← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المسألة الثالثة: أن النهي يقتضي الفساد وهذا ما عليه سلف الأمة، لا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات والعقود، ولا بين ما نُهي عنه لذاته أو لغيره، إذ كل نهيٍ للفساد، وهذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين (١) . ومن الأدلة على ذلك: أولاً: قول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) ؛ يعني: مردود كأنه لم يوجد (٣) . ثانيًا: أن الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها (٤) ، وهذا أمر مشتهر بينهم من غير نكير فكان إجماعًا (٥) . ثالثًا: أن المنهي عنه مفسدته راجحة، وإن كان فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته، فما نَهَى الله عنه وحرمه إنما أراد منع وقوع الفساد ودفعه؛ لأن الله إنما ينهى عما لا يحبه، والله لا يحب الفساد، فعُلم أن المنهي عنه

стр. 387

فاسد ليس بصالح (١) . قال ابن تيمية: «ولا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتتْ فيها الصحة بنص ولا إجماع ... » (٢) . ويمكن تفصيل قاعدة «النهي يقتضي الفساد» ببيان أقسام المنهي عنه، وذلك على النحو الآتي: ينقسم المنهي عنه أولاً إلى ما نُهي عنه لأجل حق الله، وإلى ما نُهي عنه لأجل حق الآدمي (٣) . فالأول: كنكاح المحرمات، وبيع الربا. والثاني: كتحريم الخطبة على الخطبة، وبيع النجش، والكل فاسد، إلا أن القسم الثاني موقوف على إذن المظلوم؛ لأن النهي هنا لحق الآدمي، فلم يجعله الشارع صحيحًا لازمًا كالحلال، بل أثبت حق المظلوم وسلطه على الخيار، فإن شاء أمضى وإن شاء فسخ (٤) . وينقسم ثانيًا إلى عبادات ومعاملات، والكل يقتضي الفساد، إلا ما كان من المعاملات من قبيل حق الآدمي فهذا موقوف على إجازة صاحب الحق كما تقدم. وينقسم ثالثًا إلى ما نُهي عنه لذاته، لكونه يشتمل على مفسدة، بمعنى أنه محرم على أي صورة وقع، ولا يمكن أن يكون حلالاً، وذلك كتحريم الخمر والربا. وإلى ما نُهي عنه لسد الذريعة، فهو إن جرد عن الذريعة لم يكن فيه مفسدة. بمعنى أنه محرم على صورة معينة وصفة خاصة، لكن أصل الفعل

стр. 388

حلال، وذلك كالنهي عن الصلاة في أوقات النهي، والصوم يوم العيد (١) . ويمكن أن نقول: إن النهي ينقسم إلى ما له جهة واحدة، وإلى ما له جهتان هو من إحداهما مأمور به ومن الأخرى منهي عنه، ومعلوم أن القسم الأول لا خلاف في اقتضائه للفساد. والخلاف في القسم الثاني إنما وقع في انفكاك الجهة: فمن رأى أن الجهة منفكة بمعنى أن الفعل من حيث كونه مأمورًا به قربةٌ، ومن حيث كونه منهيًا عنه معصية، قال: إن النهي لا يقتضي الفساد، ومن رأى أن الجهة واحدة ليست منفكة بمعنى أن الفعل يقع محرمًا ولا يمكن أن يقع قربة، قال: إن النهي يقتضي الفساد والكل متفق على أن المنهي عنه إن كانت جهته واحدة اقتضى الفساد (٢) . تنبيه: كون النهي يقتضي الفساد مشروط بأن يتجرد النهي عن القرائن، أما مع وجود القرائن فيختلف الحال؛ إذ يقتضي النهي ههنا ما دلت عليه القرينة، لذا فإن النهي إذا تجرد عن القرائن أفاد التحريم والفساد معًا في آن واحد (٣) .

стр. 389

المطلب الثاني: العام والخاص وفي هذا المطلب سبع مسائل: المسألة الأولى: تعريف العام. المسألة الثانية: أقسام العام. المسألة الثالثة: صيغ العموم. المسألة الرابعة: دلالة العام بين القطع والظن. المسألة الخامسة: التخصيص. المسألة السادسة: المخصصات. المسألة السابعة: تعارض الخاص والعام.

стр. 390

المسألة الأولى: تعريف العام العام لغة: الشامل (١) . وفي اصطلاح الأصوليين يمكن تعريفه بأنه: «ما يستغرق جميع ما يصلح له، بحسب وضع واحد، دفعة، بلا حصر» (٢) . وفي هذا التعريف النقاط الآتية: أ- أن العام لا بد فيه من الاستغراق، أما ما لا استغراق فيه فلا يدخل تحت العام، كلفظ الرجل إذا أريد به معين فإنه لم يستغرق ما يصلح له؛ إذ لفظ الرجل يصلح للدلالة على جميع الرجال (٣) . ب- أن الاستغراق في العام شامل لجميع أفراده في آن واحد، وهذا هو المراد من تقييد العام في التعريف بـ"دفعة" ليخرج بذلك المطلق إذ إن استغراق المطلق بدلي - على سبيل التناوب - لا دفعة واحدة (٤) . جـ- أن الاستغراق في العام لا حد ولا حصر له، وبذلك تخرج أسماء الأعداد فإنها محصورة وهذا معنى القيد الوارد في تعريف العام «بلا حصر» (٥) . د- أن الاستغراق في العام يتعلق بشيء واحد، فنجد العام يستغرق شيئًا واحدًا، أما المشترك الموضوع لاستغراق عدة أشياء فليس من العام، ولهذا قيد العام بأنه «بحسب وضع واحد» (٦) . المسألة الثانية: أقسام العام ينقسم العام إلى أقسام عديدة، وذلك حسب الاعتبارات الآتية:

