← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فالخوض فيه فضول، فلا حاجة إلى التطويل» (١) . المسألة الثالثة الأسماء الشرعية والكلام على هذه المسالة في أربع نقاط: أولاً: تنقسم الألفاظ إلى أربعة أقسام (٢) : حقيقة وضعية أو لغوية، وحقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، ومجاز. ووجه الحصر في الأقسام الأربعة: أن اللفظ إما أن يبقى على أصل وضعه: فهذه هي الحقيقة الوضعية، أو يغير عنه ولا بد أن يكون هذا التغيير من قبل الشرع، أو من قبل عرف الاستعمال، أو من قبل استعمال اللفظ في غير موضعه لعلاقة بقرينة. فإن كان تغييره من قبل الشرع فهو الحقيقة الشرعية، وإن كان من قبل عرف الاستعمال فهو الحقيقة العرفية، وإن كان من قبل استعمال اللفظ في غير موضعه لدلالة القرينة فهو المجاز (٣) . مثال الحقيقة الوضعية: «أسد» فإنه يطلق في أصل الوضع على الحيوان المفترس، فإن استعمل في غير ما وضع له فهو المجاز؛ مثل إطلاق لفظ «أسد» على الرجل الشجاع. ومثال الحقيقة الشرعية: لفظ الصلاة والصيام والحج، فإنها تطلق ويراد بها تلك العبادات المعروفة، مع أن لهذه الألفاظ معاني أخرى في أصل وضعها اللغوي، فالصلاة: الدعاء، والصيام: الإمساك، والحج: القصد.

стр. 352

ومثال الحقيقة العرفية: لفظ الدابة، فإنه يطلق ويراد به عرفًا ذوات الأربع من الحيوان، مع أن معناه الأصلي في اللغة يشمل كل ما يدب على الأرض. ثانيًا: اختلف الأصوليون في الأسماء الشرعية (١) : وذلك على أقوال: ١- أن الشارع نقلها عن مسماها في اللغة؟ ٢- أنها باقية على ما كانت عليه في اللغة إلا أن الشارع زاد في أحكامها؟ ٣- أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف؛ فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة؟ وهذا الخلاف يعود إلى اللفظ إذا حصل الاتفاق على وجوب الرجوع إلى بيان الشارع لهذه الأسماء وتفسيره لها (٢) . قال ابن تيمية: «والاسم إذا بين النبي ﷺ حد مسماه لم يلزم أن يكون قد نقله عن اللغة أو زاد فيه، بل المقصود أنه عُرف مراده بتعريفه هو ﷺ كيف ما كان الأمر، فإن هذا هو المقصود. وهذا كاسم الخمر فإنه قد بين أن كل مسكر خمر (٣) ، فعرف المراد بالقرآن. وسواء كانت العرب قبل ذلك تطلق لفظ الخمر على كل مسكر أو تخص به عصير العنب: لا يحتاج إلى ذلك؛ إذ المطلوب معرفة ما أراد الله ورسوله بهذا الاسم. وهذا قد عرف ببيان الرسول ﷺ » (٤) .

стр. 353

ثالثًا: أن بيان الشارع لألفاظه وتفسيره لها مقدم على أي بيان (١) . قال ابن تيمية: «ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم» (٢) . وقال أيضًا: «فالنبي ﷺ قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك. فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله فإنه شافٍ كافٍ» (٣) . وقد بين ﵀ أن طريقة أهل البدع إنما هي تفسير ألفاظ الكتاب والسنة برأيهم وبما فهموه وتأولوه من اللغة، والإعراض عن بيان الله ورسوله ﷺ ، فهم يعتمدون على العقل واللغة وكتب الأدب (٤) . رابعًا: إذا عُلم أن بيان الشرع لألفاظه مقدم على كل بيان فالواجب ملاحظة أربعة أمور في هذا المقام: الأمر الأول: معرفة حدود هذه الألفاظ، والوقوف عند هذا الحد؛ بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه. قال ابن القيم: «ومعلوم أن الله سبحانه حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه؛ وذم من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، والذي أنزله هو كلامه، فحدود ما أنزل الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة» (٥) .

стр. 354

وقد ذكر ﵀ أن تعدي حدود الله يكون من جهتين: ١- من جهة التقصير والنقص. ٢- من جهة تحميل اللفظ فوق ما يحتمل والزيادة عليه. فالأول: كإخراج بعض الأشربة المسكرة عن شمول اسم الخمر لها، فهذا تقصير به وهضم لعمومه، والحق ما قاله صاحب الشرع: «كل مسكر خمر» (١) . وفي هذا غنية عن القياس أيضًا. والثاني: كإدخال بعض صور الربا في التجارة المباحة بحيلة من الحيل، فهذا إدخال ما ليس من اللفظ فيه، وهو يقابل التقصير (٢) . الأمر الثاني: حمل ألفاظ الكتاب والسنة على عادات عصره ﷺ وعلى اللغة والعرف السائدين وقت نزول الخطاب، ولا يصح أن تحمل هذه الألفاظ على عادات حدثت فيما بعد، أو اصطلاحات وضعها المتأخرون من أهل الفنون (٣) . قال ابن تيمية: «ولا يجوز أن يحمل كلامه [أي الرسول ﷺ ] على عاداتٍ حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه، كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه» (٤) . وقال أيضًا: «فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله لا بما

