﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] ، وكالطهارة للصلاة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
فما لا يتم الواجب إلا به وهو السعي والطهارة اجتمع عليه دليلان:
الأول: النص القرآني.
والثاني: قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١) .
٢- أن يكون مباحًا لم يرد فيه أمر مستقل من الشارع، كإفراز المال لإخراج الزكاة فهذا ليس بواجب قصدًا إنما وجب بقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وعلى هذا النوع تنطبق القاعدة القائلة: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب وهي لا تنطبق على النوع الأول.
هـ- بناءً على ذلك نستطيع أن نقول: إن المباح قد يكون واجبًا إذا كان الواجب لا يتم إلا به، وقد يبقى المباح على حاله الأصلي من جواز الفعل والترك وذلك إذا لم يكن وسيلة إلى أمر آخر.
وقد يكون المباح مندوبًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا، وذلك حسب تعلقه بغيره (٢) .
و النهي عن الشيء نهي عما لا يتم اجتنابه إلا به.
مثال ذلك: إذا اختلطت الميتة بالمذكاة، فإن الكل يحرم تناوله؛ الميتة بعلة الموت، والمذكاةُ بعلة الاشتباه.
إذ الواجب الكف عن الميتة فقط، وذلك لا يتم إلا بالكف عن الاثنتين معًا بسبب الاشتباه (٣) .
وبذلك يتبين أن ما لا يتم الواجب إلا به قد يكون فعلاً كالطهارة للصلاة،
стр. 282
وقد يكون كفًا وتركًا، كترك أكل المذكاة في المثال المتقدم.
ز- وبهذا يتبين أيضًا أن النهي فرع عن الأمر؛ إذ الأمر هو الطلب، والطلب قد يكون للفعل أو للترك.
قال ابن تيمية: ".....الأمر أصل والنهي فرع، فإن النهي نوع من الأمر، إذ الأمر هو الطلب والاستدعاء والاقتضاء، وهذا يدخل فيه طلبُ الفعل وطلبُ الترك لكن خص النهي باسم خاص" (١) .
والمقصود أن قاعدة: "النهي عن الشيء أمر بضده" داخلة تحت القاعدة الكبرى "الأمر بالشيء أمر بلوازمه" فيكون النهي عن الشيء إذن مستلزمًا للأمر بضده إذا تقرر أن النهي فرع عن الأمر.
قال ابن تيمية – في الأمر والنهي -: "وبالجملة فهما متلازمان، كل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده، ومن نهى عن فعل فقد أمر بفعل ضده كما بُسط في موضعه، ولكن لفظ الأمر يعم النوعين، واللفظ العام قد يخص أحد نوعيه باسم، ويبقى الاسم العام للنوع الآخر، فلفظ الأمر عام لكن خصوا أحد النوعين بلفظ النهي، فإذا قُرن النهي بالأمر كان المراد به أحد النوعين لا العموم" (٢) .
حـ- الأمر المطلق لا يمكن امتثاله إلا بتحصيل المعين، مع أن المأمور به مطلق، وذلك كالأمر بعتق الرقبة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] ، فإن العبد لا يمكنه الامتثال إلا بإعتاق رقبة معينة.
قال ابن تيمية: "....فالحقيقة المطلقة هي الواجبة، وأما خصوص العين فليس واجبًا ولا مأمورًا به، وإنما هو أحد الأعيان التي يحصل بها المطلق؛ بمنزلة الطريق إلى مكة، ولا قصد للآمر في خصوص التعيين" (٣) .
ط- إذا علم أن الأمر المطلق لا يتحقق إلا بتحصيل المعين فإن إطلاق الأمر لا يدل على تخصيص ذلك المعين بكونه مشروعًا أو مأمورًا به، بل يرجع في ذلك إلى الأدلة؛ فإن كان في الأدلة ما يكره تخصيص ذلك المعين كره، وإن
стр. 283
كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب، وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه.
مثال ذلك: أن الله شرع دعاءه وذكره شرعًا مطلقًا عامًا وأمر به أمرًا مطلقًا، فقال: ﴿اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ، وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ، فالاجتماع للدعاء والذكر في مكان معين، أو زمان معين، أو الاجتماع لذلك: تقييد للذكر والدعاء، وهذا التقييد لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده، لكنها تتناوله لما في هذا التقييد من القدر المشترك.
فإن دلت الأدلة الشرعية على استحباب ذلك؛ كالذكر والدعاء يوم عرفة بعرفة، أو الذكر والدعاء المشروعين في الصلوات الخمس والأعياد والجمع وطرفي النهار وعند الطعام والمنام واللباس ودخول المسجد والخروج منه ونحو ذلك: صار ذلك الوصف الخاص مستحبًا مشروعًا استحبابًا زائدًا على الاستحباب العام المطلق.
وفي مثل هذا يعطف الخاص على العام، فإنه مشروع بالعموم والخصوص، وإن لم يكن في الخصوص أمر ولا نهي بقي على وصف الإطلاق، وجاز الإتيان بأي فعل معين يتحقق به امتثال الأمر المطلق (١) .
وقد عبر ابن تيمية ﵀ عن هذه القاعدة بقوله:
شرْعُ الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد...." (٢) .
وقد بين ابن تيمية فائدة هذه القاعدة، فقال ﵀:
"وهذه القاعدة إذا جُمعت نظائرها نفعت، وتميز بها ما هو البدع من العبادات التي يشرع جنسها من الصلاة والذكر والقراءة، وأنها قد تُميز بوصف اختصاص تبقى مكروهة لأجله أو محرمة: كصوم يومي العيدين، والصلاة في أوقات النهي.
стр. 284
كما قد تتميز بوصف اختصاص تكون واجبة لأجله أو مستحبة كالصلوات الخمس والسنن والرواتب" (١) .
وخلاصة القول:
أن هذه القاعدة تفصيل وشرح للقاعدة السابق ذكرها تحت قاعدة الأمر بالشيء أمر بلوازمه، وهي "أن الأمر المطلق لا بد في امتثاله من تحصيل المعين"، إذ إن من لوازم امتثال الأمر المطلق تحصيل المعين، ولكن هذا المعين يشترط في جواز تحصيله ألا تكون الأدلة الشرعية قد تعرضت له بأمر أو نهي.
أما في حالة ورود الأمر أو النهي في هذا المعين فتحصيله لا يكون جائزًا، بل يكون حكمه تابعًا للدليل الوارد فيه من استحباب، أو كراهة، أو وجوب، أو تحريم، ومعلوم أن ورود الأمر بتحصيل المعين موافقًا للأمر المطلق من باب عطف الخاص على العام وتعاضد الأدلة، وأن ورود النهي عن تحصيل المعين مخالفًا للأمر المطلق من باب تخصيص العموم وتقييد المطلق.
ي- تبين مما مضى أن الأمر المطلق يتحقق امتثاله بتحصيل معين.