стр. 391

١- باعتبار ما فوقه وما تحته ينقسم العام إلى عام لا أعم منه، كالمعلوم والمذكور، فإنه يشمل جميع الموجودات والمعدومات، وإلى عام هو بالنسبة لما تحته أعم، وبالنسبة لما فوقه أخص، كالحيوان فإنه أعم من الإنسان وأخص من النامي. فالأول عام مطلق، والثاني عام نسبي إضافي (١) . ٢- باعتبار المراد منه ينقسم العام إلى عام أريد به العام، وإلى عام أريد به الخاص. وقد بوب الشافعي لكل قسم من هذين القسمين، فقال في القسم الأول: «باب بيان ما نزل من الكتاب عامًا يُراد به العام ويدخله الخصوص» (٢) ، ومثل له بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] . فالمراد كل دابة دون استثناء. وقال في القسم الثاني: «باب بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص» (٣) ، ومثل له بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ، فههنا ثلاث صيغ للعمود: الذين، والناس في الموضعين، ومعلوم أنه لا يمكن حمل واحد من هذه الألفاظ على عمومه. وقد يسمى العام الذي أريد به الخصوص مجازًا، بخلاف العام المخصوص؛ لأن الأول نُقل اللفظ فيه عن موضوعه الأصلي بخلاف الثاني (٤) . ٣- باعتبار تخصيصه ينقسم العام إلى عام محفوظ باقٍ على عمومه لم يدخله تخصيص، وإلى عام مخصوص، قد زال عمومه ودخله التخصيص. مثال القسم الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] . قال الشافعي: «فهذا عام لا خاص فيه» (٥) . ومثال القسم الثاني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ

стр. 392

أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦، والمعارج: ٢٩، ٣٠] . قال الشنقيطي: «إن آية ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ليست باقية على عمومها بإجماع المسلمين؛ لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعًا؛ للإجماع على أن عموم ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] » (١) . والصحيح: القول بحجية العام بقسميه المحفوظ والمخصوص، فلا فرق بين العام قبل التخصيص والعام بعد التخصيص. والدليل على ذلك تمسك الصحابة ﵃ بالعمومات، وكثير منها مخصوص، ثم إن إسقاط الاحتجاج بالعام المخصوص يفضي إلى إبطال عمومات القرآن التي دخلها التخصيص (٢) . كما أن الأصح في تعارض العام المحفوظ مع العام المخصوص تقديم العام المحفوظ. والحجة في ذلك أن الأول متفق على حجيته وأنه حقيقة، والثاني اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص، والذين قالوا: هو حجة في الباقي. قال جماعة منهم هو: مجاز في الباقي، ومعلوم أن ما اتفق على أنه حجة وأنه حقيقة أولى مما اختلف في حجيته وهل هو حقيقة أو مجاز (٣) ؟. وذهب ابن تيمية إلى أن غالب عمومات القرآن محفوظة، وذكر أن من يقول: إن أكثر العمومات مخصوصة مع إثباته للعموم يرد عليه سؤال لا توجيه له، وهو أن يقال: هذا القدر الذي ذكرته إما أن يمنع من الاستدلال بالعموم أو لا، فإن كان مانعًا فهو مذهب منكري العموم، وهو مذهب سخيف لم ينتسب هذا القائل إليه وإن لم يكن مانعًا من الاستدلال فهذا كلام ضائع.

стр. 393

ثم ذكر ﵀ أن استقراء آيات القرآن الكريم دال على أن غالب عموماته محفوظة، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١] ، فهي شاملة لكل أحد، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٣] ، فكل شيء في يوم الدين يملكه (١) . وقد جرى في تعبير بعض أهل العلم أن أكثر العمومات مخصوصة (٢) . ويمكن حمل ذلك على أن مرادهم نصوص الأحكام (الأمر والنهي) على وجه الخصوص. وأن مراد ابن تيمية أعم من ذلك؛ لأنه استند إلى الاستقراء التام فيما ذهب إليه، فلا تعارض بين المذهبين بناءً على هذا التفسير. والله أعلم. ومما يجدر التنبيه عليه في هذا المقام: أن المبالغة في القول بأن أكثر العمومات مخصوصة قد يراد بها تضعيف الاستدلال بالعمومات الواردة في الكتاب والسنة، والحكم بتخصيصها بأدلة غير صالحة كالتخصيص بالمعارض العقلي (٣) . كما أن المبالغة في القول بأن أكثر العمومات محفوظة قد يراد بها إبطال كثير من المخصصات الصحيحة كخبر الواحد مما يفضي إلى تعطيل العمل بعدد كبير من السنن الآحادية (٤) . المسألة الثالثة: صيغ العموم (المراد بصيغ العموم الألفاظ الدالة على الشمول والاستغراق في

стр. 394

وضع لغة العرب، وهذا ما يمكن أن يسمى بالعموم اللفظي أو ألفاظ العموم. (ومذهب السلف (١) أن للعموم ألفاظًا تخصه (٢) . ومن الأدلة على ذلك: أولاً: أن الصحابة ﵃ أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل على تخصيصه دليل، فإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم، وكانوا يفهمون العموم من صيغته، فكان هذا إجماعًا منهم (٣) . ثانيًا: أن إنكار صيغ العموم يؤدي إلى اختلال أوامر الشرع العامة كلها؛ إذ لا يصح الاحتجاج بلفظ عام؛ لأن كل واحد يمكنه أن يقول: ليس في هذا اللفظ دلالة على أني مراد به، فبذلك تبطل دلالة الكتاب والسنة وهذا معلوم

стр. 395

فساده يقينًا (١) . ثالثًا: أن صيغ العموم يحتاج إليها في كل لغة، واللغة موضوعة للإبانة عما في النفوس، والمتكلم يحتاج إلى البيان عن المسمى الخاص والعام، فمن البعيد جدًا أن يغفل جميع الخلق عن هذه الصيغ فلا يضعونها ولا يستعملونها مع الحاجة الشديدة إليها (٢) . (أما صيغ العموم التي تفيد العموم بوضع اللغة فهي خمسة أقسام (٣) : القسم الأول: كل اسم عرف بالألف واللام غير العهدية، وذلك يشمل أنواعًا ثلاثة: أ- ألفاظ الجموع؛ كالمسلمين والمشركين. ب- أسماء الأجناس؛ كالناس والحيوان. جـ- لفظ الواحد؛ كالسارق والإنسان. القسم الثاني: ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة المتقدمة في القسم الأول إلى معرفة، مثل: مال زيد، عبيد زيد. القسم الثالث: أدوات الشرط، مثل: "من" للعاقل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ، ومثل: "ما" لما لا يعقل: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، ومثل: "أي": «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (٤) ، وهذه الأدوات الثلاث تعم مطلقًا، سواء كان شروطًا، أو موصولات، أو استفهامية. القسم الرابع: كل وجميع، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، العنكبوت: ٥٧] . القسم الخامس: النكرة في سياق النفي، كقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .

стр. 396

(ومما يفيد العموم عرفًا لا وضعًا: الخطاب الموجه إلى الرسول ﷺ ، إذ الأصل العموم والأسوة ما لم يرد دليل على التخصيص. ومن أجل ذلك فقد كان الصحابة ﵃ يرجعون إلى أفعاله ﷺ فيما يختلفون فيه من الأحكام (١) . قال ابن تيمية: «ولهذا كان جمهور علماء الأمة على أن الله إذا أمره بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك، ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك» (٢) . (واختلف في دخول النساء في الخطاب العام (٣) ؟ وتفصيل ذلك أن هذه المسألة لها طرفان متفق عليهما، وواسطة مختلف فيها. فالطرف الأول: أن النساء يدخلن اتفاقًا في الخطاب العام الذي يشمل الرجال والنساء معًا، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ، وأدوات الشرط مثل: "من". والطرف الثاني: أن النساء لا يدخلن اتفاقًا في لفظ الرجال ونحوه مما يختص بهم. والواسطة المختلف فيها: الجموع المذكرة، الظاهرة والمضمرة، نحو: "المؤمنين"، "كلوا واشربوا". وهذا الخلاف - عند التحقيق - يرجع إلى اللفظ؛ إذ الجميع متفقون على دخول النساء في عموم الأحكام الشرعية ما لم يرد في ذلك تخصيص، إلا أن البعض جعل دخولهن مستفادًا من لغة العرب لكونها تغلب المذكر على المؤنث في الخطاب، والبعض الآخر جعل دخولهن مستفادًا من عرف الشارع ومن الأدلة الدالة على استواء الفريقين في الأحكام. (واختلف في دخول العبد في الخطاب العام (٤) ؟

стр. 397

والصحيح: أنه يدخل في عموم الخطاب إلا ما استثناه الدليل. لأن العبد داخل ضمن الأمة، وهو مكلف، فلا يخرج من هذا العموم بلا دليل. وسقوط بعض التكاليف عنه لا يوجب إخراجه من العموم؛ فهو في ذلك كالمريض والمسافر والحائض. (وإذا ترك النبي ﷺ السؤال عن تفاصيل واقعةٍ، ما دل عدم السؤال على عموم حكمها؛ كتركه ﷺ سؤال من أسلم على عشرة نسوة (١) : هل عقد عليهن معًا أو مرتبًا؟ فدل على عدم الفرق (٢) . وقد عبر الإمام الشافعي عن هذه القاعدة بقوله: «ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال» (٣) . المسألة الرابعة: دلالة العام بين القطع والظن اتفق العلماء على أن دلالة العام قطعية على أصل المعنى. واختلفوا في

стр. 398

دلالته على أفراده على قولين (١) : القول الأول: أن دلالة العام على أفراده ظنية ظاهرة. القول الثاني: أن دلالة العام على أفراده قطعية. وسواء قيل بقطعية العام أو ظنيته في الدلالة على أفراده، فإن الأمر لا يختلف إذا حصل الاتفاق على القواعد الآتية: (القاعدة الأولى: وجوب حمل الألفاظ العامة وإجرائها على العموم، واعتقاد عمومها في الحال من غير بحث عن مخصص. قال الشنقيطي: «حاصله: أن التحقيق ومذهب الجمهور وجوب اعتقاد العموم والعمل به من غير توقف على البحث عن المخصص؛ لأن اللفظ موضوع للعموم فيجب العمل بمقتضاه، فإن اطلع على مخصص عمل به» (٢) . (القاعدة الثانية: وجوب العمل بدليل التخصيص إذا ظهر، والواجب في هذه الحالة إهدار دلالة العام على صورة التخصيص (٣) . (القاعدة الثالثة: شرط العمل بدليل التخصيص أن يكون هذا الدليل صحيحًا، ولا يشترط فيه أن يكون مساويًا أو أقوى رتبة من العام؛ إذ التخصيص بيان، والبيان يجوز أن يكون أضعف رتبة من المبين فيجوز تخصيص الكتاب بالسنة والمتواتر بالآحاد (٤) . (القاعدة الرابعة: وجوب العمل باللفظ العام - بعد التخصيص - فيما بقي منه والاحتجاج به فيما عدا صورة التخصيص؛ إذ لا فرق بين العام قبل التخصيص وبعده من حيث وجوب العمل (٥) .

стр. 399

المسألة الخامسة: التخصيص (أولاً: تعريف التخصيص: التخصيص هو: «قصر العام على بعض أفراده، بدليل يدل على ذلك» (١) . ثانيًا: حكمه: الإجماع منعقد على جواز تخصيص العموم من حيث الجملة (٢) . قال ابن قدامة: «لا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم» (٣) . ثالثًا: شرطه: القاعدة العامة في التخصيص: أنه لا يصح إلا بدليل صحيح (٤) . قال الشيخ الشنقيطي" «وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام إلا بدليل يجب الرجوع إليه، سواء كان من المخصصات المتصلة أو المنفصلة» (٥) . رابعًا: أثره: يجب العملُ بالدليل المخصص - إذا صح - في صورة التخصيص وإهدارُ دلالة العام عليها، ولا يجوز - والحالة كذلك - حمل اللفظ العام وإبقاؤه على عمومه. بل تبقى دلالة العام قاصرة على ما عدا صورة التخصيص (٦) . (خامسًا: الفرق بين التخصيص والنسخ (٧) . وذلك من وجوه:

стр. 400

الأول: أن التخصيص بيان أن ما خرج بالتخصيص - وهو المخصوص - غير مراد باللفظ أصلاً، والنسخ إخراج ما أريد باللفظ الدلالة عليه (١) . الثاني: أن النسخ يشترط فيه التراخي بين الناسخ والمنسوخ، أما التخصيص فيجوز فيه اقتران المخصص بالعام، وذلك كالتخصيص بالاستثناء والشرط. الثالث: أن النسخ يدخل في الشيء الواحد، أما التخصيص فلا يدخل إلا في عام له أفراد متعددة يخرج بعضها بالمخصص ويبقى بعضها الآخر. الرابع: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب جديد، والتخصيص قد يقع بغير خطاب، كالتخصيص بالعقل وبالعرف المقارن للخطاب. الخامس: أن النسخ لا يدخل في الأخبار وإنما هو في الإنشاء فقط، بخلاف التخصيص فإنه يكون في الإنشاء وفي الخبر. السادس: أن النسخ لا يبقى معه للفظ المنسوخ دلالة على ما تحته، فهو كالذي لم يوجد أصلاً، أما التخصيص فتنتفي معه دلالة العام على صورة التخصيص فقط وتبقى دلالته على ما عداها. السابع: وهو خاص بالفرق بين التخصيص والنسخ الجزئي، وقد بينه الشيخ الشنقيطي فقال ﵀: «اعلم أن التخصيص إن لم يرد فيه المخصص - بالكسر - إلا بعد العمل بالعام، والتقييد إن لم يرد فيه المقيد - بالكسر - إلا بعد العمل بالمطلق، فكلاهما حينئذٍ نسخ (٢) . ولا يجوز أن يكونا تخصيصًا وتقييدًا؛ لأن التخصيص والتقييد بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل، فلما تأخر تعين كونه نسخًا» (٣) .

стр. 401

المسألة السادسة: المخصصات المخصصات هي أدلة التخصيص، وهي على نوعين (١) : (النوع الأول: المخصصات المنفصلة. مثل: الحس، والعقل، والإجماع، وقول الصحابي، والقياس، والمفهوم، والنص. والمراد بالمخصص المنفصل: ما يستقل بنفسه دون العام، وذلك بألا يكون مرتبطًا بكلام آخر. (النوع الثاني: المخصصات المتصلة. مثل: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية، والبدل. والمراد بالمخصص المتصل: ما لا يستقل بنفسه، بل هو مرتبط بكلام آخر. وفيما يأتي تنبيهات مهمة على أدلة التخصيص. ١- مثال التخصيص بالحس قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ، فإن الذي يتتبع أقطار الدنيا يشاهد بالحس أن بعض الأشياء لم تؤتها ملكة سبأ كعرش سليمان ﵊. وقد يعترض على هذا المثال وغيره بأمرين (٢) : الأول: أنه من العام الذي أريد به الخصوص. الثاني: أن ما خرج بالحس لم يدخل أصلاً. ٢- دليل العقل ضربان: أحدهما: ما يجوز ورود الشرع بخلافه وهو ما يقتضيه العقل من براءة الذمة فهذا لا يجوز التخصيص به.

стр. 402

لأن ذلك إنما يستدل به عند عدم الشرع، أما إذا ورد الشرع فيسقط به الاستدلال ويصير الحكم للشرع. والثاني: ما لا يجوز ورود الشرع بخلافه، مثل ما دل عليه العقل من نفي كون صفات الله سبحانه مخلوقه، فيجوز التخصيص بهذا، كقوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] . فالمراد أن الله خالق كل شيء ما عدا صفاته؛ لأن العقل قد دل على أنه تعالى لا يجوز أن يخلق صفاته. ويمكن أن يعترض على هذا المخصص أولاً: بأن ما دل العقل على خروجه لا يدخل تحت العموم ابتداء (١) . قال الشافعي بعد قوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] : «فهذا عام لا خاص فيه، فكل شيء من سماء وأرض وذي روح وغير ذلك فالله خلقه» (٢) . ويمكن أن يعترض عليه ثانيًا: بأن هذا من قبيل العام الذي أريد به الخصوص (٣) . وإذا اتفق على المعنى فالنزاع لفظي (٤) . ٣- المراد بالتخصيص بالإجماع: مستند الإجماع لا نفس الإجماع (٥) . ٤- المراد بقول الصحابي الذي يخصص العموم باتفاق: ما كان له حكم الرفع وذلك فيما لا مجال للرأي فيه. أما تخصيص العموم بقول الصحابي عند القائلين به ففيه خلاف (٦) .

стр. 403

٥- القياس إن كان مقطوعًا به جاز التخصيص به بلا إشكال. أما إن كان القياس ظنيًا فيحتمل التخصيص؛ لأن كون صورة التخصيص مرادة باللفظ العام غير مقطوع به، والقياس يدل على أنها غير مرادة، وهذا مذهب الجمهور، ويحتمل عدم التخصيص لأن العموم أعلى رتبة من القياس؛ إذ العموم أصل والقياس فرع (١) . ٦- المفهوم إن كان مفهوم موافقة فالتخصيص به جائز قطعًا؛ لأن دلالته قطعية، أما إن كان مفهوم مخالفة فيحتمل تقديم المفهوم لكونه دليلاً خاصًا والخاص مقدم على العام، ويحتمل تقديم العموم عند من لا يحتج بالمفهوم أو من يرى أن العموم أقوى منه دلالة (٢) . ٧-يجوز التخصيص بالكتاب وبالسنة بأنواعها: القولية، والفعلية، والإقرارية. لا فرق في ذلك بين الكتاب والسنة؛ فيجوز تخصيص الكتاب بالسنة والعكس، ولا فرق في ذلك أيضًا بين المتواتر والآحاد؛ فيجوز تخصيص المتواتر بخبر الواحد (٣) . قال الشيخ الشنقيطي: «واعلم أن التحقيق أنه يجوز تخصيص المتواتر بأخبار الآحاد؛ لأن التخصيص بيان. وقد قدمنا أن المتواتر يبين بالآحاد، قرآنًا أو سنة. كما أن التحقيق أيضًا: جواز تخصيص السنة بالكتاب كما ذكرنا، خلافًا لمن منعه محتجًا بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] . ومن الحجة عليه ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] » (٤) . ٨- الاستثناء (٥) يكون مخصصًا بالشروط الآتية:

стр. 404

أ- أن يكون الاستثناء والمستثنى منه في كلام واحد متصل بعضه ببعض، بحيث لا يفصل بينهما فاصل من كلام أجنبي أو سكوت طويل يمكن الكلام فيه. ذلك لأن الاستثناء جزء من الكلام يحصل به الإتمام، فإذا وجد فاصل لم يكن إتمامًا (١) . ب- أن يكون الاستثناء متصلاً، وهو: أن يكون ما بعد "إلا" بعضًا مما قبلها، وأن يحكم عليه بنقيض ما حُكم به على ما قبلها (٢) ؛ لأن التخصيص إنما يكون في الاستثناء المتصل دون المنقطع (٣) . جـ- أن يكون المستثنى أقل من النصف، فلا يجوز -على الراجح- استثناء النصف ولا استثناء الأكثر منه، وهذا ما نقل عن أهل اللغة (٤) . ٩- إذا تعقب الاستثناء جملاً متعاطفة بالواو (٥) فهل يرجع إلى جميع

стр. 405

الجمل كما ذهب إلى ذلك الجمهور، أو يرجع إلى الجملة الأخيرة كما ذهب إلى ذلك البعض (١) . وهذا الخلاف فيما إذا تجرد الاستثناء عن القرائن وأمكن عوده إلى الجملة الأخيرة وإلى الجميع. أما إن قام دليل اقتضى عوده إلى الأولى فقط أو إلى الأخيرة فقط أو إلى كل منها فلا خلاف في العود إلى ما قام له الدليل (٢) . وقد اختار الشيخ الشنقيطي أن الأظهر الوقف حتى يعلم الدليل، ثم إنه قال: «ولا يبعد أنه إن تجرد من القرائن والأدلة كان ظاهرًا في رجوعه للجميع» (٣) . واستدل ﵀ لما ذهب إليه بقوله: «إن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها يحتاج إلى دليل منفصل. لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع أو لبعضها دون بعض، وربما دل الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه. وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعًا لغير الجملة الأخيرة التي تليه تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى الجميع إلا بعد النظر في الأدلة ومعرفة ذلك منها، وهذا القول –الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع أو بعضها المعين دون بعض إلا بدليل– مروي عن ابن الحاجب من المالكية (٤) ، والغزالي من الشافعية (٥) ، والآمدي من الحنابلة (٦) .

стр. 406

واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح» (١) . ثم ذكر ﵀ أمثلة على هذا الاستقراء فمن ذلك (٢) : أ- قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] . فالاستثناء راجع للدية فهي تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولاً واحدًا؛ لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ. ب- قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] ، فالاستثناء ليس راجعًا للجملة الأخيرة ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ؛ لأن فضل الله ورحمته يمنع اتباع الشيطان بالكلية فلا يحتاج إلى استثناء قليل ولا كثير. جـ- قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] ، فالاستثناء لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ؛ لأن القاذف إذا تاب لا يسقط بتوبته حد القذف. وبهذا الاستقراء يتبين أن الاستثناء الآتي بعد الجمل المتعاطفة قد يعود إليها جميعًا، وقد يعود إلى الجملة الأخيرة دون ما قبلها، وهذا إنما يعرف بأدلة منفصلة. إلا أن الغالب على الكتاب والسنة وكلام العرب رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل. قال ابن تيمية: «بل من تأمل غالب الاستثناءات الموجودة في الكتاب والسنة التي تعقبت جملاً وجدها عائدة إلى الجميع. هذا في الاستثناء، فأما في الشروط والصفات فلا يكاد يحصيها إلا الله. وإذا كان الغالب على الكتاب والسنة وكلام العرب عود الاستثناء إلى جميع

стр. 407

الجمل فالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب» (١) . فيحصل مما سبق نظران: النظر الأول باعتبار الأصل: فالاستثناء بهذا الاعتبار قد يعود إلى جميع الجمل وقد يعود إلى بعضها، وهذا مما يفتقر إلى أدلة خارجية. وذلك ما ذكره الشنقيطي واستدل له بالاستقراء التام. النظر الثاني باعتبار الغالب وعرف الشارع: فالاستثناء بهذا الاعتبار يعود إلى جميع الجمل. وذلك ما ذكره ابن تيمية واستدل له بغالب استعمال الشارع. وقد جمع بين هذين النظرين والتفت إلى هذين الاعتبارين القول بأن الاستثناء بعد الجمل يعود إليها جميعًا بشرطين (٢) : الأول: أن يصلح عوده إلى كل واحدة منها. الثاني: ألا يوجد مانع يمنع من ذلك. وهذا - عند التحقيق - مذهب الجمهور، وإليه أشار ابن النجار الفتوحي بقوله: «أما كون الاستثناء إذا تعقب جملاً يرجع إلى جميعها بالشروط المذكورة فعند الأئمة الثلاثة وأكثر أصحابهم» (٣) . ١٠- الشرط والصفة والبدل والغاية كلها من المخصصات المتصلة، وحكمها حكم الاستثناء. إذ الجميع جزء من الكلام لا يتم الكلام إلا به، والجميع يغير الكلام عما كان يقتضيه لولاه (٤) . وقد تقدم بيان أن الكلام المتصل يقيد أوله آخره، كما تقدم أيضًا نقل كلام ابن تيمية في هذه المسألة (٥) .

стр. 408

والمقصود بالشرط ههنا الشرط اللغوي (١) ، مثل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] (٢) . والمراد بالصفة هنا ما هو أعم من الصفة المعروفة عند النحاة، بل الصفة هي ما أشعر بمعنى يتصف به أفراد العام سواء كان الوصف نعتًا، أو عطف بيان، أو حالاً، مثل قوله تعالى: من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥] (٣) . ومثال البدل -بدل البعض من الكل- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] (٤) . والمراد بالغاية: أن يأتي بعد اللفظ العام حرف من أحرف الغاية مثل: "حتى"، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٥) . المسألة السابعة: تعارض الخاص والعام صورة هذه المسألة: أن يرد الخاص مخالفًا للعام في الحكم؛ بحيث يلزم من العمل بأحدهما إلغاء الآخر، فيكون العمل بهما معًا في آنٍ واحد متعذرًا. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] فإنه خاص، مع قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] فإنه عام. أما إذا ورد الخاص موافقًا للعام بمعنى أنه قد أفرد فرد من أفراد العام بالذكر فإن الخاص - والحالة كذلك - لا يخصص العام. ذلك أن تخصيص الخاص بالذكر لا يمنع شمول العام لغيره، إذ تخصيص الخاص بالذكر قد يكون لمزية فيه اقتضت النص عليه.