стр. 355

حدث بعد ذلك» (١) . الأمر الثالث: مراعاة السياق ومقتضى الحال والنظر في قرائن الكلام عند تفسير ألفاظ الكتاب والسنة (٢) . ذلك أن دلالة الألفاظ تختلف حسب الإطلاق والتقييد، والاقتران والتجريد. فلفظ الفقير مثلاً إذا أُطلق دخل فيه المسكين كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] . وكذلك لفظ المسكين إذا أُطلق دخل فيه الفقير كقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] . أما إذا قرن بينهما أحدهما فأحدهما غير الآخر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] . قال ابن تيمية: «والاسم كلما كثر التكلم فيه، فتكلم به مطلقًا ومقيدًا بقيد، ومقيدًا بقيد آخر في موضع آخر؛ كان هذا سببًا لاشتباه بعض معناه ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك. ومن أسباب ذلك: أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه، ويكون ما سمعه مقيدًا بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى، فيظن معناه في سائر موارده كذلك. فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه، وعلم أن خير الكلام كلام الله، وأنه لا بيان أتم من بيانه» (٣) . وكذلك لا بد من التفريق بين الكلام الذي اتصل به ما يقيده وبين الكلام العام المطلق . فلو قال قائل: والله لا أسافر. وسكت سكوتًا طويلاً ثم وصله باستثناء، أو عطف، أو وصف، أو غير ذلك، لم يؤثر. ولو قال: والله لا أسافر إلى المكان الفلاني لتقيدت يمينه بهذا القيد اتفاقًا (٤) .

стр. 356

قال ابن تيمية: «والفرق بين القرينة اللفظية المتصلة باللفظ الدالة بالوضع....وبين الألفاظ المنفصلة معلوم يقينًا من لغة العرب والعجم. ومع هذا فلا ريب عند أحد من العقلاء أن الكلام إنما يتم بآخره، وأن دلالته إنما تستفاد بعد تمامه وكماله، وأنه لا يجوز أن يكون أوله دالاً دون آخره، سواء سمي أوله حقيقة أو مجازًا، ولا أن يقال: إن أوله يعارض آخره فإن التعارض إنما يكون بين دليلين مستقلين. والكلام المتصل كله دليل واحد، فالمعارضة بين أبعاضه كالمعارضة بين أبعاض الأسماء المركبة» (١) . وقال أيضًا: «إن الكلام متى اتصل به صفة أو شرط أو غير ذلك من الألفاظ التي تغير موجبه عند الإطلاق وجب العمل بها، ولم يجز قطع ذلك الكلام عن تلك الصفات المتصلة به. وهذا مما لا خلاف فيه أيضًا بين الفقهاء بل ولا بين العقلاء. وعلى هذا تُبنى جميع الأحكام المتعلقة بأقوال المكلفين من العبادات والمعاملات مثل الوقف والوصية والإقرار....» (٢) . ويعلل ابن تيمية هذا التفريق بأن التعارض فرع على استقلال الكلام بالدلالة، والاستقلال بالدلالة فرع على انقضاء الكلام وانفصاله، أما مع اتصاله بما يغير حكمه فلا يجوز أن يجعل بعضه مخالفًا لبعض؛ لأن من شرط حمل اللفظة على عمومها أن تكون منفصلة عن صلة مخصصة. فهي عامة عند الإطلاق وليست عامة على الإطلاق (٣) . لذلك لزم من اعتبر الكلام صحيحًا قبل أن يتم أن يجعل أول كلمة التوحيد كفرًا وآخرها إيمانًا، وأن المتكلم بها قد كفر ثم آمن (٤) . الأمر الرابع: اعتبار مراد المتكلم ومقاصده، وضم النظير إلى نظيره،

стр. 357

وهذا قدر زائد على مجرد فهم اللفظ (١) . والناس يتفاوتون في ذلك بحسب مراتبهم في الفقه والعلم (٢) . قال ابن القيم: «والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه: سواء كان بإشارة، أو كتابة، أو بإيماءة، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطردة لا يخل بها، أو من مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته، وأنه يمتنع منه إرادة ما هو معلوم الفساد وترك إرادة ما هو متيقن مصلحته. وأنه يستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله وشبهه، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومشبهه. فيقطع العارف به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا، ويكره هذا، ويحب هذا ويبغض هذا. وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله كيف يفهم مراده من تصرفه ومذاهبه، ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا، ولا يذهب إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحًا» (٣) . وقد ذكر ابن القيم لذلك أمثلة. فمن ذلك قوله ﵀: «وأنت إذا تأملت قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ – ٧٩] . وجدت الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي ﷺ . وأن هذا القرآن جاء من عند الله. وأن الذي جاء به روح مطهر؛ فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل. ووجدت الآية أخت قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١] . ووجدتها دالة بإحسن الدلالة على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر.

стр. 358

ووجدتها دالة أيضًا بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوته وطعمه إلا من آمن به وعمل به» (١) . المسألة الرابعة: الاشتراك (٢) (الاشتراك واقع في اللغة (٣) : في الأسماء: كالقرء للحيض والطهر. وفي الأفعال: مثل عسعس بمعنى أقبل وأدبر. وفي الحروف: كالباء فإنها تأتي للتبعيض ولبيان الجنس. (ويجوز أن يحمل المشترك على كلا معنييه إذا أمكن ذلك (٤) . قال الشيخ الشنقيطي: «مع أن التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن (٥) ، وحرر أنه هو الصحيح في مذهب الأئمة الأربعة ﵏» (٦) . المسألة الخامسة: الترادف (٧) الترادف واقع في اللغة (٨) : في الأسماء كالأسد والسبع.

стр. 359

وفي الأفعال مثل: قعد وجلس. وفي الحروف مثل: إلى وحتى. قال ابن القيم: «فالأسماء الدالة على مسمى واحد نوعان: أحدهما: أن يدل عليه باعتبار الذات فقط..... وهذا كالحنطة والقمح والبر ... والنوع الثاني: أن يدل على ذات واحدة باعتبار تباين صفاتها كأسماء الرب تعالى، وأسماء كلامه، وأسماء نبيه، وأسماء اليوم الآخر، فهذا النوع مترادف بالنسبة للذات، متباين بالنسبة إلى الصفات» (١) . وقد أوضح ابن القيم أن من أنكر الترادف في اللغة فمراده النوعُ الثاني؛ لأنه ما من اسمين لمسمى واحد إلا وبينهما فرق في صفة، أو نسبة، أو إضافة، مع أن الذات واحدة (٢) . وقال ابن تيمية: «فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم. وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه؛ بل يكون فيه تقريب لمعناه. وهذا من أسباب إعجاز القرآن» (٣) . المسألة السادسة: العطف والاقتران وفي هذه المسألة ثلاثة أبحاث: ١- مقتضى العطف. ٢- هل تدل الواو على الترتيب؟ ٣- دلالة الاقتران.

