← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7372

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (614 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المطلب الرابع: المنطوق والمفهوم وفي هذا المطلب جانبان: الجانب الأول: المنطوق. الجانب الثاني: المفهوم.

стр. 422

الجانب الأول: المنطوق أولاً: تعريف المنطوق. المنطوق: هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، فهو المعنى المستفاد من اللفظ من حيث النطق به (١) . ثانيًا: أقسام المنطوق (٢) . المنطوق قسمان: صريح، وغير صريح. (فالصريح: هو المعنى الذي وضع اللفظ له، وذلك يشمل دلالة المطابقة (٣) ، كدلالة الرجل على الإنسان الذكر، ودلالة التضمن (٤) كدلالة الأربعة على الواحد، ربعها (٥) . (وغير الصريح: هو المعنى الذي دل عليه اللفظُ في غير ما وضع له، ويسمى دلالة الالتزام (٦) ، كدلالة الأربعة على الزوجية (٧) . ثالثًا: أقسام المنطوق غير الصريح . المنطوق غير الصريح وهو ما يسمى بدلالة الالتزام ينقسم إلى

стр. 423

ثلاثة أقسام (١) . القسم الأول: دلالة الاقتضاء ، وهي: أن يتضمن الكلام إضمارًا ضروريًا لا بد من تقديره؛ لأن الكلام لا يستقيم دونه: أ- إما لتوقف الصدق عليه، كقوله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٢) فإن ذات الخطأ والنسيان لم يرتفعا، فيتضمن تقدير رفع الإثم أو المؤاخذة؛ لتوقف الصدق على هذا التقدير. ب- وإما لتوقف الصحة عليه عقلاً، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؛ أي: أهل القرية. جـ-وإما لتوقف الصحة عليه شرعًا، كقول القائل: «اعتق عبدك عني وعلى ثمنه» ، فلا بد من تقدير الملك السابق، فكأنه قال: «بعني عبدك وأعتقه عني» . القسم الثاني: دلالة الإشارة: وهي: أن يدل اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل ولكنه لازم للمقصود، فكأنه مقصود بالتبع، كاستفادة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] . القسم الثالث: دلالة التنبيه وتسمى الإيماء، وهي: أن يقترن بالحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف تعليلاً لهذا الحكم لكن ذكره حشوًا في الكلام لا فائدة منه وذلك ما تنزه عنه ألفاظ الشارع، وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الأنفطار: ١٣، المطففين: ٢٢] ؛ أي: لبرهم (٣) .

стр. 424

الجانب الثاني: المفهوم ١- تعريفه (١) : المفهوم: هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق. فهو المعنى المستفاد من حيث السكوت اللازم للفظ. ٢- أنواعه (٢) : المفهوم نوعان: النوع الأول: مفهوم الموافقة. النوع الثاني: مفهوم المخالفة.

стр. 425

النوع الأول مفهوم الموافقة وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: تعريفه. المسألة الثانية: أقسامه. المسألة الثالثة: حجيته، ونوع دلالته. المسألة الرابعة: شرط العمل به.

стр. 426

المسألة الأولى تعريفه (١) مفهوم الموافقة: هو ما وافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم. ويسمى بفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، وبالقياس الجلي، وبالتنبيه. المسألة الثانية أقسامه (٢) ينقسم مفهوم الموافقة إلى قسمين باعتبارين: (الاعتبار الأول: ينقسم إلى: أولوي، ومساوي. أ- مفهوم أولوي: وهو ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق؛ كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب لأنه أشد، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . ب- مفهوم مساوي: وهو ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق في الحكم؛ كدلالة تحريم أكل مال اليتيم على تحريم إحراقه، وذلك في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] . فالأكل والإحراق متساويان؛ إذ الجميع إتلاف. (الاعتبار الثاني: أن مفهوم الموافقة منه ما هو قطعي، ومنه ما هو ظني. فالقطعي: ما قطع فيه بنفي الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق، كما مر في المثالين السابقين. والظني: ما ظن فيه انتفاء الفارق، كأن يقال: «إذا ردت شهادة الفاسق

стр. 427

فالكافر أولى؛ لأن الكافر قد يحترز من الكذب لدينه، والفاسق متهم في الدين» . المسألة الثالثة حجيته، ونوع دلالته مفهوم الموافقة حجة بإجماع السلف (١) . قال ابن تيمية: «بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا» (٢) . وإنما وقع الخلاف في دلالته: هل هي لفظية أو قياسية؟ (٣) . وقد نقل الشافعي هذا الخلاف فقال: «وقد يمتنع بعض أهل العلم من أن يسمي هذا قياسًا، ويقول: هذا معنى ما أحل الله وحرم، وحمد وذم؛ لأنه داخل في جملته فهو بعينه، لا قياس على غيره. ......ويقول غيرهم من أهل العلم: ما عدا النص من الكتاب أو السنة فكان في معناه، فهو قياس. والله أعلم» (٤) . وعلى كل فالخلاف كما هو واضح يرجع إلى التسمية لحصول الاتفاق على أن دلالته قد تكون قاطعة (٥) .

стр. 428

المسألة الرابعة شرط العمل به شرط العمل بمفهوم الموافقة: أن يفهم المعنى من اللفظ في محل النطق، وأن يكون المفهوم أولى بالحكم من المنطوق أو مساويًا له، وإنما يفهم ذلك من دلالة سياق الكلام وقرائن الأحوال (١) . قال ابن بدران موضحًا هذا الشرط: «يعني أن شرط مفهوم الموافقة فهم المعنى في محل النطق كالتعظيم ونحوه، فإنا فهمنا من آية: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] أن المعنى المقتضي لهذا النهي هو تعظيم الوالدين؛ فلذلك فهمنا تحريم الضرب بطريق أولى، حتى لو لم نفهم من ذلك تعظيمًا لما فهمنا تحريم الضرب أصلاً. لكنه لما نفى التأفيف الأعم دل على نفي الضرب الأخص بطريق الأولى» (٢) .