стр. 409

ثم إنه لا تعارض بين الخاص والعام، والعمل بهما معًا ممكن، فالمصير إليه أولى (١) . مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] . فتخصيص النهي عن القتل حال الفقر بالذكر وقع للحاجة إلى معرفته مع كون المسكوت عنه أولى بالحكم وهو القتل مع الغنى واليسار (٢) . فالحاصل: أن ذكر الخاص بعد العام قد يكون لنكتة اقتضت تخصيصه بالذكر كما في المثال السابق، وقد يكون لبيان اختصاص المذكور بالحكم ونفيه عما عداه كما في قوله ﷺ : «في سائمة الغنم الزكاة» (٣) ، إذ تخصيص وجوب الزكاة بسائمة الغنم يدل على أن هذا الحكم خاص بها وأن المعلوفة غير السائمة لا زكاة فيها، وهذا ما يعرف بمفهوم المخالفة كما سيأتي بيانه (٤) . وأما إذا ورد الخاص مخالفًا للعام -وهو المقصود بحثه في هذه المسألة- فلا يخلو المقام من الأحوال الآتية (٥) : أن يُعلم التاريخ فيعلم: اقتران الخاص بالعام. أو يعلم تقدم العام وتأخر الخاص عنه. أو يعلم تقدم الخاص وتأخرُ العام عنه. أو لا يعلم التاريخ فلا يعلم تقدم أحدهما على الآخر. وعلى كل فإن العام - في جميع الأحوال السابقة - يحمل على الخاص، بمعنى أن الخاص يقدم على العام ويخصصه، ويبقى العام على عمومه فيما

стр. 410

عدا صورة التخصيص. هذا هو مذهب الجمهور، وعلى ذلك نهج الصحابة ﵃ والتابعون (١) . ومن الأدلة على تقديم الخاص على العام مطلقًا في جميع الأحوال: أولاً: أن في تقديم الخاص عملاً بكلا الدليلين، فالخاص يعمل به كاملاً، وذلك في صورة التخصيص، والعام يعمل ببعضه وذلك فيما عدا صورة التخصيص. بخلاف تقديم العام على الخاص؛ فإنه عمل بأحد الدليلين وهو العام، وإهدار للآخر وهو الخاص. والعمل بكلا الدليلين – ولو من بعض الوجوه – أولى من العمل بأحدهما وإهمال الآخر (٢) . يقول ابن تيمية: «ومعلوم من الأصول المستقرة إذا تعارض الخاص والعام فالعمل بالخاص أولى؛ لأن ترك العمل به إبطال له وإهدار، والعمل به ترك لبعض معاني العام» (٣) . ثانيًا: أن الظاهر والغالب فيما إذا ورد عام وخاص أن المراد بالعام ما عدا الخاص (٤) . قال ابن تيمية: «وليس استعمال العام وإرادة الخاص ببدع في الكلام؛ بل هو غالب كثير» (٥) . وقال ابن القيم: «والنص العام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل تحت لفظه، ولو قدر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تضرب أحاديث رسول الله ﷺ بعضها ببعض. وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السنتين وإلغاء

стр. 411

أحد الدليلين. والله الموفق» (١) . ثالثًا: أن الصحابة ﵃ كانوا يقدمون الخاص على العام (٢) ، ولا ينظرون إلى التاريخ ولا يستفصلون عما إذا كان العام متقدمًا أو متأخرًا (٣) . قال الشنقيطي: «ومن تتبع قضاياهم [أي الصحابة] تحقق ذلك عنهم» (٤) . رابعًا: أن دلالة الخاص أقوى من دلالة العام (٥) . قال الخطيب البغدادي: «والواجب في مثل هذا أن يُقضى بالخاص على العام لقوته؛ فإن الخاص يتناول الحكم بلفظ لا احتمال فيه، والعام يتناوله بلفظ محتمل فوجب أن يُقضى بالخاص عليه» (٦) . ****

стр. 412

المطلب الثالث المطلق والمقيد وفي هذا المطلب أربع مسائل: المسألة الأولى: تعريف المطلق والمقيد. المسألة الثانية: أقسام المطلق والمقيد. المسألة الثالثة: حمل المطلق على المقيد. المسألة الرابعة: الضابط في حمل المطلق على المقيد.

стр. 413

المسألة الأولى: تعريف المطلق والمقيد المطلق هو: «اللفظ المتناول لواحد لا بعينه، باعتبار حقيقة شاملة لجنسه» (١) . ومعنى ذلك (٢) : أ- أن المطلق يتناول واحدًا، فخرج بذلك ألفاظ الأعداد لأنها تتناول أكثر من واحد، وكذا العام. ب- أن ما تناوله المطلق مبهم، وهذا مأخوذ من قيد «لا بعينه» فيخرج بذلك المعارف كزيد. جـ- أن المطلق يختلف عن المشترك والواجب المخير مع أن الجميع يتناول واحدًا غير معين. ذلك أن تناولهما لواحد لا بعينه باعتبار حقائق مختلفة. والمقيد هو: «المتناول لمعين أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه» (٣) . مثال المطلق: "رقبة" من قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] . ومثال المقيد: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، فقد قيد الرقبة بالإيمان. المسألة الثانية: أقسام المطلق والمقيد وبيان ذلك وفق الاعتبارات الآتية: ١- المقيد على مراتب، وذلك حسب قلة القيود وكثرتها، فما كثرت

стр. 414

قيوده أعلى رتبة مما قلت قيوده، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] . فهذا مثال ما كثرت قيوده. وعلى كل فالإطلاق والتقييد أمران نسبيان، فهناك مطلق لا مطلق بعده، مثل: "معلوم"، ومقيد لا مقيد بعده، مثل: "زيد" وبينهما وسائط (١) . ٢- قد يكون اللفظ الواحد مطلقًا من وجهٍ، مقيدًا من وجهٍ آخر، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، فالرقبة مقيدة - من حيث الدين - بالإيمان، مطلقة من حيث ما سوى الإيمان من الأوصاف ككمال الخلقة والطول والبياض. فالآية مقيدة بالنسبة إلى مطلق الرقاب ومطلق الكفارات، وهي مطلقة في كل رقبة مؤمنة وفي كل كفارة مجزئة (٢) . ٣- الإطلاق والتقييد تارة يكونان في الأمر، وتارة في الخبر (٣) . مثال الأول: اعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة. ومثال الثاني: قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (٤) ، مع رواية: «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» (٥) . ولا يكون الإطلاق في النهي والنفي بل يكون هذا من باب العموم (٦) .

