← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المسألة الأولى تعريف التكليف التكليف لغة: إلزام ما فيه كلفة، والكلفة هي المشقة (١) . واصطلاحًا: "إلزام مقتضى خطاب الشرع" (٢) . والمراد بمقتضى خطاب الشرع: الأمر والنهي والإباحة (٣) . فبهذا التعريف تدخل الإباحة في التكليف، ولا تدخل الإباحة في التكليف عند من عرف التكليف بأنه "الخطاب بأمر أو نهي" (٤) . المسألة الثانية شروط التكليف العائدة إلى الفعل يشترط في الفعل المكلف به ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون الفعل معدومًا، وذلك لأن التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل وهو محال. وتوضيح هذا الشرط أن الصلاة المأمور بها وقت الطلب لا بد أن تكون غير موجودة، والمكلف ملزم بإيجادها على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به، كما لو صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها، فلا يمكن أمره بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على الوجه الكامل؛ لأن الأمر بتحصيلها معناه أنها غير حاصلة، والغرض أنها حاصلة فيكون تناقضًا (٥) . الشرط الثاني: أن يكون الفعل معلومًا لدي المكلف معروفًا عنده، ليتصور

стр. 317

قصده إليه (١) . وذلك مثل: "المأمور بالصلاة يجب عليه أولاً أن يعلم حقيقتها، وأنها جملة أفعال من قيام وركوع وسجود وجلوس يتخللها أذكار مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم حتى يصح قصده لهذه الأفعال ويشرع فيها شيئًا بعد شيء. فلو لم يعلم ما حقيقة الصلاة لم يدر في أي فعل يشرع من أنواع الأفعال، فيكون تكليفه بفعل ما لم يعلم حقيقته تكليفًا بما لا يطاق" (٢) . الشرط الثالث: أن يكون الفعل ممكنًا، ومقدورًا عليه؛ لأن المطلوب شرعًا حصولُ الفعل، ولا يمكن حصوله إلا بأن يكون متصور الوقوع، أما المحال فلا يتصور وقوعه (٣) . هذه هي شروط الفعل المكلف به من حيث الجملة، وهناك تفاصيل لهذه الشروط يمكن إيضاحها في النقاط الآتية: ١- التكليف بما لا يطاق، أو التكليف بالمحال، قسمان (٤) : أ- المستحيل لذاته: كالجمع بين الضدين، وهذا غير واقع في الشريعة، ولا يجوز التكليف به إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقوله: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] . ب- المستحيل لا لذاته: بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، وذلك كإيمان أبي لهب فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلاً الجواز الذاتي؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلاً عقلاً لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا. ولكن هذا الجائز عقلاً الذاتي مستحيل من جهة أخرى، وهي من حيث تعلق علم الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي. وهذا النوع من المستحيل يجوز التكليف به شرعًا وهو واقع بإجماع المسلمين.

стр. 318

٢- بناءً على هذا التفصيل في التكليف بما لا يطاق فإنه لا يجوز إطلاق القول في حكم التكليف بما لا يطاق بالجواز أو المنع، لأن لفظ "التكليف بما لا يطاق" من الألفاظ المجملة، إذ هو مشتمل على المعنيين المذكورين؛ أحدهما حق ثابت وهو المستحيل لا لذاته بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، والأخر باطل لا يثبت في هذه الشريعة وهو المستحيل لذاته (١) . والتكليف بما لا يطاق مجمل أيضًا من وجه آخر، هذا بيانه: ٣- لفظ القدرة والاستطاعة والطاقة: من الألفاظ المُجملة؛ لأن لفظ القدرة يتناول نوعين: أ- القدرة الشرعية المصححة للفعل، التي هي مناط الأمر والنهي، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . ب- القدرة القدرية الموجبة للفعل، المقترنة به، المحققة له، التي هي مناط القضاء والقدر، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] (٢) . قال ابن تيمية: "وعلى هذا تتفرع مسألة تكليف ما لا يطاق، فإن الطاقة هي الاستطاعة، وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها، فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير. وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل؛ فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين" (٣) . ٤- هل القدرة متقدمة على الفعل أو هي مقارنة له؟ الصواب في ذلك أن القدرة نوعان:

стр. 319

أ- القدرة الشرعية: فهذه تتقدم الفعل، وهي صالحة للضدين، بمعنى أنها قد توجد ويوجد معها الفعل، وقد توجد ولا يوجد معها الفعل. ب- أما القدرة القدرية: فهذه مقارنة للفعل لا تكون إلا معه (١) . قال ابن تيمية: "ومن مواقع الشبهة ومثارات الغلط تنازع الناس في القدرة هل يجب أن تكون مقارنة للفعل؟ أو يجب أن تكون متقدمة عليه؟ والتحقيق الذي عليه أئمة الفقهاء: أن الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي.... لا يجب أن تقارن الفعل، فإن الله إنما أوجب الحج على من استطاعه، فمن لم يحج من هؤلاء كان عاصيًا باتفاق المسلمين، ولم يوجد في حقه استطاعة مقارنة، وكذلك سائر من عصى الله من المأمورين المنهيين وجد في حقه الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي. وأما المقارنة فإنما توجد في حق من فعل...." (٢) . ٥- هل تشترط القدرة في التكليف؟ لعل الجواب على ذلك تبين مما مضى، وهو أن القدرة الشرعية لا بد منها في التكليف، وذلك مثل اشتراط الاستطاعة في الحج، فهذه استطاعة شرعية تشترط في وجوب الحج، فمن كانت لديه هذه الاستطاعة وجب عليه الحج، ومن لم توجد عنده هذه الاستطاعة لم يجب عليه الحج. أما القدرة القدرية فإنها لا تشترط في التكليف وذلك مثل العصاة والكفار التاركين لما أمر الله به، فإن هؤلاء لتركهم ما وجب عليهم لم تحصل لهم القدرة القدرية، ومع ذلك فهم مكلفون بما فُرض عليهم، فحصول القدرة الأولى كافٍ في التكليف، أما حصول القدرة الثانية فلا يشترط في التكليف (٣) . ٦- من الأدلة على اشتراط الاستطاعة والقدرة –الشرعيتين– في جميع التكاليف ما ذكره ابن تيمية وقرره في غير موضع، قال ﵀:

стр. 320

"..... والشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة، كما قال النبي ﷺ لعمران بن الحصين (١) : «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢) ، وقد اتفق المسلمون على أن المصلي إذا عجز عن بعض واجباتها؛ كالقيام أو القراءة أو الركوع أو السجود أو ستر العورة أو استقبال القبلة أو غير ذلك سقط عنه ما عجز عنه، وإنما يجب عليه ما إذا أراد فعله إرادة جازمة أمكنه فعله. وكذلك الصيام اتفقوا على أنه يسقط بالعجز عن مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، الذين يعجزون عن أداء وقضاء، وإنما تنازعوا هل على مثل ذلك الفدية بالإطعام؟ .....وكذلك الحج فإنهم أجمعوا على أنه لا يجب على العاجز عنه، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] . بل مما ينبغي أن يعرف أن الاستطاعة الشرعية المشروطة في الأمر والنهي لم يكتفِ الشارع فيها بمجرد المُكنة ولو مع الضرر، بل متى كان العبد قادرًا على الفعل مع ضرر يلحقه جُعل كالعاجز في مواضع كثيرة من الشريعة: كالتطهر بالماء، والصيام في المرض، والقيام في الصلاة، وغير ذلك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ... فمن قال: إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على الله ورسوله، وهو من المفترين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] (٣) . وقال أيضًا: "واتفقوا على أن العبادات لا تجب إلا على مستطيع، وأن المستطيع يكون مستطيعًا مع معصيته وعدم فعله، كمن استطاع ما أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج ولم يفعله، فإنه مستطيع باتفاق سلف الأمة وأئمتها وهو مستحق للعقاب على ترك المأمور الذي استطاعه ولم يفعله لا

стр. 321

على ترك ما لم يستطيعه" (١) . ٧- القدرة والاستطاعة من الألفاظ المجملة كما تقدم، لكن غلب على الفقهاء في إطلاقاتهم استعمال القدرة الشرعية لا الكونية. قال ابن تيمية: "فالأولى هي الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس" (٢) . ٨- الأفعال التي يكلف بها الإنسان لا تخرج عن أربعة أقسام (٣) : (الأول: الفعل الصريح كالصلاة. (الثاني: فعل اللسان، وهو القول، والدليل على أن القول فعل قوله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] . (الثالث: الترك. والتحقيق أنه فعل، وهو: كف النفس وصرفها عن المنهي عنه، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء، والدليل على أن الترك فعل: من القرآن قوله تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] ، فسمى الله عدم تناهيهم عن المنكر فعلاً وذمهم على هذا الفعل فقال سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ، ومن السنة قوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٤) . فسمى ترك الأذى إسلامًا وهو يدل على أن الترك فعل. (الرابع: العزم المصمم على الفعل. والدليل على أنه فعل قوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» ، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٥) . فالحديث يدل على أن عزم المقتول المصمم على قتل صاحبه فعل، دخل بسببه النار (٦) .

стр. 322

٩- لا يثبت حكم الخطاب إلا بعد البلاغ، ولا يقوم التكليف مع الجهل وعدم العلم (١) . قال ابن تيمية: "وأيضًا فإن الكتاب والسنة قد دلا على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية" (٢) . وقد ذكر ابن تيمية الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة (٣) ، فمن ذلك: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] . ثانيًا: قوله تعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: ٥٩] . رابعًا: حديث المسيء صلاته (٤) ، ووجه الدلالة منه أنه ﷺ علمه الصلاة المجزية ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ذلك مع قول الرجل: ما أحسن غير هذا، وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة، لأن وقتها باقٍ فهو مخاطب بها. قال ابن تيمية: "فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة في أثناء الوقت فوجبت عليه الطمأنينة حينئذٍ، ولم تجب عليه قبل ذلك، فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة ذلك الوقت دون ما قبلها" (٥) . خامسًا: حديث المرأة المستحاضة (٦) التي قالت: إني امرأة أُستحاض

стр. 323

حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني من الصلاة والصوم؟ فأمرها ﷺ بالصلاة زمن الاستحاضة ولم يأمرها بالقضاء. سادسًا: أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين» ، ثم قال: «لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار» (١) . ولم يأمره بالإعادة. ١٠- إذا ثبت أن الجهل عذر شرعي، فإن هناك آثارًا تترتب على ذلك منها: أ- أنه لا يجوز تكفير الجاهل الذي لم تبلغه الرسالة، ولا تفسيقه. ب- أن الجاهل لا يحكم عليه بدخول النار فضلاً عن الخلود فيها. جـ- أنه يسقط عن الجاهل القضاء والإعادة إذا انقضى وقت الخطاب. وإليك فيما يأتي شذرات من كلام ابن تيمية تقرر ذلك وتؤيده بالأدلة والشواهد: قال ﵀: «وإذا تبين هذا فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم: مثل ألا تبلغه الرسالة، أو لعدم تمكنه من العمل لم يكن مأمورًا بما يعجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل، بمنزلة صلاة المريض والخائف والمستحاضة وسائر أهل الأعذار الذين يعجزون عن إتمام الصلاة، فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما قدروا عليه، وبه أمروا إذ ذاك، وإن كانت صلاة القادر على الإتمام أكمل وأفضل كما قال النبي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» (٢) ..... ولو أمكنه العلم به دون العمل لوجب الإيمان به، علمًا واعتقادًا دون العمل» (٣) .

стр. 324

وقال أيضًا: «وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة» (١) . وقال أيضًا: «والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ لقوله تعالى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] ، ولقوله: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . ومثل هذا في القرآن متعدد» . بين سبحانه أنه لا يُعاقب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسول. ومن علم أن محمدًا رسولُ الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به لم يعذبه الله على ما لم يبلغه (٢) . وقال أيضًا: «وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي من يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا قيل للمرأة: صلِّ، تقول: حتى أكبر وأصير عجوزة، ظانة أنه لا يخاطب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة كالعجوز ونحوها وفي أتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم، فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات، سواء قيل: كانوا كفارًا، أو معذورين بالجهل» (٣) . وقال أيضًا: «فالأحوال المانعة من وجوب القضاء للواجب والترك للمحرم: الكفر الظاهر، والكفر الباطن، والكفر الأصلي، وكفر الردة، والجهل الذي يعذر به لعدم بلوغ الخطاب، أو لمعارضة تأويل باجتهاد أو تقليد» (٤) . ١١- الجهل نوعان: نوع يعذر به صاحبه، وذلك كمن لم تبلغه