стр. 429

النوع الثاني مفهوم المخالفة وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: تعريفه. المسألة الثانية: أقسامه. المسألة الثالثة: حجيته. المسألة الرابعة: شرط العمل به.

стр. 430

المسألة الأولى تعريفه (١) مفهوم المخالفة: هو ما خالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم. ويسمى بدليل الخطاب. المسألة الثانية أقسامه (٢) مفهوم المخالفة ستة أقسام (٣) : القسم الأول: مفهوم الصفة، كصفة السوم في قوله ﷺ : «في سائمة الغنم الزكاة» (٤) ، فمقتضى هذا عدم وجوب الزكاة في المعلوفة غير السائمة، وليس المراد من الصفة كالمثال السابق.

стр. 431

القسم الثاني: التقسيم، كقوله ﷺ : «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر» (١) . ووجهه: أن تقسيمه إلى قسمين وتخصيص كل واحدٍ بحكم؛ يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، ولو عم الحكم النوعين لم يكن للتقسيم فائدة. القسم الثالث: مفهوم الشرط، والمراد به ما علق من الحكم على شيء بأداة الشرط، مثل: "إن" و"إذا"، وهو المسمى بالشرط اللغوي لا الشرط الذي هو قسيم السبب والمانع. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، فإنه يدل بمفهومه على عدم وجوب النفقة للمعتدة غير الحامل. القسم الرابع: مفهوم الغاية، وهو: مد الحكم بأداة الغاية، مثل: إلى، وحتى، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . القسم الخامس: مفهوم العدد، وهو: تعليق الحكم بعدد مخصوص، نحو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] . القسم السادس: مفهوم اللقب (٢) ، وهو: تخصيص اسم بحكمٍ، كالتنصيص على الأعيان الستة في الربا (٣) فإنه يمنع جريانه في غيرها. أما إن استلزم اللقبُ أوصافًا صالحة لإناطة الحكم به فإنه يُعتبر مفهوم صفة لا مفهوم لقب، وذلك مثل لفظ: "رجال" في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] ، فقد يظهر للناظر أنه مفهوم لقبٍ لا يحتج به، ولكن مفهوم الرجال ههنا معتبر؛ لأن الرجال لا تخشى منهم الفتنة وليسوا بعورة بخلاف النساء. ومعلوم أن وصف الذكورة وصف صالح لإناطة الحكم به الذي هو التسبيح في المساجد والخروج إليها دون وصف الأنوثة (٤) .

стр. 432

المسألة الثالثة حجيته ١- مفهوم المخالفة حجة عند جماهير العلماء بجميع أقسامه (١) ، ويستثنى من ذلك مفهوم اللقب؛ إذ التحقيق عدم الاحتجاج به (٢) . يقول ابن قدامة في مفهوم اللقب: «وأنكره الأكثرون وهو الصحيح؛ لأنه يفضي إلى سد باب القياس، وأن تنصيصه على الأعيان الستة في الربا تمنع جريانه في غيرها» (٣) . ويقول الشنقيطي: «وقد علمتَ أن الحق عدمُ اعتبار مفهوم اللقب، وأن فائدة ذكره إمكان الإسناد إليه» (٤) . ٢- من الأدلة على حجية مفهوم المخالفة: أولاً: أن فصحاء أهل اللغة يفهمون من تعليق الحكم على شرطٍ أو وصفٍ انتفاء الحكم بدون الشرط أو الوصف (٥) . ومن الأمثلة على ذلك أن عمر ﵁ (٦) قد فهم من تعليق إباحة قصر الصلاة على حال الخوف وجوب الإتمام حال الأمن وعجب من ذلك. وهذا في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] ، لذلك سأل النبي ﷺ عن هذه الآية، فقال ﷺ : «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (٧) .

стр. 433

ثانيًا: أن التخصيص بالذكر لا بد له من فائدة، فإن استوت السائمة والمعلوفة في وجوب الزكاة فيهما فلم خص الشارع السائمة بالذكر فقال: «في سائمة الغنم الزكاة» ، مع عموم الحكم والحاجة إلى البيان؟ بل لو قال: «في الغنم الزكاة» لكان أقصر في اللفظ وأعم في بيان الحكم. والتطويل لغير فائدة لكنه في الكلام وعي، وهذا مما ينزه عنه كلام العقلاء، فمن باب أولى كلام الشارع (١) . ٣- أقسام مفهوم المخالفة –عند القائلين بحجيته– ليست على مرتبة واحدة، بل إنها متفاوتة قوة وضعفًا، فترتيبها حسب القوة كالآتي (٢) : ١- مفهوم الغاية. ٢- مفهوم الشرط. ٣- مفهوم الصفة، ومثله في القوة: ٤- التقسيم. ٥- مفهوم العدد. ٦- مفهوم اللقب. قال ابن بدران: «والضابط في باب المفهوم: أنه متى أفاد ظنًا عرف من تصرف الشارع الالتفات إلى مثله –خاليًا عن معارض– كان حجة يجب العمل به. والظنون المستفادة من دليل الخطاب متفاوتة بتفاوت مراتبه، ومن تدرب بالنظر في اللغة وعرف مواقع الألفاظ ومقاصد المتكلمين سهل عنده إدراك ذلك التفاوت والفرق بين تلك المراتب. والله الموفق» (٣) .