стр. 360

(البحث الأول: مقتضى العطف: عطف الشيء على الشيء يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراكهما في الحكم المذكور لهما. وهذه المغايرة على مراتب (١) : الأولى: أن يكونا متباينين، ليس أحدهما هو الآخر ولا جزؤه، ولا ملازمة بينهما، وهذه أعلى المراتب، كقوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . الثانية: أن يكون بينهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] ، فإن من لبس الحق بالباطل أخفى من الحق بقدر ما أظهر من الباطل، ومن كتم الحق أقام موضعه باطلاً فلبس الحق بالباطل. الثالثة: عطف بعض الشيء عليه، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . الرابعة: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٣، ٤] . (البحث الثاني: هل تدل الواو على الترتيب ؟ الواو لا تدل على الترتيب، ولا التعقيب، ولا الجمع المطلق، بل هي لمطلق الجمع. والمراد: أي جمعٍ كان؛ فتدخل حينئذٍ الصور السابقة كلها (٢) . (البحث الثالث: دلالة الاقتران (٣) : وهي على ثلاثة مراتب: إذ تظهر قوتها في موطن، وضعفها في موطن، وتساوي الأمرين في موطن:

стр. 361

أ- تظهر قوتها إذا جمع بين المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله، وذلك كقوله ﷺ : «ثلاث حق على كل مسلم: الغسل يوم الجمعة، والسواك، ويمس من طيب إن وجد» (١) . فقد اشترك الثلاثة في إطلاق لفظ الحق عليه، فإذا كان السواك والتطيب مستحبين كان الثالث وهو الاغتسال مستحبًا كذلك. ب- ويظهر ضعفها عند تعدد الجمل واستقلال كل واحد منها بنفسها، كقوله ﷺ : «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة» (٢) . إذ إن كل جملة مفيدة لمعناها وحكمها وسببها وغايتها، وهي منفردة به عن الجملة الأخرى، واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه؛ فإن العطف يفيد الاشتراك في المعنى إن كان عطف مفرد على مفرد: كقام زيد وعمرو، أما إن عُطفت جملة على جملة فلا اشتراك في المعنى، نحو: اقتل زيدًا وأكرم عمرًا. جـ- ويظهر التساوي حيث كان العطف ظاهرًا في التسوية، وكان قصد المتكلم ظاهرًا في الفرق، فيتعارض ههنا ظاهر اللفظ وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر، وإلا طلب الترجيح.

стр. 362

المبحث الثاني: النص، والظاهر، والمؤول، والمجمل، والبيان وفي هذا المبحث تمهيد، وخمس مسائل: المسألة الأولى: النص. المسألة الثانية: الظاهر. المسألة الثالثة: المؤول. المسألة الرابعة: المجمل. المسألة الخامسة: البيان.

стр. 363

تمهيد: ينقسم الكلام إلى: نص، وظاهر، ومجمل (١) . وذلك أن اللفظ لا يخلو من أمرين: إما أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره. فهذا هو النص. وإما أن يحتمل غيره، وهذا له حالتان. الأولى: أن يكون أحد الاحتمالين أظهر. فهذا هو الظاهر. والثانية: أن يتساوى الاحتمالان بألا يكون أحدهما أظهر من الآخر. فهذا هو المجمل. ومعلوم أن المجمل محتاج إلى البيان، كما أن الظاهر قد يرد عليه التأويل فيكون مؤولاً. فهذه أمور خمسة: النص، والظاهر، والمؤول، والمجمل، والبيان. والكلام عليها سيكون بحسب هذا الترتيب في المسائل الآتية: المسألة الأولى النص (٢) (تعريفه: ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أو: ما يفيد بنفسه من غير احتمال. (مثاله: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] . (حكمه: أن يصار إليه ولا يعدل عنه إلا بنسخ.

стр. 364

المسألة الثانية الظاهر (١) (تعريفه: ما احتمل معنيين فأكثر، هو في أحدهما أو أحدها أرجح، أو ما تبادر منه عند الإطلاق معنى مع تجويز غيره. (مثاله: «الأسد» فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، ويبعد أن يراد به الرجل الشجاع مع احتمال اللفظ له. (حكمه: أن يصار إلى المعنى الظاهر (٢) . ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى الاحتمال المرجوح، وهذا ما يسمى بالتأويل. المسألة الثالثة المؤول وفي هذه المسألة أربعة أبحاث: ١- معنى التأويل. ٢- أنواع التأويل. ٣- شروط التأويل الصحيح. ٤- تنبيهات. (البحث الأول: معنى التأويل. للتأويل ثلاثة معانٍ: معنيان عند السلف، ومعنى ثالث عند المتأخرين.

стр. 365

أما المعنيان الأولان عند السلف فعلى النحو الآتي (١) : المعنى الأول: الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، كقول كثير من السلف في بعض الآيات: «هذه ذهب تأويلها، وهذه لم يأت تأويلها» . والمعنى الثاني: التفسير والبيان، كقول بعض المفسرين: «القول في تأويل قول الله تعالى» . وأما معنى التأويل عند المتأخرين - وهو المعنى الثالث - وهو المشهور عند الأصوليين، فهو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بدليل يدل على ذلك (٢) . (البحث الثاني: أنواع التأويل. لا يخلو التأويل من ثلاث حالات (٣) : الأولى: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك، كتأويل ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] ؛ أي: إذا أردتم القيام، وهذا ما يسمى بالتأويل الصحيح والقريب. والثانية: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلاً، وليس بدليل في نفس الأمر، وهذا ما يسمى بالتأويل الفاسد أو البعيد، كتأويل حديث: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (٤) بأن المراد بالمرأة: الصغيرة. والثالثة: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لا لدليل أصلاً، وهذا يسمى لعبًا، كقول بعض الشيعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ؛ قالوا: هي عائشة ﵂ (٥) .