стр. 325

الرسالة، أو بلغته الرسالة لكنه لم يتمكن من تحصيل العلم. والنوع الآخر لا يعذر به صاحبه، وذلك كمن قدر على التعلم وتمكن من العلم لكنه ترك ذلك تكاسلاً أو تهاونًا (١) . ١٢- تبين مما مضى أن شروط التكليف العائدة إلى الفعل المكلف به ترجع إلى القدرة والاستطاعة. فإن اشتراط كون الفعل معدومًا يقصد منه تمكين المكلف من إيجاد الفعل وتحصيله؛ إذ تحصيل الحاصل محال. وكذلك اشتراط العلم يعود إلى اشتراط القدرة فإن الجاهل عاجز عن الفعل لأنه غير متصور لما طلب منه. قال ابن تيمية: «فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» (٢) . المسألة الثالثة: شروط التكليف العائدة إلى المكلف يشترط في الآدمي المكلف شرطان: العقل، وفهم الخطاب، ويخرج بهذين الشرطين: المجنونُ، والصبي؛ لأنهما لا يفهمان ولا يدركان خطاب الشرع، وقد يختل الفهم ويغيب الإدراك لغير هذين السببين - الجنون والصبى - وذلك: كالغفلة، والنسيان، والنوم، والسكر، والإغماء، فهل هذه الأمور مانعة من التكليف؟ وهل يشترط في المكلف - إضافة إلى العقل وفهم الخطاب - أن يكون مختارًا غير مكره؟ أو أن يكون مسلمًا غير كافر؟ هذا مجمل الكلام على شروط المكلف، أما التفاصيل فيمكن بيانها فيما يأتي: ١- المجنون غير مكلف اتفاقًا؛ لأن مقتضى التكليف الامتثالُ والطاعة،

стр. 326

ولا يتم الامتثال والطاعة إلا بالقصد إليهما، ولا يتصور قصد الامتثال وقصد الطاعة في حق المجنون؛ لأن القصد إنما يكون بعد الفهم، والمجنون لا يفهم (١) . ولأن الرسول ﷺ رفع عنه التكليف بقوله: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (٢) . ٢- الصبي غير مكلف؛ لأنه لا فهم له ولا قصد، كما تقدم بيانه في المجنون، ولأنه ﷺ رفع عنه التكليف بقوله: «وعن الصغير حتى يكبر» وهذا يشمل المميز وغير المميز، وذلك لأن المميز مع كونه يفهم لكن فهمه لم يكمل فيما يتعلق بالقصد إلى الامتثال قصدًا صحيحًا فجعل الشارع البلوغ علامة لظهور العقل (٣) . قال ابن تيمية: «.......بل قد تُسقط الشريعةُ التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم والقدرة تخفيفًا عنه، وضبطًا لمناط التكليف، وإن كان تكليفه ممكنًا، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه، ولأن العقل يظهر في الناس شيئًا فشيئًا، وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ» (٤) . ٣- وجوب الزكاة وقيم المتلفات والجنايات على غير المكلف كالصبي والمجنون ليس من باب التكليف، وإنما وقع ذلك من باب خطاب الوضع وربط الأحكام بأسبابها (٥) .

стр. 327

٤- الناسي حال نسيانه والنائم حال نومه غير مكلفين، وكذلك المخطئ فيما أخطأ فيه، وذلك لقوله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان» (١) ، وقوله: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ» . قال ابن رجب: «والأظهر -والله أعلم- أن الناسي والمخطئ إنما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما» (٢) . فتبين أن هؤلاء لا يلحقهم الإثم، وإنما وجب عليهم القضاء؛ لأن سبب الوجوب قد انعقد عليهم وإنما منع منه مانع النوم أو النسيان، أو منع من تمامه مانع الخطأ، وكذلك يشمل هؤلاء ما مضى بيانه في الفقرة السابقة من لزوم الغرامات ونحوه (٣) . ٥- المُغْمى عليه غير مكلف حال إغمائه، إذ هو متردد بين النائم والمجنون، فبالنظر إلى كون عقله لم يزل وإنما ستره الإغماء فهو كالنائم، وبالنظر إلى كونه إذا نبه لم ينتبه يشبه المجنون (٤) . قال ابن اللحام: «وكذلك اختلفوا في الأحكام المتعلقة به، فتارة يلحقونه بالنائم، وتارة بالمجنون، والأظهر إلحاقه بالنائم. والله أعلم» (٥) . ٦- الغافل غيرُ العالم بما كلف به إذا لم يقصر ولم يفرط في تعلم الحكم يعذر، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر (٦) ، وقد تقدم الكلام تفصيلاً على هذا القيد في المسألة السابقة عند الكلام على الشرط الثاني للفعل المكلف به، وهو كونه معلومًا لدي المكلف (٧) .

стр. 328

٧- الغضبان، هل هو مكلف ؟ فيه تفصيل. قال ابن القيم: «الغضب على ثلاثة أقسام» (١) : أحدها: ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع. الثاني: ما يكون في مباديه، بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه. الثالث: أن يستحكم ويشتد به، فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر، وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه" (٢) . ٨- السكران هل هو مكلف ؟ قال ابن قدامة: «وأما السكر ومن شرب محرمًا يزيل عقله وقتًا دون وقت فلا يؤثر في إسقاط التكليف، وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح فبالسكر المحرم أولى» (٣) . وقد اختلف العلماء في السكران (٤) حال سكره هل هو مكلف تصح منه تصرفاته؟. قال ابن تيمية: «مسألة في تصرفات السكران؟ قد تنازع الناس (٥)

стр. 329

فيه قديمًا وحديثًا، وفيه النزاع في مذهب أحمد وغيره....» (١) . وقد اختار ﵀ أن تصرفات السكران لا تصح (٢) وذكر لذلك أدلة (٣) منها: أ- أن عبادته كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع، فإن الله نهى عن قرب الصلاة مع السكر حتى يعلم ما يقوله، واتفق الناس على هذا، فكل من بطلت عبادتُه لعدم عقله فبطلان عقوده أولى وأحرى، كالنائم والمجنون. ب- أن جميع الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشارع اعتبار أصلاً، كما قال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (٤) . فإذا كان القلب قد زال عقله الذي به يتكلم ويتصرف فكيف يجوز أن يجعل له أمر أو نهي أو إثبات ملك أو إزالته؟ وهذا معلوم بالعقل مع تقرير الشارع له. جـ- أن كون السكران معاقبًا أو غير معاقب ليس له تعلق بصحة عقوده وفسادها؛ فإن العقود ليست من باب العبادات التي يثاب عليها، ولا الجنايات التي يعاقب عليها، بل هي من التصرفات التي يشترك فيها البر والفاجر والمؤمن والكافر، وهي من لوازم وجود الخلق؛ فإن العهود والوفاء بها أمر لا تتم مصلحة الناس إلا به وإنما تصدر عن العقل، فمن لم يكن له عقل ولا تمييز لم يكن قد عاهد ولا حلف ولا باع ولا نكح ولا طلق ولا أعتق.