стр. 434

٤- لا فرق بين دلالة المفهوم في كلام الشارع وكلام الناس؛ إذ هو من دلالات الألفاظ. قال ابن تيمية: «ومما يقضي العجب ظن بعض الناس أن دلالة المفهوم حجة في كلام الشارع دون كلام الناس -بمنزلة القياس- وهذا خلاف إجماع الناس، فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ، أو قائل إنه ليس من جملتها، أما هذا التفصيل فمحدث. ثم القائلون بأنه حجة إنما قالوا: هو حجة في الكلام مطلقًا، واستدلوا على كونه حجة بكلام الناس، وبما ذكره أهل اللغة، وبأدلة عقلية تبين لكل ذي نظر أن دلالة المفهوم من جنس دلالة العموم والإطلاق والتقييد، وهو دلالة من دلالات اللفظ، وهذا ظاهر في كلام العلماء» (١) . المسألة الرابعة شرط العمل به للعمل بمفهوم المخالفة عند القائلين به شروط (٢) . والجامع لهذه الشروط: أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر لكونه مختصًا بالحكم دون سواه. قال ابن تيمية: «فإذا عُلم أو غَلَبَ على الظن ألا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوها، عُلم أنه إنما خصه بالذكر لأنه مخصوص بالحكم» (٣) . أما إن ظهر أن تخصيص المنطوق بالذكر كان لسببٍ من الأسباب -غير

стр. 435

تخصيص الحكم به ونفيه عن سواه– فالتخصيص بالذكر في هذه الحالة لا يدل على اختصاصه بالحكم دون المسكوت عنه. قال ابن النجار: «ثم الضابط لهذه الشروط وما في معناها: ألا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدةٌ غير نفي الحكم عن المسكوت عنه» (١) . والأٍسباب والفوائد والنكت التي لأجلها يخص المنطوق بالذكر غير تخصيص الحكم به ونفيه عن المسكوت عنه كثيرة، وهي تعرف بموانع اعتبار المفهوم (٢) . فمن ذلك: أ- أن يخرج ذكره مخرج الغالب: كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، فتقييد تحريم الربيبة بكونها في حجر الزوج لا يدل على أنها تكون حلالاً ولا تحرم إذا لم تكن في حجره؛ لأن الغالب كون الربيبة في حجر زوج أمها. ب- أن يقع ذكره جوابًا لسؤال: كأن يُسأل النبي ﷺ مثلا: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيقول: «في الغنم السائمة زكاة» فإن ذكر إحدى الصفتين المذكورتين في السؤال – وهي السوم في هذا المثال – لا يلزم منه تخصيصها الحكم ونفيه عن الأخرى. جـ- أن يكون ذكرُه وقع على سبيل الامتنان: كقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] ، فلا يدل وصف اللحم بكونه طريًا على تحريم اللحم غير الطري.

стр. 436

الفصل الثالث: الاجتهاد والتقليد والفتوى وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الاجتهاد. المبحث الثاني: التقليد. المبحث الثالث: الفتوى.

стр. 437

المبحث الأول الاجتهاد وفي هذا المبحث ست مسائل: المسألة الأولى: تعريف الاجتهاد. المسألة الثانية: أقسام الاجتهاد. المسألة الثالثة: شروط الاجتهاد. المسألة الرابعة: حكم الاجتهاد. المسألة الخامسة: هل كل مجتهد مصيب؟ المسألة السادسة: تنبيهات.

стр. 438

المسألة الأولى: تعريف الاجتهاد الاجتهاد لغة: بذل الوسع والطاقة، ولا يستعمل إلا فيما فيه جهد ومشقة، يقال: اجتهد في حمل الرحى، ولا يقال: اجتهد في حمل النواة (١) . وفي الاصطلاح: «بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الشرعية» (٢) . وقد اشتمل هذا التعريف على الضوابط الآتية (٣) : أ- أن الاجتهاد هو بذل الوسع في النظر في الأدلة، فهو بذلك أعم من القياس؛ إذ القياس هو إلحاق الفرع بالأصل، أما الاجتهاد فإنه يشمل القياس وغيره. ب- أن الاجتهاد لا يجوز إلا من فقيه، عالم بالأدلة وكيفية الاستنباط منها؛ إذ النظر في الأدلة لا يتأتى إلا ممن كان أهلاً لذلك. جـ- أن الاجتهاد قد ينتج عنه القطع بالحكم أو الظن به، وذلك ما تضمنه قيد "لاستنباط". د- وقد تضمن قيد "لاستنباط" أيضًا بيان أن الاجتهاد إنما هو رأي المجتهد واجتهاده، وذلك محاولة منه لكشف حكم الله، ولا يُسمى ذلك تشريعًا؛ فإن التشريع هو الكتاب والسنة، أما الاجتهاد فهو رأي الفقيه أو حكم الحاكم.

