم إذا كانت في نفيره كفاية يخرج من تخلف من المأثم إن شاء الله؛ لأنه إذا نفر بعضهم وقع عليهم اسم النفير.
قال: ومثل ماذا سوى الجهاد؟
قلت: الصلاة على الجنازة ودفنها؛ لا يحل تركها ولا يجب على كل من بحضرتها كلهم حضورها ويخرج من تخلف من المأثم من قام بكفايتها....
ولم يزل المسلمون على ما وصفت منذ بعث الله نبيه – فيما بلغنا – إلى اليوم:
يتفقه أقلهم ويشهد الجنائز بعضُهم، ويجاهد ويرد السلام بعضُهم، ويتخلف عن ذلك غيرهم، فيعرفون الفضل لمن قام بالفقه والجهاد وحضور الجنائز ورد السلام ولا يؤثمون من قصر عن ذلك، إذا كان بهذا قائمون بكفايته" (١) .
ومن خلال هذا النقل عن الإمام الشافعي يتبين لنا أن فرض الكفاية يمتاز بما يأتي (٢) :
أولاً: أن مقصود الشارع فيه نفس الفعل بقطع النظر عن فاعله.
ثانيًا: أن الإثم يعم كل مطيق إذا لم يقم به أحد.
ثالثًا: أن الإثم يسقط عن المتخلفين إذا قام البعض بالفعل على الوجه المطلوب.
رابعًا: أن الفضل والأجر لمن قام بالفعل على وجهه المطلوب.
стр. 277
المسألة الرابعة
حكم الزيادة على الواجب
الزيادة على الواجب إذا لم تكن من لوازمه فإنها لا تكون واجبة، سواء كانت متميزة كصلاة النافلة بعد الفريضة، أو غير متميزة كالقدر الزائد من الطمأنينة في الركوع على القدر الواجب؛ بدليل جواز تركه، وجواز الاقتصار على ما يحصل به الفرض فقط (١) .
المسألة الخامسة
التفاضل بين الواجبات (٢)
التفاضل بين الواجبات أمر حاصل؛ إذ بعض الواجبات آكد من البعض الآخر.
قال ابن تيمية مقررًا لذلك وممثلاً: "وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك وقتل النفس والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين، فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت" (٣) .
ولا شك أن التفاضل في الواجبات يتضمن تفاضلها في الثواب، ويكون
стр. 278
التفاضل أيضًا في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وفي الخبر والإنشاء، فليس الخبر المتضمن للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أعدائه كفرعون وإبليس (١) .
وإذا عُرف أن بين الأعمال تفاضلاً وتفاوتًا وأنها على درجات ومراتب كان طلب الأفضل أكمل من طلب المفضول، والطالب إذا كان حكيمًا يكون طلبه للأفضل آكد، ومعلوم أن التفاضل يختلف حسب الأحوال والأشخاص والأوقات (٢) .
قال ابن القيم: "فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق" (٣) .
وقد مثل ابن القيم لذلك بأمثلة كثيرة، فمن ذلك قوله:
"فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهادُ، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلاً القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل" (٤) .
المسألة السادسة
الأمر بالشيء أمر بلوازمه
تحت هذه القاعدة مسائل عديدة وفروع كثيرة، يمكن بيانها في النقاط الآتية:
أ- لا بد من التفريق بين ما يؤمر به قصدًا، وما يؤمر به تبعًا لتحقيق المقصود، بمعنى أن وجود الشيء يستلزم وجوده وانتفاء أضداده، فوجود الشيء هو المقصود، ووسيلته: انتفاء الضد أو الأضداد.
فالمقصود: هو الواجب الذي يذم ويعاقب على تركه.
стр. 279
والوسيلة: -وإن كانت واجبة لزومًا- لا يعاقب على تركها.
بيان ذلك: أن من أمر بالحج وكان مكانه بعيدًا فعليه أن يسعى من المكان البعيد، ومن كان مكانه قريبًا فعليه أن يسعى من المكان القريب، فقطع تلك المسافات من لوازم المأمور به، ومع هذا فإذا ترك هذان الحج لم تكن عقوبة البعيد أعظم من عقوبة القريب، بل الأولى أن تكون عقوبة القريب أعظم لقرب مكانه وسهولة الفعل عليه أكثر من البعيد، مع أن ثواب البعيد أعظم. فالعقوبة على الترك إنما تكون على ترك المقصود بالأمر لا على فعل الأضداد وترك اللوازم (١) .