стр. 330

٩- المكره: إن كان كالآلة لا اختيار له فغير مكلف؛ إذ تكليفه والحالة كذلك تكليف بما لا يطاق. هذا لا إشكال فيه ولا نزاع (١) . قال ابن رجب: «من لا اختيار له بالكلية ولا قدرة له على الامتناع، كمن حمل كرهًا وأدخل إلى مكان حلف على الامتناع من دخوله، أو حمل كرهًا وضرب به غيره حتى مات ذلك الغير، ولا قدرة له على الامتناع، أو أضجعت ثم زني بها من غير قدرة لها على الامتناع. فهذا لا إثم عليه بالاتفاق ... » (٢) . أما من أكره إكراهًا دون ذلك؛ مطيقًا للإقدام والإحجام سواء بالضرب أو التعذيب أو التهديد بالقتل؛ فإن هذا المكره والحالة كذلك في تكليفه تفصيل: فإن كان إكراهًا على الأقوال: فالعلماء متفقون على أن للمكره أن يقول القول المحرم، ولا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ، ولا يترتب على قول حكم من الأحكام، وكلامه لغو؛ لأنه كلام صدر من قائله وهو غير راضٍ به، فلذلك عُفي عنه ولم يؤاخذ به في أحكام الدنيا والآخرة. ولقوله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٣) . أما الأفعال: فما كان منها حقًا لله؛ كالأكل في نهار رمضان والعمل في الصلاة ولبس المخيط في الإحرام فهو متجاوز عنه. وما كان حقًا للمخلوقين فهو مؤاخذ به؛ كقتل المعصوم وإتلاف ماله، والإكراه لا يحل له ذلك (٤) . قال ابن القيم: «و الفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه أن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع

стр. 331

مفسدتها، بل مفسدتها معها، بخلاف الأقوال فإنه يمكن إلغاؤها وجعلها بمنزلة أقوال النائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة، بخلاف مفسدة القول؛ فإنها إنما تثبت إذا كان قائله عالمًا به مختارًا له (١) » . وقد ذكر ابن قدامة ثلاثة شروط للإكراه (٢) : الأول: أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه. الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه. الثالث: أن يكون مما يستضر به ضررًا كثيرًا؛ كالقتل والضرب الشديد. ١٠- الكفار مخاطبون إجماعًا بالإيمان الذي هو الأصل، وإنما وقع الخلاف في فروع الإيمان؛ كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة: هل هم مخاطبون بها أو لا (٣) ؟ وهذا الخلاف يتلاشى إذا ثبت لدينا اتفاق الطرفين على الأمور الآتية: (الأمر الأول: أن الكافر غير مطالب بفعل الفروع حال كفره. يوضحه: (الأمر الثاني: وهو أن فروع الإيمان لا تصح ولا تقبل ولا يثاب عليها الكافر إلا بتحصيل أصل الإيمان. والدليل على هذين الأمرين قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (٤) . (الأمر الثالث: أن الكافر إذا أسلم لا يلزمه قضاء ما فاته من العبادات الماضية زمن كفره؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. (الأمر الرابع: أن الكافر مطالب بالفروع لكن مع تحصيل شرطها الذي هو الإيمان، وذلك لعموم الآيات والأوامر الإلهية؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] .

стр. 332

(الأمر الخامس: أن الكافر يعاقب في الآخرة على تركه أصل الإيمان وعلى تركه الفروع، وذلك لقوله تعالى إخبارًا عن المشركين في معرض التصديق لهم تحذيرًا من فعلهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤] . ١١- الجامع لشروط المكلف أن يكون عاقلاً فاهمًا للخطاب، فإذا طرأ على العقل عارض يمنعه من فهم الخطاب وإدراكه ارتفع التكليف، كما هو الحال بالنسبة للناسي والنائم والسكران، فإذا زال العارض وحسن من العقل فهم الخطاب وجب التكليف حينئذٍ. وقد يعتري العقل خلل يؤثر في كماله وسلامته كما هو الحال بالنسبة للمجنون والصبي فلا يزال التكليف ساقطًا عن هؤلاء حتى يعود إلى العقل كماله وسلامته. فلا بد إذن في التكليف من صحة العقل وسلامته وارتفاع الموانع التي تمنعه من فهم الخطاب (١) . كما يشترط أيضًا عدم الإكراه؛ لأن الإكراه وإن لم يمنع من فهم الخطاب إلا أنه يسلب القدرة على قصد الامتثال، وما فائدة فهم الخطاب إذا لم تكن القصد إلى الطاعة والامتثال؟ وحاصل القول: أن قصد الامتثال إنما يحصل بالعقل وفهم الخطاب، وكل ذلك يحتاج إلى القدرة، فلا بد من القدرة على القصد وذلك بالفهم والعلم، ولا بد من القدرة على القصد وذلك بالفهم والعلم، ولا بد من القدرة على الفهم وذلك إنما يكون بكمال العقل وسلامته من الموانع المخلة بالفهم، فاجتمعت شروط المكلف في القدرة. القدرة على فهم الخطاب، والقدرة على قصد الامتثال. ١٢- وقد تقدم أيضًا بيان أن الجامع لشروط الفعل المكلف به القدرة (٢) ، فبذلك تجتمع جميع شروط التكليف، ما يعود منها إلى الفعل المكلف به وما يعود منها إلى الإنسان المكلف في القدرة والاستطاعة. قال ابن تيمية: «الأمر والنهي الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة» (٣) .

стр. 333

المبحث الثالث قواعد في الحكم الشرعي هذه القواعد بعضها يقرر بعضًا، وينتج بعضها عن بعض، وقد اشتملت هذه القواعد على خصائص الحكم الشرعي ومعالمه، وتضمنت الإشارة إلى أصوله وضوابطه.