وهذا المعين إذا كان امتثال الواجب يفتقر إليه فلا يتصور النهي عنه، إذ يكون هذا المعين والحالة كذلك قد أُمر به ونُهى عنه، وهذا ممتنع؛ لأنه تكليف ما لا يطاق؛ إذ هو تكليف للفاعل أن يجمع بين وجود الفعل المعين وعدمه.
أما إذا كان هذا المعين لا يفتقر إليه امتثال الواجب فالنهي عنه ممكن، فالمطلوب من العبد والحالة كذلك الامتثالُ للواجب بالإتيان بمعين ليس منهيًا عنه، والعبد في هذه الحالة ممنوع من امتثال الواجب بمعين منهي عنه؛ إذ يمكنه امتثال الواجب بمعين غير منهي عنه، وبذلك يسهل فهم مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، إذ الأمر بالصلاة مطلق في أي مكان، والنهي عن الغصب مطلق في جنس الكون، فلدينا أمر بصلاة مطلقة، ونهي عن كون مطلق، ولم يأمر الشارع
стр. 285
بالجمع بينهما فلا تلازم إذن بين الأمر والنهي، إذ مورد الأمر غير مورد النهي، لكن العبد هو الذي جمع بين المأمور به والمنهي عنه في المعين.
أما الشارع فلم يأمره بصلاة مقيدة في مكان معين إذ الشارع لا يأمر بالمعين إلا لتحصيل الأمر المطلق.
فيمكن أن يقال: فعل الصلاة في الدار المغصوبة اجتمع فيه المأمور به وهو الأمر بصلاة مطلقة، والمنهي عنه وهو الكون المطلق، ويكون الفاعل مطيعًا من وجه عاصيًا من وجه آخر، فجهة الأمر منفكة عن جهة النهي، فتكون الصلاة صحيحة يحصل بها الإجزاء، ويأثم على الغصب.
ويمكن أن يقال: فعل الصلاة في الدار المغصوبة منهي عن الامتثال به، إذ هو مأمور بالصلاة، منهي عنها، فيكون نهيًا عن بعض الصلاة، فتكون الجهة واحدة وهي أن هذه الصلاة منهي عنها فلا يحصل بها الإجزاء.
وعلى كل فكلا النظرين محل للاجتهاد. لكن لا يصح أن يقال على كل حال: إن عين هذه الأكوان مأمور بها منهي عنها (١) .
وذلك لأن:
ك- الفعل الواحد يمكن أن يكون مأمورًا به من وجه منهيًا عنه من وجه آخر، إذ إن الفعل الواحد تجتمع فيه مصلحة ومفسدة من جهات مختلفة.
وكون الفعل مصلحة أو مفسدة، مقتضيًا للثواب أو العقاب، مأمورًا به أو منهيًا عنه، ليس من الصفات اللازمة وإنما هو من الصفات الإضافية، ولهذا يُعقل أن يوجد في الفعل الواحد منفعةٌ ومضرة معًا، فيُؤمر بتحصيل المنافع، ويُنهى عن تحصيل المضار، فيُؤمر بالصلاة المشتملة على المنفعة ويُنهى عن الغصب المشتمل على المضرة، لكن من غير الممكن أن يُؤمر بالفعل الواحد ويُنهى عنه من وجهٍ واحد؛ إذ إن هذا تكليفُ ما لا يطاق، إذ كيف يقال له: افعلْ ولا تفعلْ، في وقت واحدٍ من وجهٍ واحد (٢) .
стр. 286
ل- مما مضى نستطيع أن نقسم ما يتم به الامتثال للواجب إلى أربعة أقسام (١) :
الأول: أن يكون ما يتم به الامتثال للواجب واجبًا، كالإمساك الذي يجب امتثالاً لإيجاب صيام رمضان.
الثاني: أن يكون ما يتم به الامتثال للواجب مباحًا، كالخصلة الواحدة من خصال الكفارة فإن كل واحدة مباحة لكن الواجب وهو التكفير لا يتم إلا بفعل خصلةٍ منها.
الثالث: أن يكون ما يتم به الامتثال غير منهي عنه، كالعتق المطلق فإنه يتم بعتق مطلق الرقبة.
والفرق بين هذا النوع والذي قبله أن المطلق -وهو هذا النوع- لم يُؤمر فيه بأحد أشياء محصورة وإنما أمر بالمطلق، أما المخير فقد أمر فيه بأحد أشياء محصورة.
الرابع: أن يكون ما يتم به الامتثال منهيًا عنه، وذلك كالصلاة في الدار المغصوبة. وحكم هذا القسم يرجع إلى النظر في انفكاك جهة الأمر والنهي.
فَمَنْ قال: إن جهة الأمر منفكة عن جهة النهي؛ قال: إن الصلاة صحيحة وعلى المصلي إثم الغصب، ومن قال: إن جهة الأمر والنهي واحدة فالصلاة في الدار المغصوبة فعل منهي عنه؛ قال: إن الصلاة باطلة.
م- تحريم الشيء مطلقًا يقتضي تحريم كل جزء منه ، وذلك كتحريم الخنزير والميتة، فلا يحل شيء من أجزائهما (٢) .
ن- إذا عُلم أن الأمر بالشيء أمر بلوازمه ثبت العمل بسد الذرائع لأنه أصل مهم يندرج تحت هذه القاعدة، إذ من لوازم الأمر بالشيء الأمر بالوسائل المحققة له والسبل الميسرة لوقوعه، وكذلك من لوازم النهي عن الشيء النهي عن الوسائل المفضية إليه والذرائع الموقعة فيه، وهذا ما يسمى بسد الذرائع (٣) ، ويدخل في ذلك أيضًا تحريم الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل ما
стр. 287
حرم الله (١) .
س- تبين من خلال النقاط الماضية العلاقة الوثيقة بين المسائل التالية:
١- مقدمة الواجب أو ما لا يتم الواجب إلا به.
٢- هل المباح مأمور به أوْ لا؟
٣- هل النهي عن الشيء أمر بضده ؟
٤- هل الأمر بالشيء نهي عن ضده ؟
٥- تحريم الشيء يقتضي تحريم جميع أجزائه.
٦- سد الذرائع.
٧- تحريم الحيل.
٨- من لوازم الامتثال للأمر المطلق تحصيل المعين.
٩- للوسائل أحكام المقاصد.
١٠- الأمر بالشيء الواحد يستلزم عدم النهي عنه من وجهٍ واحد (٢) .
والجامع بين هذه المسائل قاعدة: "الأمر بالشيء أمر بلوازمه".
القسم الثاني
الحرام
(ألفاظ التحريم:
قال ابن القيم: "ويستفاد التحريم من: النهي والتصريح بالتحريم، والحظر والوعيد على الفعل، وذم الفاعل وإيجاب الكفارة بالفعل.
وقوله: "لا ينبغي" في لغة القرآن والرسول للمنع عقلاً وشرعًا.
стр. 288
ولفظة: "ما كان لهم كذا، ولم يكن لهم" وترتيب الحد على الفعل، ولفظة: "لا يحل"، و"لا يصلح".
ووصف الفعل بأنه فساد، وأنه من تزيين الشيطان وعمله، وأن الله لا يحبه، وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يزكي فاعله، ولا يكلمه، ولا ينظر إليه، ونحو ذلك" (١) .
