والصواب مما اختلف فيه وتدافع وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم.
والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابًا كله» (١) .
ومن الأدلة على أن بعض المجتهدين مصيب وبعضهم مخطئ:
قوله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (٢) . فقسم ﷺ المجتهدين إلى مصيب له أجران، ومخطئ له أجر، فعُلم بذلك أن الحق عند الله واحد، غير متعدد، وأن المصيب من المجتهدين واحد، وليس كل مجتهد مصيبًا (٣) .
الجانب الثاني: لا خلاف بين أهل العلم في أن المجتهد - الذي توفرت الشروط في اجتهاده - إذا أصاب الحق له أجران (٤) ، للحديث المتقدم، لكن المسألة التي وقع فيها نزاع بين العلماء هي:
هل المجتهد - الذي توفرت الشروط في اجتهاده - المخطئ للحق، المخالف للصواب، معذور أو لا؟ وهل يأثم أو لا يأثم؟
مذهب السلف من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان (٥) :
أنهم لا يكفرون، ولا يفسقون، ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين لا في مسألة علمية ولا عملية، ولا في الأصول ولا في الفروع، ولا في القطعيات ولا في الظنيات (٦) .
стр. 457
وذلك وفق الضوابط الآتية (١) :
١- أن يكون مع هذا المجتهد المخطئ مقدارٌ ما من الإيمان بالله ورسوله ﷺ . أما من لم يؤمن أصلاً فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة.
ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي خاص بهذه الأمة كما جاءت النصوص بذلك (٢) .
فمن كان مؤمنًا بالله جُملة وثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.
٢- أن يكون ذا نية صادقة في إرادة الحق والوصول إلى الصواب. أما أهل الجدال والمراء، وأصحاب الأغراض السيئة والمقاصد الخبيثة، فلكل منهم ما نوى، والحكم في ذلك للظاهر، والله يتولى السرائر.
٣- أن يبذل المجتهد وسعه، ويستفرغ طاقته، ويتقي الله ما استطاع، ثم إن أخطأ لعدم بلوغ الحجة، أو لوجود شبهة، أو لأجل تأويل سائغ، فهو معذور ما لم يفرط. أما إن فرط في شيء من ذلك، فلم تبلغه الحجة بسبب تقصيره، أو بلغته لكنه أعرض عنها لشبهة يعلم فسادها، أو تأول الدليل تأويلاً لا يسوغ، فإنه والحالة كذلك لا يُعذر، وعليه من الإثم بقدر تفريطه.
ومن الأدلة على ما ذهب إليه سلف هذه الأمة ما يأتي:
١- أن النبي ﷺ قال: «كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني، فذروني في البحر في يوم صائف. ففعلوا به. فجمعه الله، ثم قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني عليه إلا مخافتك، فغفر له» (٣) .
قال ابن تيمية: «فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك.
وكل واحدٍ من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت،
стр. 458
كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلاً بذلك، ضالاً في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك» (١) .
٢- ما تقدم من الأدلة على اعتبار المقاصد والنيات في الأحكام الشرعية والثواب والعقاب (٢) .
٣- ما تقدم من الأدلة على أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها وأن التكاليف الشرعية مشروطة بالممكن من العلم والقدرة (٣) .
٤- ما تقدم من الأدلة على أن الجهل عذر شرعي، وأن الحكم لا يثبت في حق المكلف والحجة لا تقوم عليه إلا بعد علمه بالأمر والنهي (٤) .
٥- أن جعل الدين قسمين: أصولاً وفروعًا، لم يكن معروفًا لدي السلف (٥) ، وكذلك تقسيم المسائل إلى قطعية وظنية لا يستقيم، لأن كون المسألة قطعية أو ظنية أمر إضافي بحسب حال المعتقد (٦) ، ثم إن الله رفع الخطأ دون تفريق بين كونه في مسألة قطعية أو ظنية (٧) .
المسألة السادسة: تنبيهات
١- لا يجوز أن يخلو عصر عن قائم لله بحجته (٨) .
стр. 459
وقد بوب الخطيب البغدادي لهذه المسألة بقوله: «ذكر الرواية أن الله تعالى لا يخلي الوقت من فقيه أو متفقه» (١) . ومن الأدلة على ذلك قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (٢) .
وقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (٣) .
ومن المتفق عليه أن هذه الأمة معصومة عن إضاعة الحق أو جهل نص محتاج إليه، بالنسبة لجميع العلماء، أما بالنسبة لبعضهم فقد يخطئ العام، أو يجهل العالم النص (٤) .
فإذا ثبت أن الحق لا يمكن أن يضيع عن عامة الأمة، لزم أن يقوم بهذا الحق قائم واحد على الأقل.
٢- أن الخلاف في المسائل الاجتهادية فيه رحمة بالأمة، إذا التزم في هذا الخلاف بالشرع.
قال ابن تيمية: «والنزاع في الأحكام قد يكون رحمةً إذا لم يُفضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنف رجل كتابًا سماه كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمه كتاب السعة، وأن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] » (٥) .
٣- من الأحكام المترتبة على المسائل الاجتهادية (٦) :
стр. 460
أ- أنه لا يجوز الإنكار على المخالف، فضلاً عن تفسيقه أو تأثيمه أو تكفيره.
ب- أن سبيل الإنكار إنما يكون ببيان الحجة وأيضاًح المحجة.
جـ- أن المجتهد ليس له إلزام الناس باتباع قوله.
د- أن غير المجتهد يجوز له اتباعُ أحد القولين إذا تبينت له صحته، ثم يجوز له تركه إلى القول الآخر اتباعًا للدليل.
هـ- لا يصح للمجتهد أن يقطع بصواب قوله وخطأ من خالفه فيما إذا كانت المسألة محتملة.
و أن الخلاف في المسائل الاجتهادية لا يخرج المختلفين من دائرة الإيمان إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ﷺ .
ز- أن المجتهد يجب عليه اتباع ما أداه إليه اجتهاده، ولا يجوز له ترك ذلك إلا إذا تبين له خطأ ما ذهب إليه أولاً، فيصح أن يرد عن المجتهد قولان متناقضان في وقتين مختلفين لا في وقت واحد.
حـ- أن المجتهد في مسائل الاجتهاد بين الأجر والأجرين، وذلك إذا اتقى الله في اجتهاده.