стр. 334

قد يعبر عن الحكم الشرعي بالأمر والنهي؛ ذلك لأن الأحكام الشرعية لا تخرج عن الأمر والنهي، ولذلك أيضًا يعبر بالإيجاب والتحريم عن الحكم الشرعي أما المندوب فهو تابع للواجب؛ إذ كلاهما مأمور به، وكذا المكروه فهو تابع للمحرم؛ إذ كلاهما منهي عنه، ثم إن كلا من المندوب والمكروه لا جزم فيه، ولا يترتب عليه عقاب، فبالنظر إلى ترتب العقاب اجتمع الحكمُ الشرعي في الواجب الذي يترتب على تركه عقاب، وفي المحرم الذي يترتب على فعله عقاب. وقد يعبر عن الحكم الشرعي: بالحلال والحرام، إذ الحلال - كما تقدم (١) - يقصد به: ما أذن في فعله، وذلك يشمل: الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح. وقد يعبر عن الحكم الشرعي بالواجب، والمندوب، والمكروه، والحرام، وذلك بالنظر إلى الطلب والاقتضاء، فالمباح بذلك يخرج عن الحكم الشرعي (٢) ؛ إذ لا اقتضاء فيه ولا طلب، لكن سبق التنبيه على أن إدخاله تحت الأحكام الشرعية إنما كان على وجه المسامحة وإكمال القسمة (٣) ، وقد يعبر عن الحكم الشرعي بالأمر فقط (٤) ، وذلك بناءً على أن النهي فرع عن الأمر؛ إذ الأمر هو الطلب، وهذا يشمل الترك وهو النهي (٥) ، وهذا أيضًا مبني على أن المندوب والمكروه تابعان للواجب والحرام على ما سبق. وكثيرًا ما يعبر بالحكم الشرعي عن الحكم التكليفي، مع أن الحكم الشرعي ذو شطرين: الحكم التكليفي والحكم الوضعي، لأن تسمية الحكم الوضعي حكمًا فيها تجوز وتساهل؛ إذ الحكم الشرعي خطاب الشارع، والخطاب يتضمن ولا بد أمرًا أو

стр. 335

نهيًا، وهذا هو الحكم التكليفي، أما نصب الشارع علامات للدلالة على حكمه فهذه العلامات من أسباب وشروط وموانع إنما هي بيان وإظهار لهذا الحكم وإخبار وإعلام بوجوده أو انتفائه. وعلى كل فتسمية خطاب الوضع حكمًا وجعله نوعًا من أنواع الحكم الشرعي أمر اصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح. وبذلك يتبين أن الحكم التكليفي هو الأصل وهو المهم، لذا ساغ أن يكون هو المراد عند إطلاق الحكم الشرعي. ٢- أن الحكم الشرعي إنما يؤخذ من الشرع، إذ الحكم لله وحده، ولا يجوز إثبات حكم شرعي بغير الأدلة الشرعية التي جعلها الله طريقًا لمعرفة أحكامه، وهذا أصل عظيم من أصول هذا الدين (١) . قال ابن تيمية: ".......فلهذا كان دين المؤمنين بالله ورسوله أن الأحكام الخمسة: الإيجاب، والاستحباب، والتحليل، والكراهية، والتحريم، لا يؤخذ إلا عن رسول الله ﷺ ، فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله " (٢) . ٣- إذا علم أن الحكم الشرعي إنما يؤخذ عن الله ورسوله ﷺ فالقول على الله بغير علم محرم، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] . قال الشافعي: « ... لا أعلم أحدًا من أهل العلم رخص لأحدٍ من أهل العقول والآداب في أن يفتي ولا يحكم برأي نفسه إذا لم يكن عالمًا بالذي تدور عليه أمور القياس من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، لتفصيل المشتبه» (٣) . وقال ابن قدامة: «......أنا نعلم بإجماع الأمة قبلهم على أن العالم ليس له الحكم بمجرد هواه وشهوته من غير نظر في الأدلة.........» (٤) .

стр. 336

وقد خصص ابن القيم فصلاً لهذه المسألة في كتابه القيم «إعلام الموقعين» ، فقال: «ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم، وذكر الإجماع على ذلك» (١) . ٤- أن الأحكام الشرعية مبنية على تحقيق مصالح الناس وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها (٢) . قال ابن القيم: « ... فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها» (٣) . ٥- أن الأحكام الشرعية مبنية على تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما ودفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما (٤) . ومن الأمثلة على ذلك ترك النبي ﷺ تغيير بناء الكعبة (٥) لما في إبقائه من تأليف القلوب (٦) . ٦- تبين مما مضى أن مقصود الشارع من جميع الأوامر والنواهي تحصيل المصلحة والمنفعة، أما ما يترتب على ذلك من مشقة فليس بمقصود للشارع. قال ابن تيمية: «....... وأمرنا بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة

стр. 337

والصلاح لنا، وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا بمشقة، كالجهاد، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطلب العلم، فيحتمل تلك المشقة ويثاب عليها لما يعقبها من المنفعة.....» (١) . ٧- إذا علم ذلك كان من باب أولى ألا يأمر الشارع بما مفسدته راجحة أو خالصة. قال ابن تيمية: «وأما إذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته فهذا فساد، والله لا يحب الفساد» (٢) . وقال ابن القيم: «فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل» (٣) . يوضح ذلك: ٨- أن الأحكام الشرعية كلها مصالح للعباد، لكن منها ما يكون نعمة؛ كإيجاب الإيمان والمعروف، وتحريم الكفر والمنكر. ومنها ما يكون عقوبة؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] . ومنها ما يكون محنة كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] . والمقصود أن الحكم الشرعي لا يخلو عن حكمة ومصلحة، لكن قد تعلم هذه الحكمة فيسهل الامتثال، وقد تكون الحكمة منه التعبد المحض، ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه. وهذا هو الابتلاء، كما ابتلى الله نبيه إبراهيم ﵊ بذبح ابنه (٤) . ٩- أن الأحكام الشرعية مبنية على النظر إلى المآل ، فمن ذلك سد الذرائع، وتحريم الحيل، والمنع من الغلو في العبادات؛ إذ الجميع يفضي إلى ترك

стр. 338

المأمور به والوقوع في المحظور. ذلك أن وسائل الحرام تفضي إلى الحرام. وكذلك الحيل يتوصل بها إلى تحليل المحرمات، وقد تقدم الكلام على هذين الأمرين (١) . أما الغلو في العبادات والزيادة على الحد المشروع فيها فإنه قد يؤدي إلى السآمة والملل وترك العمل بالكلية. قال ابن تيمية: «ومما ينبغي أن يُعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق حتى يكون العمل كل ما كان أشق كان أفضل كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء لا، ولكن الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله، فأي العملين كان أحسن، وصاحبه أطوع وأتبع كان أفضل، فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل» (٢) . وقال ابن رجب: «إن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وكان النبي ﷺ يقول: «يسروا ولا تعسروا» (٣) ، وقال ﷺ : «فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (٤) . ١٠- أن الأحكام الشرعية مبنية على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين . فمن ذلك أنها مشروطة بالقدرة والاستطاعة (٥) ، وأنها قائمة على تحقيق مصالح الخلق ودفع المفاسد عنهم (٦) .