стр. 366

(البحث الثالث: شروط التأويل الصحيح . للتأويل الصحيح أربعة شروط (١) : (الشرط الأول: أن يكون اللفظ محتملاً للمعنى الذي تأوله المتأول في لغة العرب. (الشرط الثاني: إذا كان اللفظ محتملاً للمعنى الذي تأوله المتأول فيجب عليه إقامة الدليل على تعين ذلك المعنى، لأن اللفظ قد تكون له معانٍ، فتعين المعنى يحتاج إلى دليل. (الشرط الثالث: إثبات صحة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره، فإن دليل مدعي الحقيقة والظاهر قائم، لا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه. (الشرط الرابع: أن يسلم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره عن معارض. (البحث الرابع: تنبيهات: ١- الفيصل بين صحيح التأويل وباطله: أن الصحيح ما وافق ما دلت عليه النصوص وما جاءت به السنة وطابقها، والباطل ما خالف النصوص والسنة (٢) . ٢- يجب أن تحمل ألفاظ الكتاب والسنة على ظواهرها إلا بدليل صارف (٣) . ٣- الدليل الصارف للفظ عن ظاهره على درجات (٤) :

стр. 367

فإن كان الاحتمال قريبًا فيكفيه أدنى دليل. وإن كان الاحتمال بعيدًا فيحتاج إلى دليل قوي. وإن كان الاحتمال متوسطًا فيحتاج إلى دليل متوسط. ٤- إذا لم يوجد على التأويل دليل صحيح امتنع حملُ اللفظ وصرفه عن ظاهره، ووجب رد التأويل (١) . المسألة الرابعة المجمل وفي هذه المسألة ست نقاط: (أولاً: المجمل عند السلف هو: «ما لا يكفي وحده في العمل» ، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم، وهذا إنما يعرف ببيان الرسول ﷺ (٢) . (ثانيًا: المجمل في اصطلاح الأصوليين هو: «ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره» (٣) . (ثالثًا: مثال المجمل: القرء إذ هو متردد بين الحيض والطهر (٤) . (رابعًا: حكمه: التوقف فيه حتى يتبين المراد منه (٥) ، فلا يجوز العمل

стр. 368

بأحد احتمالاته إلا بدليل خارجي صحيح، فهو محتاج إلى البيان (١) . (خامسًا: المجمل واقع في الكتاب والسنة ، فمنه ما يقع في حرف، نحو الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ، فإنه يحتمل أن تكون عاطفة أو مستأنفة، ويقع في اسم، وفي غير ذلك (٢) . (سادسًا: قد يكون اللفظ مجملاً من وجه، واضحًا من وجه آخر، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . فإنه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره لاحتماله النصف أو أقل أو أكثر (٣) . المسألة الخامسة البيان وفي هذه المسألة ثلاث أبحاث: ١- معنى البيان. ٢- طرق البيان. ٣- حكم تأخير البيان عن وقت الحاجة. (البحث الأول: معنى البيان (٤) : البيان: هو المبين (٥) . ويطلق على ما حصل به التبيين: وهو الدليل.

стр. 369

والمراد به: كل ما يزيل الإشكال، فيدخل فيه التقييد، والتخصيص، والنسخ، والتأويل. ويطلق البيان على كل إيضاح، سواء تقدمه خفاء وإجمال أم لا؛ فالبيان تارة يكون ابتداء، ويكون تارة بعد إجمال. (البحث الثاني: طرق البيان (١) : يحصل البيان بقول من الله سبحانه أو من رسوله ﷺ (٢) . ويحصل بفعله ﷺ وبكتابته، وإشارته، وإقراره، وسكوته، وتركه. و القاعدة الكلية فيما يحصل به البيان: أنه يحصل بكل مقيد من جهة الشرع. فتتناول القاعدة ما سبق ذكره من طرق البيان وغيره، وذلك من وجوه: منها: الترك. مثل أن يترك ﷺ فعلاً قد أمر به، أو قد سبق منه فعله فيكون تركه له مبينًا لعدم وجوبه، كصلاته ﷺ التراويح جماعة في رمضان، ثم إنه تركها خشية أن تفرض عليهم (٣) ؛ فدل على عدم وجوبها. ويتعلق بطرق البيان أمران: (الأمر الأول: يجوز أن يكون البيان أضعف رتبة لا دلالة من المبين، فيجوز بيان المتواتر بالآحاد (٤) .

стр. 370

(الأمر الثاني: لا يشترط في البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته، بل يجوز أن يجهله بعضهم (١) . البحث الثالث: حكم تأخير البيان عن وقت الحاجة: (لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن ذلك يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق وهو ممتنع شرعًا. هذا مذهب العلماء (٢) ، وجوزه من أجاء التكليف بالمحال إلا أنه وافق على عدم وقوعه (٣) . (أما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فهو جائز وواقع عند الجمهور. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] ، و «ثم» للتراخي، فدلت على تراخي البيان عن وقت الخطاب. وكذلك فإن كثيرًا من النصوص العامة ورد تخصيصها بعدها (٤) . (إذا علم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فلا بد أن يفهم هذا على وجهه الصحيح، إذ إن الحاجة قد تدعو إلى تعجيل بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال، وقد تدعو الحاجة إلى تأخير هذا البيان (٥) .