(تضمن التفصيل السابق لقاعدة "الأمر بالشيء أمر بلوازمه" الكلام على مسائل تتعلق بالحرام.
وهذه المسائل هي:
١- هل النهي عن الشيء أمر بضده؟
٢- هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟
٣- تحريم الشيء يقتضي تحريم جميع أجزائه.
٤- الأمر بالشيء الواحد يستلزم عدم النهي عنه من وجه واحد.
القسم الثالث
المندوب
أولاً: يسمى المندوب سنة، ومستحبًا، وتطوعًا، ونفلاً، وقربة، ومرغبًا فيه، وإحسانًا (٢) .
ثانيًا: المندوب مأمور به ؛ لأنه طلب للفعل، لكنه طلب غير جازم، وليس فيه تخيير مطلقٌ بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك (٣) .
ثالثًا: المندوب يجوز تركه، لكن لا يجوز اعتقاد ترك استحبابه (٤) .
стр. 289
القسم الرابع
المكروه
المكروه: هو ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله، وقد يطلق -خاصة في كلام السلف- على المحرم (١) .
قال ابن القيم:
"وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه.....فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة" (٢) .
القسم الخامس
المباح
وفي هذا القسم خمس مسائل:
المسألة الأولى: هل المباح من الأحكام التكليفية ؟
المسألة الثانية: ألفاظ الإباحة.
المسألة الثالثة: أقسام الإباحة.
المسألة الرابعة: هل المباح مأمور به؟
المسألة الخامسة: حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع.
المسألة الأولى: هل المباح من الأحكام التكليفية؟
المباح: هو ما أذن الله في فعله (٣) وتركه غير مقترن بذم فاعله وتاركه
стр. 290
ولا مدحه (١) .
وبذلك يُعلم أن المباح لا تكليف فيه ولا طلب، فهو بهذا الاعتبار لا يدخل في أقسام التكليف (٢) ، وهي: الواجب، والمندوب، والمكروه، والمحرم، فتكون الأقسام أربعة، وإدخاله من باب المسامحة وإكمال القسمة، وذلك بناءً على أن التكليف هو "الخطاب بأمرٍ أو نهي"، ويمكن إدخاله أيضًا إذا عرف التكليف بأنه: "إلزام مقتضى خطاب الشارع" (٣) .
المسألة الثانية: ألفاظ الإباحة
تستفاد الإباحة من لفظ: الإحلال، ورفع الجُناح، والإذن، والعفو، والتخيير، وغير ذلك (٤) .وكل هذا يسمى بالإباحة الشرعية، وهي المصطلح عليها بالمباح.
المسألة الثالثة: أقسام الإباحة
الإباحة قسمان: إباحة شرعية وهي ما مضى بيانه، وإباحة عقلية، وهي المصطلح عليها بالبراءة الأصلية والاستصحاب، وقد مضى بيان ذلك (٥) .
ومن فوائد الفرق بين الإباحتين الشرعية والعقلية (٦) :
стр. 291
أ- أن رفع الإباحة الشرعية يسمى نسخًا؛ لأنها حكم شرعي، أما رفع الإباحة العقلية فلا يعد نسخًا؛ لأنها ليست حكمًا شرعيًا بل هي حكم عقلي.
ب- أن العقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب ولا يكون ذلك من تغيير ما شرع الله، لكنهما لا يرفعان ما أوجبه كلامُ الشارع من الإباحة والحل.
المسألة الرابعة: هل المباح مأمور به ؟
ذهب الجمهور إلى أن المباح غير مأمور به، وخالفهم في ذلك الكعبي (١) ، وقال: إنه مأمور به.
قال ابن بدران: "والخلاف في هذه المسألة لفظي؛ أي: يرجع إلى التسمية فقط" (٢) . ويتضح كون الخلاف لفظيًا إذا لاحظنا الأمور الآتية:
أولاً: ما مضى بيانه من التفريق بين المباح المجرد، والمباح الذي صار وسيلة إلى تحصيل الواجب، فوسيلة الواجب واجبة؛ وإن كانت مباحة في الأصل، فمراد الكعبي: المباح المتوسل به، ومراد الجمهور: المباح المجرد (٣) .
ثانيًا: الالتفات إلى القصد، فمن فعل المباح يصير واجبًا بهذا الاعتبار، وإن تعين طريقًا صار واجبًا معينًا، وإلا كان واجبًا مخيرًا، لكن مع هذا القصد ... " (٤) .
стр. 292
ثالثًا: أن المباح بالنسبة للسابقين المقربين لا يستوي فعله وتركه، بل المباحات عندهم طاعات؛ لأنهم يستعينون بها على طاعة الله، ولديهم حُسْن القصد، أما غير المقربين - كما هو حال المقتصدين - فالمباح عندهم لا يمدح ولا يذم.
فصح أن يقال: إن المباح مأمور به؛ يعني: بالنسبة للمقربين، فهم مأمورون إما بفعله أو تركه (١) .
المسألة الخامسة: حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع
الكلام على هذه المسألة يمكن ضبطه في أربع نقاط:
أ- الأصل في الأشياء بعد مجيء الرسل وورود الشرع الإباحة (٢) .
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] .
وقول ابن عباس ﵄: "وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (٣) .
قال ابن تيمية: "الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا﴾ [يونس: ٥٩] (٤) .
стр. 293
ب- أن قبل الشرع لا تحليل ولا تحريم ولا شرع، فالواجب التوقف (١) .
قال ابن قدامة: "وهذا القول [أي التوقف] هو اللائق بالمذهب، إذ العقل لا مدخل له في الحظر والإباحة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٢) ، وإنما تثبت الأحكام بالسمع" (٣) .
جـ- أنه لا يصح إعطاء ما بعد الشرع حكم ما قبل الشرع .
قال ابن تيمية: "ولست أنكر أن بعض من لم يحط علمًا بمدارك الأحكام، ولم يؤت تمييزًا في مظان الاشتباه ربما سحب ذيل ما قبل الشرع على ما بعده، إلا أن هذا غلط قبيح لو نبه له لتنبه، مثل الغلط في الحساب، لا يهتك حريم الإجماع ولا يثلم سنن الاتباع" (٤) .
وبذلك تبين أنه لا فائدة من عقد هذه المسألة: ما حكم الأشياء قبل ورود الشرع؟ إذ إن مجيء الشرع كافٍ في معرفة حكم هذه الأشياء.
د- اختلف في وقوع هذه المسألة هل هو جائز أم ممتنع ؟
الصحيح: أنه ممتنع، لأن الأرض لم تخل من نبي مرسل: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] .
أو يكون المراد بهذه المسألة: حكم الأشياء بعد ورود الشرع لكنه - أي الشرع - خلا عن حكمها، ومعلوم أن هذا لا يصح أبدًا (٥) .
أو يكون المراد بعد ورود الشرع ولم يخل عن حكمها، لكن جُهل هذا الحكم، كمن نشأ في برية، أو وُلد في جزيرة، ولم يَعرف شرعًا وعنده فواكه وأطعمة (٦) .