стр. 415

المسألة الثالثة: حمل المطلق على المقيد أولاً: معنى حمل المطلق على المقيد المقصود بمسألة «حمل المطلق على المقيد» أن يأتي المطلق في كلام مستقل، ويأتي المقيد في كلام مستقل آخر. ومعنى حمل المطلق على المقيد - إذا تعين - أن يكون المقيد حاكمًا على المطلق، بيانًا له، مقيدًا لإطلاقه، مقللاً من شيوعه وانتشاره؛ فلا يبقى حينئذٍ للمطلق تناول لغير المقيد. فيراد بالمطلق الذي ورد في نص المقيد الذي ورد في نص آخر (١) . أما إن اجتمع المطلق والمقيد في كلام واحد، بعضه متصل ببعض، فلا خلاف أن المطلق يحمل على المقيد (٢) ، وليس هذا من قبيل هذه المسألة. ثانيًا: الأصل في المطلق والمقيد. يجب حمل النص المطلق على إطلاقه والعمل به من هذا الوجه، هذا هو الأصل. وكذلك النص المقيد يجب حمله على تقييده والعمل به من هذا الوجه، هذا هو الأصل. ولا تجوز مخالفة هذا الأصل أو ذاك إلا بدليل يوجب تقييد المطلق أو إطلاق المقيد (٣) . ثالثًا: شرط حمل المطلق على المقيد. يشترط في حمل المطلق على المقيد أن يقوم الدليل الصحيح على تقييد

стр. 416

المطلق، ولا يجوز والحالة كذلك العمل بالمطلق دون حمله على المقيد، فالمقيد ههنا مقدم على المطلق وحاكم عليه لا فرق في ذلك بين الكتاب والسنة، والمتواتر والآحاد، والمتقدم والمتأخر (١) . قال ابن النجار الفتوحي: «وهما [أي المطلق والمقيد] كعام وخاص فيما ذكر من تخصيص العموم من متفق عليه، ومختلف فيه، ومختار من الخلاف. فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسنة، وتقييد السنة بالسنة وبالكتاب، وتقييد الكتاب والسنة بالقياس، ومفهوم الموافقة والمخالفة، وفعل النبي ﷺ وتقريره، ومذهب الصحابي، ونحو ذلك على الأصح في الجميع» (٢) . ذلك أن المقيد بيان للمطلق، والبيان لا يشترط فيه أن يكون في درجة المبين أو أقوى منه بل يكفي أن يكون البيان صحيحًا (٣) . رابعًا: موانع حمل المطلق على المقيد. يمتنع حمل المطلق على المقيد في الآتي: أ- إذا ورد قيدان متضادان، وليس هناك مرجح لأحدهما على الآخر (٤) . وذلك مثل: تقييد صوم الظهار بالتتابع في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] ، وتقييد صوم التمتع بالتفريق في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، مع إطلاق صوم قضاء رمضان في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤، ١٨٥] . ب- إذا وجدت قرينة مانعة من الحمل كأن يستلزم حمل المطلق على المقيد تأخير البيان عن وقت الحاجة فلا حمل والحالة كذلك (٥) ، وذلك مثل

стр. 417

اشتراطه ﷺ قطع أسفل الخفين للمحرم الذي لم يجد نعلين (١) ، فهذا مقيد، وكان ذلك في المدينة، والمطلق أنه لم يشترط ﷺ القطع بل أطلق لبس الخفين، وكان هذا في عرفات (٢) ، فلا يحمل هنا المطلق على المقيد. قال ابن القيم: «لأن الحاضرين معه بعرفات من أهل اليمن ومكة والبوادي لم يشهدوا خطبته بالمدينة فلو كان القطع شرطًا لبينه لهم لعدم علمهم به، ولا يمكن اكتفاؤهم بما تقدم من خطبته بالمدينة. ومن هنا قال أحمد ومن تابعه: إن القطع منسوخ بإطلاقه بعرفات للبس، ولم يأمر بقطعٍ في أعظم أوقات الحاجة» (٣) . خامسًا: أحوال المطلق والمقيد بالنسبة للحمل وعدمه: إذا خلا المطلق والمقيد عن القرائن الموجبة للحمل أو عدمه فلا يخلو الحال من أربعة أقسام (٤) : (القسم الأول: أن يتفق الحكم والسبب، وذلك مثل: إطلاق الدم في

стр. 418

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣، النحل: ١١٥] مع تقييد الدم بكونه مسفوحًا في قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] . فالحكم: تحريم الدم، والسبب: ما في الدم من المضرة والإيذاء. فالجمهور يقولون بحمل المطلق على المقيد في هذا القسم. (القسم الثاني: أن يتفق الحكم ويختلف السبب، وذلك مثل إطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] مع تقييد الرقبة بكونها مؤمنة في آية قتل الخطأ في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . فالحكم: العتق، والسبب في الرقبة المطلقة: الظهار، وفي الرقبة المقيدة بالإيمان: قتل الخطأ، وهذا المطلق يحمل على المقيد عند أكثر العلماء. (القسم الثالث: عكس الثاني، وهو أن يتفق السبب ويختلف الحكم، وذلك مثل إطلاق الإطعام في كفارة الظهار في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ، مع تقييد الصيام بكونه من قبل أن يتماسا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] ، فالسبب واحد وهو الظهار، والحكم في الأول: الإطعام، وفي الثاني: الصيام، فأكثر العلماء لا يحملون المطلق على المقيد في هذه الحالة. (القسم الرابع: أن يختلف الحكم والسبب، وهذا متفق على عدم الحمل فيه، ومثال ذلك: تقييد الصيام بالتتابع في كفارة اليمين (١) في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، مع إطلاق الإطعام في كفارة الظهار في قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] . هذه الأقسام الأربعة فيما إذا كان المقيد واحدًا. أما إن كان هناك مقيدان بقيدين مختلفين، فإن كان القيدان متضادين ولم