ب- للوسائل حكم المقاصد:
قال ابن القيم: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل" (٢) .
وقال الشيخ ابن سعدي: "الوسائل لها أحكام المقاصد فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وطرق الحرام والمكروهات تابعة لها، ووسيلة المباح مباح.
ويتفرع عليها: أن توابع الأعمال ومكملاتها تابعة لها.
وهذا أصل عظيم يتضمن عدة قواعد، كما ذكره في الأصل.
ومعنى الوسائل: الطرق التي يُسلك منها إلى الشيء، والأمور التي تتوقف الأحكام عليها من لوازم وشروط.
فإذا أمر الله ورسوله بشيء كان أمرًا به، وبما لا يتم إلا به، وكان أمرًا
стр. 280
بجميع شروطه الشرعية والعادية والمعنوية والحسية، فإن الذي شرع الأحكام عليم حكيم يعلم ما يترتب على ما حكم به على عباده من لوازم وشروط ومتممات.
فالأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به، والنهي عن الشيء نهي عنه وعن كل ما يؤدي إليه. فالذهاب والمشي إلى الصلاة ومجالس الذكر، وصلة الرحم، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وغير ذلك من العبادات داخل في العبادة. وكذلك الخروج إلى الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله من حين يخرج ويذهب من محله إلى أن يرجع إلى مقره وهو في عبادة؛ لأنها وسائل للعبادة ومتممات لها.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١] " (١) .
جـ- لا بد من التفريق بين ما لا يتم الواجب إلا به وبين ما لا يتم الوجوب إلا به، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا قد سبق بيانه.
أما ما لا يتم الوجوب إلا به فهو غير واجب، ومثاله:
أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وملك النصاب شرط في وجوب الزكاة، فإن وجوب الحج لا يتم إلا بالاستطاعة، ووجوب الزكاة لا يتم إلا بملك النصاب، ولا يجب على العبد تحصيل الاستطاعة ولا ملك النصاب، فما لا يتم الواجب إلا به يتوقف عليه إيقاع الواجب، وما لا يتم الوجوب إلا به يتوقف عليه وجوب الواجب (٢) .
د- ما لا يتم الواجب إلا به نوعان:
١- أن يكون مأمورًا به شرعًا، كالسعي إلى الجمعة، في قوله تعالى:
стр. 281
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] ، وكالطهارة للصلاة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
فما لا يتم الواجب إلا به وهو السعي والطهارة اجتمع عليه دليلان:
الأول: النص القرآني.
والثاني: قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١) .
٢- أن يكون مباحًا لم يرد فيه أمر مستقل من الشارع، كإفراز المال لإخراج الزكاة فهذا ليس بواجب قصدًا إنما وجب بقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وعلى هذا النوع تنطبق القاعدة القائلة: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب وهي لا تنطبق على النوع الأول.
هـ- بناءً على ذلك نستطيع أن نقول: إن المباح قد يكون واجبًا إذا كان الواجب لا يتم إلا به، وقد يبقى المباح على حاله الأصلي من جواز الفعل والترك وذلك إذا لم يكن وسيلة إلى أمر آخر.
وقد يكون المباح مندوبًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا، وذلك حسب تعلقه بغيره (٢) .
و النهي عن الشيء نهي عما لا يتم اجتنابه إلا به.
مثال ذلك: إذا اختلطت الميتة بالمذكاة، فإن الكل يحرم تناوله؛ الميتة بعلة الموت، والمذكاةُ بعلة الاشتباه.
إذ الواجب الكف عن الميتة فقط، وذلك لا يتم إلا بالكف عن الاثنتين معًا بسبب الاشتباه (٣) .
وبذلك يتبين أن ما لا يتم الواجب إلا به قد يكون فعلاً كالطهارة للصلاة،
стр. 282
وقد يكون كفًا وتركًا، كترك أكل المذكاة في المثال المتقدم.
ز- وبهذا يتبين أيضًا أن النهي فرع عن الأمر؛ إذ الأمر هو الطلب، والطلب قد يكون للفعل أو للترك.