стр. 294
المطلب الثالث: الحكم الوضعي
وفيه ست مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الحكم الوضعي وتقسيمه.
المسألة الثانية: الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي.
المسألة الثالثة: السبب والشرط والمانع.
المسألة الرابعة: الصحة والفساد.
المسألة الخامسة: الأداء والإعادة والقضاء.
المسألة السادسة: الرخصة والعزيمة.
стр. 295
المسألة الأولى: تعريف الحكم الوضعي وتقسيمه
أولاً: تعريفه بناءً على التعريف المتقدم للحكم الشرعي بأنه:
"خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع" يمكن تعريف الحكم الوضعي على وجه الخصوص بأنه:
"خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالوضع"، إذ إن قيد "بالاقتضاء أو التخيير" خاص بالحكم التكليفي، أما قيد "الوضع" (١) فهو خاص بالحكم الوضعي كما تقدم (٢) .
ثانيًا: ينقسم الحكم الوضعي إلى ثلاثة أقسام:
السبب، والشرط، والمانع.
وأضاف البعض قسمًا رابعًا هو العلة.
وهذا التقسيم باعتبار ما يظهر الحكم.
وبعضهم ألحق بالحكم الوضعي أقسامًا أخرى:
كالصحة والفساد، والقضاء والأداء والإعادة، والرخصة والعزيمة (٣) .
المسألة الثانية
الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي
يتضح هذا الفرق من وجهين (٤) :
الأول: أن الحكم التكليفي يشترط فيه علم المكلف وقدرته على الفعل
стр. 296
كالصلاة والصوم.
أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه شيء من شروط التكليف كالصبي فإنه - وإن لم يكن مكلفًا - يضمن غرم المتلفات (١) ، فالضمان حكمٌ وضع إزاء سببه وهو الإتلاف.
الثاني: أن الحكم التكليفي أمر وطلب، كالأمر بالصلاة، بخلاف الحكم الوضعي فإنه إخبار.
المسألة الثالثة
السبب والشرط والمانع
وفي هذه المسألة خمس نقاط:
أ- يمكن تعريف كل من السبب، والشرط، والمانع، بما يأتي:
السبب: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، لذاته (٢) .
الشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، لذاته، وكان خارجًا عن الماهية (٣) .
المانع: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، لذاته (٤) .
ب- لا بد في وجود الحكم الشرعي من توفر ثلاثة أمور (٥) :
أ- وجود الأسباب.
ب- وجود الشروط.
جـ- انتفاء الموانع.
وإذا تخلف أمر من هذه الأمور انتفى الحكم الشرعي ولا بد.
стр. 297
مثال ذلك: وجوب الزكاة.
سببه: ملك النصاب.
وشرطه: حولان الحول.
والمانع منه: وجود الدين.
فإذا وجد النصاب والحول وانتفى الدين وجب أداء الزكاة.
ولا تجب الزكاة إذا لم يوجد النصاب أو لم يحل الحول، أو وجد الدين.
جـ- قد يطلق السبب على العلة الشرعية (١) .
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، فلله سبحانه في الزاني حكمان: أحدهما: وجوب الجلد، وهذا حكم تكليفي، والثاني: كون الزنا سببًا لوجوب الحكم، وهذا حكم وضعي، وقد أطلق السببُ على العلة الشرعية وهي الزنا، كما أن هذا المثال قد اجتمع فيه الحكم التكليفي مع الحكم الوضعي (٢) .
د- ينقسم الشرط من حيث هو شرط إلى ثلاثة أقسام: لغوي كإنْ دخلتِ الدار فأنت طالق، وعقلي كالحياة للعلم، وشرعي كاشتراط الطهارة للصلاة، والمقصود في هذا المقام الشرط الشرعي، وهو على قسمين:
شرط وجوب كالزوال لصلاة الظهر، وشرط صحة كالوضوء للصلاة.
والفرق بين القسمين أن شرط الوجوب من خطاب الوضع، وشرط الصحة من خطاب التكليف (٣) .
هـ- عدم المانع يلتبس كثيرًا بالشرط.
والفرق بينهما: أن الشرط وصف وجودي، وأما عدم المانع فعدمي (٤) .
стр. 298
المسألة الرابعة: الصحة والفساد
وفي هذه المسألة ثمان نقاط:
١- المراد بالصحة في العبادات (١) : سقوط القضاء بمعنى أنه لا يُحتاج إلى فعل العبادة مرة ثانية، وهذا هو الإجزاء، ولا تكون العبادة مجزيةً مسقطةً للقضاء إلا إذا كانت موافقة لأمر الشارع (٢) .
والدليل على ذلك قوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) .
قال ابن رجب (٤) : "فهذا الحديث يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمراد بأمره ههنا: دينه وشرعه....... فالمعنى إذن:
أن من كان عمله خارجًا عن الشرع ليس متقيدًا بالشرع فهو مردود" (٥) .
وقال أيضًا:
"فمن كان عمله جاريًا تحت أحكام الشرع موافقًا لها، فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك فهو مردود.
стр. 299
والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات.
فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١] (١) .
٢- المراد بالصحة في المعاملات: ترتب الأثر المقصود من المعاملة، فكل بيع أباح التصرف في المبيع وحقق كمال الانتفاع به فهو صحيح (٢) .
٣- بناءً على ما تقدم فالمراد بالفساد (٣) في باب العبادات عدم الإجزاء، أو عدم سقوط القضاء، أو عدم موافقة الأمر الشرعي.
وفي باب المعاملات عدم ترتب الأثر المقصود من العقد (٤) .
٤- الإثابة والصحة يجتمعان ويفترقان، فيكون العمل صحيحًا مثابًا عليه؛ كالعمل الكامل الذي توفرت شروطه وأركانه ولم تقترن به معصية تخل بالمقصود، وتارة يكون العمل غير صحيح ولكنه يثاب عليه كأنْ يخل بالشروط والأركان، فيُثاب على ما فعل ولا تبرأ ذمتُه، وتارة أخرى يكون صحيحًا لكن لا ثواب عليه وذلك إذا أتى بالمأمور على الوجه المطلوب لكن اقترنت به معصية تُخل بالمقصود (٥) .
٥- الكمال (٦) في العبادة نوعان (٧) :
أ- الكمال الواجب: وهو أن يقتصر في العبادة على الواجب منها، وهذا
стр. 300
كمال المقتصدين.
ب- الكمال المستحب: وهو أن يؤتي في العبادة بالمستحب، وهذا كمال المقربين.
٦- النقص في العبادة نوعان (١) :
فقد يراد بالنقص نقص بعض الواجبات، وقد يراد به ترك بعض المستحبات وذلك مثل قول الفقهاء: الغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ، يريدون بالمجزئ الاقتصار على الواجب، وبالكامل ما أتي فيه بالمستحب في العدد والقدر والصفة، وغالب استعمال الفقهاء تفسيرُ الكامل بما كمل بالمستحبات.
أما في عرف الشارع فالكامل: هو ما كمل بالواجبات.