ط- أن المسائل الاجتهادية ظنية في الغالب، بمعنى أنه لا يقطع فيها بصحة هذا القول أو خطئه، لكن قد توجد مسائل يسوغ فيها الاجتهاد وهي قطعية يقينية، يجزم فيها بالصواب، وذلك أن المجتهد قد يخالف الصواب دون تعمد، إما لتعارض الأدلة أو خفائها، فلا طعن على من خالف في مثل ذلك.
٤- إذا علم أن للمسائل الاجتهادية أحكامًا تخصها، لزم التفريق بين المسائل الاجتهادية والمسائل الخلافية.
إذ يجب الإنكار على المخالف في المسائل الخلافية غير الاجتهادية، كمن خالف في قولٍ يخالف سنة ثابتة، أو إجماعًا شائعًا.
وكذلك يجب الإنكار على العمل المخالف للسنة أو الإجماع بحسب
стр. 461
درجات إنكار المنكر (١) .
٥- ما مضى بيانه من الشروط اللازم توفرها في المجتهد، لا تشترط في العمل بالوحي، إذ العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ واجب على جميع المكلفين (٢) ، ولا يشترط في ذلك سوى شرط واحد، وهو العلم بحكم ما يُعمل به منهما (٣) .
٦- من أسباب الخلاف بين العلماء (٤) :
أ- ألا يكون الحديث قد بلغ الواحد منهم.
ب- أن يكون الحديث قد بلغه، لكنه لم يثبت عنده.
جـ- أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، لكن نسيه.
د- اعتقاده ألا دلالة في الآية أو الحديث.
هـ- اعتقاده أن دلالة النص صحيحة، لكنه يعتقد أن تلك الدلالة قد عارضها ما يدل على ضعف النص أو نسخه أو تأويله.
٧- من الأعذار التي تُلتمس للعلماء في اختلافاتهم:
أ- أنهم ليسوا معصومين، بل إن تطرق الخطأ لرأي العالم أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية؛ إذ كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ (٥) .
ب- تفاوت المدارك والأفهام، فإن إدراك الكلام وفهم وجوهه بحسب منح الله سبحانه ومواهبه (٦) .
стр. 462
جـ- أن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من هذه الأمة (١) .
د- أن ترك السنة ومخالفها لا يثبت عن أحد من العلماء إلا بسبب ولعذر، لما علم من عدالتهم وإمامتهم، وأنهم متفقون على وجوب اتباع السنة (٢) .
هـ- حصول بعض الانحرافات في نسبة المذاهب إلى أهلها. فمن ذلك: أن يكون هذا القول لم يقله الإمام وإنما هو قول لبعض المتأخرين من اتباعه، أو قاله الإمام وغلط بعض أصحابه فيه، أو قاله الإمام فزيد عليه أو أن يفهم من كلامه ما لم يرده، أو يجعل كلامه عامًا أو مطلقًا وليس كذلك، أو أن يكون عنه في المسألة اختلاف فيتمسكون بالقول المرجوح، أو أنه لم يقل مع كون لفظه محتملاً لما نُقل عنه، أو أنه قد قال وأخطأ (٣) .
****
стр. 463
المبحث الثاني: التقليد
وفي هذا المبحث أربع مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التقليد.
المسألة الثانية: حكم التقليد.
المسألة الثالثة: التمذهب.
المسألة الرابعة: تنبيهات.
стр. 464
المسألة الأولى: تعريف التقليد
التقليد لغة: جعل القلادة في العنق، والقلادة معروفة وهي ما تضعه المرأة في عنقها (١) .
واصطلاحًا: هو اتباع قول الغير من غير معرفة دليله (٢) .
ويمكن بيان هذا التعريف في الآتي (٣) :
١- أن التقليد هو الأخذ بقول الغير، أما الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع فلا يسمى تقليدًا وإنما هو اتباع، فيكون المراد من قول الغير اجتهاده.
٢- أن التقليد لا يكون إلا مع عدم معرفة الدليل، وهذا إنما يتأتى من العامي المقلد الجاهل الذي لا قدرة له ولا نظر له في الأدلة.
أما من له القدرة على النظر في الأدلة فإن أخذه بقول الغير إن تبين له صوابه لا يكون تقليدًا، بل هذا ترجيح واختيار، أما إن أخذ بقول الغير دون نظر في الأدلة مع كونه قادرًا على النظر فهو مقلد، ولا يعذر مع القدرة كما سيأتي.
٣- موضع التقليد هو موضع الاجتهاد، فما جاز فيه الاجتهاد من المسائل جاز فيه التقليد، وما حرم فيه الاجتهاد حرم فيه التقليد.
والمقلد تابع للمجتهد في اجتهاده، يلزمه تقليده، وليس له أن يرجح أو يصوب أو يخطئ؛ إذ لا قدرة له على ذلك، لذلك ساغ تسمية التقليد تقليدًا، فكأن المقلد وضع أمره وفوضه إلى المجتهد كالقلادة إذا جعلت في العنق.
стр. 465
المسألة الثانية: حكم التقليد
التقليد جملة جائز للعامة الذين لا قدرة لهم على النظر في الأدلة واستنباط الأحكام منها.
قال ابن عبد البر: «ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] ، وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه» (١) .
وقال ابن تيمية: «والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، ولا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد» (٢) .
أما حكم التقليد على وجه التفصيل فمنه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز (٣) .
أما التقليد الجائز فهو ما تحققت فيه الشروط الآتية:
١- أن يكون المقلد جاهلاً، عاجزًا عن معرفة حكم الله ورسوله ﷺ ، أما القادر على الاجتهاد فالصحيح أن يجوز له التقليد حيث عجز عن الاجتهاد إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له، فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب الاجتهاد وانتقل إلى بدله وهو التقليد (٤) .
٢- أن يقلد من عرف بالعلم والاجتهاد من أهل الدين والصلاح (٥) .
стр. 466
٣- ألا يتبين للمقلد الحق وألا يظهر له أن قول غير مقلده أرجح من قول مقلده، أما إن تبين له ذلك أو عرف الحق وفهم الدليل فإن التقليد والحالة كذلك لا يجوز بل الواجب عليه اتباع ما تبينت صحته (١) .
٤- ألا يكون في التقليد مخالفة واضحة للنصوص الشرعية أو لإجماع الأمة (٢) .
٥- ألا يلتزم المقلد مذهب إمام بعينه في كل المسائل، بل عليه أن يتحرى الحق، ويتبع الأقرب للصواب، ويتقي الله ما استطاع (٣) .
وعليه – في المقابل – ألا يتنقل بين المذاهب تتبعًا للرخص وبحثًا عن الأسهل على نفسه والأقرب لهواه (٤) .