стр. 371

ومن الأمثلة على مشروعية تأخير البيان لأجل الحاجة: ١- أن المبلغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا ابتداء، فعليه أن يبلغ من يستطيع تبليغه. ٢- أن المبلغ لا يمكنه مخاطبة الناس بجميع الواجبات جملة، بل يبلغ بحسب الطاقة والإمكان على سبيل التدريج، فيبدأ بالأهم ويؤخر غيره. وكذلك إذا ضاق عليه الوقت. وهذا التأخير في البيان لبعض الواجبات لا ينفي قيام الحاجة التي هي سبب وجوب البيان، بل الحاجة قائمة إلا أن حصول الوجوب والعقاب على الترك ممتنع لوجود المزاحم الموجب للعجز. وهذا كالدين على المعسر، أو كالجمعة على المعذور. ٣- أن يكون في الإمهال وتأخير البيان من المصلحة ما ليس في المبادرة؛ إذ البيان إنما يجب على الوجه الذي يحصل به المقصود. فيكون تأخير البيان هو البيان المأمور به، ويكون هو الواجب أو المستحب، مثل: تأخير النبي ﷺ البيان للأعرابي المسيء صلاته إلى المرة الثالثة (١) . وإنما يجب التعجيل إذا خيف الفوت بأن يترك الواجب المؤقت حتى يخرج عن وقته ونحو ذلك. (فائدة (٢) : أ- كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا: الإقرار بالحق، والشهادة، والفتيا، والحديث، والقضاء. ب- وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز بل واجب إذا أمكن ووجب الخطاب. جـ- وإن جاز بيانه وكتمانه: فحيث كانت المصلحة في كتمانه فالتعريض فيه مستحب، وحيث كانت المصلحة في إظهاره وبيانه فالتعريض مكروه والإظهار مستحب. وإن تساوت المصلحة في كتمانه وإظهاره جاز التعريض والتصريح.

стр. 372

المبحث الثالث: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم . وفي هذا المبحث أربعة مطالب: المطلب الأول: الأمر والنهي. المطلب الثاني: العام والخاص. المطلب الثالث: المطلق والمقيد. المطلب الرابع: المنطوق والمفهوم.

стр. 373

المطلب الأول الأمر والنهي والكلام على هذا المطلب في جانبين: الجانب الأول: الأمر. الجانب الثاني: النهي. أما الجانب الأول وهو الأمر، ففيه تسع مسائل وذلك كالآتي: المسألة الأولى: تعريف الأمر. المسألة الثانية: صيغة الأمر. المسألة الثالثة: دلالة الأمر على الوجوب. المسالة الرابعة: دلالة الأمر على الفور. المسألة الخامسة: دلالة الأمر على التكرار. المسألة السادسة: الأمر بعد الحظر. المسألة السابعة: هل يستلزم الأمر الإرادة؟ المسألة الثامنة: الأمر بالشيء هل يستلزم النهي عن ضده؟ المسألة التاسعة: تنبيهات.

стр. 374

الجانب الأول: الأمر والكلام على هذا الجانب في تسع مسائل: المسألة الأولى: تعريف الأمر يمكن تعريف الأمر بأنه: «استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء» (١) . وهذا التعريف يشمل الأمور الآتية (٢) : أ- أن الأمر من قبيل الطلب إذ هو استدعاء، ومعلوم أن الكلام إما طلب وإما خبر. ب- أن الأمر طلب الفعل، وذلك بخلاف النهي فهو طلب الكف. جـ- المراد بالأمر القول حقيقة، فيخرج بذلك الإشارة. د- أن الأمر يكون على وجه الاستعلاء من جهة الآمر، أما إن كان الآمر في رتبة المأمور فهو التماس، وإن كان أدون منه فهو سؤال. المسألة الثانية: صيغة الأمر اتفق السلف على أن للأمر صيغة، وأن هذه الصيغة بمجردها تدل على الأمر، وهذه الصيغة هي: افعل للحاضر، وليفعل للغائب (٣) .

стр. 375

وزعم بعض المبتدعة أنه لا صيغة للأمر (١) بناءً على أن الكلام معنى قائم بالنفس مجرد عن الألفاظ، فالأمر عند هؤلاء قسمان: نفسي ولفظي، فالأمر النفسي عندهم هو: اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة. والأمر اللفظي هو: اللفظ الدال عليه كصيغة: افعل. والحق أن إثبات كلام النفس الباطل مخالف للكتاب والسنة واللغة والعرف (٢) . ١- فمن الكتاب قوله تعالى لزكريا: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١٠، ١١] ، فلم يسم الله إشارته إلى قومه كلامًا لأنه لم يتكلم بشيء من الألفاظ. ٢- ومن السنة قوله ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم» (٣) ، ففرق ﷺ بين حديث النفس وبين الكلام بالألفاظ والحروف، فأضاف الأول إلى النفس وأطلق الثاني لأنه هو المتبادر إلى الفهم وهو الأصل في الكلام، فلم يحتج إلى قيد أو إضافة. ٣- واتفق أهل اللغة على أن الكلام: اسم وفعل وحرف، ولذلك اتفق الفقهاء بأجمعهم على أن من حلف لا يتكلم فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث، ولو نطق حنث. ٤- وأهل العرف كلهم يسمون الناطق متكلمًا، ومن عداه ساكتًا أو أخرس.

стр. 376

والصيغ الدالة على الأمر أربع (١) : أ- فعل الأمر، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] . ب- الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، نحو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] . جـ- اسم فعل الأمر، نحو: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] . د- المصدر النائب عن فعله، نحو: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] . المسألة الثالثة: دلالة الأمر على الوجوب صيغة الأمر المطلقة المتجردة عن القرائن تفيد الوجوب هذا هو مذهب السلف وجمهور الأمة (٢) . ومن الأدلة على ذلك (٣) : أولاً: من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما رتب الله على مخالفته إصابة الفتنة أو العذاب الأليم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، فنفى الله عن المؤمنين الخيرة إذا ورد الأمر، وهذا هو معنى الوجوب والإلزام.