قال ابن تيمية: ".....الأمر أصل والنهي فرع، فإن النهي نوع من الأمر، إذ الأمر هو الطلب والاستدعاء والاقتضاء، وهذا يدخل فيه طلبُ الفعل وطلبُ الترك لكن خص النهي باسم خاص" (١) .
والمقصود أن قاعدة: "النهي عن الشيء أمر بضده" داخلة تحت القاعدة الكبرى "الأمر بالشيء أمر بلوازمه" فيكون النهي عن الشيء إذن مستلزمًا للأمر بضده إذا تقرر أن النهي فرع عن الأمر.
قال ابن تيمية – في الأمر والنهي -: "وبالجملة فهما متلازمان، كل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده، ومن نهى عن فعل فقد أمر بفعل ضده كما بُسط في موضعه، ولكن لفظ الأمر يعم النوعين، واللفظ العام قد يخص أحد نوعيه باسم، ويبقى الاسم العام للنوع الآخر، فلفظ الأمر عام لكن خصوا أحد النوعين بلفظ النهي، فإذا قُرن النهي بالأمر كان المراد به أحد النوعين لا العموم" (٢) .
حـ- الأمر المطلق لا يمكن امتثاله إلا بتحصيل المعين، مع أن المأمور به مطلق، وذلك كالأمر بعتق الرقبة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] ، فإن العبد لا يمكنه الامتثال إلا بإعتاق رقبة معينة.
قال ابن تيمية: "....فالحقيقة المطلقة هي الواجبة، وأما خصوص العين فليس واجبًا ولا مأمورًا به، وإنما هو أحد الأعيان التي يحصل بها المطلق؛ بمنزلة الطريق إلى مكة، ولا قصد للآمر في خصوص التعيين" (٣) .
ط- إذا علم أن الأمر المطلق لا يتحقق إلا بتحصيل المعين فإن إطلاق الأمر لا يدل على تخصيص ذلك المعين بكونه مشروعًا أو مأمورًا به، بل يرجع في ذلك إلى الأدلة؛ فإن كان في الأدلة ما يكره تخصيص ذلك المعين كره، وإن
стр. 283
كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب، وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه.
مثال ذلك: أن الله شرع دعاءه وذكره شرعًا مطلقًا عامًا وأمر به أمرًا مطلقًا، فقال: ﴿اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ، وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ، فالاجتماع للدعاء والذكر في مكان معين، أو زمان معين، أو الاجتماع لذلك: تقييد للذكر والدعاء، وهذا التقييد لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده، لكنها تتناوله لما في هذا التقييد من القدر المشترك.
فإن دلت الأدلة الشرعية على استحباب ذلك؛ كالذكر والدعاء يوم عرفة بعرفة، أو الذكر والدعاء المشروعين في الصلوات الخمس والأعياد والجمع وطرفي النهار وعند الطعام والمنام واللباس ودخول المسجد والخروج منه ونحو ذلك: صار ذلك الوصف الخاص مستحبًا مشروعًا استحبابًا زائدًا على الاستحباب العام المطلق.
وفي مثل هذا يعطف الخاص على العام، فإنه مشروع بالعموم والخصوص، وإن لم يكن في الخصوص أمر ولا نهي بقي على وصف الإطلاق، وجاز الإتيان بأي فعل معين يتحقق به امتثال الأمر المطلق (١) .
وقد عبر ابن تيمية ﵀ عن هذه القاعدة بقوله:
شرْعُ الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد...." (٢) .
وقد بين ابن تيمية فائدة هذه القاعدة، فقال ﵀:
"وهذه القاعدة إذا جُمعت نظائرها نفعت، وتميز بها ما هو البدع من العبادات التي يشرع جنسها من الصلاة والذكر والقراءة، وأنها قد تُميز بوصف اختصاص تبقى مكروهة لأجله أو محرمة: كصوم يومي العيدين، والصلاة في أوقات النهي.
стр. 284
كما قد تتميز بوصف اختصاص تكون واجبة لأجله أو مستحبة كالصلوات الخمس والسنن والرواتب" (١) .
وخلاصة القول:
أن هذه القاعدة تفصيل وشرح للقاعدة السابق ذكرها تحت قاعدة الأمر بالشيء أمر بلوازمه، وهي "أن الأمر المطلق لا بد في امتثاله من تحصيل المعين"، إذ إن من لوازم امتثال الأمر المطلق تحصيل المعين، ولكن هذا المعين يشترط في جواز تحصيله ألا تكون الأدلة الشرعية قد تعرضت له بأمر أو نهي.