стр. 419

يكن أحدهما أقرب من الآخر لم يحمل المطلق على واحد منهما اتفاقًا كما تقدم (١) . أما إذا ورد على المطلق قيدان متضادان، وأمكن ترجيح أحدهما على الآخر فيحمل المطلق - عند بعض العلماء - على أرجح القيدين وأشبههما. مثال ذلك: إطلاق صوم كفارة اليمين عن قيد التتابع في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، مع تقييد صوم كفارة الظهار بالتتابع في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] ، وتقييد صوم التمتع بالتفريق في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فالظهار أقرب لليمين من التمتع؛ لأن كلا منهما كفارة، فيقيد صوم كفارة اليمين بالتتابع حملاً على الصوم في كفارة الظهار المقيد بالتتابع. المسألة الرابعة: الضابط في حمل المطلق على المقيد الضابط فيه أن اتفاق حكم المطلق والمقيد يوجب الحمل إجمالاً. كما أن اختلافه يوجب عدم الحمل إجمالاً. ذلك أن اتفاق الحكم يدل على قوة الصلة بين الكلاميين - الكلام الذي فيه إطلاق والكلام الذي فيه تقييد - فاعتبرا جملة واحدة يفسر بعضها بعضًا؛ إذ إن الحكم استوفى بيانه في أحد الموضعين ولم يستوف في الموضع الآخر. وهذا أسلوب مألوف عند العرب؛ إذ تطلق في موضع وتقيد في موضع آخر، فيحمل المطلق على المقيد (٢) . فإذا أضيف إلى اتفاق الحكم الاتفاقُ في السبب كان هذا قرينة قوية على وحدة الجملتين وشدة ارتباطهما ببعض وأن المراد بهذه هو المراد بالأخرى (٣) .

стр. 420

أما إن اتفق الحكمُ فقط وكان السبب مختلفًا فالحمل هنا وارد وهو الأحوط (١) ، لكن يبقى عدم الحمل أمرًا واردًا، وهو الأصل (٢) . أما في حالة اختلاف الحكم فإن هذا الاختلاف يعتبر دليلاً على استقلال كل من الكلامين بحكمه: المطلق بإطلاقه والمقيد بتقييده، والتعارض في مثل هذه الحالة منتفٍ، فيبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، وهذا هو الأصل. ويقوي البقاء على هذا الأصل اختلاف السبب. أما إن اتفق السبب مع كون الحكم مختلفًا فإن اتفاق السبب قرينةٌ على مخالفة الأصل. فتعارض في هذه الصورة: عدم الحمل المستفاد من اختلاف الحكم مع الحمل المستفاد من اتفاق السبب؛ فأصبح الحمل وعدمه أمرين واردين فيحتاج إلى اجتهاد العلماء ونظرهم في ترجيح أحد الاحتمالين. ****

стр. 421

المطلب الرابع: المنطوق والمفهوم وفي هذا المطلب جانبان: الجانب الأول: المنطوق. الجانب الثاني: المفهوم.

стр. 422

الجانب الأول: المنطوق أولاً: تعريف المنطوق. المنطوق: هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، فهو المعنى المستفاد من اللفظ من حيث النطق به (١) . ثانيًا: أقسام المنطوق (٢) . المنطوق قسمان: صريح، وغير صريح. (فالصريح: هو المعنى الذي وضع اللفظ له، وذلك يشمل دلالة المطابقة (٣) ، كدلالة الرجل على الإنسان الذكر، ودلالة التضمن (٤) كدلالة الأربعة على الواحد، ربعها (٥) . (وغير الصريح: هو المعنى الذي دل عليه اللفظُ في غير ما وضع له، ويسمى دلالة الالتزام (٦) ، كدلالة الأربعة على الزوجية (٧) . ثالثًا: أقسام المنطوق غير الصريح . المنطوق غير الصريح وهو ما يسمى بدلالة الالتزام ينقسم إلى

стр. 423

ثلاثة أقسام (١) . القسم الأول: دلالة الاقتضاء ، وهي: أن يتضمن الكلام إضمارًا ضروريًا لا بد من تقديره؛ لأن الكلام لا يستقيم دونه: أ- إما لتوقف الصدق عليه، كقوله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٢) فإن ذات الخطأ والنسيان لم يرتفعا، فيتضمن تقدير رفع الإثم أو المؤاخذة؛ لتوقف الصدق على هذا التقدير. ب- وإما لتوقف الصحة عليه عقلاً، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؛ أي: أهل القرية. جـ-وإما لتوقف الصحة عليه شرعًا، كقول القائل: «اعتق عبدك عني وعلى ثمنه» ، فلا بد من تقدير الملك السابق، فكأنه قال: «بعني عبدك وأعتقه عني» . القسم الثاني: دلالة الإشارة: وهي: أن يدل اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل ولكنه لازم للمقصود، فكأنه مقصود بالتبع، كاستفادة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] . القسم الثالث: دلالة التنبيه وتسمى الإيماء، وهي: أن يقترن بالحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف تعليلاً لهذا الحكم لكن ذكره حشوًا في الكلام لا فائدة منه وذلك ما تنزه عنه ألفاظ الشارع، وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الأنفطار: ١٣، المطففين: ٢٢] ؛ أي: لبرهم (٣) .

стр. 424

الجانب الثاني: المفهوم ١- تعريفه (١) : المفهوم: هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق. فهو المعنى المستفاد من حيث السكوت اللازم للفظ. ٢- أنواعه (٢) : المفهوم نوعان: النوع الأول: مفهوم الموافقة. النوع الثاني: مفهوم المخالفة.

стр. 425

النوع الأول مفهوم الموافقة وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: تعريفه. المسألة الثانية: أقسامه. المسألة الثالثة: حجيته، ونوع دلالته. المسألة الرابعة: شرط العمل به.
следующие страницы →