٧- الخلاف الواقع في حرف النفي الداخل على المسميات الشرعية؛ كقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لا وضوء له» (٢) ؛ هل يحمل على نفي الكمال الواجب أو الكمال المسنون؟.
بيان ذلك: أن كل ما نفاه الله ورسوله ﷺ من مسمى أسماء الأمور الواجبة، كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى (٣) .
قال ابن تيمية: "فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة فقد صدق.
وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع" (٤) .
стр. 301
وقال ﵀ ممثلاً لهذه القاعدة ومطبقًا لها:
".......وكذلك قوله: «من غشنا فليس منا» (١) ونحو ذلك، لا يجوز أن يقال فيه: ليس من خيارنا كما تقول المرجئة.
ولا أن يقال: صار من غير المسلمين فيكون كافرًا كما تقوله الخوارج.
بل الصواب: أن هذا الاسم المضمر ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب، ولهم الموالاة المطلقة والمحبة المطلقة وإن كان لبعضهم درجات في ذلك بما فعله من المستحب.
فإذا غشهم لم يكن منهم حقيقة: لنقص إيمانه الواجب الذي به يستحقون الثواب المطلق بلا عقاب، ولا يجب أن يكون من غيرهم مطلقًا، بل معه من الإيمان ما يستحق به مشاركتهم في بعض الثواب، ومعه من الكبيرة ما يستحق به العقاب.
كما يقول من استأجر قومًا ليعملوا عملاً، فعمل بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلح أن يقال: هذا ليس منا، فلا يستحق الأجر الكامل، وإن استحق بعضه.
وقد بسطت القول في هذه المسألة في غير هذا الموضع، وبينتُ ارتباطها بقاعدة كبيرة هي: أن الشخص الواحد أو العمل الواحد يكون مأمورًا به من وجهٍ منهيًا عنه من وجهٍ، وأن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج والمعتزلة......" (٢) .
٨- النقص عن الواجب في العبادات نوعان (٣) :
نوع يُبطل العبادة؛ كنقص أركان الطهارة والصلاة والحج.
ونوع لا يبطلها؛ كنقص واجبات الحج التي ليست بأركان، ونقص واجبات الصلاة إذا تركها سهوًا عند من يرى ذلك.
стр. 302
المسألة الخامسة
الأداء والإعادة والقضاء
وفي هذه المسألة أربع نقاط:
أولاً: الأداء هو فعل العبادة في وقتها المعين لها شرعًا (١) .
ثانيًا: الإعادة هي فعل العبادة مرة أخرى، وذلك لبطلانها مثلاً، أو لغير ذلك، كإعادتها لفضل الجماعة في الوقت (٢) .
ثالثًا: القضاء هو فعل جميع العبادة المؤقتة بعد خروج وقتها المقدر شرعًا، لا فرق في ذلك بين المعذور - كالنائم عن الصلاة والمريض في الصوم - وغير المعذور (٣) .
رابعًا: الأداء والقضاء يجتمعان في الصلوات الخمس فإنها تؤدي في وقتها وتقضي بعد خروجه، وقد ينفرد الأداء عن القضاء كصلاة الجمعة فإنها تؤدي في وقتها ولا تقضي بعد خروجه بل تكون ظهرًا، وقد ينفرد القضاء عن الأداء كما في صوم الحائض فإن أداءه حرام وقضاءه واجب، وقد ينتفيان معًا في النوافل التي ليس لها أوقات معينة (٤) .
المسألة السادسة: الرخصة والعزيمة
وفي هذه المسألة جانبان:
الجانب الأول: العزيمة: وهي الحكم الثابت بدليل شرعي، خالٍ عن معارض راجح. وذلك يشمل الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح، إذ الجميع حكم ثبت بدليل شرعي.
стр. 303
والأصل هو العمل بما ثبت بالدليل الشرعي، إذ لا يجوز تركُه إلا إذا وجد معارض أقوى مما ثبت بالدليل الشرعي، فيتعين في حالة وجود المعارض الأقوى العملُ بهذا المعارض وترك ما ثبت بالدليل الشرعي، وهذه الحالة هي الرخصة.
فيُشترط إذن في العمل بالدليل الشرعي عدم المعارض الراجح له (١) .
الجانب الثاني: الرخصة: وهي الحكم الثابت على خلاف الدليل الشرعي، لمعارضٍ راجح (٢) .
وقد تكون الرخصة واجبة؛ كأكل الميتة للمضطر.
وقد تكون مندوبة؛ كقصر المسافر الصلاة عند الجمهور إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع.
وقد تكون مباحة؛ كالجمع بين الصلاتين في غير عرفة ومزدلفة عند الجمهور (٣) .
وبذلك يُعلم أن الرخصة لا تكون محرمة ولا مكروهة (٤) .
стр. 304
المبحث الثاني: لوازم الحكم الشرعي
لما كان الحكم الشرعي لا بدّ له من حاكم وهو الله ، ومحكوم فيه هو فعل المكلف، ومحكوم عليه وهو المكلف، حَسُنَ جمعُ هذه الأمور التي لا بد للحكم منها تحت مبحث واحد. ولما كان الكلام على المحكوم فيه والمحكوم عليه يُجمع في الغالب تحت عنوان واحد -وهو التكليف- اقتضى المقام لأجل ذلك تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين:
المطلب الأول: الحاكم.
المطلب الثاني: التكليف.
стр. 305
المطلب الأول: الحاكم
وفي هذا المطلب مسألة واحدة وهي:
مسألة التحسين والتقبيح العقليين
стр. 306
مسألة التحسين والتقبيح العقليين
والكلام على هذه المسألة يمكن ضبطه في النقاط التالية:
أ- المراد بالحُسْن والقبح .
ب- الأقوال في المسألة.
جـ- أصول مهمة عند أهل السنة.
د- تفصيل مذهب أهل السنة.
هـ- مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين.
و تنبيهات.
أ- المراد بالحُسْن والقُبْح:
يطلق الحسن والقبح بثلاثة اعتبارات (١) :
الاعتبار الأول: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، فما لاءم الطبع فهو حسن؛ كإنقاذ الغريق، وما نافر الطبع فهو قبيح؛ كاتهام البريء.
الاعتبار الثاني: بمعنى الكمال والنقص، فالحسن: ما أشعر بالكمال؛ كصفة العلم، والقبيح: ما أشعر بالنقص؛ كصفة الجهل.
والحسن والقبح بهذين الاعتبارين: لا خلاف أنهما عقليان، بمعنى أن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع.
والاعتبار الثالث: بمعنى المدح والثواب، والذم والعقاب.
والحسن والقبح بهذا الاعتبار: محل نزاع بين الطوائف، وذلك على النحو الآتي:
стр. 307
ب- الأقوال في المسألة:
القول الأول: إثبات الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل يدرك الحسن والقبح، فهو يحسن ويقبح، وهذا مذهب المعتزلة (١) .
القول الثاني: نفي الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل لا يدرك الحُسن والقُبح، فالعقل لا يحسن ولا يقبح، وهذا مذهب الأشاعرة (٢) .