стр. 339

وفي كلام ابن رجب السابق ما يقرر ذلك ويبينه. ١١- أن الأحكام الشرعية لا تبني على الصور النادرة ، بل العبرة بالكثير الغالب، ولو فرض وجود مصلحة عظمى في صورة جزئية فإن حكمة الله أولى من مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي في مراعاتها تعطيل مصلحة أكبر وأهم. وقاعدة الشرع والقدر: تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما، ودفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما (١) . ١٢- أن الأحكام الشرعية مبنية على التسوية بين المتماثلات وإلحاق النظير بنظيره. قال ابن القيم: «وأما أحكامه الأمرية الشرعية فكلها هكذا، تجدها مشتملة على التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين وعدم تسوية أحدهما بالآخر، وشريعته سبحانه منزهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها. فمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها ولا قدرها حق قدرها. وكيف يظن بالشريعة أنها تبيح شيئًا لحاجة المكلف إليه ومصلحته ثم تحرم ما هو أحوج إليه والمصلحة في إباحته أظهر، وهذا من أمحل المحال» (٢) . ١٣- أن الأحكام الشرعية قد تجمع بين المختلفات إذا اشتركت في سبب الحكم. قال ابن القيم: «وأما قوله: (إن الشريعة جمعت بين المختلفات، كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال) فغير منكر في العقول والفطر والشرائع والعادات: اشتراك المختلفات في حكمٍ واحد باعتبار اشتراكها في سبب ذلك الحكم. فإنه لا مانع من اشتراكها في أمر يكون علة لحكم من الأحكام، بل هذا هو الواقع، وعلى هذا فالخطأ والعمد اشتركا في الإتلاف الذي هو علة للضمان،

стр. 340

وإن افترقا في علة الإثم» (١) . وقد ذكر ابن القيم أمثلة عديدة على هذه القاعدة وبين أوجه الجمع فيها (٢) . ١٤- الأحكام الشرعية نوعان: ثابتة لا تتغير، ولا يجوز الاجتهاد فيها، ومتغيرة خاضعة لاجتهاد المجتهدين حسب المصلحة وهي تختلف من شخص لآخر ومن مكان لآخر. قال ابن القيم: «الأحكام نوعان، نوع لا يتغير عن حالة واحدة، وهو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة. كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك. فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له: زمانًا ومكانًا وحالاً؛ كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة» (٣) . ١٥- إذا علم هذا فإن من الأحكام الشرعية ما يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال. ذلك أن الحكم الشرعي يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذا أيضًا دليل على أن هذه الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم. وكون الحكم الشرعي يختلف من واقعة إلى واقعة إذا تغير الزمان، أو المكان، أو الحال، ليس معناه أن الأحكام الشرعية مضطربة ويحصل فيها التذبذب والتباين، بل إن الحكم الشرعي لازم لعلته وسببه وجارٍ معه، لكن حيث اختلف الزمان أو المكان اختلفت الحقيقة والعلة والسبب، فالواقعة غير الواقعة، والحكم كذلك غير الحكم. أما أن يختلف الحكم الشرعي في واقعتين متماثلتين في الحقيقة مشتركتين في

стр. 341

العلة والسبب فهذا ما لا يمكن حدوثه أبدًا (١) . ١٦- وكذلك فإن من الأحكام الشرعية ما يختلف من شخص لآخر، كل حسب حاله. قال ابن القيم: «ولله سبحانه على كل أحد عبودية بحسب مرتبته، سوى العبودية العامة التي سوى بين عباده فيها. فعلى العلم من عبودية نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره. وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به والصبر على ذلك والجهاد عليه، ما ليس على المفتي. وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير. وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما» (٢) . ١٧- أن أحكام الدنيا تجري على الأسباب الظاهرة، ما لم يقم دليل على خلاف ذلك، قال الشافعي: «فمن حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم استدلالاً على أن ما أظهروا يحمل غير ما أبطنوا بدلالة منهم أو غير دلالة لم يسلم عندي من خلاف التنزيل والسنة، وذلك أن يقول قائل: من رجع عن الإسلام ممن ولد على الإسلام قتلته ولم أستتبه، ومن رجع عنه ممن لم يولد على الإسلام استتبته.....» (٣) . وقال ابن القيم: «........أن الله تعالى لم يُجرِ أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنما أجراها على الأسباب التي نصبها أدلة عليها وإن علم أنهم مبطلون فيها مظهرون لخلاف ما يبطنون. وإذا أطلع الله رسوله على ذلك لم يكن ذلك مناقضًا لحكمه الذي شرعه ورتبه على تلك الأٍسباب. كما رتب على المتكلم بالشهادتين حكمه، وأطلع رسوله وعباده المؤمنين

стр. 342

على أحوال كثير من المنافقين وأنهم لم يطابق قولهم اعتقادهم.....» (١) . وقال أيضًا: «فأحكام الرب تعالى جارية على ما يظهر للعباد، ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه» (٢) . ١٨- أن العبرة في الأحكام الشرعية بالمقاصد والنيات، وذلك إذا ظهرت، أما إذا لم يظهر قصد ولا نية فالعبرة بالظاهر. قال ابن القيم: «إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام، أو لم يظهر قصد يخالف كلامه: وجب حمل كلامه على ظاهره» (٣) . وقد ذكر ابن القيم لاعتبار النية والقصد في المعاملات والعبادات والثواب والعقاب أمثلة كثيرة (٤) . منها: بيع الرجل السلاح لمن يعرف أنه يقتل به مسلمًا حرام باطل؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وبيعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله طاعة وقربة. وكذلك الحيوان يحل إذا ذبح لأجل الأكل ويحرم إذا ذبح لغير الله. وكذلك الصوم، فلو أمسك رجل من المفطرات عادة واشتغالاً ولم ينو القربة لم يكن صائمًا. ولو دار حول الكعبة يلتمس شيئًا سقط منه لم يكن طائفًا. وكذلك لو جامع أجنبية يظنها زوجته أو أمته لم يأثم بذلك وقد يثاب بنيته. ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية فبانت زوجته أو أمته أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام. ومن الأدلة على هذه القاعدة: قوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» (٥) . وعلل ذلك ﷺ بأن نية كل واحد منها قتل صاحبه. وكذلك قوله ﷺ : «صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو

стр. 343

يصد لكم» (١) . فحرم على المحرم الأكل بناء على قصد الصائد ونيته. قال ابن القيم: «فالنية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي ﷺ قد قال كلمتين كفتا وشفتا، وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢) فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال» (٣) . ١٩- أن الأحكام الشرعية لا تكون مخالفة للعقول والفطر. قال ابن القيم: «بل أخبارهم [أي الرسل] قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر. الثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها، كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب. ولا يكون خبرهم محالاً في العقول أصلاً. وكل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الخبر كذبًا عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسدًا، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقول صريح؛ قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] . وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦] ، والنفوس لا تفرح بالمحال، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٧، ٥٨] ، والمحال