стр. 439

المسألة الثانية: أقسام الاجتهاد ينقسم الاجتهاد إلى أقسام متعددة، وذلك باعتبارات مختلفة، وبيان ذلك كما يأتي: أولاً: ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى أهله إلى اجتهاد مطلق واجتهاد مقيد. وفي هذين القسمين تجتمع أقسام المجتهدين الأربعة الذي ذكرها ابن القيم (١) ، وهي: أ- مجتهد مطلق وهو العالم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة، يجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت. فهذا النوع هم الذين يسوغ لهم الإفتاء والاستفتاء، وهم المجددون لهذا الدين القائمون بحجة الله في أرضه. ب- مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، من غير أن يكون مقلدًا لإمامه لا في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا. جـ- مجتهد مقيد في مذهب من انتسب إليه، مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة. بل نصوص إمامه عنده كنصوص الشارع، قد اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه إمامه استنباط الأحكام ومؤنة استخراجها من النصوص. وشأن هؤلاء عجيب؛ إذ كيف أوصلهم اجتهادهم إلى كون إمامهم أعلم

стр. 440

من غيره، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائر معه، وقعد بهم اجتهادهم عن النظر في كلام الله ورسوله ﷺ واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له النص. د- مجتهد في مذهب من انتسب إليه، فحفظ فتاوى إمامه، وأقر على نفسه بالتقليد المحض له، من جميع الوجوه، وذكر الكتاب والسنة عنده يكون على وجه التبرك والفضيلة لا على وجه الاحتجاج به والعمل، بل إذا رأى حديثًا صحيحًا مخالفًا لقول من انتسب إليه أخذ بقوله وترك الحديث، فليس عند هؤلاء سوى التقليد المذموم. قال ابن القيم في هذه الأقسام الأربعة: «ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني من جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم، ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط، متشبه بالعلماء، محاكٍِ للفضلاء.....» (١) . ثانيًا: ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى المجتهد من حيث استيعابُه للمسائل أو اقتصاره على بعضها إلى مجتهد مطلق ومجتهد جزئي. فالمجتهد المطلق: هو الذي بلغ رتبة الاجتهاد بحيث يمكنه النظر في جميع المسائل. والمجتهد الجزئي هو الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، وإنما بلغ هذه الرتبة في مسألة معينة، أو باب معين، أو فن معين، وهو جاهل لما عدا ذلك. وقد اختلف العلماء في جواز تجزئة الاجتهاد، والذي عليه المحققون من أهل العلم جوازه وصحته (٢) . قال ابن القيم: «الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل

стр. 441

مجتهدًا في نوع من العلم مقلدًا في غيره، أو في باب من أبوابه. كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد، أو الحج، أو غير ذلك. فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره. وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: الجواز، بل هو الصواب المقطوع به، والثاني: المنع، والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها. فحجة الجواز: أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب فحكمه في ذلك حكمُ المجتهد المطلق في سائر الأنواع» (١) . وقال أيضًا: «فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما؟ قيل: نعم، يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله، وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمةٍ خيرًا. ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض. وبالله التوفيق» (٢) . ثالثًا: ينقسم الاجتهاد بالنسبة لعلة الحكم إلى ثلاثة أقسام (٣) : تحقيق المناط (٤) ، وتنقيحه، وتخريجه. أ- فتحقيق المناط: هو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي، فينظر المجتهد في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان. كالأمر باستقبال القبلة

стр. 442

واستشهاد شهيدين عدلين فينظر هل المصلي مستقبل القبلة؟ وهذا الشخص هل هو عدل مرضي؟ وهذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين العقلاء. ب- وتنقيح المناط: وهو تهذيب العلة، فإذا أضاف الشارع حكمًا إلى سببه واقترن بذلك أوصاف لا مدخل لها في إضافة الحكم، وجب حذف الأوصاف غير المؤثرة عن الاعتبار وإبقاءُ الوصف المؤثر المعتبر في الحكم. وذلك كأمر النبي ﷺ الأعرابي الذي واقع أهله في رمضان بالكفارة (١) فعُلم أن كونه أعرابيًا، أو عربيًا، أو الموطوءة زوجته، لا أثر له في الحكم، فلو وطئ المسلم العجمي سريته كان الحكم كذلك، وهذا النوع قد أقر به أكثر منكري القياس. جـ- وتخريج المناط: وهو القياس المحض، وهو أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه أصلاً، كتحريم الربا في البر، فيجتهد المجتهد في البحث عن علة الحكم ومناطه بطريقٍ من طرق ثبوت العلة. وهذا النوع هو الذي وقع فيه الخلاف المشهور في حجية القياس. رابعًا: ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى كون المسائل المجتهد فيها جديدة أو متقدمة إلى قسمين: مسائل لا قول لأحد من العلماء فيها، ومسائل تقدم لبعض العلماء فيها قول. فالقسم الأول: وقع فيه خلاف بين العلماء، أما القسم الثاني: فلا خلاف في جواز الاجتهاد فيه. والصحيح في القسم الأول الجواز (٢) . قال ابن القيم: «إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد العلماء، فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز، وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يسألون عن

стр. 443

حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها، وقد قال النبي ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» (١) . وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله، وما عرف فيه أقوالاً واجتهد في الصواب منها. وعلى هذا درج السلف والخلف، والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث» (٢) . خامسًا: ينقسم الاجتهاد أيضًا بالنظر إلى المسائل المجتهد فيها من جهة وقوعها أو عدم وقوعها إلى قسمين: مسائل واقعة نازلة، ومسائل لم تقع. وقد تقدم آنفًا الكلام على القسم الأول، أما القسم الثاني وهو الاجتهاد في مسائل لم تقع فهذا فيه تفصيل لأهل العلم سيأتي بيانه إن شاء الله في شروط الاجتهاد (٣) . سادسًا: ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى بذل الوسع فيه إلى قسمين: اجتهاد تام، واجتهاد ناقص، فالاجتهاد التام ما كان بذل الوسع فيه إلى درجة يحس فيها المجتهد من نفسه العجز عن المزيد، والاجتهاد الناقص ما لم يكن كذلك، فيدخل فيه النظر المطلق في الأدلة لمعرفة الحكم (٤) . ومعلوم أن المطلوب من المجتهد بذل غاية وسعه وطاقته كما سيأتي نقل ذلك عن الشافعي عند الكلام على شروط الاجتهاد (٥) . سابعًا: ينقسم الاجتهاد إلى صحيح وفاسد. فالاجتهاد الصحيح هو الذي صدر من مجتهد توفرت فيه شروط الاجتهاد وكان هذا الاجتهاد في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد.