وأما التقليد المذموم فهو أنواع، منها:
١- الإعراض عما أنزل الله، وعدم الالتفات إليه اكتفاءً بتقليد الآباء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] (٥) .
٢- تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] (٦) .
٣- تقليد قول من عارض قول الله ورسوله ﷺ ، كائنًا من كان ذلك المعارض، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] (٧) .
٤- التقليد بعد وضوح الحق ومعرفة الدليل (٨) .
стр. 467
٥- تقليد المجتهد القادر على الاجتهاد مع اتساع الوقت وعدم الحاجة (١) .
٦- تقليد مجتهدٍ واحدٍ بعينه في جميع اجتهاداته، وهذا ما سيأتي بيانه في المسألة الآتية.
المسألة الثالثة: التمذهب
وفي هذه المسألة أربعة أمور:
(الأمر الأول: الموقف من الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، رحمهم الله تعالى .
قال الشيخ الشنقيطي: «اعلم أن موقفنا من الأئمة ﵏، من الأربعة وغيرهم هو موقف سائر المسلمين المنصفين منهم، وهو موالاتهم ومحبتهم، وتعظيمهم وإجلالهم، والثناء عليهم بما هم عليه من العلم والتقوى، واتباعهم في العمل بالكتاب والسنة وتقديمهما على رأيهم، وتعلم أقوالهم للاستعانة بها على الحق، وترك ما خالف الكتاب والسنة منها.
أما المسائل التي لا نص فيها، فالصواب النظر في اجتهادهم فيها، وقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا؛ لأنهم أكثر علمًا وتقوى منا، ولكن علينا أن ننظر ونحتاط لأنفسنا في أقرب الأقوال إلى رضي الله وأحوطها وأبعدها من الاشتباه، كما قال ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢) ، وقال: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» (٣) .
стр. 468
وحقيقة القول الفصل في الأئمة ﵏ أنهم من خيار علماء المسلمين، وأنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فكل ما أصابوا فيه فلهم فيه أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وما أخطئوا فيه فهم مأجورون فيه باجتهادهم، معذورون في خطئهم، فهم مأجورون على كل حال، لا يلحقهم ذم ولا عيب ولا نقص في ذلك.
ولكن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ حاكمان عليهم وعلى أقوالهم كما لا يخفي:
فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
فلا تك ممن يذمهم وينتقصهم، ولا ممن يعتقد أقوالهم مغنية عن كتاب الله وسنة رسوله أو مقدمة عليهما» (١) .
والمقصود أنه لا بد من الجمع بين أمرين عظيمين، أحدهما أعظم من الآخر (٢) :
(الأمر الأول: هو النصيحة لله ولرسوله ﷺ ولكتابه ولدينه، وتنزيه هذا الدين عن الأقوال الباطلة.
(والأمر الثاني: هو معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم، وحقوقهم، ومراتبهم.
فالنصيحة لدين الله توجب رد بعض أقوالهم، وترك جملة من اجتهاداهم، وليس في ذلك تنقص لهم ولا إهدار لمكانتهم.
وكذلك فإن معرفة فضل الأئمة لا يوجب قبول كل ما قالوه.
فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما:
الطرف الأول: القول بعصمة الأئمة وأنهم لا يخطئون، وقبول جميع أقوالهم، ولو خالفت الحق.
الطرف الثاني: تأثيم الأئمة والوقيعة بهم، وإهدار جميع أقوالهم ولو وافقت الحق.
стр. 469
قال ابن القيم بعد أن قرر ما مضى:
«ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله.
ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين» (١) .
(الأمر الثاني: حكم التزام مذهب معين من المذاهب الفقهية المعروفة.
قال ابن القيم: «وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: لا يلزمه. وهو الصواب المقطوع به؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة، مبرأ أهلها من هذه النسبة» (٢) .
فتبين بذلك أن التزام مذهب معين لا يجوز، هذا هو الأصل.
إلا أن هذا ليس على إطلاقه، بل قد يجوز التزام مذهب معين في أحوال معينة، منها:
١- إذا لم يستطع العبد أن يتعلم دينه إلا بالتزام مذهب معين (٣) .
٢- أن يترتب على التزام مذهب معين دفُع فسادٍ عظيمٍ لا يتحقق دفعه إلا بذلك (٤) .
وعلى كل فالضابط لجواز التزام مذهب معين النظر في المصالح والمفاسد، فإن كان في الالتزام بمذهبٍ معينٍ تحقيق لمصالح عظمى جاز ذلك.
стр. 470
وهذا الجواز أيضاً لا بد فيه من ضوابط، بيانها على النحو الآتي:
(الأمر الثالث: ضوابط جواز الالتزام بمذهب معين.
إذا جاز الالتزام بمذهب معين فلا بد أن يراعى في ذلك ما مضى من شروط جواز التقليد (١) ، إضافة إلى الآتي:
(الضابط الأول: ألا يكون هذا الالتزام سبيلاً لاتخاذ هذا المذهب دعوة يُدعى إليها، ويوالي ويعادي عليها، مما يؤدي إلى الخروج عن جماعة المسلمين وتفريق وحدة صفهم.
فإن أهل البدع هم الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يدعون إليه ويوالون به ويعادون عليه.
أما أهل السنة فإنهم لا يدعون إلا إلى اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما اتفقت عليه الأمة، فهذه أصول معصومة، دون ما سواها.
والمقصود أن أهل الإيمان لا يخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان، كما علم ذلك من تنازع الصحابة ﵃ في كثير من مسائل الأحكام (٢) .
(الضابط الثاني: ألا يعتقد أنه يجب على جميع الناس اتباعُ واحدٍ بعينه من الأئمة دون الإمام الآخر، وأن قوله هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول من خالفه، فمن اعتقد هذا كان جاهلاً ضالاً.
بل غاية ما يقال: إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على العام أن يقلد واحدًا لا بعينه، من غير تعيين زيد ولا عمرو (٣) .
(الضابط الثالث: أن يعتقد أن هذا الإمام الذي التزم مذهبه ليس له من الطاعة إلا لأنه مبلغ عن الله دينه وشرعه، وإنما تجب الطاعة المطلقة العامة لله ولرسوله ﷺ فلا يجوز أن يأخذ بقولٍ أو يعتقده؛ لكونه قول إمامه، بل لأجل
стр. 471
أن ذلك مما أمر الله به ورسوله ﷺ (١) .
(الضابط الرابع: أن يحترز من الوقوع في شيء من المحاذير التي وقع فيها بعض المتمذهبين، ومن ذلك:
الأمر الرابع: التنبيه على محاذير وقع فيها بعض المنتسبين للمذاهب .