стр. 344

لا يشفي، ولا يحصل به هدىً ولا رحمة، ولا يفرح به» (١) . ٢٠- أن الأحكام الشرعية محيطة بجميع أفعال المكلفين، وافية بكل الحوادث. قال ابن القيم: «وهذه الجملة إنما تنفصل بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين: إحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرًا ونهيًا، وإذنًا وعفوًا، كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابةً وقدرًا، فعلمه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها، وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية، فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني وإما الشرعي الأمري، فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه. وبهذا يكون دينه كاملاً كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] » (٢) . ٢١- أن الأحكام الشرعية ظاهرة واضحة مبينة، خاصة ما تحتاج الأمة إليه منها. قال ابن تيمية: «إن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًا، ولا بد أن تنقلها الأمة» (٣) . وقال ابن رجب: «وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالاً إلا مبينًا، ولا حرامًا إلا مبينًا، لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض. فما ظاهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك: لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام. وما كان بيانه دون ذلك فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفي على بعض ما ليس منهم. ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا فاختلفوا في تحليله وتحريمه، وذلك

стр. 345

أسباب....» (١) . ٢٢- أن العبرة في الحكم الشرعي بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني. قال ابن القيم: « ... فالله سبحانه إنما حرم هذه المحرمات وغيرها لما اشتملت عليه من المفاسد المضرة بالدنيا والدين، ولم يحرمها لأجل أسمائها وصورها، ومعلوم أن تلك المفاسد تابعة لحقائقها لا تزول بتبدل أسمائها وتغير صورها» (٢) . وقال ﵀ مستدلاً لهذه القاعدة وممثلاً لها: «ولو أوجب تبديل الأسماء والصور تبدل الأحكام والحقائق لفسدت الديانات وبدلت الشرائع، واضمحل الإسلام. وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة، وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نفعهم تسميةُ الإشراك بالله تقربًا إلى الله؟ وأي شيء نفع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسمية ذلك تنزيهًا» (٣) . وقال أيضًا: «فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة في المفسدة التي حرمت لأجلها، مع تضمنه لمخادعة الله تعالى ورسوله، ونسبة المكر والخداع والغش والنفاق إلى شرعه ودينه، وأنه يحرم الشيء لمفسدة ويبيحه لأعظم منها» (٤) . ٢٣- أن الحكم الشرعي يجب اعتقاده، وهذا أصل من أصول الدين؛ إذ يجب اعتقاد وجوب الواجبات، وحرمة المحرمات، واستحباب المستحبات، وكراهة المكروهات، وإباحة المباحات. فمن أنكر حكمًا شرعيًا معلومًا من الدين بالضرورة فهو كافر كفرًا يخرج

стр. 346

من الملة (١) ، أما إذا كان الحكم الشرعي مما يمكن فيه الخلاف فلا (٢) . ٢٤- أن الحكم الشرعي يجب اتباعه والأخذ به، وهذا قد تقدم بيانه (٣) . ٢٥- أن العلم بالأحكام الشرعية فرض كفاية على جميع الأمة، ويجب على كل واحد أن يعرف من الأحكام الشرعية ما يحتاج إليه (٤) . ٢٦- أن اتباع الحكم الشرعي علمًا وعملاً واعتقادًا مشروط بالممكن من العلم والقدرة على ما سبق بيانه (٥) . ****

стр. 347

الفصل الثاني: دلالات الألفاظ وطرق الاستنباط وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المبادئ اللغوية. المبحث الثاني: النص، والظاهر، والمؤول، والمجمل، والبيان. المبحث الثالث: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم.

стр. 348

المبحث الأول: المبادئ اللغوية وفي هذا المبحث ست مسائل: المسألة الأولى: علاقة اللغة العربية بالشريعة. المسألة الثانية: مبدأ اللغات. المسألة الثالثة: الأسماء الشرعية. المسألة الرابعة: الاشتراك. المسألة الخامسة: الترادف. المسألة السادسة: العطف والاقتران.

стр. 349

المسألة الأولى: علاقة اللغة العربية بالشريعة تتجلى أهمية اللغة العربية وعلاقتها بعلوم الشريعة في الآتي: ١- أن الكتاب والسنة عربيان: فالقرآن الكريم إنما نزل بلغة العرب، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] . والرسول ﷺ من العرب، وهو ذو لسان عربي فصيح. قال الشافعي: «ومن جماع علم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب» (١) . وقال أيضًا: «وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة» (٢) . ٢- أن معاني كتاب الله موافقة لمعاني كلام العرب، وظاهر كتاب الله ملائم لظاهر كلام العرب. ففي القرآن من الإيجاز والاختصار، والعام والخاص كما في كلام العرب (٣) . ٣- إذا عُلم ذلك فإن فهم مراد الله ورسوله ﷺ متوقف على فهم لغة العرب ومعرفة علومها؛ فعلى كل مسلم أن يتعلم من هذه اللغة ما يقيم به دينه. قال الشافعي: «لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها. ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها» (٤) .

стр. 350

وقال أيضًا: «فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله» (١) . وقال ابن تيمية: «فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه» (٢) . ٤- أن الإحاطة بلسان العرب حاصلة بالنسبة لعام الأمة؛ إذ لا يذهب منه شيء إلا ويوجد في هذا الأمة من يعرفه، أما النسبة للواحد فقد يعزب عنه بعض كلام العرب. وهذا كأحاديث النبي ﷺ ؛ فإنه قد يعزب الحديث عن واحد من العلماء، إلا أنه لا يمكن أن يعزب عن عامة الأمة (٣) . المسألة الثانية: مبدأ اللغات اختلف في مبدأ اللغات (٤) : فذهب الجمهور إلى أنها توقيفية؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] . وقيل: إنها اصطلاحية، وقيل غير ذلك. قال ابن قدامة بعد ذكره للأقوال. «أما الواقع منها فلا مطمع في معرفته يقينًا؛ إذ لم يرد به نص، ولا مجال للعقل والبرهان في معرفته. ثم هذا أمر لا يرتبط به تعبد عملي، ولا ترهق إلى اعتقاده حاجة.