стр. 444

أما الاجتهاد الفاسد، فهو: الذي صدر من جاهل بالكتاب والسنة ولغة العرب، لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، أو صدر من مجتهد أهل للاجتهاد لكنه وقع في غير موضعه من المسائل التي لا يصح فيه الاجتهاد (١) . قال ابن قدامة بعد ذكره لآثار عن السلف في ذم الرأي - في معرض جوابه عنها-: «قلنا هذا منهم ذم لمن استعمل الرأي، والقياس في غير موضعه أو بدون شرطه ... جواب ثانِ، أنهم ذموا الرأي الصادر عن الجاهل الذي ليس أهلاً للاجتهاد والرأي، ويرجع إلى محض الاستحسان ووضع الشرع بالرأي، بدليل أن الذين نقل عنهم هذا هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد» (٢) . ولابن القيم رحمه الله تعالى بحث نفيس في أنواع الرأي، أنقله فيما يأتي ملخصًا (٣) . «الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه. والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف. فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتوا به، وسوغوا القول به. وذموا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله. والقسم الثالث سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه، حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحدًا العمل به، ولم يحرموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده، فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه. كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس فقال لي: عند الضرورة

стр. 445

وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة. لم يفرطوا فيه، ويفرعوه، ويولدوه، ويوسعوه، كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها. أنواع الرأي الباطل: أ- الرأي المخالف للنص، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه ولا تحل الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد. ب- الكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإن من جهل النصوص وقاس برأيه من غير نظر إليها فقد وقع في الرأي المذموم الباطل. جـ- الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال، حيث استعملوا قياساتهم الفاسدة، وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة، فقابلوا هذه النصوص بالتحريف والتأويل، وقابلوا بالتكذيب معاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلاً. د- الرأي الذي أحدثت به البدع، وغيرت به السنن، وعم به البلاء. فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وإخراجه من الدين. هـ- ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم، وهو استعمال الرأي في الوقائع قبل أن تنزل، وتفريع الكلام عليها قبل أن تقع، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات. أنواع الرأي المحمود: أ- رأي الصحابة ﵃ فهم أفقه الأمة وأبرها قلوبًا، وأقلها تكلفًا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الشريعة. فحقيق أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، كيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا، وحكمة وعلمًا، ومعرفة وفهمًا عن الله

стр. 446

ورسوله ﷺ ، ونصيحة للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًا طريًّا، لم يشبه إشكال، ولم يشبه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس. ب- الرأي الذي تفسر به النصوص، ويبين وجه الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها ويسهل طرق الاستنباط منها. جـ- الرأي المجمع عليه، الذي تواطأت الأمة عليه وتلقاه خلفهم عن سلفهم، فإن ما تواطئوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا، كما أن ما تواطئوا عليه من الرواية والرؤيا لا يكون إلا صوابًا. د- الرأي الذي يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة فيما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة ﵃، فإن لم يجده اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه، وأقر بعضهم بعضًا عليه» اهـ. المسألة الثالثة: شروط الاجتهاد يشترط لصحة الاجتهاد شروط، بعض هذه الشروط يرجع إلى المجتهد والبعض الآخر يرجع إلى المسائل المجتهد فيها. أما الشروط اللازم توفرها في المجتهد فيمكن إجمالها فيما يأتي (١) : أولاً: أن يحيط بمدارك الأحكام وهي: الكتاب والسنة والإجماع

стр. 447

والقياس والاستصحاب، وغيرها من الأدلة التي يمكن اعتبارها. وأن تكون لديه معرفة بمقاصد الشريعة، والمعتبر في ذلك أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومواقع الإجماع والخلاف، وصحيح الحديث وضعيفه. ثانيًا: أن يكون عالمًا بلسان العرب، ويكفي في ذلك القدر اللازم لفهم الكلام. ثالثًا: أن يكون عارفًا بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي. ولا يلزمه من ذلك إلا القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويدرك به مقاصد الخطاب ودلالة الألفاظ، بحيث تصبح لديه ملكة وقدرة على استنباط الأحكام من أدلتها. رابعًا: أن يبذل المجتهد وسعه قدر المستطاع وألا يقصر في البحث والنظر. قال الشافعي: «وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف عن نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك» (١) . خامسًا: أن يستند المجتهد في اجتهاده إلى دليل، وأن يرجع إلى أصل. وقد بوب لذلك ابن عبد البر، فقال: «باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة» (٢) . وبعد ذكره ﵀ لبعض الآثار قال: «......هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها، ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل. وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديمًا وحديثًا فتدبر» (٣) . وقد ذكر ابن القيم – كما سبق نقل ذلك عنه (٤) – أن من أنواع الرأي المذموم باتفاق السلف:

стр. 448

الكلام في الدين بالخرص والتخمين، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها. وبين أن من جهل النصوص والآثار وقاس برأيه من غير نظر إليها فقد وقع في الرأي المذموم (١) . وقد تقدم بيان تحريم القول على الله بدون علم (٢) ، فهذا الشرط راجع إلى هذا الأصل. سادسًا: أن يكون المجتهد عارفًا بالواقعة، مدركًا لأحوال النازلة المجتهد فيها. قال الشافعي: «ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به، دون التثبيت......» (٣) . وقال ابن القيم: «وأما قوله (٤) : (الخامسة معرفة الناس) فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهًا فيه، فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر، له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال.....» (٥) . (تنبيه: قال ابن قدامة: «فأما العدالة فليست شرطًا لكونه مجتهدًا، بل متى كان عالمًا بما ذكرناه فله أن يأخذ باجتهاد نفسه، لكنها شرط لجواز الاعتماد على قوله، فمن ليس عدلاً لا تقبل فتياه» (٦) . وأما الشروط اللازم توفرها في المسألة المجتهد فيها فيمكن إجمالها فيما يأتي:

стр. 449

أولاً: أن تكون هذه المسألة غير منصوص (١) أو مجمع عليها. والدليل على هذا الشرط حديث معاذ ﵁ المشهور (٢) ، إذ جعل الاجتهاد مرتبة متأخرة إذا لم يوجد كتاب ولا سنة. وقد كان منهج الصحابة ﵃ النظر في الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم الاجتهاد (٣) . ومعلوم أن الاجتهاد يكون ساقطًا مع وجود النص. قال ابن عبد البر: «باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة» (٤) . وقال الخطيب البغدادي أيضًا: «باب في سقوط الاجتهاد مع وجود النص» (٥) . وقال ابن القيم: «فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك» (٦) . ثانيًا: أن يكون النص الوارد في هذه المسألة –إن ورد فيها نص– محتملاً، قابلاً للتأويل، كقوله ﷺ : «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (٧) . فقد فهم بعض الصحابة من هذا النص ظاهره من الأمر بصلاة العصر في بني قريظة ولو بعد وقتها، وفهم البعض من النص الحث على المسارعة في السير مع تأدية الصلاة في وقتها ولم ينكر ﷺ على الفريقين ما فهم،

стр. 450

ولم يعنف الطرفين على ما فعل (١) . قال الشافعي: «قال: فما الاختلاف المحرم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصًا بينًا لم يحل الاختلافُ فيه لمن علمه، وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويدرك قياسًا، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره، لم أقل: إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص» (٢) . وقد استدل الشافعي على أن الاختلاف مذموم فيما كان نصه بينًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] . وقد عد ابن تيمية ذلك من أسٍباب الاختلاف بين العلماء فقال: «.......وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث: هل هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ظاهرًا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أو لا؟» (٣) . ثالثًا: ألا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل العقيدة، فإن الاجتهاد والقياس خاصان بمسائل الأحكام على النحو الذي سبق بيانه في القياس (٤) . قال ابن عبد البر: «قال أبو عمر: لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة - وهم أهل الفقه والحديث - في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام، إلا داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغدادي (٥) ومن قال بقوله

стр. 451

فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا.....» (١) . وعد ابن القيم (٢) من أنواع الرأي المذموم باتفاق سلف الأمة الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال (٣) . رابعًا: أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل، أو مما يمكن وقوعه في الغالب والحاجة إليه ماسة. أما استعمال الرأي قبل نزول الواقعة والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات والاستغراق في ذلك، فهو مما كرهه جمهور أهل العلم واعتبروا ذلك تعطيلاً للسنن وتركًا لما يلزم الوقوف عليه من كتاب الله ومعانيه (٤) . وقد استدل الجمهور على ذلك بقوله ﷺ : «إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» (٥) . وقوله ﷺ : «إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» (٦) . قال ابن القيم: «ولكن إنما كانوا [أي الصحابة ﵃﴾ يسألونه [أي النبي ﷺ ] عما ينفعهم من الواقعات، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها، بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه فأجابهم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١، ١٠٢] . ولم ينقطع حكم هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن

стр. 452

بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله ... » (١) . فعلم بذلك أن المجتهد لا ينبغي له أن يبحث ابتداء في مسألةٍ لا تقع، أو وقوعها نادر، لكن إن سئل عن مسألة من هذا القبيل، فهذه قضية أخرى، لعل الكلام عليها أليق بمسائل الفتوى. المسألة الرابعة: حكم الاجتهاد والكلام على هذه المسألة في جهتين: الجهة الأولى: حكم الاجتهاد إجمالاً. الجهة الثانية: حكم الاجتهاد على التفصيل. ١- أما حكم الاجتهاد على سبيل الإجمال، فالقول بجواز الاجتهاد مذهب الجمهور (٢) . قال ابن تيمية: «والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة» (٣) . والأدلة على ذلك كثيرة منها: أ- قول الله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] . دل قوله تعالى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ على أن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام حكما في هذه الحادثة معًا، كل منهما بحكم مخالفٍ للآخر، ولو كان وحيًا لما ساغ الخلاف، فدل على أن الحكم الصادر من كل منهما اجتهاد.

стр. 453

يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ إذ خص الله سليمان ﵊ بتفهيمه الحكم الصحيح، ولو كان الحكم نصًا لاشترك في فهمه الاثنان عليهما الصلاة والسلام (١) . ب- قوله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (٢) . جـ- حديث معاذ ﵁ المشهور، وذلك أن النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن، قال له: «بم تحكم؟» قال بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال اجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» (٣) . د- وقوع الاجتهاد منه ﷺ في وقائع كثيرة منها (٤) : أنه أخذ الفداء في أسرى بدر (٥) ، ولذلك عاتبه الله فقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] . هـ- أن النبي ﷺ أذن لأصحابه -رضوان الله عليهم- بالاجتهاد، وكان يقرهم على الصواب من اجتهاداتهم (٦) . فمن ذلك قوله ﷺ لسعد بن معاذ (٧) ﵁ لما حكمه في بني قريظة: «لقد حكمت فيهم بحكم الله » (٨) .