? المحذور الأول: التعصب والتفرق، ووقوع الفتن بين أهل المذاهب.
ومعلوم أن الاعتصام بالجماعة والائتلاف أصل من أصول الدين، والمسائل المتنازع عليها بين هذه المذاهب من الفروع، فكيف يقدح الأصلُ بحفظ الفرع!
وقد حصل بسبب ذلك تسلطُ الأعداء على المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢) .
? المحذور الثاني: الإعراض عن الوحي، وعدم الانتفاع بنصوص الكتاب والسنة، والاستغناء عنه بأقوال الرجال، ووزن ما جاء به الكتاب والسنة على رأي المتبوعين (٣) .
? المحذور الثالث: الانتصار للمذاهب بالأحاديث الضعيفة والآراء الفاسدة، وترك ما صح وثبت من الأحاديث النبوية (٤) .
? المحذور الرابع: تنزيل الإمام المتبوع في أتباعه منزلة النبي ﷺ في أمته، وذلك إذا التزم هؤلاء الأتباعُ قول إمامهم في كل ما قال.
قال ابن تيمية: «أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله، من غير ذكر دليل يدل على صحة ما يقول فليس بصحيح، بل هذه المرتبة هي مرتبة الرسول التي لا تصلح إلا له» (٥) .
وقال أيضاً: «وهذا تبديل للدين، يشبه ما عاب الله به النصارى في
стр. 472
قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . والله أعلم، والحمد لله وحده» (١) .
المسألة الرابعة: تنبيهات
١- اتباع الوحي، والعمل بالنصوص، والأخذ بالأدلة الشرعية، أصل عظيم من أصول هذا الدين.
بل إنه مقتضى توحيد الله والإيمان به.
قال شارح الطحاوية: «.........فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره» (٢) .
والأدلة على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة لا تكاد تحصر.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] . وقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .
وقوله: [فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [النساء: ٥٩] .
وقد صنف أئمة السلف كتبًا في هذا الأصل العظيم، وعقدوا أبوابًا.
فمن ذلك كتاب "الطاعة" للإمام أحمد (٣) ، وكتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» للإمام البخاري وهو جزء من صحيحه (٤) ، وغير ذلك (٥) .
стр. 473
٢- لا بد من التفريق بين الاتباع والتقليد.
ذلك أن الاتباع هو اتباع الدليل والعمل بالوحي، فقد سمى الله العمل بالوحي اتباعًا في مواضع كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] ، ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] ، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] .
فمحمل الاتباع إذن هو كل حكم ظهر دليله من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
أما محل التقليد فهو محل الاجتهاد، فلا اجتهاد ولا تقليد في نصوص الوحي الصحيحة، الواضحة الدلالة، السالمة من المعارض (١) .
ولا يشترط في الاتباع والعمل بالوحي سوى العلم بما يعمل، ولا يتوقف ذلك على تحصيل شروط الاجتهاد، كما تقدم التنبيه على ذلك (٢) .
٣-الصحيح أن إيمان المقلد معتبر، ولا يشترط في الإيمان النظر والاستدلال (٣) .
فإن الصحابة ﵃ فتحوا البلاد وقبلوا إيمان العجم والأعراب والعوام وإن كان تحت السيف أو تبعًا لكبير منهم أسلم، ولم يأمروا أحدًا منهم بترديد نظرً، ولا سألوه عن دليل تصديقه، ولا أرجئوا أمره حتى ينظر.
ولأنه يجب على كل أحدٍ أن يؤمن بما جاء به الرسول ﷺ إيمانًا عامًا مجملاً، أما معرفة ذلك على وجه التفصيل فهو فرض كفاية على المؤمنين.
وما يجب على أعيانهم فهو يتنوع بتنوع قدرهم، وحاجتهم، ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك.
стр. 474
فالمقصود أن ذلك مشروط بالاستطاعة والقدرة.
قال شارح الطحاوية: «ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة ألا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم.
بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك» (١) .
٤- ثبت عن الأئمة الأربعة وغيرهم النهي عن تقليدهم.
قال ابن تيمية: «واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ، ولهذا قال غير واحد من الأئمة: «كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ » .
وهؤلاء الأئمة الأربعة ﵃ قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب عليهم.
فقال أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه،.......ومالك كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلامًا هذا معناه. والشافعي كان يقول: إذ صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي.....، والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكًا، ولا الشافعي، ولا الثوري (٢) ، وتعلموا كما تعلمنا.
وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال.
وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا» (٣) .
стр. 475
٥- من الأعذار الواهية التي يعتذر بها المقلدون في تقليدهم (١) :
أ- ظنهم أن الإمام الذي قلدوه لا بد أن يكون قد اطلع على جميع معاني الكتاب والسنة ولم يفته من ذلك شيء.
ب- ظنهم أن الإمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ كان لهم من العذر في الخطأ والأجر مثل ما لذلك الإمام.
جـ- قولهم: إن هؤلاء الأئمة أعلم فاجتهادهم أولى من اجتهادنا.
والجواب عن هذه الأعذار – على الترتيب – أن يقال:
أ- إن الأئمة كلهم معترفون بأنهم لم يحيطوا بجميع نصوص الوحي، وكثرة علم العالم لا تستلزم اطلاعه على جميع النصوص.
ثم إن الإمام قد يطلع على الحديث ولكن يكون السند الذي بلغه به ضعيفًا، فيتركه، وقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه، والواقع أن الحديث أرجح، فالحاصل أن ظن الإحاطة بجميع النصوص ليس صحيحًا قطعًا (٢) .
ب- أن الإمام الذي قلدوه قد بذل جهده وعمل ما يجب عليه فهو جدير بالعذر إن أخطأ في اجتهاده.
أما المقلدون فقد تركوا النظر في الكتاب والسنة وأعرضوا عن تعلمهما، ونزلوا أقوال الرجال منزلة الوحي المنزل من عند الله.
فهذا الفرق العظيم بين الإمام وبين مقلديه يدل دلالة واضحة على أنهم ليسوا مأجورين في الخطأ كحال الإمام، إذ إن هؤلاء المقلدين قد فرطوا وقصروا وأعرضوا.
جـ- أن العلماء إما أن يتفقوا فاتفاقهم على حكم حجة، وهو الحق الذي يجب اتباعه، وإما أن يختلفوا، فما الحجة في تقليد بعضهم دون بعض، وكلهم عالم، فلعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه.