القول الثالث: مذهب أهل السنة، وهم وسط بين الطرفين، وقبل تفصيل مذهبهم في هذه المسألة لا بد من ذكر أصولٍ لهم يُحتاج إلى بيانها في هذا المقام:
جـ- أصول مهمة عند أهل السنة:
(الأصل الأول: أنهم يثبتون الحكمة والتعليل في أفعال الله وأحكامه، فجميع الأوامر والنواهي مشتملة على مصالح العباد (٣) .
قال ابن القيم: "كيف والقرآن وسنة رسول الله ﷺ مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح وتعليل الخلق بهما والتنبيه على وجود الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضعٍ أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة.
فتارة يذكر لام التعليل الصريحة، وتارة يذكر المفعول لأجله، الذي هو المقصود بالفعل، وتارة يذكر "من أجل" الصريحة في التعليل، وتارة يذكر أداة "كي"، وتارة يذكر "الفاء" و"إن"، وتارة يذكر أداة "لعل" المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، وتارة ينبه على السبب بذكره صريحًا،....وتارة يخبر بكمال حكمته وعلمه المقتضي أنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوي بين مختلفين وأنه ينزل الأشياء منازلها ويرتبها مراتبها" (٤) .
(الأصل الثاني: أن أفعال الله سبحانه كلها حسنةٌ جميلة، لا يقبح منها
стр. 308
شيء، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] .
وقال ﷺ : «إن الله جميل يحب الجمال» (١) ، فأفعال الله إذن مباينة لأفعال المخلوقين تمامًا (٢) .
(الأصل الثالث: أنهم يصفون الله سبحانه بما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي ما أثبته الله لنفسه من الصفات، ولا أن تمثل صفاته بصفات المخلوقين، ولا أفعاله سبحانه بأفعال المخلوقين (٣) .
(الأصل الرابع: أنهم لا يوجبون على الله شيئًا إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه تفضلاً منه وتكرمًا، كما قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
قال ابن تيمية: "وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا" (٤) .
(الأصل الخامس: أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله وكتبه (٥) ، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وقال تعالى: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وقال ﷺ : «ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (٦) .
стр. 309
(الأصل السادس: أن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر والعقول –ومن ذلك تحسين الحسن والأمر به، وتقبيح القبيح والنهي عنه– فلا تعارض بين الشرع والعقل، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] .
قال ابن القيم: "وأنه [أي الشرع] لم يجئ بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقول عن أحواله والاستقلال به، فالشرائع جاءت بمحارات (١) العقول لا محالاتها، وفرق بين ما لا تُدرك العقولُ حسنه وبين ما تشهد بقبحه، فالأول مما يأتي به الرسل دون الثاني" (٢) .
(الأصل السابع: أن العقل لا مدخل له في إثبات الأحكام الشرعية، ولا في تعلق المدح والذم بالأفعال عاجلاً أو تعلق الثواب والعقاب بها آجلاً، وإنما طريق ذلك السمع المجرد (٣) .
د- تفصيل مذهب أهل السنة:
يمكن إيضاح مذهب أهل السنة في هذه المسألة وأدلتهم عليه في ثلاث نقاط (٤) :
١- أن الحسن والقبح صفات ثابتة للأفعال، وهذا الثبوت قد يكون بطريق العقل، وقد يكون بطريق الفطرة، وقد يكون بطريق الشرع، فالعقل والفطرة يحسنان ويقبحان، ولا يمكن أن يأتي الشرع على خلاف ذلك، والشرع أيضًا يحسن ويقبح فكل ما أمر به الشرع فهو حسن، وكل ما نهى عنه فهو قبيح. فثبت إذن أن الحسن والقبح قد يعرفان بالعقل، وقد يعرفان بالفطرة، وقد يعرفان بالشرع.
٢- أن ما أدرك العقلُ أو الفطرة حسنه أو قبحه فحكمته معلومة لدينا ولا شك، أما ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقد تغيب حكمته وعلته عن عقولنا القاصرة، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن جميع ما حسنه الشرع أو
стр. 310
قبحه له علة وحكمة يعلمها الله – والواجب التسليم لشرع الله – فإن من صفاته العلم والحكمة، وهذا يقتضي أيضًا أنه لا يجوز عليه سبحانه أن يأمر بالظلم وينهي عن العدل، لكمال حكمته سبحانه.
٣- أن ما عُرف حسنُه وقبحُه بطريق العقل والفطرة لا يترتب عليه مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب ما لم تأتِ به الرسل؛ لأن الدليل الشرعي إنما أثبت المدح والذم والثواب والعقاب على من قامت عليهم الحجة بالرسل والكتب، فالمدح والذم والثواب والعقاب إنما يترتب على ما عُرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقط.
وبهذا التفصيل يتبين لنا أن مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين ، وبيان ذلك كالآتي:
هـ- مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين (١) :
ذلك أن المعتزلة الذين أثبتوا التحسين والتقبيح العقليين ارتكبوا عدة محاذير عندما قالوا: إن العقل يحسن ويقبح:
المحذور الأول: أنهم مجدوا العقل وجعلوا ما أدركته عقولهم أصلاً قاطعًا، فالحسن ما حسنته عقولهم والقبيح ما قبحته عقولهم، والشرع عندهم إنما هو كاشف عن حكم العقل.
والمحذور الثاني: أنهم رتبوا على تحسين العقل وتقبيحه أن أوجبوا على الله فعل الأصلح، وهو الأمر بما حسنته عقولهم والنهي عما قبحته.
والمحذور الثالث: أنهم رتبوا على تحسين العقل: المدح والثواب، وعلى تقبيحه: الذم والعقاب، ومعلوم أن المدح والذم والثواب والعقاب مما لا يدرك إلا بالسمع المجرد.
والمحذور الرابع: أنهم شبهوا الله بخلقه، وذلك أنهم قالوا: ما حَسُنَ من المخلوق حَسُنَ من الخالق، وما قَبُحَ من المخلوق قَبُحَ من الخالق، ومن المعلوم أنه سبحانه لكمال حكمته لا يقبح منه شيء أبدًا، ولا يجوز أيضًا تشبيه الله بخلقه، لا في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله.
стр. 311
ومن جهة أخرى نجد أن الأشاعرة الذين نفوا التحسين والتقبيح العقليين ارتكبوا عدة محاذير عندما صاروا إلى ذلك:
المحذور الأول: أنهم خالفوا بداهة العقل والفطرة السليمة، ذلك أنهم قالوا باستواء الأفعال حسنها وقبيحها، فلا فرق عندهم بين الظلم والفواحش وبين العدل والإحسان، بل قالوا: إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك وينهي عن التوحيد، ومعلوم أن الشرع موافق للفطرة والعقل، ولا يمكن أن يستقر في العقول والفطر ما يناقض الشرع، فالعقل يدرك حسن عبادة الله وحده وقبح عبادة ما سواه.