стр. 377

ثانيًا: من السنة قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» (١) ، ومعلوم أنه ﷺ ندب أمته إلى السواك، والندب غير شاق، فدل على أن الأمر يقتضي الوجوب فإنه لو أمر لوجب وشق. ثالثًا: إجماع الصحابة ﵃ على امتثال أوامر الله تعالى ووجوب طاعته من غير سؤال النبي ﷺ عما عنى بأوامره. رابعًا: أن أهل اللغة عقلوا من إطلاق الأمر الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده فخالفه حَسُنَ عندهم لومه وحَسُنَ العذرُ في عقوبته بأنه خالف الأمر، والواجب ما يعاقب على تركه. وصيغة الأمر ترد لمعان كثيرة، منها (٢) : المعنى الأول: الوجوب، وهو الأصل فيها، إذ الوجوب حقيقة في الأمر، وما سواه مجاز يحتاج إلى قرينة. المعنى الثاني: الندب كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] . المعنى الثالث: الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] . المعنى الرابع: التهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] . وغير ذلك من المعاني. المسألة الرابعة: دلالة الأمر على الفور اختلف العلماء في الأمر المجرد عن القرائن، هل يدل على الفور وسرعة المبادرة والامتثال، أو على التراخي؟ وكونه دالاً على الفور اختيار ابن قدامة وابن القيم وابن النجار الفتوحي

стр. 378

والشنقيطي (١) . ومن الأدلة على ذلك ما يأتي (٢) : أولاً: أن ظواهر النصوص تدل عليه، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨، المائدة: ٤٨] . ثانيًا: أن وضع اللغة يدل على ذلك؛ فإن السيد لو أمر عبده فلم يمتثل فعاقبه لم يكن له أن يعتذر بأن الأمر للتراخي. ثالثًا: أن السلامة من الخطر والقطع ببراءة الذمة إنما يكون بالمبادرة، وذلك أحوط وأقرب لتحقيق مقتضى الأمر وهو الوجوب. المسألة الخامسة: دلالة الأمر على التكرار اختلف العلماء في الأمر المجرد غير المقيد بالمرة ولا بالتكرار ولا بصفة ولا بشرط، هل يقتضي التكرار أو المرة (٣) ؟ أ- فقيل: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، بل يخرج من عهدة الأمر بمرة واحدة، لأن امتثال الأمر لا بد فيه من المرة فوجوبها مقطوع به، وأما الزيادة على المرة فلا دليل عليها، ولفظ الأمر لم يتعرض لها. ولدلالة اللغة على ذلك فلو قال السيد لعبده: اشترِ متاعًا، لم يلزمه ذلك إلا مرة واحدة. ب- وقيل: إن الأمر المطلق للتكرار. وهذا ما اختاره ابن القيم (٤) ، واستدل لذلك بأن عامة أوامر الشرع على التكرار.

стр. 379

مثل قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بالله وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] ، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] ، * ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] ، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ [الحشر: ١٨] ، وفي مواضع أخرى، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] . ثم قال: «وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كانت أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله الأمة وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا قول، فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمألوف من خطابه، وإن لم يكن ذلك مفهومًا من أصل الوضع في اللغة.....» (١) . المسألة السادسة: الأمر بعد الحظر إذا وردت صيغة الأمر بعد النهي فإنها تفيد ما كانت تفيده قبل النهي: فإن كانت تفيد الإباحة أفادت الإباحة، وكذا الوجوب والاستحباب. وهذا المذهب هو المعروف عن السلف والأئمة (٢) . والذي يدل على ذلك هو الاستقراء (٣) ، فمن ذلك: أ- قتل الصيد كان مباحًا ثم مُنع للإحرام ثم أُمر به عند الإحلال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] . فرجع لما كان عليه قبل التحريم وهو الإباحة. ب- قتل المشركين كان واجبًا ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم، ثم أمر به عند انسلاخها في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . فرجع إلى ما كان عليه قبل المنع وهو الوجوب.

стр. 380

وهذا المذهب ينتظم جميع الأدلة ولا يرد عليه دليل. قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] : «وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي: فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى. والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول. والله أعلم» (١) . المسألة السابعة: هل يستلزم الأمر الإرادة ؟ التحقيق في هذه المسألة التفصيل: وذلك أن الإرادة نوعان (٢) : ١- إرادة قدرية كونية فهذه هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٤] . وهي لا تستلزم محبة الله ورضاه. ٢- إرادة دينية شرعية فهذه متضمنة لمحبة الله ورضاه، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] . ولكنها قد تقع وقد لا تقع. فأوامر الله تستلزم الإرادة الشرعية لكنها لا تستلزم الإرادة الكونية؛ فقد يأمر سبحانه بأمرٍ يريده شرعًا وهو يعلم سبحانه أنه لا يريد وقوعه كونًا وقدرًا. والحكمة من ذلك: ابتلاء الخلق وتمييز المطيع من غير المطيع.