стр. 476
فإن قال: قلدتُه لأن قوله هو الصواب، طولب بالدليل وكان هذا إبطالاً للتقليد.
وإن قال: قلدتُه لأنه أعلم الناس، قيل له: فهو إذن أعلم من الصحابة، وكفى بقولٍ مثل هذا قبحًا.
٦- نقل ابنُ عبد البر الإجماع على المنع من تتبع الرخص ، والأخذ بما يوافق الهوى والغرض من أقوال العلماء (١) .
وقال ابن القيم: «وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر، والله المستعان» (٢) .
ذلك أنه لا أحد من العلماء يقول بإباحة جميع الرخص، فإن القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى في المذهب الآخر.
٧- صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ، لأنه ليس معصومًا، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، وهذا من أقوى الأدلة على فساد التقليد (٣) .
قال ابن القيم: «والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبين زلة العالم، ليبينوا بذلك فساد التقليد» (٤) .
****
стр. 477
المبحث الثالث
الفتوى
وفي هذا المبحث سبع مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الفتوى.
المسألة الثانية: أهمية منصب الفتوى وخطورته.
المسألة الثالثة: حكم الفتوى.
المسألة الرابعة: أنواع الفتاوى.
المسألة الخامسة: شروط المفتي وصفاته وآدابه.
المسألة السادسة: آداب المستفتي.
المسألة السابعة: تنبيهات.
стр. 478
المسألة الأولى: تعريف الفتوى
الفتوى والفتيا لغة: بيان الحكم (١) .
واصطلاحًا: بيان الحكم الشرعي (٢) .
وهذا التعريف شامل لما أخبر به المفتي مما نص عليه الكتابُ والسنةُ، أو أجمعت عليه الأمة، ولما استنبطه وفهمه باجتهاده (٣) .
المسألة الثانية: أهمية منصب الفتوى وخطورته
ويمكن أيضاًح ذلك فيما يأتي:
١- أن المفتي موقع عن رب العالمين.
قال ابن القيم: «وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟
فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧] ، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة» (٤) .
٢- أن المفتي من شأنه إصدار الفتاوى في ساعته بما يحضره من
стр. 479
القول، فلا يتهيأ له من الصواب ما يتهيأ لمن أطال النظر وتثبت كالقاضي (١) .
٣- أن فتوى المفتي - وإن لم تكن ملزمة - حكم عام يتعلق بالمستفتي وبغيره، فالمفتي يحكم حكمًا عامًا كليًا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، بخلاف القاضي فإن حكمه جزئي خاص على شخصٍ معينٍ لا يتعداه إلى غيره (٢) .
المسألة الثالثة: حكم الفتوى (٣)
لما كان حكم الفتوى مما تتطرق إليه الأحكام التكليفية الخمسة حسن توضيح ذلك فيما يأتي:
أ- حكم الإفتاء في الأصل جائز فقد ثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يفتون الناس، فمنهم المكثر في ذلك والمقل، وكذلك كان في التابعين وتابعيهم ومن بعدهم (٤) .
فلا بد للناس من علماء يسألونهم، ومفتين يستفتونهم.
قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] .
وقال ﷺ : «ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال» (٥) .
стр. 480
ب- وقد يكون الإفتاء واجبًا. وذلك إذا كان المفتي أهلاً للإفتاء، وكانت الحاجة قائمة، ولم يوجد مفتٍ سواه، فيلزمه والحالة كذلك فتوى من استفتاه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
وقال ﷺ : «من سئل من علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» (١) .
جـ- وقد يكون الإفتاء مستحبًا إذا كان المفتي أهلاً، وكان في البلد غيره، ولم تكن هنالك حاجة قائمة (٢) .
د- وقد يحرم على المفتي الإفتاء. وذلك إذا لم يكن عالمًا بالحكم، لئلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
فجعل الله القول عليه بلا علم من المحرمات التي لا تباح بحال، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر (٣) .
وكذلك يحرم الإفتاء فيما إذا عرف المفتي الحق؛ فلا يجوز له أن يفتي بغيره، فإن من أخبر عما يعلم خلافه فهو كاذب على الله عمدًا، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] . والكاذب على الله أعظم جرمًا ممن أفتى بغير علم (٤) .
هـ- ويكره للمفتي أن يفتي في حال غضب شديد، أو جوعٍ مفرطٍ، أو
стр. 481
هم مقلق، أو خوفٍ مزعج، أو نعاسٍ غالبٍ، أو شغلِ قلبٍ مستولٍ عليه، أو حالِ مدافعةِ الأخبثين.
بل متى أحس من نفسه شيئًا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى (١) .
و وعلى كل، فالضابط لحكم الإفتاء النظر إلى المصالح والمفاسد.
قال ابن القيم: «.....هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. وقد أمسك النبي ﷺ عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام (٢) وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول فيه.
وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه، وخاف المسئول أن يكون فتنة له، أمسك عن جوابه» (٣) .
وفي المسألة الآتية (أنواع الفتاوى) بيان لبعض الأحكام المتعلقة بالفتوى مما يتصل بالنظر إلى المصلحة والمفسدة.
المسألة الرابعة: أنواع الفتاوى
(أولاً: بالنسبة لقصد السائل فإن الأسئلة تتنوع إلى أنواع، وبحسبها تكون الفتوى: فقد يرد السؤال عن حكم الله ورسوله ﷺ ، وقد يرد السؤال عن قول إمام بعينه، وقد يرد السؤال عما ترجح لدى المفتي.
والواجب على المفتي أن يُجيب السائل عما سألَ.
ففي القسم الأول عليه أن يبين حكم الله ورسوله ﷺ إذا عرفه، لا يسعه غير ذلك.
стр. 482
وفي القسم الثاني له أن يخبر عن قول ذلك الإمام، لكن عليه أن يتثبت وألا ينسب القول إلى ذلك الإمام إلا إذا علم يقينًا أنه قوله ومذهبه.
وفي القسم الثالث له أن يخبر بما عنده مما يغلب على ظنه أنه الصواب بعد بذل الجهد والنظر.
قال ابن القيم بعد أن ذكر الأقسام الماضية:
«فلينزل المفتي نفسه في منزلة من هذه المنازل الثلاث، وليقم بواجبها، فإن الدين دين الله، والله سبحانه ولا بد سائله عن كل ما أفتى به، وهو موقره عليه، ومحاسب ولا بد. والله المستعان» (١) .