أما في حالة ورود الأمر أو النهي في هذا المعين فتحصيله لا يكون جائزًا، بل يكون حكمه تابعًا للدليل الوارد فيه من استحباب، أو كراهة، أو وجوب، أو تحريم، ومعلوم أن ورود الأمر بتحصيل المعين موافقًا للأمر المطلق من باب عطف الخاص على العام وتعاضد الأدلة، وأن ورود النهي عن تحصيل المعين مخالفًا للأمر المطلق من باب تخصيص العموم وتقييد المطلق.
ي- تبين مما مضى أن الأمر المطلق يتحقق امتثاله بتحصيل معين.
وهذا المعين إذا كان امتثال الواجب يفتقر إليه فلا يتصور النهي عنه، إذ يكون هذا المعين والحالة كذلك قد أُمر به ونُهى عنه، وهذا ممتنع؛ لأنه تكليف ما لا يطاق؛ إذ هو تكليف للفاعل أن يجمع بين وجود الفعل المعين وعدمه.
أما إذا كان هذا المعين لا يفتقر إليه امتثال الواجب فالنهي عنه ممكن، فالمطلوب من العبد والحالة كذلك الامتثالُ للواجب بالإتيان بمعين ليس منهيًا عنه، والعبد في هذه الحالة ممنوع من امتثال الواجب بمعين منهي عنه؛ إذ يمكنه امتثال الواجب بمعين غير منهي عنه، وبذلك يسهل فهم مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، إذ الأمر بالصلاة مطلق في أي مكان، والنهي عن الغصب مطلق في جنس الكون، فلدينا أمر بصلاة مطلقة، ونهي عن كون مطلق، ولم يأمر الشارع
стр. 285
بالجمع بينهما فلا تلازم إذن بين الأمر والنهي، إذ مورد الأمر غير مورد النهي، لكن العبد هو الذي جمع بين المأمور به والمنهي عنه في المعين.
أما الشارع فلم يأمره بصلاة مقيدة في مكان معين إذ الشارع لا يأمر بالمعين إلا لتحصيل الأمر المطلق.
فيمكن أن يقال: فعل الصلاة في الدار المغصوبة اجتمع فيه المأمور به وهو الأمر بصلاة مطلقة، والمنهي عنه وهو الكون المطلق، ويكون الفاعل مطيعًا من وجه عاصيًا من وجه آخر، فجهة الأمر منفكة عن جهة النهي، فتكون الصلاة صحيحة يحصل بها الإجزاء، ويأثم على الغصب.
ويمكن أن يقال: فعل الصلاة في الدار المغصوبة منهي عن الامتثال به، إذ هو مأمور بالصلاة، منهي عنها، فيكون نهيًا عن بعض الصلاة، فتكون الجهة واحدة وهي أن هذه الصلاة منهي عنها فلا يحصل بها الإجزاء.
وعلى كل فكلا النظرين محل للاجتهاد. لكن لا يصح أن يقال على كل حال: إن عين هذه الأكوان مأمور بها منهي عنها (١) .
وذلك لأن:
ك- الفعل الواحد يمكن أن يكون مأمورًا به من وجه منهيًا عنه من وجه آخر، إذ إن الفعل الواحد تجتمع فيه مصلحة ومفسدة من جهات مختلفة.
وكون الفعل مصلحة أو مفسدة، مقتضيًا للثواب أو العقاب، مأمورًا به أو منهيًا عنه، ليس من الصفات اللازمة وإنما هو من الصفات الإضافية، ولهذا يُعقل أن يوجد في الفعل الواحد منفعةٌ ومضرة معًا، فيُؤمر بتحصيل المنافع، ويُنهى عن تحصيل المضار، فيُؤمر بالصلاة المشتملة على المنفعة ويُنهى عن الغصب المشتمل على المضرة، لكن من غير الممكن أن يُؤمر بالفعل الواحد ويُنهى عنه من وجهٍ واحد؛ إذ إن هذا تكليفُ ما لا يطاق، إذ كيف يقال له: افعلْ ولا تفعلْ، في وقت واحدٍ من وجهٍ واحد (٢) .