стр. 454

٢- أما حكم الاجتهاد على وجه التفصيل، فإنه قد يجب وقد يحرم، وقد يستحب وقد يكره، وقد يكون مباحًا. وذلك يختلف بحسب أهلية المجتهد، وحسب نوع المسألة المنظور فيها، وحسب الحاجة إليها، وحسب الوقت (١) . * فيكون الاجتهاد واجبًا: إذا كان المجتهد أهلاً للاجتهاد، وكانت المسألة مما يسوغ فيه الاجتهاد، وقد قامت الحاجة الشديدة إلى معرفة الحكم مع ضيق الوقت. * ويكون مستحبًا إذا لم تكن الحاجة قائمة وكان الوقت متسعًا مع كون المجتهد أهلاً للاجتهاد. * ويكون محرمًا إذا لم يكن المجتهد أهلاً ولم توجد الحاجة لذلك، أو كان أهلاً لكن كانت المسألة مما لا يجوز فيه الاجتهاد؛ بأن كان الحكم منصوصًا أو مجمعًا عليه. * ويكون مكروهًا إذا كان المجتهد أهلاً وكانت المسألة مما يستبعد وقوعه. * ويكون مباحًا إذا كان المجتهد أهلاً وكانت المسألة مما يمكن وقوعه، وكان الوقت متسعًا. المسألة الخامسة: هل كل مجتهد مصيب ؟ الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى تفصيل، إذ إن الإصابة لفظ مجمل. ذلك أن الإصابة قد يراد بها إصابة الحق، بمعنى: مجانبة الخطأ. وقد يراد بها إصابة الأجر والثواب، بمعنى: انتفاء الإثم (٢) .

стр. 455

فإذا أريد بالإصابة إصابة الحق فهذا لا يتضح إلا بعد معرفة: هل الحق عند الله واحد أو متعدد ؟ فإن كان الحق عند الله واحدًا فلا شك أن بعض المجتهدين مصيب وبعضهم مخطئ، وإن كان الحق عند الله متعددًا فكل مجتهد مصيب غير مخطئ. وبيان هذا موضعه في الجانب الأول. وإذا أريد بالإصابة إصابة الأجر وانتفاء الإثم عن المجتهدين فهذا يحتاج إلى تفصيل، وهذا بيانه في الجانب الثاني. الجانب الأول: هل الحق عند الله واحد أو متعدد؟ طرح الإمام الشافعي هذا السؤال ثم أجاب عليه، قال ﵀: «فإن قال قائل: أرأيت ما اجتهد فيه المجتهدون كيف الحق فيه عند الله؟ قيل: لا يجوز فيه عندنا - والله تعالى أعلم – أن يكون الحق فيه عند الله كله إلا واحدًا؛ لأن علم الله وأحكامه واحدٌ لاستواء السرائر والعلانية عنده، وأن علمه بكل واحدٍ جل ثناؤه سواء» (١) . وقد بوب ابن عبد البر لذلك، فقال: «باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب» (٢) . وبعد أن ذكر آثارًا في ذلك، قال ﵀: «هذا كثير في كتب العلماء، وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين ومن بعدهم من المخالفين (٣) وما رد بعضهم على بعض؛ لا يكاد يحيط به كتاب، فضلاً عن أن يُجمع في باب، وفيما ذكرنا منه دليل على ما عنه سكتنا، وفي رجوع أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض، ورد بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب. ولذلك كان يقول كل واحد منهم: جائز ما قلت أنت، وجائز ما قلت أنا، وكلانا نجم يُهتدي به، فلا علينا شيء من اختلافنا.

стр. 456

والصواب مما اختلف فيه وتدافع وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم. والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابًا كله» (١) . ومن الأدلة على أن بعض المجتهدين مصيب وبعضهم مخطئ: قوله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (٢) . فقسم ﷺ المجتهدين إلى مصيب له أجران، ومخطئ له أجر، فعُلم بذلك أن الحق عند الله واحد، غير متعدد، وأن المصيب من المجتهدين واحد، وليس كل مجتهد مصيبًا (٣) . الجانب الثاني: لا خلاف بين أهل العلم في أن المجتهد - الذي توفرت الشروط في اجتهاده - إذا أصاب الحق له أجران (٤) ، للحديث المتقدم، لكن المسألة التي وقع فيها نزاع بين العلماء هي: هل المجتهد - الذي توفرت الشروط في اجتهاده - المخطئ للحق، المخالف للصواب، معذور أو لا؟ وهل يأثم أو لا يأثم؟ مذهب السلف من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان (٥) : أنهم لا يكفرون، ولا يفسقون، ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين لا في مسألة علمية ولا عملية، ولا في الأصول ولا في الفروع، ولا في القطعيات ولا في الظنيات (٦) .