والمحذور الثاني: أنهم نفوا عن الله الحكمة والتعليل في أفعاله، إذ قالوا: إن الله يأمر وينهى لا لحكمة، ولا يخلق الله شيئًا لحكمة لكن نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع، فهم لا يثبتون إلا محض الإرادة، وهذا مما علم بطلانه بأدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ومخالف أيضًا للمعقول الصريح (١) ، فإن الله وصف نفسه بالحكمة في غير موضع، ونزه نفسه عن الفحشاء، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] ، ونزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] .
والمحذور الثالث: أنهم جعلوا انتفاء العذاب قبل بعثه الرسل دليلاً على انتفاء التحسين والتقبيح العقليين واستواء الأفعال في أنفسها، ومعلوم أنه لا يلزم من إثبات التحسين والتقبيح العقليين إثبات الثواب والعقاب؛ لأن الثواب والعقاب من الأمور التي لا تثبت إلا بالسمع المجرد.
أما أهل السنة فقد توسطوا بين الطرفين ولم يرتكبوا شيئًا من المحاذير التي وقع فيها الفريقان، فإنهم: أثبتوا ما أثبته الله لنفسه من الحكمة والتعليل ونزهوا الله عن أن يأمر بالقبائح والنقائص لكمال حكمته وعلمه وعدله، ولذلك لا يمكن أن يجيء الشرع عندهم بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقل عن فهمه وإدراكه، ولذلك أيضًا أثبت أهل السنة تحسين العقل وتقبيحه، لكن لا يترتب عندهم على ذلك مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا
стр. 312
عقاب؛ لأن ترتيب ذلك مما لا يثبت بالعقل، وإنما يستقل السمع المجرد في إثباته.
و تنبيهات:
١- بُني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة: شكر المنعم ، هل هو واجب سمعًا أو عقلاً؟
فمن قال: إن العقل يحسن ويقبح قال: إن شكر المنعم واجب عقلاً، وهؤلاء هم المعتزلة.
ومن نفى كون العقل يحسن ويقبح قال: إن شكر المنعم واجب سمعًا لا عقلاً وهؤلاء هم الأشاعرة.
أما أهل السنة فعندهم أن شكر المنعم واجب بالسمع والعقل والفطرة (١) .
٢- كثر الخلط بين مذهب أهل السنة ومذهب الأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وكذلك في مسألة شكر المنعم، بل جعل البعض المذهبين مذهبًا واحدًا، فقال: إن أهل السنة والأشاعرة متفقون على أن العقل لا يحسن ولا يقبح.
وهذا خلط عظيم (٢) ، سببه: اتفاق الفريقين في بعض الجوانب؛ إذ الكل متفق على إثبات أن الشرع يحسن ويقبح، ويوجب ويحرم، وأن الثواب والعقاب والمدح والذم لا يعرف بالعقل، وإنما يعرف ذلك بالشرع وحده، وفي حقيقة الأمر نجد أن هناك جوانب أخرى في المسألة اختلفوا فيها، فأهل السنة يثبتون للعقل دورًا في التحسين والتقبيح بينما ينكر الأِشاعرة دور العقل تمامًا، وأهل السنة أيضًا يثبتون لله الحكمة والتعليل في أفعاله، بينما ينفي الأِشاعرة ذلك، إلى غير ذلك من الأمور التي سبق بيانها في النقاط السابقة.
стр. 313
وبذلك يتبين تباعد الفريقين وافتراق المذهبين.
٣- يمكن إرجاع الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ إذا فسر الحسن بكون الفعل نافعًا للفاعل ملائمًا له، والقبح بكون الفعل ضارًا للفاعل منافرًا له، أو فسر الحسن بمعنى الكمال، والقبح بمعنى النقص. وذلك بأن يُعطى هذا المعنى حقه وتلتزم لوازمه.
إذ الجميع متفق على أن الحسن والقبح بهذين المعنيين عقليان، بمعنى أن العقل يمكنه معرفة ما يلائم الطبع وما ينافره، وما هو صفة كمال أو نقص، إذ يلزم من الملائمة والمنافرة الكمال والنقص، ولا شك أن المدح والذم مرتب على الحب والبغض المستلزم للكمال والنقص (١) .
قال ابن القيم: "......قال هؤلاء: فيطلق الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة، وهو عقلي، وبمعنى الكمال والنقصان، وهو عقلي، وبمعنى استلزامه للثواب والعقاب وهو محل النزاع، وهذا التفصيل لو أُعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وأعاد المسألة اتفاقية، وأن كون الفعْل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثبات تعلق الملاءمة والمنافرة، لأن الكمال محبوب للعالم والنقص مبغوض له، ولا معنى للملاءمة والمنافرة إلا الحب والبغض......والله سبحانه يُحب كل ما أمر به، ويبغض كل ما نَهَى عنه،......فأما المدح والذم فترتبه على النقصان والكمال المتصف به وذمهم لمؤثر النقص والمتصف به أمر عقلي فطري وإنكاره يزاحم المكابرة....." (٢) .
٤- بُني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، وقد سبق الكلام على هذه المسألة في مسائل المباح (٣) .
٥- إثبات تحسين العقل وتقبيحه وأن العقل يحسن ويقبح أو نفي ذلك يحتاج إلى تفصيل؛ إذ إن ذلك من الألفاظ المجملة التي لا يجوز إطلاقها دون تقييد أو بيان، والتفصيل في ذلك أن يقال:
стр. 314
إن أريد بإثبات تحسين العقل وتقبيحه ترتيبُ الثواب والعقاب عليه فالصواب نفيه، وإن أريد بإثباته أن العقل يدرك حُسن الحَسَن وقُبْح القبيح من غير ترتيب ثوابٍ ولا عقاب على ذلك فالصواب إثباته.
ولعل هذا التفصيل هو مراد بعض من نَفَى أو أثبت التحسين والتقبيح العقليين مطلقًا دون تفصيل أو تقييد.
стр. 315
المطلب الثاني: التكليف
وفي هذا المطلب ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التكليف.
المسألة الثانية: شروط التكليف العائدة إلى الفعل.
المسألة الثالثة: شروط التكليف العائدة إلى المكلف.
стр. 316
المسألة الأولى
تعريف التكليف
التكليف لغة: إلزام ما فيه كلفة، والكلفة هي المشقة (١) .
واصطلاحًا: "إلزام مقتضى خطاب الشرع" (٢) .
والمراد بمقتضى خطاب الشرع: الأمر والنهي والإباحة (٣) .
فبهذا التعريف تدخل الإباحة في التكليف، ولا تدخل الإباحة في التكليف عند من عرف التكليف بأنه "الخطاب بأمر أو نهي" (٤) .
المسألة الثانية
شروط التكليف العائدة إلى الفعل
يشترط في الفعل المكلف به ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون الفعل معدومًا، وذلك لأن التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل وهو محال. وتوضيح هذا الشرط أن الصلاة المأمور بها وقت الطلب لا بد أن تكون غير موجودة، والمكلف ملزم بإيجادها على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به، كما لو صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها، فلا يمكن أمره بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على الوجه الكامل؛ لأن الأمر بتحصيلها معناه أنها غير حاصلة، والغرض أنها حاصلة فيكون تناقضًا (٥) .