(ثانيًا: بالنسبة لوقوع الحادثة أو عدم وقوعها تتنوع الفتاوى إلى ما يأتي (٢) :
١- أن يسأل المستفتي عما وقع له وهو محتاج إلى السؤال وقد حضره وقت العمل فيجب على المفتي - إن لم يوجد غيره - المبادرة إلى جوابه على الفور، ولا يجوز تأخير بيان الحكم عن وقت الحاجة.
٢- أن يسأل عن الحادثة قبل وقوعها له، فهذه لا تخلو من ثلاث حالات:
أ- أن يكون في المسألة نص من كتاب أو سنة أو إجماع، فيجوز للمفتي ولا يجب عليه بيان الحكم، وذلك بحسب الإمكان.
ب- أن تكون الحادثة بعيدة الوقوع أو غير ممكنة الوقوع، وإنما هي من المقدرات، فيكره للمفتي الكلام فيها؛ لأن السلف كانوا يكرهون الكلام عما لم يقع، ولأن الفتوى بالرأي إنما تجوز للضرورة وليست هناك ضرورة.
جـ- أن تكون الحادثة غير نادرة الوقوع، وغرض السائل الإحاطة بعلمها، ليكون على بصيرة إذا وقعت، فيستحب للمفتي الجواب بما يعلم إن رأى المصلحة في ذلك.
стр. 483
المسألة الخامسة: شروط المفتي وصفته وآدابه
(أولاً: شروط المفتي (١) :
أ- أن يكون عالمًا، قد توفرت فيه شروط الاجتهاد السابق ذكرها (٢) .
ب- أن يكون عدلاً، متصفًا بالصدق والأمانة (٣) .
قال ابن القيم: «ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتية إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما يبلغ، صادقًا فيه.
ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله» (٤) .
(ثانيًا: صفات المفتي:
للمفتي خصال لا بد أن يتحلى بها في نفسه وفي سائر حاله.
قال الإمام أحمد: «لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.
الثانية: أن يكون له علم، وحلم، ووقار، وسكينة.
الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه، وعلى معرفته.
الرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس.
الخامسة: معرفة الناس» (٥) .
стр. 484
قال ابن القيم: «فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه» (١) .
(ثالثًا: آداب المفتي:
للمفتي آداب ينبغي أن يتحلى بها قبل إصداره الفتوى، وأثناء الفتوى، وبعدها، فمن ذلك:
١- ألا يفتي في مسألة يكفيه غيره إياها، فقد كان السلف ﵃ يتدافعون الفتوى، ويتورعون عن الإفتاء، ويود أحدهم أن يكفيه الجواب غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل جهده في معرفة حكمها مستعينًا بالله تعالى (٢) .
٢- ألا يتسرع في إصدار الفتوى إن تعينت عليه، بل عليه أن يتأمل وينظر، ولا يبادر إلى الجواب إلا بعد استفراغ الوسع، وبذل الجهد، وحصول الاطمئنان (٣) . لذلك كان على المفتي:
٣- أن يستشير من يثق بدينه وعلمه، ولا يستقل بالجواب ذهابًا بنفسه وارتفاعًا بها، فقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وأثنى على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم.
هذا إذا لم يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر السائل أو تعريضه للأذى، أو مفسدة لبعض الحاضرين (٤) . لذلك فإن على المفتي:
٤- أن يحفظ أسرار الناس، وأن يستر ما اطلع عليه من عوراتهم (٥) .
٥- إذا اعتدل عند المفتي قولان أو لم يعرف الحق منهما فلم يتبين له الراجح من القولين فالأظهر أنه يتوقف ولا يفتي بشيء (٦) .
стр. 485
٦- للمفتي أن يدل المستفتي على عالم غيره، لكن على المفتي أن يتقي الله ويرشده إلى رجل سُنة، فإنه إما أن يكون معينًا على البر والتقوى، أو على الإثم والعدوان (١) .
وهذه الدلالة وذلك التوقف إنما يجوز بالتفصيل الآتي:
٧- إذا كانت الفتوى مخالفة لغرض السائل فإن على المفتي أن يفتي بالحق الذي يعتقده، ولا يسعه أن يتوقف في الإفتاء به إذا خالف غرض السائل؛ فإن ذلك إثم عظيم، وكيف يسعه من الله أن يقدم غرض السائل على الله ورسوله ﷺ ، ولا يجوز له أيضاً أن يدله على مفتٍ أو مذهبٍ يكون غرضه عنده (٢) .
٨- ذكر الدليل والتعليل، فإن جمال الفتوى وروحها هو الدليل، وقول المفتي إذا ذكر معه الدليل حجة يحرم على المستفتي مخالفتها، ويبرئ المفتي من عهدة الإفتاء بلا علم، ومن تأمل فتاوى النبي ﷺ الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم، ونظيره، ووجه مشروعيته.
ومن ذلك: نهيه عن الخذف (٣) ، وتعليل ذلك بأنه: «يفقأ العين ويكسر السن» (٤) .
وكذلك أحكام القرآن فإن الله يرشد إلى مداركها وعللها، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٥) .
٩- التوطئة للحكم إذا كان مستغربًا لم تألفه النفوس بما يؤذن به ويدل عليه، ويقدم بين يديه مقدمات تؤنس به (٦) .
١٠- الإرشاد إلى البديل المناسب، فإن من فقه المفتي ونصحه إذا منع
стр. 486
المستفتي مما يحتاجه أن يدله على ما هو عوض له منه، فإذا سد عليه باب المحظور فتح له باب المباح، فمتى وجد المفتي للسائل مخرجًا مشروعًا أرشده إليه ونبهه عليه، كما قال تعالى لأيوب ﵊ لما حلف أن يضرب زوجته مائة: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] (١) .
١١- ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإن النص يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان.
وقد كان الصحابة ﵃ إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل رسول الله ﷺ كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلاً (٢) .
ويحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص (٣) ، بل عليه أن يتبع النص ولو خالف مذهبه، وبيان ذلك:
١٢- يجب على المفتي أن يفتي بالحق ولو خالف مذهبه (٤) . وعليه أن يجعل مذهبه ثلاثة أقسام (٥) :
أ- قسم، الحق فيه ظاهر، بين، موافق للكتاب والسنة، فهذا يفتي به مع طيب نفس وانشراح صدر.
ب- قسم، مرجوحٌ ومخالفه معه الدليل، فهذا لا يفتي به.
جـ- قسمٌ، من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فهذا قد يفتي به وقد لا يفتي، حسب النظر.
١٣- ينبغي على المفتي أن يبين للسائل الجواب بيانًا مزيلاً للإشكال، متضمناً لفصل الخطاب، كافيًا في حصول المقصود، لا يحتاج معه إلى غيره، ولا يوقع السائل في الحيرة والإشكال.