стр. 457

وذلك وفق الضوابط الآتية (١) : ١- أن يكون مع هذا المجتهد المخطئ مقدارٌ ما من الإيمان بالله ورسوله ﷺ . أما من لم يؤمن أصلاً فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة. ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي خاص بهذه الأمة كما جاءت النصوص بذلك (٢) . فمن كان مؤمنًا بالله جُملة وثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. ٢- أن يكون ذا نية صادقة في إرادة الحق والوصول إلى الصواب. أما أهل الجدال والمراء، وأصحاب الأغراض السيئة والمقاصد الخبيثة، فلكل منهم ما نوى، والحكم في ذلك للظاهر، والله يتولى السرائر. ٣- أن يبذل المجتهد وسعه، ويستفرغ طاقته، ويتقي الله ما استطاع، ثم إن أخطأ لعدم بلوغ الحجة، أو لوجود شبهة، أو لأجل تأويل سائغ، فهو معذور ما لم يفرط. أما إن فرط في شيء من ذلك، فلم تبلغه الحجة بسبب تقصيره، أو بلغته لكنه أعرض عنها لشبهة يعلم فسادها، أو تأول الدليل تأويلاً لا يسوغ، فإنه والحالة كذلك لا يُعذر، وعليه من الإثم بقدر تفريطه. ومن الأدلة على ما ذهب إليه سلف هذه الأمة ما يأتي: ١- أن النبي ﷺ قال: «كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني، فذروني في البحر في يوم صائف. ففعلوا به. فجمعه الله، ثم قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني عليه إلا مخافتك، فغفر له» (٣) . قال ابن تيمية: «فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك. وكل واحدٍ من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت،

стр. 458

كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلاً بذلك، ضالاً في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك» (١) . ٢- ما تقدم من الأدلة على اعتبار المقاصد والنيات في الأحكام الشرعية والثواب والعقاب (٢) . ٣- ما تقدم من الأدلة على أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها وأن التكاليف الشرعية مشروطة بالممكن من العلم والقدرة (٣) . ٤- ما تقدم من الأدلة على أن الجهل عذر شرعي، وأن الحكم لا يثبت في حق المكلف والحجة لا تقوم عليه إلا بعد علمه بالأمر والنهي (٤) . ٥- أن جعل الدين قسمين: أصولاً وفروعًا، لم يكن معروفًا لدي السلف (٥) ، وكذلك تقسيم المسائل إلى قطعية وظنية لا يستقيم، لأن كون المسألة قطعية أو ظنية أمر إضافي بحسب حال المعتقد (٦) ، ثم إن الله رفع الخطأ دون تفريق بين كونه في مسألة قطعية أو ظنية (٧) . المسألة السادسة: تنبيهات ١- لا يجوز أن يخلو عصر عن قائم لله بحجته (٨) .

стр. 459

وقد بوب الخطيب البغدادي لهذه المسألة بقوله: «ذكر الرواية أن الله تعالى لا يخلي الوقت من فقيه أو متفقه» (١) . ومن الأدلة على ذلك قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (٢) . وقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (٣) . ومن المتفق عليه أن هذه الأمة معصومة عن إضاعة الحق أو جهل نص محتاج إليه، بالنسبة لجميع العلماء، أما بالنسبة لبعضهم فقد يخطئ العام، أو يجهل العالم النص (٤) . فإذا ثبت أن الحق لا يمكن أن يضيع عن عامة الأمة، لزم أن يقوم بهذا الحق قائم واحد على الأقل. ٢- أن الخلاف في المسائل الاجتهادية فيه رحمة بالأمة، إذا التزم في هذا الخلاف بالشرع. قال ابن تيمية: «والنزاع في الأحكام قد يكون رحمةً إذا لم يُفضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنف رجل كتابًا سماه كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمه كتاب السعة، وأن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] » (٥) . ٣- من الأحكام المترتبة على المسائل الاجتهادية (٦) :

стр. 460

أ- أنه لا يجوز الإنكار على المخالف، فضلاً عن تفسيقه أو تأثيمه أو تكفيره. ب- أن سبيل الإنكار إنما يكون ببيان الحجة وأيضاًح المحجة. جـ- أن المجتهد ليس له إلزام الناس باتباع قوله. د- أن غير المجتهد يجوز له اتباعُ أحد القولين إذا تبينت له صحته، ثم يجوز له تركه إلى القول الآخر اتباعًا للدليل. هـ- لا يصح للمجتهد أن يقطع بصواب قوله وخطأ من خالفه فيما إذا كانت المسألة محتملة. و أن الخلاف في المسائل الاجتهادية لا يخرج المختلفين من دائرة الإيمان إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ﷺ . ز- أن المجتهد يجب عليه اتباع ما أداه إليه اجتهاده، ولا يجوز له ترك ذلك إلا إذا تبين له خطأ ما ذهب إليه أولاً، فيصح أن يرد عن المجتهد قولان متناقضان في وقتين مختلفين لا في وقت واحد. حـ- أن المجتهد في مسائل الاجتهاد بين الأجر والأجرين، وذلك إذا اتقى الله في اجتهاده. ط- أن المسائل الاجتهادية ظنية في الغالب، بمعنى أنه لا يقطع فيها بصحة هذا القول أو خطئه، لكن قد توجد مسائل يسوغ فيها الاجتهاد وهي قطعية يقينية، يجزم فيها بالصواب، وذلك أن المجتهد قد يخالف الصواب دون تعمد، إما لتعارض الأدلة أو خفائها، فلا طعن على من خالف في مثل ذلك. ٤- إذا علم أن للمسائل الاجتهادية أحكامًا تخصها، لزم التفريق بين المسائل الاجتهادية والمسائل الخلافية. إذ يجب الإنكار على المخالف في المسائل الخلافية غير الاجتهادية، كمن خالف في قولٍ يخالف سنة ثابتة، أو إجماعًا شائعًا. وكذلك يجب الإنكار على العمل المخالف للسنة أو الإجماع بحسب
следующие страницы →