стр. 351

فالخوض فيه فضول، فلا حاجة إلى التطويل» (١) . المسألة الثالثة الأسماء الشرعية والكلام على هذه المسالة في أربع نقاط: أولاً: تنقسم الألفاظ إلى أربعة أقسام (٢) : حقيقة وضعية أو لغوية، وحقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، ومجاز. ووجه الحصر في الأقسام الأربعة: أن اللفظ إما أن يبقى على أصل وضعه: فهذه هي الحقيقة الوضعية، أو يغير عنه ولا بد أن يكون هذا التغيير من قبل الشرع، أو من قبل عرف الاستعمال، أو من قبل استعمال اللفظ في غير موضعه لعلاقة بقرينة. فإن كان تغييره من قبل الشرع فهو الحقيقة الشرعية، وإن كان من قبل عرف الاستعمال فهو الحقيقة العرفية، وإن كان من قبل استعمال اللفظ في غير موضعه لدلالة القرينة فهو المجاز (٣) . مثال الحقيقة الوضعية: «أسد» فإنه يطلق في أصل الوضع على الحيوان المفترس، فإن استعمل في غير ما وضع له فهو المجاز؛ مثل إطلاق لفظ «أسد» على الرجل الشجاع. ومثال الحقيقة الشرعية: لفظ الصلاة والصيام والحج، فإنها تطلق ويراد بها تلك العبادات المعروفة، مع أن لهذه الألفاظ معاني أخرى في أصل وضعها اللغوي، فالصلاة: الدعاء، والصيام: الإمساك، والحج: القصد.

стр. 352

ومثال الحقيقة العرفية: لفظ الدابة، فإنه يطلق ويراد به عرفًا ذوات الأربع من الحيوان، مع أن معناه الأصلي في اللغة يشمل كل ما يدب على الأرض. ثانيًا: اختلف الأصوليون في الأسماء الشرعية (١) : وذلك على أقوال: ١- أن الشارع نقلها عن مسماها في اللغة؟ ٢- أنها باقية على ما كانت عليه في اللغة إلا أن الشارع زاد في أحكامها؟ ٣- أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف؛ فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة؟ وهذا الخلاف يعود إلى اللفظ إذا حصل الاتفاق على وجوب الرجوع إلى بيان الشارع لهذه الأسماء وتفسيره لها (٢) . قال ابن تيمية: «والاسم إذا بين النبي ﷺ حد مسماه لم يلزم أن يكون قد نقله عن اللغة أو زاد فيه، بل المقصود أنه عُرف مراده بتعريفه هو ﷺ كيف ما كان الأمر، فإن هذا هو المقصود. وهذا كاسم الخمر فإنه قد بين أن كل مسكر خمر (٣) ، فعرف المراد بالقرآن. وسواء كانت العرب قبل ذلك تطلق لفظ الخمر على كل مسكر أو تخص به عصير العنب: لا يحتاج إلى ذلك؛ إذ المطلوب معرفة ما أراد الله ورسوله بهذا الاسم. وهذا قد عرف ببيان الرسول ﷺ » (٤) .

стр. 353

ثالثًا: أن بيان الشارع لألفاظه وتفسيره لها مقدم على أي بيان (١) . قال ابن تيمية: «ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم» (٢) . وقال أيضًا: «فالنبي ﷺ قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك. فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله فإنه شافٍ كافٍ» (٣) . وقد بين ﵀ أن طريقة أهل البدع إنما هي تفسير ألفاظ الكتاب والسنة برأيهم وبما فهموه وتأولوه من اللغة، والإعراض عن بيان الله ورسوله ﷺ ، فهم يعتمدون على العقل واللغة وكتب الأدب (٤) . رابعًا: إذا عُلم أن بيان الشرع لألفاظه مقدم على كل بيان فالواجب ملاحظة أربعة أمور في هذا المقام: الأمر الأول: معرفة حدود هذه الألفاظ، والوقوف عند هذا الحد؛ بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه. قال ابن القيم: «ومعلوم أن الله سبحانه حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه؛ وذم من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، والذي أنزله هو كلامه، فحدود ما أنزل الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة» (٥) .

стр. 354

وقد ذكر ﵀ أن تعدي حدود الله يكون من جهتين: ١- من جهة التقصير والنقص. ٢- من جهة تحميل اللفظ فوق ما يحتمل والزيادة عليه. فالأول: كإخراج بعض الأشربة المسكرة عن شمول اسم الخمر لها، فهذا تقصير به وهضم لعمومه، والحق ما قاله صاحب الشرع: «كل مسكر خمر» (١) . وفي هذا غنية عن القياس أيضًا. والثاني: كإدخال بعض صور الربا في التجارة المباحة بحيلة من الحيل، فهذا إدخال ما ليس من اللفظ فيه، وهو يقابل التقصير (٢) . الأمر الثاني: حمل ألفاظ الكتاب والسنة على عادات عصره ﷺ وعلى اللغة والعرف السائدين وقت نزول الخطاب، ولا يصح أن تحمل هذه الألفاظ على عادات حدثت فيما بعد، أو اصطلاحات وضعها المتأخرون من أهل الفنون (٣) . قال ابن تيمية: «ولا يجوز أن يحمل كلامه [أي الرسول ﷺ ] على عاداتٍ حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه، كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه» (٤) . وقال أيضًا: «فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله لا بما

стр. 355

حدث بعد ذلك» (١) . الأمر الثالث: مراعاة السياق ومقتضى الحال والنظر في قرائن الكلام عند تفسير ألفاظ الكتاب والسنة (٢) . ذلك أن دلالة الألفاظ تختلف حسب الإطلاق والتقييد، والاقتران والتجريد. فلفظ الفقير مثلاً إذا أُطلق دخل فيه المسكين كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] . وكذلك لفظ المسكين إذا أُطلق دخل فيه الفقير كقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] . أما إذا قرن بينهما أحدهما فأحدهما غير الآخر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] . قال ابن تيمية: «والاسم كلما كثر التكلم فيه، فتكلم به مطلقًا ومقيدًا بقيد، ومقيدًا بقيد آخر في موضع آخر؛ كان هذا سببًا لاشتباه بعض معناه ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك. ومن أسباب ذلك: أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه، ويكون ما سمعه مقيدًا بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى، فيظن معناه في سائر موارده كذلك. فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه، وعلم أن خير الكلام كلام الله، وأنه لا بيان أتم من بيانه» (٣) . وكذلك لا بد من التفريق بين الكلام الذي اتصل به ما يقيده وبين الكلام العام المطلق . فلو قال قائل: والله لا أسافر. وسكت سكوتًا طويلاً ثم وصله باستثناء، أو عطف، أو وصف، أو غير ذلك، لم يؤثر. ولو قال: والله لا أسافر إلى المكان الفلاني لتقيدت يمينه بهذا القيد اتفاقًا (٤) .
следующие страницы →