стр. 487
ولا يكون كالمفتي الذي سُئل عن مسألة في المواريث فقال: يُقسم بين الورثة على فرائض الله . وسئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان، ولم يزد.
وهذا حيد عن الفتوى، إلا أن المفتي المتمكن من العلم المضطلع به قد يتوقف في المسألة المتنازع فيها فلا يقدم على الجزم بغير علم، وغاية ما يمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل (١) .
وهذا كثير في أجوبة الإمام الشافعي وأحمد، فلا بأس من الجواب بذكر الخلاف إن كان المفتي متوقفًا (٢) .
١٤- ينبغي للمفتي إذا كان السؤال محتملاً استفصالُ السائل، وعدم إطلاق الجواب إلا إذا علم أنه أراد نوعًا من تلك الأنواع الممكنة في المسألة.
فمتى دعت الحاجة إلى الاستفصال استفصل، ومتى كان الاستفصال لا يحتاج إليه تركه.
فإذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانع الإرث؛ فيقول: بشرط ألا يكون كافرًا، ولا رقيقًا، ولا قاتلاً.
وإذا سئل عن فريضة فيها أخ وجب عليه أن يقول: إن كان لأب فله كذا، وإن كان لأم فله كذا (٣) .
١٥- ينبغي للمفتي أن ينبه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم على خلاف الصواب، كقوله ﷺ : «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (٤) . فإن نهيه عن الجلوس فيه نوع تعظيمٍ لها، لذا عقبه بالنهي عن المبالغة في تعظيمها حتى تجعل قبلة (٥) .
١٦- لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله ﷺ بأنه أحل كذا أو حرمه، إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله ﷺ على حله أو
стр. 488
تحريمه، والأولى أن يقول: نكره كذا، نرى هذا حسنًا، ينبغي هذا، لا نرى هذا، ونحو ذلك مما نقل عن السلف في فتاواهم (١) .
١٧- ينبغي للمفتي إذا نزلت به المسألة أن يتوجه إلى الله بصدقٍ وإخلاصٍ أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه في المسألة، فإذا استفرغ وسعه في التعرف على الحكم فإن ظفر به أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله.
فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أن تضعفه.
ومما يجدر الدعاء به (٢) :
ما ورد في الحديث الصحيح: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٣) . وكان بعض السلف يقرأ الفاتحة.
وكان بعضهم يقول عند الإفتاء: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] .
وبعضهم يقول: «يا معلم إبراهيم علمني» .
وبعضهم يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» .
وبعضهم يقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٥ – ٢٨] .
١٨- يجوز للمفتي بل يجب عليه أن يغير فتواه إذا تبين له أنها خطأ، ولأجل هذا خرج عن بعض الأئمة في المسألة قولان فأكثر، وهذا لا يقدح في علم المفتي ولا في دينه، بل هو دليل على تقواه وسعة علمه.
стр. 489
ولا يجب عليه والحالة كذلك أن يخبر المستفتي إن كان قد عمل بالفتوى الأولى، إلا إن ظهر للمفتي الخطأ قطعًا لكونه خالف نصًا لا معارض له أو إجماع الأمة، فعليه إعلام المستفتي في هذه الحالة (١) .
المسألة السادسة: آداب المستفتي
١- على المستفتي أن يجتهد في البحث عن المفتي الأعلم والأدين؛ لأنه المستطاع من تقوى الله المأمور به كل أحد (٢) .
٢- ينبغي للمستفتي أن يلزم الأدب مع المفتي وأن يوقره ويُجلَّه (٣) .
٣- لا يجوز للمستفتي العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه إليها، وكان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه به، ولم تخلصه فتوى المفتي من الله كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال ﷺ : «فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها» (٤) . وعلى المستفتي أن يسأل ثانيًا وثالثًا حتى تحصل له الطمأنينة إذا كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي؛ كأن يعلم المستفتي جهل المفتي ومحاباته في فتواه، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها، فإن لم يجد من يسأله فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والواجب تقوى الله قدر الاستطاعة (٥) .
٤- إذا استفتى المستفتي عن حكم حادثة فأفتاه المفتي وعمل بفتواه، ثم
стр. 490
وقعت له ثانية فالأحوط للمستفتي أن يستفتي مرة ثانية، لاحتمال أن يكون المفتي قد غير اجتهاده، ولاحتمال طروء بعض ما يغير حكم الحادثة، فيظن المستفتي أن الحادثة هي هي وأن حكمها لم يتغير، والواقع أنهما حادثتان مختلفتان وأن لكل منهما حكمًا يخصها (١) .
٥- لا ينبغي للمستفتي أن يسال عما يبعد وقوعه أو لا يمكن وقوعه (٢) ، لقوله ﷺ : «من حسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٣) .
المسألة السابعة: تنبيهات
١- باب الفتوى له صلة قوية بباب الاجتهاد والتقليد، بل إن الفتوى فرع عن الاجتهاد والتقليد، إذ المفتي هو المجتهد، والمستفتي هو المقلد، لذا فإن كثيرًا من مباحث الفتوى يرجع فيها إلى ما تقدم من مباحث الاجتهاد والتقليد.
فمن ذلك:
٢- أنواع المفتين كأنواع المجتهدين: فبعضهم مجتهد مطلق وبعضهم مقيد، وبعضهم مجتهد في جميع المسائل، وبعضهم في مسألة أو باب معين، على ما مضى في أقسام الاجتهاد (٤) ، ولا يجوز للمفتي أن يتجاوز مرتبته.
٣- يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له؛ لأن الإفتاء حكمه عام يجري مجرى الرواية لا مجرى الشهادة (٥) .
٤- لا يجوز للمفتي أن يأخذ أجرة على فتواه من أعيان من يفتيهم،
стр. 491
ويجوز له أن يأخذ من بيت المال ما يغنيه إن احتاج لذلك.
وأما الهدية فإن كانت بغير سبب الفتوى جاز قبولها، والأولى أن يكافئ عليها، وإن كانت بسبب الفتوى كره قبولها لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء.
ويحرم قبول الهدية إن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره (١) .
٥- يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه؛ لأن الأقوال لا تموت بموت قائليها، وهذا ما عليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض، فإن خير ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات (٢) .
٦- لا يجوز للمستفتي تتبع الرخص، والتخير بين أقوال المفتين بالرأي المجرد والتشهي، بل عليه أن يرجح قدر استطاعته القول الأقرب للصواب في نظره (٣) .