الشرط الثاني: أن يكون الفعل معلومًا لدي المكلف معروفًا عنده، ليتصور
стр. 317
قصده إليه (١) . وذلك مثل: "المأمور بالصلاة يجب عليه أولاً أن يعلم حقيقتها، وأنها جملة أفعال من قيام وركوع وسجود وجلوس يتخللها أذكار مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم حتى يصح قصده لهذه الأفعال ويشرع فيها شيئًا بعد شيء. فلو لم يعلم ما حقيقة الصلاة لم يدر في أي فعل يشرع من أنواع الأفعال، فيكون تكليفه بفعل ما لم يعلم حقيقته تكليفًا بما لا يطاق" (٢) .
الشرط الثالث: أن يكون الفعل ممكنًا، ومقدورًا عليه؛ لأن المطلوب شرعًا حصولُ الفعل، ولا يمكن حصوله إلا بأن يكون متصور الوقوع، أما المحال فلا يتصور وقوعه (٣) .
هذه هي شروط الفعل المكلف به من حيث الجملة، وهناك تفاصيل لهذه الشروط يمكن إيضاحها في النقاط الآتية:
١- التكليف بما لا يطاق، أو التكليف بالمحال، قسمان (٤) :
أ- المستحيل لذاته: كالجمع بين الضدين، وهذا غير واقع في الشريعة، ولا يجوز التكليف به إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقوله: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
ب- المستحيل لا لذاته: بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، وذلك كإيمان أبي لهب فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلاً الجواز الذاتي؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلاً عقلاً لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا. ولكن هذا الجائز عقلاً الذاتي مستحيل من جهة أخرى، وهي من حيث تعلق علم الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي. وهذا النوع من المستحيل يجوز التكليف به شرعًا وهو واقع بإجماع المسلمين.
стр. 318
٢- بناءً على هذا التفصيل في التكليف بما لا يطاق فإنه لا يجوز إطلاق القول في حكم التكليف بما لا يطاق بالجواز أو المنع، لأن لفظ "التكليف بما لا يطاق" من الألفاظ المجملة، إذ هو مشتمل على المعنيين المذكورين؛ أحدهما حق ثابت وهو المستحيل لا لذاته بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، والأخر باطل لا يثبت في هذه الشريعة وهو المستحيل لذاته (١) .
والتكليف بما لا يطاق مجمل أيضًا من وجه آخر، هذا بيانه:
٣- لفظ القدرة والاستطاعة والطاقة: من الألفاظ المُجملة؛ لأن لفظ القدرة يتناول نوعين:
أ- القدرة الشرعية المصححة للفعل، التي هي مناط الأمر والنهي، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
ب- القدرة القدرية الموجبة للفعل، المقترنة به، المحققة له، التي هي مناط القضاء والقدر، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] (٢) .
قال ابن تيمية: "وعلى هذا تتفرع مسألة تكليف ما لا يطاق، فإن الطاقة هي الاستطاعة، وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها، فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير. وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل؛ فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين" (٣) .
٤- هل القدرة متقدمة على الفعل أو هي مقارنة له؟
الصواب في ذلك أن القدرة نوعان:
стр. 319
أ- القدرة الشرعية: فهذه تتقدم الفعل، وهي صالحة للضدين، بمعنى أنها قد توجد ويوجد معها الفعل، وقد توجد ولا يوجد معها الفعل.
ب- أما القدرة القدرية: فهذه مقارنة للفعل لا تكون إلا معه (١) .
قال ابن تيمية: "ومن مواقع الشبهة ومثارات الغلط تنازع الناس في القدرة هل يجب أن تكون مقارنة للفعل؟ أو يجب أن تكون متقدمة عليه؟
والتحقيق الذي عليه أئمة الفقهاء:
أن الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي.... لا يجب أن تقارن الفعل، فإن الله إنما أوجب الحج على من استطاعه، فمن لم يحج من هؤلاء كان عاصيًا باتفاق المسلمين، ولم يوجد في حقه استطاعة مقارنة، وكذلك سائر من عصى الله من المأمورين المنهيين وجد في حقه الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي. وأما المقارنة فإنما توجد في حق من فعل...." (٢) .
٥- هل تشترط القدرة في التكليف؟
لعل الجواب على ذلك تبين مما مضى، وهو أن القدرة الشرعية لا بد منها في التكليف، وذلك مثل اشتراط الاستطاعة في الحج، فهذه استطاعة شرعية تشترط في وجوب الحج، فمن كانت لديه هذه الاستطاعة وجب عليه الحج، ومن لم توجد عنده هذه الاستطاعة لم يجب عليه الحج.
أما القدرة القدرية فإنها لا تشترط في التكليف وذلك مثل العصاة والكفار التاركين لما أمر الله به، فإن هؤلاء لتركهم ما وجب عليهم لم تحصل لهم القدرة القدرية، ومع ذلك فهم مكلفون بما فُرض عليهم، فحصول القدرة الأولى كافٍ في التكليف، أما حصول القدرة الثانية فلا يشترط في التكليف (٣) .
٦- من الأدلة على اشتراط الاستطاعة والقدرة –الشرعيتين– في جميع التكاليف ما ذكره ابن تيمية وقرره في غير موضع، قال ﵀:
стр. 320
"..... والشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة، كما قال النبي ﷺ لعمران بن الحصين (١) : «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢) ، وقد اتفق المسلمون على أن المصلي إذا عجز عن بعض واجباتها؛ كالقيام أو القراءة أو الركوع أو السجود أو ستر العورة أو استقبال القبلة أو غير ذلك سقط عنه ما عجز عنه، وإنما يجب عليه ما إذا أراد فعله إرادة جازمة أمكنه فعله. وكذلك الصيام اتفقوا على أنه يسقط بالعجز عن مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، الذين يعجزون عن أداء وقضاء، وإنما تنازعوا هل على مثل ذلك الفدية بالإطعام؟ .....وكذلك الحج فإنهم أجمعوا على أنه لا يجب على العاجز عنه، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] . بل مما ينبغي أن يعرف أن الاستطاعة الشرعية المشروطة في الأمر والنهي لم يكتفِ الشارع فيها بمجرد المُكنة ولو مع الضرر، بل متى كان العبد قادرًا على الفعل مع ضرر يلحقه جُعل كالعاجز في مواضع كثيرة من الشريعة: كالتطهر بالماء، والصيام في المرض، والقيام في الصلاة، وغير ذلك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ... فمن قال: إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على الله ورسوله، وهو من المفترين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] (٣) .
وقال أيضًا: "واتفقوا على أن العبادات لا تجب إلا على مستطيع، وأن المستطيع يكون مستطيعًا مع معصيته وعدم فعله، كمن استطاع ما أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج ولم يفعله، فإنه مستطيع باتفاق سلف الأمة وأئمتها وهو مستحق للعقاب على ترك المأمور الذي استطاعه ولم يفعله لا