стр. 381

المسألة الثامنة: الأمر بالشيء هل يستلزم النهي عن ضده ؟ لا شك أن الأمر بالشيء ليس هو النهي عن ضده من حيث اللفظ، إذ لفظ الأمر غير لفظ النهي. أما من حيث المعنى فإن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، فإن قولك: اسكن، مثلاً يستلزم النهي عن الحركة؛ لأنه لا يمكن وجود السكون مع التلبس بضده وهو الحركة، لاستحالة اجتماع الضدين، فالأمر بالشيء أمر بلوازمه وذلك ثابت بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد الأمر (١) . ذلك أن الآمر بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان عالمًا بأنه لا بد من وجودها مع فعل المأمور (٢) . تنبيه: هذا القول يختلف عن القول بأن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده؛ لأن مذهب القائلين بأن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده مبني على أساس فاسد، وهو أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي، فباعتبار الأمر النفسي زعموا أن الأمر هو عين النهي عن الضد (٣) . المسألة التاسعة: تنبيهات ١- المراد بالأمر الأمر اللفظي الدالة عليه صيغة الأمر «افعل» ؛ ذلك

стр. 382

لأن كلام الله هو الذي نقرأه بألفاظه ومعانيه، قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] ، فصرح سبحانه بأن ما يسمع ذلك المشرك المستجير -بألفاظه ومعانيه- هو كلامه تعالى. هذا هو الحق الذي ذهب إليه سلف الأمة في هذه المسألة (١) . وذهب كثير من المتكلمين إلى أن الأمر نوعان: أمر لفظي وهو ما سبق ذكره، وأمر نفسي وهو الكلام القائم بالنفس المجرد عن الألفاظ والحروف. فإثبات هؤلاء الأمر النفسي مبني على إثباتهم للكلام النفسي الباطل، وهذا مخالف للكتاب والسنة واللغة والعرف، كما سبق بيانه (٢) . ٢- الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به. وذلك كقوله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» (٣) . فهذا ليس خطابًا من الشارع للصبي ولا إيجابًا عليه، مع أن الأمر واجب على الولي. وقد يدل دليل على أن الأمر بالأمر بالشيء أمر به فيكون ذلك أمرًا به بلا خلاف. وذلك كقوله ﷺ : «مره فليراجعها» (٤) . فإن لام الأمر في قوله: «فليراجعها» ، صدرت منه ﷺ متوجهة إلى عبد الله بن عمر ﵄ فيكون مأمورًا بلا خلاف (٥) . ٣- فعل الأمر هل يقتضي الإثابة والإجزاء؟

стр. 383

الجواب على ذلك أن الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان. فالإجزاء: براءة الذمة من عهدة الأمر والسلامة من ذم الرب وعقابه. والإثابة: الجزاء على الطاعة. مثال الإجزاء مع عدم الإثابة: إذا اشتمل الصيام مثلاً على قول الزور والعمل به فتبرأ الذمة ويقع الحرمان من الأجر لأجل المعصية. ومثال الإثابة مع عدم الإجزاء: إذا فعل المأمور به ناقص الشروط والأركان؛ فيثاب على ما فعل ولا تبرأ الذمة إلا بفعله كاملاً بالنسبة للقادر العالم. ومثال اجتماع الإجزاء والإثابة: إذا فعل المأمور به على الوجه الكامل ولم يقترن به معصية تخل بالمقصود. فَعُلم بذلك أن امتثال الأمر على الوجه المطلوب يقتضي الإجزاء دون الثواب (١) . قال ابن تيمية بعد أن ذكر التفصيل السابق: «هذا تحرير جيد: أن فعل المأمور به يوجب البراءة، فإن قارنه معصية بقدره تخل بالمقصود قابل الثواب، وإن نقص المأمور به أثيب ولم تحصل البراءة التامة. فإما أن يعاد، وإما أن يجبر، وإما أن يأثم» (٢) . ٤- الأمر المطلق بالإتمام أمر بالإتيان بالواجب والمستحب، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . فما كان واجبًا فالأمر به إيجاب، وما كان مستحبًا فالأمر به استحباب (٣) .

стр. 384

الجانب الثاني: النهي والكلام على هذا الجانب في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: النهي على وزان الأمر قال ابن قدامة: «اعلم أن ما ذكرناه من الأوامر تتضح به أحكام النواهي، إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي على العكس (١) ، فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير» (٢) . وبيان ذلك فيما يأتي (٣) : أ- في التعريف فيقال: النهي هو استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء. ب- أن الأمر ظاهر في الوجوب مع احتمال غيره، والنهي ظاهر في التحريم مع احتمال غيره. جـ- أن صيغة الأمر افعل، وصيغة النهي لا تفعل. د- أن النهي يلزمه التكرار والفور، والأمر يلزمانه على خلاف فيه. هـ- أن الأمر يقتضي صحة المأمور به، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. و أن المكلف يخرج عن عهدة التكليف في الأمر بفعله، وفي النهي بتركه.

стр. 385

المسألة الثانية: أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه . وأن جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه. وأن المثوبة على أداء الواجبات أعظم من المثوبة على ترك المحرمات. وأن العقوبة على ترك الواجبات أعظم من العقوبة على فعل المحرمات (١) . ومما يدل على ذلك (٢) : أ- أن أول ذنب عُصي الله به كان من أبي الجن وأبي الإنس، أبوي الثقلين، وكان ذنب أبي الجن أكبر وأسبق، وهو ترك المأمور به - وهو السجود - إباءً واستكبارًا، وذنب أبي الإنس كان ذنبًا أصغر، وهو فعل المنهي عنه - وهو الأكل من الشجرة - ثم إنه تاب منه. ب- أن ذنب ارتكاب النهي مصدره في الغالب الشهوة والحاجة، وذنب ترك الأمر مصدره في الغالب الكبر والعزة، ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنى وسرق. جـ- أن المقصود من إرسال الرسل طاعة المُرسل، ولا تحصل إلا بامتثال أوامره، ومن تمام امتثال الأوامر ولوازمها اجتناب النواهي. ولهذا لو اجتنب المناهي ولم يفعل ما أمر به لم يكن مطيعًا وكان عاصيًا، بخلاف ما لو أتى بالمأمورات وارتكب المناهي فإنه وإن عد عاصيًا مذنبًا فإنه مطيع بامتثال الأمر، عاصٍ بارتكاب النهي، بخلاف تارك الأمر فإنه لا يعد مطيعًا باجتناب المنهيات خاصة. د- أن من فعل المأمورات والمنهيات فهو إما ناجٍ مطلقًا إن غلبت حسناته سيئاته، وإما ناج بعد أن يؤخذ منه الحق ويعاقب على سيئاته، فمآله إلى النجاة وذلك بفعل المأمور.