وإذا كان تتبع الرخص لا يجوز للمستفتي، فعلى المفتي ألا يُعينه على ذلك إلا إنْ عَلِمَ منه حُسْنَ القصد فله أن يدله على حيلةٍ جائزةٍ لا شبهة فيها (٤) .
****
стр. 492
في خاتمة هذا الكتاب أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرحمني، وأن يعفو عني، وأن يتجاوز عما وقع في هذا الكتاب من خطأ أو غفلة، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .
وأسأله سبحانه أن يكتب هذا العمل في ميزان حسناتي وأن يجعله عملاً صالحًا مقبولاً.
وأسأله جل شأنه أن يغفر لي ولوالدي ولعلماء هذه الأمة أجمعين، ولا سيما أولئك الأئمة الأعلام الذين نقلت عنهم وأفدت منهم في هذا الكتاب.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ثم إن هذه الخاتمة تتضمن أمرين:
الأول: النتائج.
الثاني: التوصيات.
стр. 493
النتائج
في هذا المقام تحسن الإشارة إلى أهم النتائج المستفادة من هذا البحث وعددها أربع:
وبيانها على النحو الآتي:
أولاً: أن لأهل السنة والجماعة منهجًا واضحًا في أصول الفقه.
ومعالم هذا المنهج: سلامة المنطلق، وقوة المستند، وشمول النظر، ووضوح الفكرة.
(لقد امتاز هذا المنهج أولاً: بسلامة المنطلق؛ إذ بُني على إجماع السلف الصالح، وانطلق من عقيدتهم في أبواب الإيمان والتوحيد.
(وامتاز ثانيًا: بقوة المستند؛ إذ استند هذا المنهجُ في تقرير القواعد وإقامة الشواهد على نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، وما صح من الآثار المروية عن خير القرون من الصحابة والتابعين. واستند أيضاً إلى الفهم والاستنباط، وإعمال الرأي واستخدام العقل في حدود الشرع، كما استند أيضاً إلى قواعد اللغة العربية واستعمالاتها.
(وامتاز ثالثًا: بشمول النظرة؛ إذ اجتمع في هذا المنهج الالتفات إلى هذه الشريعة الغراء في مقاصدها العامة، وقواعدها الكلية، وفي أحكامها الفرعية، وتفاصيلها الجزئية (١) .
стр. 494
(وامتاز رابعًا: بوضوح الفكرة؛ فقد اتصف هذا المنهج بالخلو من التعقيد والإشكال، والسمو عن التناقض والاضطراب.
ثانيًا: أن لمنهج أهل السنة والجماعة في علم أصول الفقه أئمة ورجالاً.
فمن أبرز أعلام هذا المنهج:
١- الإمام الشافعي.
٢- أبو المظفر السمعاني.
٣- ابن قدامة المقدسي.
٤- شيخ الإسلام ابن تيمية.
٥- ابن قيم الجوزية.
٦- ابن النجار الفتوحي.
٧- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
ثالثًا: أن للمعتقد أثرًا بليغًا في أصول الفقه.
يظهر هذا الأثر جليًا في المسائل المشهورة، وذلك كالقول بأن الأمر لا صيغة له بناءً على إثبات الكلام النفسي الباطل، ومذهب أهل السنة أن للأمر صيغة تخصه بناءً على إثبات اللفظ والمعنى في كلام الله سبحانه، ونفي الكلام النفسي الباطل، ولكن هذا الأثر يكون خفيًا في مسائل أخرى، وهي تلك المسائل التي حصل الاتفاق فيها بين أهل السنة وبعض مخالفيهم في ظاهر المذهب مع الاختلاف في المأخذ، وذلك في مواجهة من خالف الفريقين في المذهب والمأخذ معًا، وذلك مثل مسألة النسخ قبل التمكن: إذ اتفق رأي أهل السنة ورأي الأشاعرة في القول بالجواز، وخالف في ذلك المعتزلة فقالوا بالمنع.
والحقيقة أن رأي الأشاعرة وإن كان موافقًا في الظاهر لرأي أهل السنة إلا أنهما مختلفان في المأخذ:
فأهل السنة قالوا بالجواز بناءً على إثبات الحكمة والتعليل في أفعاله ، وأن الحكمة قد تكون الابتلاء والتمحيص.
أما الأِشاعرة فقد قالوا بالجواز بناءً على إنكار الحكمة والتعليل في أفعال
стр. 495
الله سبحانه، واستواء هذه الأفعال بالنسبة للأمر والنهي.
وأما المعتزلة فقد قالوا بالمنع بناءً على أصل عقدي باطل، وهو إثبات التحسين والتقبيح العقليين وترتيب الثواب والعقاب عليهما.
والمقصود: أن الأثر العقدي تارة يكون جليًا، كالقول بأن الأمر لا صيغة له، وكمنع المعتزلة من النسخ قبل التمكن، وتارة يكون هذا الأثر خفيًا كتجويز الأشاعرة النسخ قبل التمكن.
رابعًا: أن تاريخ علم أصول الفقه بحاجة إلى مزيد من الدراسة.
ذلك أن الكتابة في تاريخ هذا العلم قاصرة على تقسيم جهود الأصوليين إلى ثلاث طرق: طريقة المتكلمين، وطريقة الفقهاء، وطريقة المتأخرين أو الجمع بين الطريقتين.
والواقع: أن هذا التقسيم – وإن كان صحيحًا – قاصر على اعتبار واحد، وهو النظر إلى منهج الكتابة وطريقة التأليف. وهناك اعتبارات أخرى لم يلتفت إليها.
وذلك مثل: اعتبار العقيدة فهناك كتب للأشاعرة، وأخرى للمعتزلة، وأخرى للماتريدية، وأخرى للشيعة، وهناك كتب لأهل السنة والجماعة.
ومثل اعتبار المذاهب الفقهية: فهناك كتب أصولية على المذهب الحنفي، وعلى المذهب المالكي، وعلى المذهب الشافعي، وعلى المذهب الحنبلي، وعلى المذهب الظاهري.
ومثل اعتبار التوسع والاختصار: فهناك متون مختصرة، وهناك شروح وحواشٍ، وهناك كتب مطولة.
ومثل اعتبار شمول هذه المؤلفات لمباحث هذا العلم أو الاقتصار على بعضها: فهناك مؤلفات أصولية شاملة لجملة مباحث علم الأصول، وهناك مؤلفات خاصة ببعض المباحث، مثل كتاب: «تنقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم» للعلائي.