стр. 386

المسألة الثالثة: أن النهي يقتضي الفساد وهذا ما عليه سلف الأمة، لا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات والعقود، ولا بين ما نُهي عنه لذاته أو لغيره، إذ كل نهيٍ للفساد، وهذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين (١) . ومن الأدلة على ذلك: أولاً: قول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) ؛ يعني: مردود كأنه لم يوجد (٣) . ثانيًا: أن الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها (٤) ، وهذا أمر مشتهر بينهم من غير نكير فكان إجماعًا (٥) . ثالثًا: أن المنهي عنه مفسدته راجحة، وإن كان فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته، فما نَهَى الله عنه وحرمه إنما أراد منع وقوع الفساد ودفعه؛ لأن الله إنما ينهى عما لا يحبه، والله لا يحب الفساد، فعُلم أن المنهي عنه

стр. 387

فاسد ليس بصالح (١) . قال ابن تيمية: «ولا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتتْ فيها الصحة بنص ولا إجماع ... » (٢) . ويمكن تفصيل قاعدة «النهي يقتضي الفساد» ببيان أقسام المنهي عنه، وذلك على النحو الآتي: ينقسم المنهي عنه أولاً إلى ما نُهي عنه لأجل حق الله، وإلى ما نُهي عنه لأجل حق الآدمي (٣) . فالأول: كنكاح المحرمات، وبيع الربا. والثاني: كتحريم الخطبة على الخطبة، وبيع النجش، والكل فاسد، إلا أن القسم الثاني موقوف على إذن المظلوم؛ لأن النهي هنا لحق الآدمي، فلم يجعله الشارع صحيحًا لازمًا كالحلال، بل أثبت حق المظلوم وسلطه على الخيار، فإن شاء أمضى وإن شاء فسخ (٤) . وينقسم ثانيًا إلى عبادات ومعاملات، والكل يقتضي الفساد، إلا ما كان من المعاملات من قبيل حق الآدمي فهذا موقوف على إجازة صاحب الحق كما تقدم. وينقسم ثالثًا إلى ما نُهي عنه لذاته، لكونه يشتمل على مفسدة، بمعنى أنه محرم على أي صورة وقع، ولا يمكن أن يكون حلالاً، وذلك كتحريم الخمر والربا. وإلى ما نُهي عنه لسد الذريعة، فهو إن جرد عن الذريعة لم يكن فيه مفسدة. بمعنى أنه محرم على صورة معينة وصفة خاصة، لكن أصل الفعل

стр. 388

حلال، وذلك كالنهي عن الصلاة في أوقات النهي، والصوم يوم العيد (١) . ويمكن أن نقول: إن النهي ينقسم إلى ما له جهة واحدة، وإلى ما له جهتان هو من إحداهما مأمور به ومن الأخرى منهي عنه، ومعلوم أن القسم الأول لا خلاف في اقتضائه للفساد. والخلاف في القسم الثاني إنما وقع في انفكاك الجهة: فمن رأى أن الجهة منفكة بمعنى أن الفعل من حيث كونه مأمورًا به قربةٌ، ومن حيث كونه منهيًا عنه معصية، قال: إن النهي لا يقتضي الفساد، ومن رأى أن الجهة واحدة ليست منفكة بمعنى أن الفعل يقع محرمًا ولا يمكن أن يقع قربة، قال: إن النهي يقتضي الفساد والكل متفق على أن المنهي عنه إن كانت جهته واحدة اقتضى الفساد (٢) . تنبيه: كون النهي يقتضي الفساد مشروط بأن يتجرد النهي عن القرائن، أما مع وجود القرائن فيختلف الحال؛ إذ يقتضي النهي ههنا ما دلت عليه القرينة، لذا فإن النهي إذا تجرد عن القرائن أفاد التحريم والفساد معًا في آن واحد (٣) .

стр. 389

المطلب الثاني: العام والخاص وفي هذا المطلب سبع مسائل: المسألة الأولى: تعريف العام. المسألة الثانية: أقسام العام. المسألة الثالثة: صيغ العموم. المسألة الرابعة: دلالة العام بين القطع والظن. المسألة الخامسة: التخصيص. المسألة السادسة: المخصصات. المسألة السابعة: تعارض الخاص والعام.

стр. 390

المسألة الأولى: تعريف العام العام لغة: الشامل (١) . وفي اصطلاح الأصوليين يمكن تعريفه بأنه: «ما يستغرق جميع ما يصلح له، بحسب وضع واحد، دفعة، بلا حصر» (٢) . وفي هذا التعريف النقاط الآتية: أ- أن العام لا بد فيه من الاستغراق، أما ما لا استغراق فيه فلا يدخل تحت العام، كلفظ الرجل إذا أريد به معين فإنه لم يستغرق ما يصلح له؛ إذ لفظ الرجل يصلح للدلالة على جميع الرجال (٣) . ب- أن الاستغراق في العام شامل لجميع أفراده في آن واحد، وهذا هو المراد من تقييد العام في التعريف بـ"دفعة" ليخرج بذلك المطلق إذ إن استغراق المطلق بدلي - على سبيل التناوب - لا دفعة واحدة (٤) . جـ- أن الاستغراق في العام لا حد ولا حصر له، وبذلك تخرج أسماء الأعداد فإنها محصورة وهذا معنى القيد الوارد في تعريف العام «بلا حصر» (٥) . د- أن الاستغراق في العام يتعلق بشيء واحد، فنجد العام يستغرق شيئًا واحدًا، أما المشترك الموضوع لاستغراق عدة أشياء فليس من العام، ولهذا قيد العام بأنه «بحسب وضع واحد» (٦) . المسألة الثانية: أقسام العام ينقسم العام إلى أقسام عديدة، وذلك حسب الاعتبارات الآتية:
следующие страницы →